غاز شرق المتوسط... ساحة لصراع دولي (2)

تاريخ الإضافة السبت 26 أيلول 2020 - 5:14 ص    عدد الزيارات 462    التعليقات 0

        

غاز شرق المتوسط... ساحة لصراع دولي (2).....

الشرق الاوسط.... تناولت حلقة أمس، من تحقيق عن الصراع على الغاز في شرق البحر المتوسط، مواقف الدول المعنية والشركات العاملة أو الطامحة للاستثمار في مشاريع ضخمة في هذه المنطقة من الشرق الأوسط. كما تناولت جهود مصر للتحول إلى مركز إقليمي للغاز باعتبارها تملك فرصاً للعب هذا الدور بدعم دول إقليمية وأوروبية. وتتناول الحلقة الثانية والأخيرة اليوم، موقف روسيا من هذا التنافس باعتبار أن لها علاقة بذلك بسبب علاقتها مع تركيا وتعاونهما في ليبيا وسوريا من جهة، وكونها مصدراً رئيسياً للغاز إلى أوروبا من جهة ثانية، إضافة إلى تقديم مقاربة للموقف الأوروبي المنقسم فيما بين أعضائه إزاء كيفية التعامل مع كل من تركيا وروسيا والدول الإقليمية الأخرى الساعية إلى تعزيز موقفها في ملف الغاز وإبعاده الاستراتيجية، إضافة إلى معنى هذه العناصر بالنسبة إلى أميركا المنخرطة ببعض جوانب الصراع والمكتفية ذاتياً بالنفط... والطامحة إلى الانسحاب من الشرق الأوسط و«ملفاته».

ما الذي ينتظر شرق المتوسط؟

- خاص بـ«الشرق الأوسط».. فيتالي نعومكين.... تجري، في العقد الأخير المنصرم، أحداث عاصفة في شرق البحر المتوسط، وتضاف صراعات وخطوط صدع جديدة إلى الصراعات والخطوط القديمة، ويزداد انجرار القوى الفاعلة الخارجية إلى المنافسات التي تجري بين القوى الفاعلة الإقليمية، حيث اشتدت هذه المنافسات في الفترة الأخيرة بالتوازي مع اكتشاف حقول جديدة للغاز الطبيعي في البحر. النزاعات المسلحة داخل دول المنطقة، ورغم كل المحاولات لإنهاء العنف، باتت أمراً اعتياديا وشائعاً. حدة المواجهة بين القوى الإقليمية وصلت إلى مستوى عالٍ لدرجة أنه أصبحت تناقش إمكانية نشوب صراع عسكري بين الدولتين العضوين في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، اليونان وتركيا، ناهيك عن سيناريو استخدام العقوبات داخل كتلة الحلفاء (مع أنه لا يزال هناك أساس لافتراض أن هذا لن يحدث). دور روسيا في الأحداث الجارية هنا، بات أكثر وضوحاً في مجالات عدة مثل الدبلوماسية والأمن والاقتصاد، وبالدرجة الأولى الطاقة. موسكو تروج بقوة لصيغتها المألوفة المتمثلة في «الصداقة مع الجميع»، وتقدم بشكل متزايد للاعبين الإقليميين خدمات الوساطة التي تميزت فيها، وباتت في الفترة الأخيرة تستعرض بعض الأحيان قوتها أمام منافسيها العالميين. في هذا السياق، يكفي ذكر التدريبات الأكبر من نوعها في التنسيق والعمل المشترك بين تشكيلات الأسطول البحري العسكري الروسي وقواتها الجوفضائية، والتي جرت في الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر (أيلول) لأول مرة في تاريخ روسيا الحديثة. على وجه الخصوص، شاركت فيها 28 سفينة، بما في ذلك غواصتان، بالإضافة إلى 34 طائرة، وتم إطلاق الصواريخ، بما فيها إلى مناطق البحر البعيدة، وتم خلال هذه التدريبات تنفيذ عمليات إنزال للقوات على ساحل غير مجهز. أود الإشارة هنا إلى أن موسكو قلقة بشأن الاتفاقية غير المحدودة زمنياً حول التعاون الدفاعي المتبادل التي وقعها مؤخراً وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ووزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس، والتي بموجبها سيتم توسيع القاعدة العسكرية الأميركية الحالية في جزيرة كريت وسيتم إنشاء ثلاث قواعد جديدة في الجزء القاري. يعتقد المحللون العسكريون الروس أن اليونان، بمحاولتها استخدام الأميركيين في صراعها مع تركيا، ستصبح عن غير قصد بيدقاً في اللعبة ضد موسكو، ولن تتلقى شيئا من الولايات المتحدة عندما تحل الأخيرة مشاكلها مع تركيا. إذا تحدثنا عن الوساطة، فإن ما يلفت الانتباه هنا الزيارة الأخيرة الحافلة بالأحداث لوزير الخارجية سيرغي لافروف إلى قبرص، التي أعطت دفعة قوية للتعاون الروسي - القبرصي، حيث عرض خلالها الوزير الروسي خدمات موسكو في حل النزاع القبرصي - التركي، في حال وافق الجانبان على ذلك. إن نمو الثقة بين موسكو وأنقرة والتطور التدريجي للتعاون الروسي - التركي يمكن أن يجعل هذه الفكرة قابلة للتحقيق. وفقاً لبعض المعلومات، لقد لعبت موسكو بالفعل دوراً في تحسين العلاقات بين تركيا ومصر، حيث تشارك بنشاط في العلاقات التجارية والاقتصادية مع هاتين الدولتين. لقد أشار لافروف إلى أن تعميق التعاون الروسي - التركي لن يؤثر بأي شكل من الأشكال على الحوار مع نيقوسيا، وأكد أن العلاقات بين روسيا وقبرص تتسم حالياً بطابع الصداقة والثقة. وقبرص أعربت عن تقديرها الكبير لنتائج زيارة لافروف ومنحته خلالها أعلى وسام. عدد قليل فقط من الحاقدين قالوا إن روسيا لن تقف أبداً لصالح الدفاع عن مصالح قبرص على حساب علاقاتها مع تركيا، التي لها وزن أكبر بالنسبة لروسيا. لا تنوي تركيا، رغم الضغوط من جهات مختلفة، التخلي عن خططها لتطوير منطقة شرق المتوسط المتنازع عليها مع اليونان وقبرص، وستواصل حفر الآبار وستكون مستعدة لاتخاذ خطوات حاسمة لـ«الدفاع عن حقوقها»، كما تقول، لا سيما مع الأخذ بالحسبان الرأي العام لسكانها. لكنها في الوقت نفسه، تتخذ خطوات تصالحية. لقد فوجئ العديد من المحللين الروس برد الفعل السلبي للمعارضة البرلمانية التركية على قرار قيادة البلاد بسحب سفينة الأبحاث «أوروتش ريس» من المنطقة المتنازع عليها، وإعادتها إلى مياهها الإقليمية بعد أن كان قد تم إرسالها في 10 أغسطس (آب) إلى تلك المنطقة برفقة سفن حربية. شكك بعض المحللين الروس في جدية الجوهر «التصالحي» لهذه الخطوة من قبل إردوغان، معتبرين أنها مجرد بادرة تكتيكية (خاصة أن السفينة الراسية في أنطاليا، وفقاً لما أعلنته تركيا، فقط لتجديد الإمدادات) موجهة ليس فقط إلى اليونان، لكن إلى الاتحاد الأوروبي أيضاً قبل قمته في 24 - 25 سبتمبر (أيلول). على أي حال، أين الخطأ في خطوات تركيا لتهدئة الصراع، خاصة أن هناك حديثا جادا في أوروبا حول إمكانية فرض عقوبات على أنقرة؟ إذ أن مناورة إردوغان محاولة مهمة للجميع لتقليل التوتر الخطير على مصالح البلاد في العلاقات مع عضو مثلها في الناتو هو اليونان. خطورة هذا التوتر بدأت تثير قلقا خاصا خلال مناورات الدبابات التي أجراها الجيش اليوناني في حقل التدريب «كسانثي» قرب الحدود مع تركيا، وكانت قد شاركت فيها دبابات أميركية. من ناحية، ينتقد المعارضون إردوغان، وإن لم يكن بشكل نشط، بسبب القعقعة بالأسلحة وغياب الحوار مع دول المنطقة، ومن ناحية أخرى بسبب التنازلات غير المبررة لليونانيين. لكن رد الفعل الإيجابي المتواضع على سحب السفينة في دول الاتحاد الأوروبي وفي اليونان يشير إلى أن تحرك إردوغان يصل إلى هدفه. في محاولة لحث بروكسل على اتخاذ إجراءات صارمة ضد إردوغان من أجل إجباره على تقديم تنازلات، عرقلت قبرص، قبل زيارة لافروف، محاولة الاتحاد الأوروبي تبني عقوبات ضد الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو وعدد من كبار المسؤولين في بيلاروس، مطالبة بفرض عقوبات على تركيا. ومع ذلك، وفقاً لمعظم المحللين، فإن فرص موافقة الاتحاد الأوروبي على عقوبات ضد أنقرة ضئيلة نوعاً ما. وتبقى فرنسا الخصم الأقوى لإردوغان في أوروبا، بالإضافة إلى اليونان وقبرص، التي أعلنت على لسان رئيسها إيمانويل ماكرون أن تركيا «لم تعد شريكاً» لدول الاتحاد الأوروبي في البحر المتوسط وتطالب إردوغان بـ«توضيح نواياه» قبل حصول اتصال هاتفي بينهما. أما أقوى داعم لـ«الخط الناعم» تجاه أنقرة في أوروبا فهي ألمانيا، حيث تقطنها جالية تركية ضخمة ومؤثرة، ومن بين أعضائها العديد من المؤيدين لمسار الرئيس التركي وحزبه. دبلوماسية الغاز أداة مهمة للعمل الروسي في المنطقة. إنه عنصر مهم في التفاعل الروسي - التركي المعقد في ليبيا. روسيا وتركيا مهتمتان بتخفيف التناقضات بينهما، عن طريق وقف الأعمال العدائية بين الأطراف الليبية المتصارعة، ويمكننا أن نتوقع بثقة أن موسكو وأنقرة ستتخذان في المستقبل القريب خطوات جادة لتطبيع الوضع في ليبيا، ووفقاً لبعض المعلومات، بالفعل يعملان بشكل بناء للغاية في هذا الاتجاه. هنا يمكن أن تكون تجربة التعاون المكتسبة في سوريا، بما في ذلك تسيير الدوريات المشتركة، مفيدة للغاية بالنسبة لهما. في حال أثمرت جهود موسكو وأنقرة، فإنهما سيعززان مواقفهما في ليبيا. كما أخبرني أحد السياسيين الأتراك الذي رغب في عدم الكشف عن هويته، فإنه من الأنسب لتركيا الآن أن تتعامل مع قوة عالمية واحدة قوية هي روسيا، التي لديها معها بالفعل خبرة واسعة في الخروج من المواقف الصعبة وفي التعاون البناء في ظروف اختلاف الرؤى، وتطابق في المصالح المهمة، بدلاً من التعامل مع عدد قليل الدول التي تتعارض معها مصالحها بشكل عميق.

الاتحاد الأوروبي والتأقلم مع بيئة أمنية متغيرة

نيل كويليام

الشرق الاوسط.....- نيل كويليام المدير الإداري لمؤسسة «آزور استراتيجي» البحثية في لندن. وهو زميل في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس»....

يحمل نزاع منطقة شرق البحر المتوسط قدرا متزايدا من التعقيد بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في الاتحاد، غير أن النزاع يتسم بثلاث قضايا متداخلة: قضية الأمن الإقليمي، وقضية أمن الطاقة، وقضية الهجرة. ويبذل الاتحاد الأوروبي قصارى جهده للتعامل مع هذه القضايا في آن واحد، إذ تجمع فيما بينها ثلاثة مسارات بالغة الحساسية تلك التي تستلزم اتخاذ الإجراءات الحاسمة والحازمة، ويبدو أن هذا المطلب في حد ذاته يندرج خارج اختصاصات الاتحاد الأوروبي. أولا، قبل كل شيء، يواصل الاتحاد الأوروبي التأقلم مع البيئة الأمنية الإقليمية دائمة التغير. في حين أن أميركا أثبتت أنها شريك أمني يمكن الاعتماد عليه بالنسبة للقارة الأوروبية ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لا سيما في مواجهة التحديات الناشئة والمستمرة من روسيا فإن التزاماتها الأمنية والخارجية اهتزت بصورة كبيرة منذ سنوات رئاسة باراك أوباما، واستمر الأمر على منواله - وربما لما هو أكثر من ذلك - خلال سنوات رئاسة دونالد ترمب. وجاء الاتجاه الراهن في سياسة أميركا الخارجية من حيث دفع الحلفاء الأوروبيين - وفي واقع الأمر، دفع الحلفاء الآخرين من أماكن أخرى - إلى الاضطلاع بمسؤوليات كبيرة عن الأمن الإقليمي، ليشكل أعباء وتحديات هائلة على قيادة الاتحاد الأوروبي. وفي الأثناء ذاتها، استغلت روسيا الفرصة السانحة من تراجع الدور الدبلوماسي للولايات المتحدة الأميركية مع تردد المواقف الأوروبية في إعادة تأكيد نفوذها السياسي والعسكري في منطقة شرق البحر المتوسط والشمال الأفريقي. وفي واقع الأمر، لم تكن روسيا هي التي تأكد وجودها في الفضاء الذي خلا بتراجع أميركا فحسب، وإنما بلدان إقليمية أخرى كانت حريصة كل الحرص على جبر هذه الفجوة. رغم أن إدارة جوزيف بايدن - المحتملة - قد توفر الدعم الدبلوماسي القوي للاتحاد الأوروبي أكثر من الإدارات السابقة عليها، فإن قادة الاتحاد الأوروبي يدركون تماما أن التحول البنيوي الذي يشهده ميزان القوى العالمي يعني أن الولايات المتحدة لن تُقدم جديدا فيما يتصل بتوفير الدعم المناسب للحلفاء في أوروبا. ونتيجة لذلك، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مضطرا في الآونة الراهنة إلى اعتماد سياسات خارجية وأمنية أكثر قوة وصرامة من أي وقت مضى بُغية التصدي أولا للمغامرات العسكرية والسياسة الانتهازية الروسية. ومع ذلك، تبنت بعض الدول الأعضاء المفردة في الاتحاد الأوروبي سياسات غالبا ما تعتبر غير متوافقة مع المسار العام للاتحاد الأوروبي في بعض القضايا الثنائية. على سبيل المثال، أحجمت الحكومة الألمانية في غير مناسبة عن اتخاذ المواقف الصارمة تجاه الحكومة الروسية، ومرجع ذلك في جزء منه إلى العلاقات التاريخية التي تربط بين البلدين، فضلا عن مسألة أمن الطاقة التي يوفرها خط «نورد ستريم» الذي يوفر إلى ألمانيا 40 في المائة من واردات الغاز الطبيعي الخارجية. ويتطلب الأمر اعتماد سياسات تنطوي على التهديد بفرض العقوبات الاقتصادية، سيما وأن روسيا أخذت في حسبانها على مر السنين أنه يمكنها انتهاك أحكام القانون والأعراف الدولية مع الإفلات التام من العقاب. ومع ذلك، فإن الآثار المتراكمة للمغامرات العسكرية الروسية في كل من أوكرانيا، وسوريا، وليبيا - إلى جانب تهديدات الأمن السيبراني ضد البرلمان الألماني، واستخدام غاز الأعصاب في الحادثة الشهيرة في مارس ( آذار) من عام 2018 في بريطانيا، وأخيرا وليس آخرا حادثة المعارض الروسي الشهير أليكسي نافالني - تبدو وقد أدت إلى تقارب وجهات النظر الألمانية مع الشركاء الأوروبيين مما أسفر عن الدعوة إلى إعادة النظر في خط الغاز الطبيعي الجديد «نورد ستريم 2». وعلى هذا النحو، فإن كسر حالة الاعتماد القائمة على واردات الغاز الطبيعي الروسي قد اكتسبت أهمية وزخما جديدا في الآونة الأخيرة. ووفق هذه الخلفية، أصبحت تطورات الأوضاع ذات الصلة بقضية الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط من المسائل ذات الأولوية القصوى بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء. فمخزون الغاز الطبيعي في تلك المنطقة يطرح بديلا وافرا لواردات الغاز من روسيا، ذلك البديل الذي يقع حرفيا في الحديقة الخلفية للاتحاد الأوروبي على الرغم من أن توصيل الغاز من هذه المنطقة إلى الأسواق الأوروبية المختلفة لا يعتبر من المشاريع باهظة التكاليف فحسب، وإنما سيستلزم كذلك تأمين إرادة سياسية أكثر قوة واستدامة من جانب بروكسل لا سيما مع اعتبار حالة النزاع القائمة بين اليونان وقبرص من جهة، وتركيا من جهة أخرى على الحدود البحرية، والسيادة على موارد الطاقة الطبيعية تحت البحر. وفي هذا السياق، تحرك مصالح الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي - اليونان، وفرنسا، وإيطاليا، وقبرص - على تحريك دفة سياسات الاتحاد الأوروبي إلى الأمام مع التحدي الواضح للمزاعم التركية المضادة، إلى جانب التحركات المضادة الرامية إلى تأمين الوصول إلى المياه الإقليمية القبرصية. وتشكل موارد الغاز شرق البحر المتوسط مزيجا ثريا من المصالح الأمنية، والتجارية، والدبلوماسية لدى كل دولة من تلك الدول، وإنما عبر تباينات مختلفة. على سبيل المثال، تملك كل من اليونان وقبرص مصالح مادية مشتركة في تطوير احتياطيات الطاقة في تلك المنطقة مع العثور على السبيل الأكثر ربحية نحو الأسواق، مع العمل في نفس الوقت على الدفاع عن المياه السيادية التي تقع فيها المنطقة الاقتصادية الخالصة. وعلى هذا النحو، جرى تشكيل «منتدى غاز شرق المتوسط» بعضوية كل من الأردن، ومصر، وإسرائيل، فلسطين، وإيطاليا، مع تعمد استبعاد تركيا (ولبنان)، سيما مع التحديات المستمرة من قبل أنقرة لشرعية المناطق الاقتصادية الخالصة عن طريق إرسال سفن التنقيب المصاحبة بالسفن الحربية في المياه الإقليمية القبرصية. وصارت فرنسا من أبرز وأقوى حلفاء اليونان وقبرص في ذلك النزاع إذ قامت بإرسال الفرقاطة الحربية «لافايت» إلى شرق البحر الأبيض المتوسط في أغسطس (آب) من العام الجاري بهدف المشاركة في المناورات العسكرية المشتركة، فضلا عن تمركز طائرتين مقاتلتين من طراز «رافال» في إحدى القواعد العسكرية في جزيرة كريت. ومع ذلك، فإن المصالح الفرنسية تستند إلى مجموعة مختلفة من العوامل بالنسبة إلى اليونان وقبرص، مع التركيز بصورة أكبر على الاستراتيجية الفرنسية الأوسع نطاقا في البحر المتوسط، فضلا عن المنافسة الشديدة بين باريس وأنقرة، بأكثر من تركيزها المجرد على أمن الطاقة في تلك المنطقة في حد ذاته. تسعى السياسة الخارجية الفرنسية إلى إرساء الاستقرار في ليبيا - وذلك مع تأمين مصالحها التجارية في مجالي النفط والغاز، مع دعم الحكومات في منطقة الساحل حتى تتمكن من مواصلة مكافحة الإرهاب بصورة أفضل على اعتبارها وسيلة من وسائل تأمين الجبهة الداخلية الفرنسية ضد موجات وتدفقات الهجرة الخارجية، والتفرغ إلى مصارع النفوذ مع تركيا عبر البحر المتوسط. وعلى هذا النحو، ورغم أن قضية الغاز في شرق المتوسط هي واحدة من بين العديد من القضايا الأخرى ذات الأهمية بالنسبة إلى فرنسا، في منطقة «يوروميد»، فإن حالة التناطح الراهنة ما بين الرئيسين إيمانويل ماكرون ورجب طيب إردوغان تحمل قدرا معتبرا من التأثير العميق على مقاربة الاتحاد الأوروبي بأسره صوب الغاز في شرق المتوسط. كان المجلس الأوروبي أكثر سرعة في إدانة الحكومة التركية على توقيع مذكرة التفاهم بتاريخ نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2019 مع حكومة الوفاق الليبية والمعنية بترسيم مناطق الاختصاص البحري في البحر المتوسط نظرا لأن المذكرة تمثل انتهاكا مباشرا للحقوق السيادية لدى اليونان وقبرص. غير أن المجلس الأوروبي لم يُقدم على مثل هذه الخطوة عندما وقعت الحكومتان المصرية واليونانية على الاتفاق البحري المشترك في أغسطس الماضي. حتى الحكومة الإيطالية، التي كانت حتى وقت قريب تعتمد سياسة داعمة للموقف التركي في ليبيا - نظرا لمصالحها الدبلوماسية والتجارية التي تعبر عنها بواسطة شركة «إيني» للطاقة - أعادت توجيه سياساتها الخارجية كي تكون أكثر اصطفافا مع المقاربات المتخذة من قبل الاتحاد الأوروبي. وأسفرت حالة التقارب الواضحة بين السياسات الخارجية الفرنسية والإيطالية إلى تنضيد سياسات الاتحاد الأوروبي في منطقة شرق المتوسط على نحو قوي وراء الاصطفاف الإقليمي القائم بشأن اليونان، وقبرص، ومصر، وإسرائيل. جاء التدخل العسكري التركي في مجريات الأزمة الليبية، ما قلب الطاولة بدرجة من الدرجات، فضلا عن المغامرات المستمرة في البحر المتوسط، من شاكلة إرسال سفينة المسح «أوريك رايس»، وسفينتين أخريين للتنقيب والحفر، رفقة ثلاث سفن للإمداد البحري إلى المياه السيادية القبرصية، في منتصف أغسطس، ليشكل في مجموعه صداعا أمنيا مؤرقا لقيادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل. علاوة على ما تقدم، يعتبر التعاون الوثيق الذي يجمع بين موسكو وأنقرة، والذي يبدو جليا في كل من سوريا وليبيا، على الرغم من الخلافات بين الجانبين في كلا المعسكرين، من أبرز بواعث التوتر والقلق لا سيما وأن تركيا تمثل دولة عبور الغاز من روسيا إلى أوروبا عبر خط أنابيب «تورك ستريم». أخيرا، تعتقد الحكومة التركية أن الشوكة المثلى في خاصرة الاتحاد الأوروبي هي ألمانيا من واقع خشيتها الشديدة من توقف أنقرة عن كبح جماح تدفقات اللاجئين صوب أوروبا مما يمنح أنقرة درجة من الأمان إزاء اتخاذ أية إجراءات قوية ضدها. ووفق هذا المعنى، يبدو وأن الحكومة التركية قد قدرت الأمور من تلك الزاوية، وأنه على الرغم من حشد الدعم وراء اليونان وقبرص فإن الدعوات الفرنسية لفرض العقوبات على تركيا مصيرها الفشل في نهاية المطاف، حيث سيؤدي الانقسام الظاهر بين برلين وباريس في قلب الاتحاد الأوروبي إلى حالة من الجمود وربما التقاعس. وإن كانت هذه هي الحالة، فمن شأن الحكومة التركية إعادة إرسال سفينة المسح «أوريك رايس» إلى المياه الإقليمية القبرصية مرة أخرى بعد الانتهاء من عمليات الصيانة الروتينية الحالية. ربما تكون قضية شرق المتوسط هي القضية التي تمخضت في خاتمة المطاف عن نشوء سياسة خارجية موحدة وقوية مع استجابة أمنية صارمة من قبل الاتحاد الأوروبي. ولقد تصاعدت أهمية تلك المنطقة نظرا للدور المتراجع الذي تتخذه أميركا والمتمثل في دفع بلدان الاتحاد الأوروبي إلى الاضطلاع بالمسؤوليات، ما يدفع بروكسل إلى السعي وراء رفع قدرات تأمين الطاقة من إمدادات شرق المتوسط مع كسر الاعتماد طويل الأمد على الإمدادات الروسية المماثلة. ما يعني استعداد الاتحاد الأوروبي للاستجابة الصارمة ضد سياسات الحكومة التركية العدائية في البحر المتوسط. وعلى الرغم من استعداد فرنسا وغيرها من الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي للاضطلاع بذلك، فمن غير الواضح - أو الأكيد - أن ألمانيا وسواها من بلدان أوروبا الشرقية ستكون مستعدة للمخاطرة بإجبار أنقرة على الابتعاد، سيما وأن التهديد بدخول المزيد من اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا لا يزال قائما من جانب الحكومة التركية.

تركيا تعود إلى «نقطة البداية» بعد حشرها في «الركن الضيق»

الشرق الاوسط.... أنقرة: سعيد عبد الرازق.... أبدت تركيا في نزاعها مع دول منطقة شرق البحر المتوسط، وبخاصة اليونان التي تتنازع معها على الحدود البحرية سواء في البحر المتوسط أو في بحر إيجة، تمسكا بأن من «حقها التنقيب في مناطق الجرف القاري لها» الذي حددته وأبلغت به الأمم المتحدة وتتذرع أيضا بأنها صاحبة أطول حدود في البحر المتوسط. وتؤكد أنقرة أن أنشطتها للبحث والتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في شرق المتوسط مطابقة للقوانين الدولية على الرغم من تأكيدات دول المنطقة والاتحاد الأوروبي «عدم قانونية التحركات التركية» ووصفها بـ«الاستفزازية». ومصطلح «الجرف القاري»، ورد للمرة الأولى في بيان أصدره الرئيس الأميركي هاري ترومان عام 1945، ويعني الامتداد الطبيعي ليابسة الدولة الساحلية داخل البحر أو المحيط. ويشير الخبراء إلى أن الأساس في تحديد الجرف القاري للدول هو مساحة البر المطلة على البحار. وأعلنت اليونان الشهر الماضي أنها ستمد حدود مياهها الإقليمية من 6 أميال إلى 12 ميلا، وهو الحد الأقصى المسموح به دوليا، وتؤكد تركيا أنها لن تسمح بذلك لأن خطوط ملاحتها البحرية ستتضرر بشدة، وأن إقدام اليونان على خطوة كهذه «سيكون سببا للحرب». في المقابل، تستند اليونان في توسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلا إلى المادة الثالثة من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إلا أن تركيا لم توقع على الاتفاقية، وليست طرفا فيها. وبخلاف المياه الإقليمية، توجد المناطق الاقتصادية الخالصة، كتلك المتفق عليها بين قبرص ومصر ولبنان وإسرائيل. ويمكن لهذه المناطق أن تمتد لمسافة 200 ميل بحري. أعلنت تركيا رفضها لجميع الاتفاقيات الموقعة في شرق المتوسط، فقد رفضت اتفاقية المناطق الاقتصادية الخالصة الموقعة بين مصر وقبرص في 2013 والمودعة في الأمم المتحدة، ثم رفضت اتفاقية تحديد الحدود البحرية بين مصر واليونان الموقعة في أغسطس (آب) الماضي لأنها تقطع الطريق على مذكرة التفاهم الموقعة بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني الليبي في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 التي أجمعت دول المنطقة على عدم قانونيتها ورفضها، لكن تركيا اعتبرت وقت توقيعها لها أنها ستمكنها من فرض إرادتها في البحر المتوسط وأنه لن «يستطيع أحد المرور من البحر دون الحصول على تصريح منها». وكرر المسؤولون الأتراك، وفي مقدمتهم الرئيس رجب طيب إردوغان، مرارا، أن تركيا «ستمزق الخرائط التي رسمت من أجل حصر تركيا في شريط ضيق في البحر». وسعت تركيا إلى فرض أمر واقع في المنطقة بإرسال سفن بحث وتنقيب إلى المناطق القريبة من سواحل قبرص واليونان ما أشعل التوتر في المنطقة ودفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات «أولية» على تركيا، وأعلن أنه يتم النظر في تصعيدها خلال اجتماع مجلس أوروبا في 24 و25 سبتمبر (أيلول) الجاري. ومع تصاعد التوتر وتدخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بعد فشل جولتين من الوساطة، قامت بهما ألمانيا الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي، ونجاحه في جمع وفدين عسكريين تركي ويوناني في محادثات فنية في بروكسل، سحبت تركيا، في خطوة مفاجئة، سفينة المسح السيزمي «أوروتش رئيس» التي أرسلتها للعمل قرب جزيرة كاستيلوريزو اليونانية في 10 أغسطس في مهمة كان مقررا أن تستمر حتى 25 سبتمبر، بعد تزايد الضغوط الأوروبية والتلويح بعقوبات قاسية قد تفاقم من أزمات الاقتصاد التركي، وتزامنا مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لقبرص الذي عبر بشكل واضح عن «قلق بلاده البالغ تجاه الأنشطة التركية في شرق المتوسط»، ودعا «جميع الأطراف إلى دعم الحل الدبلوماسي». لا تعد الطاقة هي الهدف الوحيد لتركيا في منطقة شرق البحر المتوسط، كما يقول الخبراء، فإردوغان يحرص على إظهار نمو أسطوله البحري، فضلا عن رغبته في أن يصبح قوة إقليمية، وإعلان أنه قادر على الوقوف في وجه كل من أوروبا والولايات المتحدة وروسيا أيضا رغم تبديله لتحالفاته بينهما حسب المصالح. ولخص الأستاذ في قسم شؤون الأمن القومي في مدرسة البحرية للدراسات العليا في كاليفورنيا المتخصص في الشأن التركي، ريان جينجراس الأهداف التركية في شرق المتوسط بقوله: «توجد مجموعة من الدوافع وراء هذه التحركات وأبرزها فكرة أن تركيا هي أكبر قوة في شرق البحر المتوسط وأنه يجب معاملتها على هذا الأساس. تركيا ترى نفسها محاطة بالخصوم والأعداء وأنها ستستخدم القوة لتأكيد وجودها». ولفت جينجراس إلى أن إردوغان حدد عام 2023، كتاريخ لتحقيق «الاستقلال الكامل في مجال السلاح» وهو ما يبدو أمرا بعيدا عن الواقع، لا سيما في ظل تعثر الاقتصاد التركي البالغ حجمه 750 مليار دولار، وتصاعد التوتر مع الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الرئيسي لتركيا، والذي يهدد بمعاقبتها بسبب أنشطتها في المنطقة. ورغم أن استعراض تركيا لقوتها في المنطقة جذب الاهتمام الدولي إليها، فإنها باتت في عزلة دولية عبرت عنها المعارضة التركية التي ركزت على أبرز أوجه هذه العزلة في شرق المتوسط بانتقاد قطيعة حكومة إردوغان مع مصر بدلا عن توقيع اتفاق معها، لا لشيء إلا لدعم إردوغان لتنظيم «الإخوان المسلمين»، وتصعيد التوتر مع اليونان ما جلب مواقف أخرى من جانب روسيا التي أعلنت عزمها إجراء مناورة بحرية بالذخيرة الحية في البحر المتوسط في وقت لاحق من الشهر الجاري. كما قررت الولايات المتحدة رفع الحظر المفروض منذ عقود على تصدير السلاح إلى قبرص. واستعرضت فرنسا قوتها بنشر مقاتلاتها الحديثة من طراز «رافال» في إحدى القواعد الجوية بقبرص وأعلنت دعمها المطلق لكل من اليونان وقبرص العضوين بالاتحاد الأوروبي. وتشير التطورات في الأيام الأخيرة إلى أن الضغوط التي مورست على تركيا من جانب أوروبا و«ناتو» وواشنطن، وإدراك أنقرة أنها باتت معزولة في المنطقة دفعها إلى تحول كبير في خطابها المتشدد، وبدأت تتحدث عن المفاوضات والحوار مع جميع الأطراف. وكشفت أيضا عن اتصالات مع مصر من أجل توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية ترى فيها مخرجا لها من الركن الضيق الذي حصرته فيها اليونان باتفاقيتها البحرية مع مصر في أغسطس لتعود تركيا إلى النقطة التي كان يجب عليها البدء بها، وهو الحوار بدلا عن محاولة فرض الأمر الواقع والتلويح بالقوة.

The International Approach to the Yemen War: Time for a Change

 الإثنين 26 تشرين الأول 2020 - 6:12 ص

The International Approach to the Yemen War: Time for a Change https://www.crisisgroup.org/middle… تتمة »

عدد الزيارات: 48,443,838

عدد الزوار: 1,445,854

المتواجدون الآن: 13