مستقبل التطبيع بين مصر وإسرائيل بعد انقلاب الثالث من يوليو....

تاريخ الإضافة الأربعاء 20 أيار 2020 - 4:20 م    عدد الزيارات 451    التعليقات 0

        

 

مستقبل التطبيع بين مصر وإسرائيل بعد انقلاب الثالث من يوليو

مجموعة التفكير الاستراتيجي... الباحث ياسر عبد العزيز..

  • مقدمة

عرفت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل التطبيع على أنه المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، مصمم خصيصا للجمع (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) بين فلسطينيين أو عرب وإسرائيليين، أفرادا كانوا أم مؤسسات ولا يهدف صراحة إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارس على الشعب الفلسطيني([1]).

وعرفه الدكتور عدنان أبو عامر بأنه قيام الدول أو مؤسساتها أو أشخاصها بتنفيذ مشاريع تعاونية ومبادلات تجارية واقتصادية([2]).

وللتطبيع أشكال عدة من أهمها تلك الأنشطة التي تهدف إلى التعاون العلمي أو الفني أو المهني أو الرياضي أو النسوي أو الشبابي، والتي تهدف في النهاية إلى إزالة الحواجز النفسية بين العرب والإسرائيليين([3])، وهو ما تحاول إسرائيل بكل الطرق الوصول إليه وتعمد إلى احتيال أية وسيلة من أجل الوصول لهذا الهدف.

  • تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وبداية مرحلة التطبيع

منذ ظهور الحركة الصهيونية واتخاذها قرار الهجرة إلى الأراضي الفلسطينية بدأ الصراع الذي بدأ يتصاعد شيئا فشيئا مع اتخاذ العصابات الصهيونية العنف سبيلا لإرهاب الفلسطينيين لطردهم من أراضيهم، ومع تزايد الهجرة الصهيونية التي تزايدت معها عمليات الترهيب، كان من الطبيعي أن يكون رد الفعل الفلسطيني ثم العربي المتضامن مع القضية الإسلامية في الغالب والعربية في عقيدة بعض الجماعات التي انضمت إلى المقاومة العربية للدفاع عن أرض فلسطين، متصاعدا ومتوازي مع هذا الإرهاب الصهيوني([4]).

وشهد هذا الصراع عدة محطات بداية من الانتفاضات الفلسطينية المتتالية والتي كان من أشهرها ما قادها الشيخ أمين الحسيني والشيخ وعز الدين القسام، وعلى الرغم من المقاومة الشعبية المستميتة فإن الإرهاب الصهيوني المنظم والمدعوم من الغرب تمكن من الاستيلاء على ما يقارب 78% من مساحة فلسطين التاريخية، وقتلت وهجرت 750 ألف فلسطيني قسرا إلى دول الجوار وأجزاء أخرى من فلسطين. وهو ما دفع الجيوش العربية للتدخل ليشهد عام 1948 مواجهة بين الجيوش العربية وجيش الاحتلال الصهيوني والذي انتهى بعقد هدنة عام 1949 مثبتة احتلال إسرائيل على المنطقة التي خصصها قرار المجلس الأمن لحل الأزمة في فلسطين للدولة الصهيونية، بالإضافة إلى أكثر من نصف المساحة المخصصة للفلسطينيين([5])، كما تم الاتفاق على إدارة مصرية لقطاع غزة وإدارة أردنية للضفة الغربية، وظل هذا الوضع قائما حتى حرب يونيو عام 1967 والتي تمكنت إسرائيل فيها من احتلال القدس والضفة وغزة وزادت عليها الجولان السورية وسيناء المصرية([6])، بعد أن قاست القدرات العسكرية المصرية في حرب 1956 بعد تأميم الرئيس المصري جمال عبد الناصر قناة السويس واستغلت اندفاع كل من بريطانيا وفرنسا نحو كبح جماح النظام المصري الجديد الذي يهدف إلى قيادة الأمة العربية، ومع إن هذه الفترة شهدت هزائم للجيوش العربية إلا أنها شهدت في المقابل تصاعد للمقاومة العربية الشعبية من خلال منظمات وجماعات تسببت في خسائر كبيرة لإسرائيل سواء في الداخل أو من خلال تصعيد عمليات خطف الطائرات، واستمرت هذه العمليات حتى اندلاع حرب أكتوبر 1973 وتغير معادلات القوة في الصراع العربي الإسرائيلي([7])، وصولا إلى عملية السلام التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية فوافق عليها الرئيس المصري أنور السادات ورفضتها الأمة العربية على المستوى السياسي والشعبي وظلت الجماهير العربية متمسكة بموقفها الرافض لإسرائيل منذ اللحظة الأولى لميلاد كيانها، وكانت زيارة الرئيس السادات إلى القدس أول عملية تطبيع علنية عربية مع إسرائيل، والذي اعتبر أن في تطبيع العلاقات مع إسرائيل مكاسب كبيرة ستحصد ثمارها الأجيال([8]).

لم يتوقف الصراع العربي الإسرائيلي رغم توقيع مصر اتفاقيتها مع إسرائيل، حتى أصبحت عمليات المقاومة الفردية الرافضة للاحتلال ولعملية السلام تمثل اختبارا مهماً لأدوات العمل السياسي الفلسطيني والعربي, ما دفع إسرائيل إلى شن عمليات في لبنان وصولا إلى اجتياحه بحجة قتال المقاومة الفلسطينية التي اتخذت من لبنان منطلقا لعملياتها([9])، كما شنت عمليات نوعية ضد قيادات المقاومة في دول الطوق وصولا إلى تونس، ورغم وصول الحالة السياسية إلى اتفاق أوسلو الذي أسس لسلطة فلسطينية على أراضي الضفة وقطاع غزة، إلا أن الحالة الشعبية العربية ظلت رافضة للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، لتنحصر حالة المقاومة السياسية والعسكرية في قطاع غزة بعد انتخابات 2008 التي أحدثت قطيعة بين حركتي حماس وفتح والتي كانت تمنع توجيه سلاح المقاومة نحو إسرائيل بموجب اتفاق أوسلو، بحسب بيانات حركة حماس، وهو ما كان أحد أسباب اقتتال الفصيلين الفلسطينيين الأكبر([10])، وهو أيضا ما فتح الباب أمام إسرائيل لاستهداف غزة لكسر شوكة المقاومة، والذي أنتج في المقابل حالة تعاطف عربي جديد مع المقاومة ورفض لإسرائيل رغم المحاولات المستميتة من الكيان المحتل وبعض الأنظمة العربية للتطبيع الشعبي مع تل أبيب، ومع ثورات الربيع العربي تناما هذا الرفض الشعبي والسياسي بعد أن تماهت الأنظمة المتولدة عن تلك الثورات مع الرغبة الشعبية بمقاطعة إسرائيل، وبعد تراجع تلك الثورات، وخاصة بعد الإطاحة بالرئيس المصري الراحل محمد مرسي، عادت الأنظمة إلى الهرولة نحو حالة تطبيعية غير مسبوقة دخل على الخط فيها دول خليجية فيما عرف بصفقة القرن التي يرعاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

  • انقلاب الثالث من يوليو محطة مهمة في الحالة المصرية - الإسرائيلية

لقد كان العام الذي حكمه الرئيس الراحل محمد مرسي كفيلا بتأكيد مخاوف إسرائيل من التيار الإسلامي الذي كان مرشحا بقوة لحكم البلاد، فلقد كان خطاب الرئيس مرسي ومواقفه من إسرائيل على غير ما ألفته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من الرؤساء المصريين بعد الرئيس جمال عبد الناصر، فبعد تولي الرئيس محمد مرسي الحكم في 2012 بدأ العدوان على غزة فقال مرسي: (مصر لن تصمت إزاء أي اعتداء على غزة، أوقفوا هذه المهزلة فورًا، وإلا فغضبتنا لن تستطيعوا أبدا أن تقفوا أمامها، غضبة شعب وقيادة)([11] وهو الخطاب الذي ساهم في وقف العدوان على غزة، فكان خطاب القيادة المصرية بمثابة راسم لمحددات السياسة الإسرائيلية تجاه مصر الثورة، فبحسب الباحث أحمد الليثي، فإن الرئيس مرسي وضع إسرائيل في أزمة حقيقية من حيث الإنفاق العسكري والاضطراب الاقتصادي، كما حجم أطماعها التوسعية بعد وضعها في حالة شبه عزلة إقليمية، ما دفع القيادة الإسرائيلية إلى التعاطي معه وفق إستراتيجية تقليل الأضرار، وجعلها مدفوعة بقوة لترسيخ التعاون مع القيادات العسكرية المعروفين لديها([12])، وفي هذا الصدد يقول الأستاذ صالح النعامي في دراسة له منشورة في يوليو 2012 ( يجاهر صناع القرار في تل أبيب بالقول أن مصالح إسرائيل القومية تقتضي مواصلة قادة العسكر في مصر الاحتفاظ بمعظم الصلاحيات، لاسيما تلك المتعلقة ببلورة سياسات الأمن القومي المصري. وقد اعتبر بنيامين بن إليعازر، وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق، ومهندس العلاقات المصرية الإسرائيلية أن أي مساس بالصلاحيات التي حصل عليها العسكر بعد انتقال السلطة إليهم في أعقاب خلع مبارك يمثل ضرراً بمصالح إسرائيل القومية)([13]).

وللحفاظ على هذه الصلاحيات كان من الواجب إشعار الرئيس بأهمية القيادة العسكرية، وكان ذلك من خلال التهديد بقطع المعونة الأمريكية عن مصر في حال نزع تلك الصلاحيات، ففي تصريح لوزير القضاء الإسرائيلي الأسبق يوسي بيلين: (على إدارة أوباما والكونغرس إنذار مرسي بأنه سيتم قطع المساعدات الأمريكية عن القاهرة، ليس فقط في حال عطل اتفاقية السلام مع إسرائيل، بل في حال لم يوافق على مواصلة الشراكة الإستراتيجية والتعاون الأمني)([14]).
هذه الشراكة التي برعت فيها القيادات العسكرية المتعاونة مع إسرائيل، وهو ما مهد لانخراط إسرائيل في خطة التخلص من الرئيس مرسي لصالح القيادات العسكرية.

أكد هذه الفكرة البروفيسور إفرايم كام، كبير باحثي "مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي" في صحيفة إسرائيل اليوم، بتاريخ 29/07/2013 وحذر البروفيسور كام من خطورة فشل الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس مرسي. إذ أن مصلحة إسرائيل الإستراتيجية تقتضي نجاح تحالف العسكر والليبراليين في إدارة شؤون مصر وكبح جماح الإسلاميين.

وقد أورد مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات بعض شهادات قادة ومفكرين إسرائيليين عن الفترة التي حكم فيها الرئيس مرسي، من بينها شهادة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في الإذاعة العبرية جاء فيه: (أخشى أن يوجه المصريون غضبهم إلى إسرائيل بعدما فضح الإعلام دور نتنياهو الكبير في دعم الانقلاب على مرسي)([15]).

 

  • محددات العلاقة بين الطرفين

عمل النظام المصري بعد انقلاب الثالث من يوليو على إعادة تسويق العلاقات المصرية الإسرائيلية، باعتبارها ضرورة في ظل وجود عدو إقليمي مشترك وهو حركة حماس، كأحد الجماعات المنتمية لفكر الإخوان المسلمين، الذي أطاح به من الحياة السياسية المصرية والذي كان يسبب قلقا بالغا للحكومة الإسرائيلية، مما نقل إسرائيل من خانة صراع الوجود الذي كان يطرحه الإسلاميون في مصر إلى خانة الشريك الضروري، وهو ما مهد الطريق لعملية الجرف الصامد في عام 2014 بأريحية سياسية، فلا غطاء سياسي للمقاومة في غزة بعد تماهي النظام المصري الذي كان يشكل عاملا ضاغطا على إسرائيل في أي عملية عسكرية ضد القطاع([16]).

استطاع النظام المصري أن يقدم نفسه من جديد كفاعل في القضية الفلسطينية بعد فشل اجتماع باريس إبان عملية الجرف الصامد مستفيدا من رفض إسرائيل لأي جهود وساطة دولية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، ولجأت إسرائيل إلى القاهرة، لتستضيف جولة المفاوضات مع الفصائل الفلسطينية، وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

كانت إسرائيل تحتاج إلى وسيط قريب جغرافيا ولديه الخبرات الكافية للتعامل مع المقاومة في غزة، وهو ما تملكه مخابرات مصر منذ عشرات السنين من خلال جولات مكوكية، كما تملك أوراق ضغط تتمثل في معبر رفح، المتنفس الوحيد للقطاع على العالم، بعد أن استطاع النظام المصري غلق كل الأنفاق تقريبا - المعبر غير الشرعي للقطاع إلى مصر - وأصبح الدخول والخروج من غزة وإليها بيد الطرف المصري، مما يجعل تأمين هذه الحدود مسئولية النظام في مصر ومن ثم ترتاح إسرائيل من صداع دخول الأسلحة، وتضبط في نفس الوقت تدفق الأموال والبضائع([17])، إلا أن هذه المكاسب التي حققها النظام المصري لاقى استهجان شعبي حتى من مؤيدي النظام وهو ما حدا بالنظام إصدار تعليماته لتكثيف الجهود الإعلامية للتغطية على سياسته.

إن توجه السيسي للتقارب العلني مع إسرائيل ليس نابعاً فقط من إيمانه ببرجماتية العلاقة مع الإسرائيليين، وإنما لمروره بأزمات ضخمة داخل مصر، منها: الخصومة مع المعارضة الإسلامية والعلمانية، وتصاعد وتيرة العنف والإرهاب في سيناء والصحراء الغربية، وتباطؤ الاقتصاد المحلي، وتناقص حصة مصر من مياه النيل، وهو ما يعني أن محددات النظام المصري في العلاقة مع إسرائيل دفعها بالأساس البحث عن الشرعية التي يفتقدها، ورأى أن إسرائيل هي جسر العبور للمجتمع الدولي وهو ما قد كان.

من الجهة المقابل وجدت الحكومة الإسرائيلية في النظام الجديد حارسا لها من المد الإسلامي الذي يمثل خطرا وجوديا عليها، حتى بعد وثيقة حماس الأخيرة التي اعترفت ضمنيا بالكيان الإسرائيلي، وغيرت من أيديولوجية الصراع على وقع المتغيرات الداخلية المتمثلة في حالة السخط الشعبي الذي بدأ في الظهور، والمتغيرات الدولية والمتمثلة في وصول ترامب لسدة الحكم في أمريكا ووقف مساعدات الأونروا وتبدل الأوضاع في مصر بعد انقلاب الثالث من يوليو وتأكد عدم استطاعة المعارضة المصرية في دحر الانقلاب، لذا فإن النظام المصري الحالي يمثل لدى صانع القرار الإسرائيلي حليفا مهما، بحسب السفير الإسرائيلي لدى جمهورية الدومينيكان بهيج منصور([18])، وهو ما دفعه لاستضافة النظام المصري متمثلا في السفير المصري حازم خيرت في مؤتمر (هرتسيليا) السادس عشر في إسرائيل، وهو مؤتمر متخصص في مراجعة السياسيات الأمنية والدفاعية لإسرائيل والذي كان بعنوان (أمل إسرائيلي، رؤيا أم حلم؟)، وهو المؤتمر الذي مهد لتدشين المشروع الأمريكي إعلاميا ,الذي يعرف بصفقة القرن، والذي كان أول إعلان عنه على لسان السيسي في لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالنظام المصري بالنسبة لإسرائيل هو الجسر الذي سيعبر به نحو التطبيع مع باقي الدول العربية، ومن ثم تحييد السلاح العربي، ثم تطوير هذا الحياد إلى مساندة في حال اندلعت أي مواجهة بين إسرائيل وإيران والاستفادة من الأجواء العربية في هذه الحالة، كما أن الأسواق العربية التي يسيل لعاب المنتجين الإسرائيليين عليها ستكون مشرعة من خلال التطبيع المباشر أو بالوكالة عبر النظام المصري.

  • مظاهر وأشكال هذا التعاون والتطبيع

لقد كانت إسرائيل كانت من الدول السباقة إلى تأييد النظام العسكري الجديد في أعقاب التحرك العسكري في 3 تموز/يوليو، بل إنها قامت بإطلاق حملات دبلوماسية في واشنطن والعواصم الأوروبية الكبرى من أجل دعم الوضع السياسي الجديد في مصر([19])، ليفتح الباب أمام مجالات التعاون التي حرمت منها إسرائيل منذ ثورة يناير 2011، وتتجلى أوجه التعاون بين مصر في عهد السيسي وبين إسرائيل في محاور أربعة، وإن كانت أخفقت في المحور الخامس وهو المحور الذي طالما سعت إسرائيل لتطبيعه منذ اليوم الأول لتوقيع اتفاقية السلام، ألا وهو التطبيع الشعبي، فلا يزال الشعب المصري بجميع فئاته، إلا قلة قليلة ترفض التطبيع مع إسرائيل بل وتعتبرها دولة عدو، مع ذلك استطاعت إسرائيل التطبيع بشكل شبه كامل مع النظام المصري بعد انقلاب الثالث من يوليو في المحاور الأربعة الأخرى:

أولا: المحور العسكري

استطاعت إسرائيل بعد تولي الرئيس السيسي مقاليد الحكم أن تتحول من العدو الأول والخطر الأكبر على مصر، إلى الحليف الأهم عسكرياً، وأصبح التنسيق العسكري والأمني بينهما يفوق كل التوقعات بحسب ما نشرته القناة العاشرة الإسرائيلية على موقعها، حتى صارت العمليات العسكرية المصرية في سيناء تتم بناء على المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية، وخلفت تلك الشراكة الإستراتيجية والأمنية مع إسرائيل حالة من الثقة فأعطت الضوء الأخضر للقوات المصرية لتنتشر في مناطق واسعة داخل شمال سيناء في المنطقة (ب)، والمنطقة (ج)، لكي تتمكن من مواجهة الجماعات الإرهابية ([20])

بل ويشارك سلاح الجو الإسرائيلي في قصف بعض المواقع، فبحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، فقد شنت الطائرات الإسرائيلية أكثر من 100 غارة على مواقع في سيناء، بموافقة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال عامي 2017 و 2018 فقط ، وفي المقابل وعلى الرغم من أنه ومنذ فترة وجيزة كان هناك رفض إسرائيلي قاطع لدخول أية معدات حربية لسيناء، أصبح وجود معدات ثقيلة للجيش المصري في المنطقة (ج) وهو ما يعكس حجم التعاون الذي يصل إلى حالة التوأمة إن جاز التعبير([21]).

ثانيا:المحور السياسي والدبلوماسي

كان تصويت مصر لصالح إسرائيل بشأن انضمامها لعضوية لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي التابعة للأمم المتحدة في عام 2015 أحد المؤشرات للعلاقة بين النظام المصري وإسرائيل والتي تبعتها بعد ذلك، والتي كانت ذروتها في لعب السيسي دور العراب لصفقة القرن والتي تبناها الرئيس الأمريكي ترامب ولعب دورا فاعلا لإنجاحها مستشاره جاريد كوشنر، وعلى الرغم من اعتراض مصر على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس لكنه لم يرقى من كونه تسجيل موقف شعبي يخاطب به الداخل أكثر منه موقف رسمي يبنى عليه في السياسة الخارجية والعلاقة بين مصر وإسرائيل أو حتى أمريكا([22]).

ثالثا: المحور الاقتصادي

لقد كان المحور الاقتصادي هو الأهم بالنسبة لإسرائيل، فكان من المهم لإسرائيل إدخال منتجاتها إلى السوق المصري الكبير والذي يتنامى مع مرور الوقت، وهو الأمر الذي لم يمانع فيه الرئيس الأسبق حسني مبارك، بل على العكس شجعه، ولعل تصدير الغاز المصري لإسرائيل بأسعار أكثر من تفضيلية، كان ذروة هذا التطبيع، وهو ما تحول الآن إلى استيراد مصر للغاز من إسرائيل من خلال نفس الأنبوب الذي كان يصدر والذي بدأ الضخ باتجاه مصر في شهر يناير 2020، ولعل اتفاقيات ترسيم الحدود الاقتصادية بين كل من مصر واليونان ومصر وقبرص قد فتحت المجال لإسرائيل لمزيد من التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط بعد أن تنازل السيسي عن ما يقارب ضعفي الدلتا تل أبيب ليفتح آفاقا جديدة لإسرائيل لتكون المورد الرئيسي في الشرق الأوسط للغاز لأوروبا، فيما يروج النظام لمكاسب بالجملة من صفقة الغاز القادم من إسرائيل كإعادة تشغيل وحدات الإسالة المتوقفة، وتحويل مصر لمركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة بالمنطقة([23])، ومع الشكوك التي تدور حول ما يروجه النظام، فإن الحالة الشعبية مرتابة من تحركات السيسي تجاه التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل.

 

رابعا: المحور ثقافي وإعلامي

صاحب هذا التقارب الحميمي مع إسرائيل، خطاب إعلامي من عدد من المحسوبين على النخبة المصرية والإعلاميين المصريين، ودفع ذلك بقوة هذا التقارب الذي وصل إلى حد التبعية للسعودية والإمارات، وسيطرة كل منهما لاسيما الأخيرة على العديد من القنوات والصحف المصري، أو التعاقد مع كبار مقدمي البرامج للعمل في قنوات تابعة لهاتين الدولتين، اللتين تعتبران إيران العدو الأول مع استبعاد إسرائيل عن هذا التصنيف أو على الأقل تأخيره، ولعل اعتقال الناشط رامي شعث، نجل وزير خارجية فلسطين الأسبق ومساعد رئيس السلطة الفلسطينية حاليا نبيل شعث في القاهرة عام 2019 ، على خلفية حملته ضد التطبيع الثقافي مع إسرائيل كانت رسالة واضحة من النظام المصري في هذا الشأن([24])، مع ذلك فإن السواد الأعظم من المثقفين ضد هذا التطبيع الذي تفرضه الدولة بالقوة عبر منع النشر أو الوقف عن العمل.

  • السيناريوهات المتوقعة

مع استمرار النظام الحالي في مصر والتحولات المركزية في شكل الصراع في المنطقة في ظل المعطيات الجوهرية التي ستعيد تشكيل مواقع التمركز في العالم ومن ثم المنطقة بعد جائحة كورونا فإن السيناريوهات المتوقعة تذهب إلى أحد ثلاثة سيناريوهات ..
السيناريو الأول:
في ظل إحكام القبضة الأمنية للنظام على الشعب المصري، ومع انسداد الحياة السياسية الحقيقية في مصر وتمثلها في عدد من الأحزاب الكارتونية والمعارضة الديكورية الموالية للنظام والمحكومة والمصنوعة على عين دوائر المخابرات الحربية، فإن احتمالية حدوث تغيير تبقى ضعيفة، سواء على المستوى السياسي عبر القنوات الديمقراطية بالانتخابات أو من خلال اندلاع ثورة شعبية عارمة تزيح النظام الحالي والذي يسعى بكل قوة لتثبيت وتأكيد العلاقات مع إسرائيل ويعمق ذلك شعبيا من خلال إعلامه أو من خلال الدراما التلفزيونية أو السينمائية، مع ذلك يرى البعض أن تعاطي النظام مع جائحة كورونا سواء صحيا أو اقتصاديا سيحرك الشارع الغاضب بالأساس على أوضاعه الداخلية والرافض للتطبيع الممنهج مع إسرائيل.

السيناريو الثاني:

يذهب هذا السيناريو إلى الخارج حيث الدعم القوي من دول الحصار على قطر والتي دفعت مليارات لنظام انقلاب الثالث من يوليو لتثبيت أركانه والتي ترى في التعاون مع إسرائيل أحد أعمدة بقاء هذا النظام للتخلص من الإسلام السياسي في مصر والذي ترى فيه خطرا عليها كما تراه إسرائيل بنفس المنظور، لكن ومع الظروف الاقتصادية التي تعيشها تلك الدول بعد انخفاض أسعار النفط والوضع الاقتصادي جراء جائحة كورونا فإن قنوات التعاون قد تضعف تلك القنوات المبنية بالأساس على التمويل والدعم اللوجستي، وهو ما يعني أن هذا التعاون قد يفسح مجال تسلل حركات الرفض الشعبي لهذا التطبيع، والمتنامي جراء فرض القنوات التلفزيونية المنهج التطبيع عبر الدراما التلفزيونية في رمضان، مع ذلك فإن هناك من يرى أنه حتى مع الوضع الاقتصادي الذي تعيشه تلك الدول إلا أن التطبيع والدعم المستمر لفتح علاقات أوسع مع إسرائيل سيكون أولوية، رغبة في صد أي حراك شعبي محتمل ضد هذه الأنظمة.

السيناريو الثالث:

من جهة أخرى فإن الطرف الآخر (إسرائيل) قد يكون الوضع الداخلي مؤثر إلى حد ما على هذه العلاقات لا من حيث وقف عمليات التطبيع وإنما من حيث تباطؤ السير باتجاهه، فالتظاهرات التي تشهدها تل أبيب وعدد من المدن في الداخل الفلسطيني المحتل ضد تولي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحزبه من تشكيل الحكومة على خلفية قضايا الفساد المتورط فيها رئيس الحكومة المكلف، قد تؤتي ثمارها، فإن البديل (تكتل أبيض أزرق) ليس بعيدا عن مواقف نتنياهو في سياسته تجاه التطبيع، بل على العكس فإن بيني جانتس يسعى إلى تسويات سياسية في المنطقة تتيح له ضم المستوطنات والضفة و ضم المنطقة (ج) في سيناء في أسرع وقت ممكن، وهو ما سيجعل الرجل فيما لو اغتنم مقعد رئاسة الوزراء يقدم المزيد من التعاون مع النظام المصري لإنهاء حالة التوتر في سيناء التي تشهد عمليات عسكرية وخسائر مادية في صفوف الجيش المصري بتدخل أكثر صراحة لتهيئة الأرض لما يريد من ترتيبات لصفقة القرن، وهو ما تسعى إليه أمريكا قبل انتهاء الولاية الثانية للرئيس ترامب الذي يدفع في هذا الاتجاه لكسب ود اللوبي الصهيوني قبل الانتخابات المقبلة بعد أشهر.

ومع كل هذه المعطيات فإن الأمر قد يتغير كثيرا فيما لو اندلعت ثورة جديدة في مصر وأطاحت بالنظام الحالي على خلفية الحالة الاقتصادية المتردية التي يعيشها الشعب والتي تتفاقم مع السياسات الاقتصادية المتبعة وحالة الغلق التي تشهدها دوائر الأعمال وتسارع تهاوي شرائح مجتمعية واسعة في دائرة الفقر، مع وقف شبه تام للدعم الاقتصادي من دول الخليج للنظام، تحت ضغط الظروف الاقتصادية التي ينتظر أن تتفاقم خلال الأشهر القادمة، والتي قد تطول إلى عدة سنوات قادمة، وإن كانت الحالة غير مهيأة الآن لاندلاع ثورة في مصر لعدد من الأسباب، يطول شرحها، إلا أن اندلاعها ممكن تحت تلك الضغوط، وفيما لو اندلعت ثورة جديدة فإن عملية التطبيع بمحاورها الأربع ستتقلص وتتراجع شيئا فشيئا حتى تتلاشى بالكلية وصولا إلى القطيعة مع استبعاد وصول الأمر إلى حرب.

مع ذلك فإن السيناريو الأقرب في الفترة القادمة هو استمرار عملي للتعاون والتطبيع الرسمي من منطلق الحالة الأمنية والاقتصادية التي تتعمق والأهداف المشتركة إقليميا ومنها إبعاد تركيا عن ريادة المنطقة، فيما ستدفع الهرولة الخليجية نحو التطبيع مع إسرائيل، إلى تعميق سبل التعاون كأحد أولويات أمنها مع تنامي الحراك الإيراني واعتباره عدوا مشتركا إلى جانب تركيا يجب وقفه ومن ثم فإن مصر وإسرائيل هما المرشحتان لوقف المشاريع المتنامية في المنطقة على صدارة المشهد فيه، ومن ثم فإن الدعم الخليجي قد يستمر من هذا المنطلق، مع ذلك فإن الرفض الشعبي لعمليات التطبيع سيظل، ما يعني تعطيل مشروع التطبيع الإسرائيلي الشعبي والذي يدعمه النظام في مصر بكل قوة.

 

([1]) بيان للحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل - موقع الحملة.

([2])التطبيع الثقافي .. الأهداف والشواهد والتعثر - د. عدنان أبو عامر.

([3])مبادئ ومعايير تطبيق المقاطعة - الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل - موقع الحملة.

([4])مقدمة لدراسة الصراع العربي الإسرائيلي - د. عبد الوهاب المسيري.

([5]) الصراع العربي الإسرائيلي - بيدرو برييجر

([6]) الوضع القانوني في فلسطين - معهد الحقوق - جامعة برزيت

([7]) تطور المقاومة الفلسطينية الشعبية والمسلحة بين عامي 1967 - 1987- د. عدنان أبو عامر

([8]) استعراض مكاسب مصر من معاهدة السلام مع إسرائيل - ديفيد ماكوفسكي - معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى

([9])ندوة مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني - المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات

([10])أسباب الاقتتال الفلسطيني - عبد الستار قاسم - موقع الجزيرة

([11])خطاب الرئيس محمد مرسي بعد خطبة الجمعة - 16 نوفمبر 2012

 

([12])العدوان على غزة يظهر الفارق بين مرسي والسيسي - أحمد الليثي

([13])تطويق مرسي: إستراتيجية تقليل الأضرار الإسرائيلية - صالح النعامي - مركز الجزيرة للدراسات.

([14]) مقابلة مع وزير القضاء الإسرائيلي الأسبق يوسي بيلين في صحيفة إسرائيل اليوم بتاريخ 27- 6 - 2012

([15])الموقف الإسرائيلي من الأحداث والتغيرات في مصر في الفترة من يونيو 2013 إلى يوليو 2014 - مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

 

([16]) أثر الانقلاب العسكري في مصر في القضية الفلسطينية - وائل سعد - مركز الزيتونة

([17])موقع “نيوز وان” الإخباري الإسرائيلي - نقلا عن أرشيف نشرة فلسطين اليوم - مركز الزيتونة

([18]) مقابلة تلفزيونية مع السفير الإسرائيلي لدى جمهورية الدومينيكان بهيج منصور في 14 إبريل 2018

([19])توجه السيسي الجديد نحو العلاقات المصرية الإسرائيلية - معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى

 

([20]) المرجع السابق

([21])الغارات الجوية الإسرائيلية في سيناء دليل على نمو علاقاتها مع العالم العربي - جوناثان ماركوس - بي بي سي

 

([22]) تقرير- موقف مصر من قضية «صفقة القرن» على المحك وبيان وزارة الخارجية لم يحدد دورا إيجابيا تجاه القضية الفلسطينية- صحيفة القدس العربي

([23]) تقرير- تعرف على مكاسب مصر من صفقة الغاز الإسرائيلي - جريدة المال

 

([24]) اعتقال رامي نبيل شعث واتهامه بـ"تمويل الإرهاب".. وتدخلات فلسطينية لإطلاق سراحه- موقع AL- MONITOR

 

Interpreting Haftar’s Gambit in Libya

 الثلاثاء 12 أيار 2020 - 11:16 ص

Interpreting Haftar’s Gambit in Libya https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/north-… تتمة »

عدد الزيارات: 39,916,150

عدد الزوار: 1,100,411

المتواجدون الآن: 34