أربع سنوات من الحرب في اليمن..

تاريخ الإضافة الأحد 14 نيسان 2019 - 7:31 ص    التعليقات 0

        

أربع سنوات من الحرب في اليمن..

مركز كارنيغي....نقاش صدى... يتحدّث خمسة خبراء عن الحملة العسكرية المتصدّعة في اليمن ويتوقفون عند تأثيرها الخطير على الشعب والمؤسسات في البلد. فيما تدخل الحملة العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن عامها الخامس، تعاني البلاد من دمار واسع على صعيدَي البشر والحجر. في غضون ذلك، يفتقر التحالف إلى أهداف متماسكة، وتتبدّد الآمال التي عُقِدت على المفاوضات في الحديدة وقدرتها على تحقيق السلام. يتحدّث خمسة خبراء عن الحملة العسكرية المتصدّعة ويتوقفون عند تأثيرها الخطير على الشعب والمؤسسات في اليمن.

نزاع متعدد الوجوه

آدم بارون

آدم بارون زميل زائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية وزميل في برنامج الأمن الدولي في مركز "نيو أميركا" للأبحاث والدراسات. لمتابعته عبر تويتر adammbaron@

في حين ينصب الجزء الأكبر من الاهتمام على تدويل التدخل الذي تقوده السعودية أو إيجاد حلول له، تستمر التصدعات السياسية-الاجتماعية المحلية القائمة منذ وقت طويل. بعد أربع سنوات على إطلاق التحالف العسكري الذي تقوده السعودية عملية "عاصفة الحزم" ضد الحوثيين، وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاق في ستوكهولم في أواخر العام 2018 بين الحوثيين وحكومة عبد ربه منصور هادي المعترَف بها دولياً، لا يزال النزاع مستعراً. لقد نجح التحالف في دفع الحوثيين إلى التراجع، في حين أن الحكومة المعترف بها دولياً عادت إلى حد كبير إلى العاصمة المؤقتة عدن. إنما لا يزال الحوثيون بعيدين جداً عن الهزيمة، فهم يحتفظون بالسيطرة على صنعاء ومرفأ الحديدة والقسم الأكبر من المناطق الواقعة غرب البلاد. فيما يشير الجزء الأكبر من التقارير عن الحرب الدائرة في اليمن إلى أن تاريخ انطلاقتها كان في 26 آذار/مارس 2015، يتحدّى واقع النزاع وسياقه الأوسع هذه التأطيرات التبسيطية. فالوضع الراهن يُجسّد، في جوانب كثيرة، تراكماً لتصدّعات سياسية-اجتماعية قائمة منذ وقت طويل، وقد ازدادت سوءاً بفعل تراجع إيرادات النفط والغاز وتفريغ المؤسسات الرسمية وغير الرسمية من مضمونها. وقد ظهرت هذه التصدعات إلى الواجهة بفعل انتفاضة 2011، وجرت تهدئتها بطريقة غير فاعلة خلال المرحلة الانتقالية التي عرفها اليمن بعد الربيع العربي، لتعود فتستفحل من جديد على وقع التصعيد في النزاع مع سيطرة الحوثيين على صنعاء والدخول المباشر للتحالف الذي تقوده السعودية إلى المسرح الأوسع للحرب اليمنية. إنه نزاعٌ متعدّد الوجوه – أو بعبارة أدق، مجموعة من النزاعات المترابطة. وفي حين تستمر المسائل المطروحة على مستوى أعلى – مثل تدويل النزاع والجهود التي تُبذَل للتوصل إلى اتفاق سلام بين ممثّلي الحكومة اليمنية والحوثيين – في استقطاب الاهتمام الأكبر، غالباً ما تتبلور على الأرض مجموعة من الديناميات المحلية. ليس المقصود بذلك أنها متمايزة تماماً: فسياسات النفوذ وشبكات المحسوبيات والشراكات هي دليلٌ على تسلّل السياسات الوطنية والدولية إلى مختلف المسائل حتى أصغرها. مع ذلك، يبدو أن زمن تركُّز الحكم في صنعاء قد ولّى، مع ظهور مجموعة من مراكز النفوذ في مختلف أنحاء البلاد. ماذا يعني ذلك في ما يتعلق بتسوية النزاع؟ النقاش حول التواريخ المختلفة لانطلاقة الحرب معبِّرٌ في جانبٍ معيّن. ففضلاً عن الاختلاف في آراء اليمنيين حول النزاع، غالباً ما يمتلكون مفاهيم مختلفة جذرياً عن طبيعة النزاع – وهناك أيضاً تباينٌ في تصوراتهم عنه. يتجاهل صنّاع السياسات هذه التعقيدات ويتحمّلون تبعات ذلك.

من استعادة الشرعية إلى إضعافها

عمار الأشول

عمار الأشول، باحث يمني وطالب ماجستير في الجامعة اللبنانية في بيروت. لمتابعته عبر تويتر: Lshwal@

تمكين التنظيمات شبه العسكرية التي تقاتل باسم الحكومة المعترَف بها دولياً يتسبب بتقويض ما تبقّى من الشرعية لدى الدولة. تحت يافطة استعادة الشرعية، أعلن التحالف بقيادة السعودية انطلاق عاصفة الحزم، يقوم بإضعاف هذه الشرعية من خلال إسقاط القنابل والصواريخ على التجمعات المدنية، ففي كل مرة يقصف فيها سوقاً أو مدرسة أو منزلاً يُضعف بذلك موقف الشرعية ويرفع من أسهم الحوثيين، عبر تحشيدهم للمقاتلين كرد فعل على استهداف المدنيين. لا يتوقف الأمر هنا، ففي حين تستمر الحكومة المعترف بها دولياً بممارسة مهامها من المنفى، أنشاءت دولة الإمارات العربية المتحدة، العضو الثاني في التحالف العربي، هيئة سياسية تمارس سلطاتها على الأرض، هذه الهيئة تتمثّل بالمجلس الإنتقالي الجنوبي الذي تم تأسيسه في الرابع من نيسان/أبريل 2017. ويُعتبر هذا المجلس صاحب اليد الطولى في جنوب اليمن، وينطلق من أهداف متعارضة تماماً مع أهداف الشرعية؛ أبرزها المطالبة بإلغاء الوحدة مع شمال اليمن، التي تم إعادة تحقيقها عام 1990، واستعادة دولة الجنوب. وبدعم مباشر من الإمارات أيضاً، تم تأسيس العديد من التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة من الحوثيين وجميعها تعمل خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية التابعتان للحكومة الشرعية وبعيداً عن نطاق سلطاتها. من أبرزها الأحزمة الأمنية في محافظات عدن وأبين وشبوة وحضرموت، إضافة إلى ألوية العمالقة في صعدة، وتشكيلات المقاومة التهامية في الحديدة، وقوّات حرّاس الجمهورية. كما يقوم التحالف بدعم الجماعات الدينية على حساب مؤسسات السلطة الشرعية، فبدلاً من دعم وزارة الدفاع كمؤسسة عسكرية يمنية، تقوم السعودية بدعم الجناح العسكري لحزب التجمع اليمني للإصلاح (الاخوان المسلمين في اليمن)، حتى أنه أصبح لهم دولتهم الخاصة في محافظة مأرب، ونفوذاً واسعاً في مدينة تعز، بينما تدعم الإمارات الجماعات السلفية بقيادة أبو العباس، أما قطر التي خرجت من التحالف العربي على إثر الأزمة الخليجية، فهي كانت ولا زالت تقدم الدعم للجناح الناعم في حزب الإصلاح. كل هذه التطورات السياسية والميدانية تصادر السلطة الشرعية بدلاً من استعادتها، يضاف إلى ما سبق اظهار الشرعية بموقف العاجز، من خلال عدم تسليم مرتبات موظفي القطاع الحكومي لأكثر من عامين، خاصة بعد تحملها مسؤولية نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن في 18 أيلول/سبتمبر 2016 وهو ما جعلها تبدو أمام المواطن اليمني سلطة بلا مال وبلا قرار. في رد عفل رسمي قدّم نائب رئيس الوزراء وزير الخدمة المدنية السابق عبد العزيز جباري استقالته في 19 آذار/مارس بسبب رفضه لتهميش الشرعية، داعياً إلى "تصحيح العلاقة مع التحالف"، كما طالب بـ"التعامل مع اليمن باحترام كبلد صاحب حضارة وليس كجمهورية من جمهوريات الموز". تبعه في ذلك وزير الدولة صلاح الصيّادي، الذي برّر استقالته بـ"عدم تمكين فخامة رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي من العودة إلى أي جزء من المناطق المحررة أو العاصمة المؤقتة عدن، مما تسبب في إضعاف حضور مؤسسات الشرعية وتقويض دورها لحساب جماعات وتشكيلات مليشياوية خارج إطار الشرعية". وأخيراً انتقد محافظ المحويت، صالح سُميع، في 10 آذار/مارس الحالي، دور الإمارات في اليمن، مطالباً الرئيس هادي بـ"ضرورة إنهاء تحالفه مع أبو ظبي"، ووصف سُميع دور هذا الحليف، في إشارة إلى الإمارات بـ"الأرعن"، كونه "يتصرف تصرفات غبية". وبالرغم من مراهنة الحكومة الشرعية بالاعتراف الدولي بها، إلا أن ممارسات السعودية والإمارات قد أدّت إلى اضعافها. وقد يؤدي ذلك إلى احداث فراغات في جسد الشرعية، وطول فترة الحرب وارتفاع كلفتها البشرية، ما يفضي إلى تعثّر عملية السلام.

السعودية لا تعرف ماذا تريد

نيل بارتريك

نيل بارتريك، المساهم الأساسي في كتاب "السياسة الخارجية السعودية: النزاع والتعاون" (Saudi Arabian Foreign Policy: Conflict and Cooperation) الذي نشرت IB Tauris طبعته الثانية في نيسان/أبريل 2018.

المقاربة غير المتماسكة التي تعتمدها السعودية في المسألة اليمنية، والتي تعكس استعداداً من جانبها للقبول بأن تكون جارتها الجنوبية ضعيفة، تسمح للإمارات العربية المتحدة بتحريك الرماد وإثارة المشكلات. لم تعد السعودية تعلم ماذا تريد في اليمن. فالحرب الدائرة هناك منذ أربعة أعوام شُنَّت لكبح الحوثيين وإعادتهم إلى معاقلهم شمال البلاد، وإعادة تثبيت قيادة يمنية متعاوِنة (عموماً) في صنعاء. غير أن السعوديين عالقون، بمشاركة الإمارات، في ممارسة مدمّرة وتعود بنتائج عكسية على المستوى السياسي عبر شنّ هجمات جوية مقرونة بالسياسة السعودية الأكثر تقليدية القائمة على دفع الأموال في محاولة لكسب الأصدقاء، لكنهم لم يحققوا سوى نجاحاً متفاوتاً في التأثير في الأشخاص. قد يكون من الأجدى بالسعوديين التركيز حصراً على أسلوبهم المثبَت، ولو كان غير ناجح كما هو معلوم، باستخدام الأموال والوهّابية الرسمية في مسعى لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء في اليمن، إلى زمنٍ كانت فيه القبائل والأشخاص المعرَّضون للجنوح نحو السلفية، متعاونين إلى درجة ما. لكنهم يتمسّكون تمسّكاً أعمى بحرب جوية فاشلة تشّجع الحوثيين على إطلاق الصواريخ باتجاه العمق السعودي. في العام 2015 راود السعوديون خوفٌ استراتيجي من أن تقدُّم الحوثيين داخل اليمن يعود بالفائدة على إيران، الأمر الذي تحوّل إلى واقع شديد الوضوح: لقد زادت إيران إلى حد كبير مساعداتها للقوة الحوثية التي أصبحت عميقة التجذّر في إدارة مناطق أساسية شمال البلاد، منها صنعاء. من الواضح أن الإماراتيين الذين يُقيم معهم السعوديون تحالفاً في اليمن قوامه ما لا يريده الطرفان أكثر منه ما يفعلانه معاً، يخططون لاستكمال الترتيبات الآيلة إلى تسهيل انهيار الدولة اليمنية. دعم الإمارات العربية المتحدة علناً الانفصاليين الجنوبيين وتعارض عدوهم، الرئيس اليمني الاسمي المدعوم من السعودية، عبد ربه منصور هادي. في آذار/مارس 2019، هاجم اثنان من وزرائه السعي الإماراتي إلى إقامة دولة في جنوب اليمن (أو العديد من الدويلات الجنوبية)؛ ووجّه هادي نفسه انتقادات إلى الإمارات لأنها تتصرف كـ"محتل" من خلال العمل على إنشاء قوات موالية لها وللانفصاليين والسيطرة على جزيرة سقطرى. يشمل حلفاء السعودية في اليمن السلفيين الذين يُبدي الإماراتيون ازدراءهم الواضح لهم، لكنهم ممثّلون جيداً في أوساط حلفائهم الجنوبيين؛ وحزب الإصلاح الذي يُشكّل نسخة قبلية يمنية عن الإخوان المسلمين، والذي لا يمكن للإمارات القبول به. غير أن الإصلاح وحليفه الأساسي، علي محسن الأحمر المدعوم من السعودية والذي يشغل منصب نائب الرئيس هادي، قد يُقرّران مهاجمة الانفصاليين الجنوبيين بما يُرجّع صدى الحرب الأهلية اليمنية للعام 1994، ويؤدّي إلى تأليب الحلفاء السعوديين على الحلفاء الإماراتيين، كما حصل في كانون الثاني/يناير 2018 عندما خاضوا قتالاً في ما بينهم للسيطرة على مطار عدن. وفي محافظة المهرة التي تقع في أقصى شرق البلاد، تسعى السعودية والإمارات إلى إضعاف التأثير الذي تمارسه سلطنة عمان وما يُحكى عن تسهيلها لمرور الأسلحة إلى الحوثيين، وذلك عبر دعم عناصر محليين مختلفين. في هذا الإطار، استأنفت السعودية محاولاتها غير المدروسة في مناطق أخرى في البلاد لتشجيع الحماسة الأيديولوجية الوهّابية في ممارسة تسببت بارتدادات عكسية قبل نحو عقدٍ من الزمن في صعدة معقل الحوثيين. يسعى السعوديون، منذ ثمانية عشر شهراً، إلى السيطرة على الحدود بين المهرة وسلطنة عمان وعلى مطار المحافظة ومنشآت الميناء البحري، فيما تركّز الإمارات على السعي إلى ضم هذه المحافظة المتمايزة جداً والتي تربطها علاقة صداقة نسبياً بسلطنة عمان، إلى خططها الانفصالية في جنوب اليمن. ربما يعمد السعوديون إلى تسهيل تدخّل الآخرين في تفكّك الدولة اليمنية، أو السماح به في إطار مخطط كبير لفرض سيطرتهم على الأروقة البرية نحو بحر العرب. غير أن عجز اليمن المثبَت عن إدارة دولة مركزية ومتماسكة قد يؤدّي على الأرجح إلى سيطرة السعودية على بعض الأراضي بحكم الأمر الواقع أو إلى نشوء دويلة تدور في فلكها في الجنوب، في حال أرادت الرياض ذلك. ليست للمرحلة الأولى من اتفاق السلام في الحديدة، والذي لا يتقيّد به الحوثيون والقوى المدعومة من الإمارات كما يجب، علاقة بالحسابات (أو سوء الحسابات) الاستراتيجية السعودية أو السياسية الإماراتية في النزاع اليمني، بل إنها مرتبطة إلى حد كبير بالصورة التي يحاول هذان البلدان بثّها رداً على الحلفاء الغربيين المربَكين. غياب التماسك في المقاربة السعودية للمسألة اليمنية مردّه جزئياً إلى التقليد الذي دأبت عليه السعودية التي لا مشكلة لديها في القبول بضعف الدولة اليمنية باعتباره الثمن المقبول حفاظاً على أمن المملكة. إنما من الواضح أن ذلك لم يعد مجدياً: فقد تسبّب انهيار الدولة اليمنية بتفاقم مشكلات الأمن القومي التي تعاني منها السعودية، في حين أن الإمارات، التي طالتها فقط التداعيات غير المباشرة لهذه المسائل، تُحرّك الرماد الاستراتيجي بما يعود بالضرر على السعودية واليمن على السواء.

التبعات النفسية للحرب

فوزية العمار

فوزية العمار، باحثة في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في اليمن.

مع دخول الحرب اليمنية عامها الخامس، تزداد الأوضاع سوءاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون من الصدمات النفسية. يتعرض اليمنيون في رقعة كبيرة من البلاد لويلات الحرب الجوية والبرية والبحرية، التي تسببت في تبدل حياة الكثير منهم على نحوٍ يفوق القدرة على الاستيعاب، نتيجة ما أفرزته الحرب بسبب فقدان عشرات الآلاف أحباءهم ومعيليهم. أتقنت الحرب الجارية رسم فصول المأساة على وجوه صغار اليمنيين خاصة، فقد أصيب الشباب والشابات بحالات من البؤس والاكتئاب، فتركوا مدارسهم وجامعاتهم، وتدنى أداؤهم الدراسي والأكاديمي نتيجة العجز المادي للأسر، والشعور بضعف قدراتهم الفكرية، وعدم قدرتهم على التركيز في الدرس، وضعف القدرة والرغبة في التحصيل العلمي. وهكذا يجد الشاب نفسه مجبراً على الالتحاق بجبهات القتال بغية الحصول على مصدر للرزق بعد فقدان الناس مصادر العيش الكريم. أُجريَت دراسة مسحية شملت 902 من الأطفال النازحين في المدارس الحكومية في صنعاء خلال العام الدراسي 2015/2016، وتتراوح أعمارهم بين 8-18 عاماً، عبر استخدام مقياس أعراض اضطراب ما بعد الصدمة لدى الأطفال (Child PTSD Symptoms Scale-CPSS)، الذي تمت مواءمته وتكييف فقراته مع البيئة اليمنية بواسطة الباحثة، وقد أشارت نتائج الدراسة إلى ارتفاع نسبة المعاناة النفسية للأطفال ممثَّلاً في انتشار ما يسمى باضطراب ما بعد الصدمة بنسبة مرتفعة بلغت 79 في المئة (712). تبرز هذه الاضطرابات في معاناة ذهنية تتمثل في تكرار الذكريات المرتبطة بالصدمة، واضطرابات الإعياء النفسي والإجهاد الانفعالي، كما تبرز في ضعف القدرة على التعبير وإبداء مشاعر الحزن ومشاعر الفرح. كما شكا أفراد عينة الدراسة من اضطرابات النوم والأحلام المزعجة، والشعور بالإحباط وضعف القدرة على التركيز وتدني التحصيل الدراسي للأطفال، ومن ضمن المعاناة النفسية ظهور مشاعر الخوف وتجنب الأماكن والأشياء المرتبطة بالتجربة المسببة للصدمة. شملت دراسة متخصصة نشرتها مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري في العام 2018، الفئة العمرية ما فوق 16 عاماً وكبار السن من كافة محافظات اليمن، وقد حازت صنعاء نسبة مشاركة عالية ضمن العينة قدرها 59.2 في المئة. وأشارت النتائج إلى أن المصابين يعانون من اضطراب القلق (3.25 في المئة)، تلته اضطرابات الاكتئاب (2.3 في المئة)، ثم الاضطراب المرتبط بالصدمات (0.7 في المئة). في العموم، أوضحت الدراسة أن نسبة انتشار الاضطرابات النفسية تبلغ 19.5 في المئة، وأن عددهم وصل إلى ما يزيد عن خمسة ملايين يمني مصابين بحالة من حالات الاضطراب النفسي. وقد أبرزت النتائج أن النساء أكثر تعرضاً للإصابة بالاضطرابات النفسية مع نسبة 81 في المئة.في حين تُقدّم بعض المؤسسات، مثل مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري، خدمة الاستشارة النفسية، تزداد الضغوط عليها تأزماً مع دخول الحرب عامها الخامس. الخدمات الصحية في وضع مزرٍ، وتتدهور الأوضاع الصحية للمرضى والمصابين بالصدمات النفسية. تندر الخدمات الصحية النفسية حيث يزاول 44 طبيباً نفسياً فقط العمل ويتوزّعون على أربعة مستشفيات للصحة النفسية في اليمن تتمركز في أربع مدن رئيسة هي صنعاء وعدن وتعز والحديدة، ما يشير إلى حجم المعاناة الإنسانية لليمنيين.

الضعيف يتحمّل ما يجب أن يتحمّله

أفراح ناصر

أفراح ناصر، صحافية يمنية مستقلة ورئيسة التحرير مجلة صنعاء، حصلت على جائزة حرية الصحافة الدولية من لجنة حماية الصحفيين في العام 2017. لمتابعتها عبر تويتر Afrahnasser@

يتعذّر على الفريقَين تحقيق نصر عسكري في الحرب اليمنية، واليمينون عالقون في الوسط... يواجه اليمن، الذي يُعتبَر الأفقر بين الدول العربية، مزيداً من الدمار والجوع منذ بدء التدخل العسكري الذي يشنّه التحالف بقيادة السعودية في العام 2015 على إثر سيطرة تحالف الحوثيين-صالح على صنعاء في العام 2014. وهكذا بين الاستراتيجيات السعودية الكارثية والأجندة الإماراتية المتباينة والخفيّة والعدوان على أيدي الحوثيين، يدفع المدنيون في اليمن الثمن الأغلى لحربٍ يتعذّر الفوز فيها. فالحوثيون ليسوا طرفاً خارجياً ولا فريقاً متجانساً، واليمن معروف بطبيعته الجغرافية القاسية والوعرة، لذلك يتعذّر على الطرفَين تحقيق نصر عسكري في هذه الحرب.

بعدما أظهر قادة العالم لامبالاة حيال الفظائع في اليمن طوال أربعة أعوام تقريباً، مارس المجتمع الدولي في أواخر العام 2018 ضغوطاً فعلية على الأطراف المتناحرة للجلوس إلى الطاولة في أول جولةٍ لمحادثات السلام تُعقَد بينهم منذ عامَين. لقد شكّلت التصفية المأسوية للصحافي السعودي جمال خاشقجي نقطة تحوّل في الاندفاعة نحو محادثات السلام. وولّد ذلك بارقة أمل بأنه ربما تلوح في الأفق نهاية للحرب الدائرة في البلاد. لكن مع مرور الأسابيع، بات واضحاً أن المحادثات جاءت نتيجة رغبة دولية إنما ليس بالضرورة رغبة محلية أو إقليمية. وقد تبدّد الأمل شيئاً فشيئاً. وربما يحتاج إحياؤه إلى حدث كبير آخر ذي أصداء دولية.

عند التوقف عند الحرب اليمنية التي أنهت عامها الرابع والسؤال حول ما تحقق حتى تاريخه، لا أجد سوى مزيداً من الانقسام والدمار في الدولة اليمنية التي تعاني أصلاً من العجز الشديد. والمحاولة السعودية لإعادة العمل برئاسة عبد ربه منصور هادي لم تؤدِّ سوى إلى زيادة احتمالات حدوث انقسام دائم في البلاد.

كذلك أسفر القتال السعودي ضد الحوثيين عن قصف مواقع تاريخية في اليمن من دون أن يكون هناك أي داعٍ لذلك. تحتل الإمارات العربية المتحدة، التي هي شريكة السعودية، جزيرة سقطرى اليمنية النائية، وتسيطر على ميليشيات ومجموعات مسلّحة مموَّلة منها في جنوب البلاد الواقع خارج سلطة الحكومة اليمنية. إنه أمرٌ مقلق أن يتسبب هذان النظامان الملكيان بهذا القدر الكبير من الأضرار للبلد الأكثر فقراً في العالم العربي. وهذا جحيمٌ يعيشه اليمنيون العالقون بين الأفرقاء المتناحرين. تختصر مقولة ثيوسيديدس المحنة التي نمرّ فيها: "القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يتحمّل ما يجب أن يتحمّله".

Sri Lanka’s Easter Bombings: Peaceful Coexistence Under Attack

 الأربعاء 24 نيسان 2019 - 6:20 ص

Sri Lanka’s Easter Bombings: Peaceful Coexistence Under Attack     https://www.crisisgroup.… تتمة »

عدد الزيارات: 21,835,915

عدد الزوار: 549,879

المتواجدون الآن: 0