الحواجز في مواجهة المهرّبين: معركة الجزائر والمغرب لحفظ أمن الحدود..

تاريخ الإضافة السبت 13 نيسان 2019 - 7:44 ص    التعليقات 0

        

الحواجز في مواجهة المهرّبين: معركة الجزائر والمغرب لحفظ أمن الحدود..

أنوار بوخرص..

انوار بوخرص باحث غير مقيم في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط. وهو أيضاً أستاذ مساعد في العلاقات الدولية في جامعة مكدانييل في وستمينستر..

ملخّص: على رغم تشديد الرقابة على الحدود، يواصل المهرّبون إيجاد طريقة لاستكمال أنشطتهم. تحتاج الجزائر والمغرب على السواء إلى إبطال العوامل المحفزّة للتهريب والحدّ من الفساد...

تدفع عوامل عدّة كالإرهاب، وتهريب الأسلحة، والاتجار بالمخدرات والبشر، وتدفقات الهجرة، العديد من دول شمال أفريقيا إلى تعزيز دفاعاتها الحدودية. وتشمل التكتيكات الحالية بناء الخنادق والحواجز والأسوار على طول أميال، فضلاً عن استخدام طائرات من دون طيار وتكنولوجيات مراقبة متطوّرة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل ستكون هذه الإجراءات فعّالة وما التكلفة التي ستترتب على هذه الدول؟ بالطبع إجراء دراسة دقيقة للإجابة على هذا السؤال مهم، نظراً إلى عدد الدول التي تدرس أو تتبنى مثل هذه التدابير حول العالم.

في منطقة المغرب العربي، تتداعى الجهود التي تبذلها الجزائر والمغرب، وهما دولتان متخاصمتان قطعتا شوطاً كبيراً للانعزال عن بعضهما البعض. صحيح أنهما أحرزتا بعض التقدّم في الحدّ من الاتجار غير المشروع عبر الحدود، إلا أن المهرّبين تعلّموا ببساطة كيف يتكيّفون مع الوضع، إذ أدخلوا تغييرات على مايجري تهريبه وطريقة التهريب، مستفيدين في الوقت نفسه من الفساد المستشري. علاوةً على ذلك، أدّت التحصينات الأمنية إلى تدهور الوضع الاقتصادي في المناطق الحدودية التي تعاني أصلاً من صعوبات، ما أذكى الاحتجاجات ودفع المهرّبين الشباب إلى التوّرط في مجال تهريب المخدرات. وستبقى المجتمعات المُنعزلة التي تقطن هذه الأطراف المُهملة تشكّل بيئة حاضنة محتملة لانعدام الاستقرار، ما لم تتّبع الحكومتان نهجاً اجتماعياً واقتصادياً أكثر اتّساقاً في أمن الحدود.

الحدود المغلقة تفاقم التهريب

الحدود المغلقة بين الجزائر والمغرب هي القاعدة وليس الاستثناء. فمنذ استقلال الجزائر عن فرنسا في تموز/يوليو 1962، كانت الحدود البرية الجزائرية- المغربية مُشرعة لعشر سنوات فقط إجمالاً. وأدّت النزاعات على الأراضي والموارد، التي اندلعت على خلفية إنهاء الاستعمار والتوترات المتنامية باستمرار، إلى إغلاق الحدود في العام 1963 (حرب الرمال)، وفي العام 1975 (حرب الصحراء الغربية)، وفي العام 1994 (بعد الهجوم الإرهابي على فندق أطلس أسني في المغرب).1

أسفر الإغلاق المتكرّر للحدود عن تشتيت العائلات (فالمغاربة والجزائريون على طول الحدود يتزاوجون تاريخياً ويمارسون أعمالاً تجارية متبادلة)، إلا أنه لم يعطّل الأنشطة التجارية عبر الحدود. فخلال سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي، زادت القواعد والأنظمة التجارية – ولاسيما القيود التي تفرضها الجزائر على الواردات – من جاذبية الاستيراد السرّي للمنتجات الزراعية والملابس والأحذية والكحول من المغرب. وبحلول أواخر الثمانينيات، حظي الكثير من المنتجات الغذائية والبترولية الجزائرية بدعم، عاكسةً بذلك اتجاه تدفّق البضائع بين البلدين. فقد بات تهريب المنتجات المدعومة - وخاصة الوقود - إلى المغرب عملاً مدرّاً للربح. كما أصبح من غير الممكن الاستغناء عن خدمات الوسطاء والمهرّبين في ربط المجتمعات الحدودية وتوفير السلع الأساسية بأسعار معقولة. وشكّل التهريب ونقاط العبور غير القانونية أهم جوانب الحياة اليومية.

في بادئ الأمر، تحمّل مسؤولو الدولة هذه الحالة، لأن الخيارات الاقتصادية البديلة كانت ضئيلة. وقد تعطلّت جهود التنمية الوطنية في المناطق الحدودية بسبب الميزانيات غير الكافية، والمخصصات غير الملائمة، وتدنّي الجودة. وبالنسبة إلى كل من الحكومتين الجزائرية والمغربية، ولّد التهريب نوعاً من التوظيف الذي ساهم في خفض معدل بطالة الشباب وتخفيف حدة الفقر. وعلى مدى عقود، ساعد التهريب على إنعاش البلدات الجزائرية الحدودية مثل زويا وباب العسا ومغنية وبلدات أحفير ووجدة المغربية، ماحوّلها إلى مراكز تجارية مهمة.

بحلول أواخر الثمانينيات، كان الجزء الأكبر من السلع المهرّبة يشمل الوقود والمواد الغذائية والمنتجات الزراعية والخردة المعدنية والكحول. ويُعزى ذلك إلى حد كبير إلى فرق الأسعار بين بلد المنشأ وبلد الوجهة. على سبيل المثال، خلق البنزين المدعوم بشكل كبير في الجزائر حافزاً للتهريب إلى المغرب. كما أدّى خفض قيمة العملة الجزائرية إلى جعل مجموعة واسعة من السلع أرخص مقارنة بجارتها، ما أسفر عن بروز طفرة في التجارة غير المشروعة. وكما الحال في كثير من الأحيان، فتحت هذه التجارة الطرق والمعابر أمام تهريب منتجات أخرى، بما فيها العقاقير الطبية والسجائر من الجزائر والقنب (الحشيشة) من المغرب.

انتشرت شبكة التهريب هذه في التسعينيات حين كان الإرهاب يفرض مشكلة كبيرة في الجزائر، ما أشاح انتباه قوات الأمن بعيداً عن التهريب.2 حينها حظي المهرّبون بمتسع من الوقت لإتقان عملياتهم. وبات السكان والمهرّبون بارعين في استخدام معرفتهم بالحدود للتملّص من دوريات الأمن والتواطؤ مع سلطات الحدود. وقد حافظت حكومتا البلدين على مقاربة عامة تقوم على عدم التدخل والتساهل، شريطة أن يبتعد المهرّبون عن الاتجار بالأسلحة والتعاون مع الإرهابيين.

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تواصلت تجارة السوق السوداء على نطاق واسع بلا هوادة. وعمدت الحكومة الجزائرية، خوفاً من الاضطرابات التي قد تندلع بفعل معدلات البطالة والفقر المرتفعة، إلى مواصلة دعم السلع بشكل كبير، محافظةً في الوقت نفسه على جاذبية السلع والحوافز التي تدفع سكان الحدود إلى التهريب. ومنح اقتصاد التهريب أيضاً حوافز مالية لمسؤولي الحدود والسياسيين الفاسدين ورجال أعمال منتقين في القطاع الخاص والمهرّبين غير الشرعيين الأقوياء لتعزيز تجارة البنزين والمواد الغذائية والسجائر. علاوةً على ذلك، ازدادت عمليات تهريب المهاجرين من الجزائر إلى المغرب. فقد ارتفع عدد السكان الوافدين من أفريقيا جنوب الصحراء في مدينة مغنية الحدودية الجزائرية ومحيطها - ليشمل المهاجرين من غرب أفريقيا، بالإضافة إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية وساحل العاج وسيراليون.

لكن خلال هذه الفترة، بدأت المخاوف تساور الحكومتين من احتمال أن يعمل الإرهابيون ومهربو الأسلحة والمخدرات عبر الحدود الوطنية من خلال الممرات التي يستخدمها مهربو السجائر والمهاجرين والقنب. وبينما تمّ إضعاف التمرّد الإسلامي في الجزائر في العقد الأول من القرن العشرين، استمر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي تأسس رسمياً في كانون الثاني/يناير 2007، في التنقل بين أجزاء من المغرب وبين مناطق الساحل المجاورة. وفي أواخر هذا العقد، تفاقمت المخاطر الأمنية بسبب تحول أجزاء من غرب أفريقيا إلى مركز عبور رئيس لمهربي الكوكايين من أميركا الجنوبية وأوروبا. وخشيت السلطات الجزائرية والمغربية من أن تستخدم عصابات المخدرات مسارات تهريب السجائر والقنب لتوسيع رقعة عملياتها.

تشديد الرقابة على الحدود يحقق نجاحاً هامشياً

كانت الانتفاضات العربية في العام 2011 والاضطرابات السياسية الناجمة عنها، التي اجتاحت ليبيا وتونس، هي التي دفعت الجزائر والمغرب في نهاية المطاف إلى تشديد الرقابة على الحدود. فقد أثارت إطاحة الرئيس الليبي القوي معمر القذافي سلسلة من الأحداث بعيدة المدى، الأمر الذي أطلق موجة من اللاجئين وانتشار الأسلحة. وقد خشي المسؤولون الجزائريون والمغاربة من أن يستغل مهربو الأسلحة عبر الحدود الوطنية والمتجرون بالبشر والجماعات الإرهابية تجارة التهريب وفساد بعض مسؤولي الحدود لتوسيع مساراتهم. نتيجة لذلك، بدأت الحكومتان في تعزيز هيكلهما الخاص بإدارة الحدود، ما زاد عدد مراكز الرصد والدوريات المتنقّلة المنتظمة وأنظمة المراقبة. وتطلّب ذلك الاستثمار في التكنولوجيات الجديدة والقوة العاملة، الذي استلزم بدوره رأس مال ضخماً، خاصةً بالنسبة إلى الحكومة الجزائرية، التي كانت تواجه تهديدات أمنية متصاعدة على طول حدودها مع ليبيا وتونس ومالي والنيجر، فضلاً عن تزايد مشاعر السخط الاجتماعي.

في صيف العام 2013، بدأ النظام الجزائري اتخاذ إجراءات صارمة ضدّ الوقود المهرّب، على أمل أن يساهم استرداد إيرادات الدولة المفقودة في تمويل تكاليف استثماراتها في كلٍّ من إدارة الحدود والزيادة الكبيرة في التحويلات الاجتماعية، والمواد الغذائية المدعومة، ورواتب موظفي الدولة، التي تهدف إلى الحدّ من المعارضة الشعبية ودعم استقرار النظام. في ذلك الوقت، بلغت خسائر الجزائر من الإيرادات الضريبية سنوياً 1.3 مليار دولار بسبب تهريب النفط عبر الحدود. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في نيسان/أبريل 2014، كان لدى النظام الجزائري حافز قوي لمكافحة التهريب. بدورها، اتّخذت الحكومة المغربية مبادرات أحادية الجانب لتعطيل تدفق المهاجرين غير الشرعيين والتبغ والأدوية. وإلى جانب تشديد المراقبة الإلكترونية على الحدود، استثمرت السلطات في تعزيز التنسيق الأمني على المستوى الوطني بين مختلف الأجهزة المكلّفة بأمن الحدود. وشهدت مديرية الهجرة ومراقبة الحدود زيادة صلاحياتها للحظر والتنسيق، ماجعل مديرها رسمياً أشبه بقيصر الحدود في المملكة. بيد أن مساعي كلا البلدين لم تكن ناجحة سوى بشكل هامشي.

على سبيل المثال، وردّاً على تشديد تدابير الرقابة على الحدود وترشيد استخدام البنزين المدعوم في ولاية تلمسان الجزائرية، أقدمت شبكات التهريب والوساطة عبر للحدود على تعديل أساليبها وحسب. فقد كان الوسطاء الشباب سابقاً يشترون البنزين في تلمسان، ويستخدمون سيارات ركاب عادية تحوي خزانين للوقود أو شاحنات مزودة بخزانات كبيرة جداً، ثم يقومون بنقلها إلى مستودعات، حيث يضعونها في صهاريج التخزين. وبمجرد وضع البنزين في العبوات، يستخدم المهرّبون سيارات الدفع الرباعي أو الدراجات النارية لنقلها عبر الحدود إلى مدينة وجدة المغربية. ويكون المهربون قد تفاوضوا مع نظرائهم عبر الحدود حول الشحنات لضمان "دفع ثمنها وتسليمها". مع ذلك، أقدم مهربو الوقود في أواخر العام 2013 على استبدال المركبات الرباعية الدفع بالحمير والبغال، وهي حيوانات يمكنها بسريّة نقل ما يصل إلى ثلاثين عبوة من الوقود. كما حذا حذوهم في استخدام هذه الحيوانات أيضاً مهربو السجائر وحبوب الأعصاب والقنب. ثم تمّ "استثمار" الجزء الأكبر من أرباح التهريب في الاقتصاد الرسمي، وخاصة العقارات.

وفي مسعى لتقويض الاستراتيجيات الجديدة للمهربين، وخاصة مهربي الوقود، عمدت الجزائر إلى حفر خندق على طول حدودها مع المغرب (أُنجز في العام 2016)، مع جدار كبير خلفه. بدورها، أقدمت المغرب على بناء سياج أمني (بدأ العمل فيه العام 2014 ولازال مستمراً) مع أجهزة استشعار إلكترونية، في محاولة للحدّ من تدفق تهريب البشر ومنع تسلل الإرهابيين المحتمل. كما باشرت السلطات المغربية في مراقبة الحمير في المنطقة ووضع رقائق في الأذن لتعقبها، في حين بدأت الجزائر، كما ذُكر بإطلاق النار على أي حيوان يعبر الحدود من دون مرافقين.

يبدو أن هذه التدابير المعزّزة لمراقبة الحدود نجحت في كبح جماح تهريب الوقود الجزائري والسلع الاستهلاكية الأخرى مثل التمور والحليب والملابس التركية الصنع عبر الحدود. وقد كان تأثير هذه الإجراءات ملحوظاً في الجانب المغربي، حيث تضاءل عدد أكشاك بيع الوقود على جانبي الطريق. كما أدّى تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود، إلى جانب الأنظمة الحكومية وتغييرات الأسعار، إلى تقليص عمليات تهريب السجائر. وأسفر رفع أسعار السجائر الجزائرية بنسبة 38 في المئة بين العامين 2014 و2016 وبروز علامات تجارية رخيصة في المغرب في العام 2015 إلى تراجع حركة تدفق السجائر المزورة والمهرّبة من الجزائر إلى المغرب بنسبة 49 في المئة في العام 2016. مع ذلك، لم تتلاشَ تماماً جاذبية السجائر المهرّبة، إذ إن المنتجات الجزائرية لاتزال أرخص بنحو 43 في المئة من تلك الموجودة في المغرب. هذا الواقع يساعد على تفسير سبب وجود سيجارة مهرّبة من بين كل ثمانية سجائر يتم استهلاكها في المغرب. الجدير ذكره هنا إلى أن السجائر الجزائرية غير المشروعة مرتفعة السعر في السوق الأوروبية، خاصة في فرنسا التي زوّدتها الجزائر في العام 2016 بأكثر من 31 في المئة من السجائر المهربة.

الرد من خلال تنويع أنشطة التهريب

يشير مناصرو تدعيم الدفاعات الحدودية إلى هذا النجاح النسبي في عرقلة التجارة غير الشرعية عبر الحدود. لكن، واقع الحال أن تعزيز المراقبة وإنفاذ القوانين لم يتمكّنا من كبح لجام التدفق غير الشرعي لجميع أنواع المنتجات بين الجزائر والمغرب. فقد بدّلت شبكات التهريب الأكثر تنظيماً والغنية بالموارد نشاطها من تهريب الوقود الذي يدرّ أرباحاً كبيرة، إلى تهريب المهاجرين، والقنب، وحبوب الأعصاب، فضلاً عن أدوية أخرى ومخدّرات.

لاتزال مدينة مغنية الواقعة على الحدود الجزائرية معبراً استراتيجياً للمهاجرين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى الذين يسعون للوصول إلى المغرب ومنه إلى إسبانيا في نهاية المطاف. ومنذ أن أمر العاهل المغربي محمد السادس في العام 2014 بتنظيم أحوال أكثر من 25 ألف مهاجر مكتومي القيد من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ازداد عدد المهاجرين إلى المغرب بصورة كبيرة. فمعظم المهاجرين يدخلون الجزائر من النيجر، حيث يسافرون جنوباً عبر مدينتَي تمنراست وغرداية للوصول إلى مدينة تلمسان الواقعة بالقرب من الحدود المغربية. ثم، يعبرون من مغنية إلى وجدة بمساعدة المهرّبين الجزائريين. ومن هناك، يتّجهون إلى غابة جبل كوروكو إقليم الناظور. وفيما يحاول البعض بلوغ مدينة مليلية الإسبانية التي تتمتع بحكم ذاتي من خلال القفز فوق السياج الحدودي، أو السباحة حول الميناء، أو الاختباء تحت شاحنة، يلتمس آخرون مساعدة المهرّبين لحيازة وثائق مزوّرة تتيح لهم دخول مليلية أو سبتة، أو يحاولون العبور بحراً إلى إسبانيا.

ازدادت عمليات ضبط القنب في الجزائر بشكل كبير منذ العام 2015. فقد أدى تعزيز الأمن الحدودي بين إسبانيا والمغرب إلى تكثيف حركة تهريب القنب شرقاً.3 ولاتزال طريق تلمسان الجزائرية المؤدية إلى مدن غرداية وورقلة والوادي الجنوبية ممرّاً أساسياً للوصول إلى ليبيا وتونس ومصر، وأخيراً أوروبا الشرقية. وتُرسل شحنات من القنب إلى وهران والجزائر العاصمة، ثم يتم تهريبها على متن عبّارات متّجهة إلى فرنسا وإيطاليا وإسبانيا.

تُعتبر حبوب الأعصاب، التي تدخل السوق الجزائرية عبر الحدود الجنوبية ومعابر أخرى، ثاني أكبر فئة على قائمة المواد المضبوطة. فالسلطات المغربية قلقة من التزايد الكبير لعمليات تهريب الأدوية المؤثرة على العقل. فما إن تعبر شحنات الأدوية الحدود المغربية مروراً بمدينة وجدة أو إقليم فكيك في أقصى جنوب شرق البلاد، حتى تُنقل إلى المدن الساحلية. وقد تداولت وسائل الإعلام المحلية أنباء عن جرائم عنيفة يرتكبها عدد متزايد من الشبّان تحت تأثير حبوب الأمفيتامين المخدّرة (الريفوتريل، أو القرقوبي، كما يُسمّى باللغة المحكية المغربية).

كذلك، تُكثر وسائل الإعلام الحديث عن مخاطر الأدوية المطروحة للبيع في السوق السوداء. ففي المغرب على سبيل المثال، تُعدّ هذه الأدوية من الأسباب الأساسية للتسمّم، إذ تمّ تسجيل 4697 حالة تسمّم في العام 2016، مقارنةً مع 4139 حالة في العام 2015، أي بزيادة تناهز الـ30 في المئة. مع ذلك، لاتزال أنشطة تهريب الأدوية التي تتطلّب وصفة طبية في السوق السوداء المغربية مزدهرة. فوفقاً لأمين عام فدرالية نقابات صيادلة المغرب عبد الحميد ناصر، تُعتبر أدوية الربو والسكّري وارتفاع ضغط الدم منتشرة على نطاق واسع في مدينة وجدة الواقعة على الحدود المغربية. ويُقدّر أن أدوية السوق السوداء تمثّل على الأقل 10 في المئة من إجمالي استهلاك الأدوية في منطقة وجدة-الناظور-تطوان.

عبثاً حاولت السلطات المغربية تقويض نشاط السوق السوداء. فكل عام تزداد عمليات ضبط كميات كبيرة من الأدوية المهرّبة، إلا أن التجارة العابرة للحدود للأدوية التي تتطلّب وصفة طبية تتواصل على قدم وساق. والمُقلق أكثر هو الاتّساع المطّرد لنطاق توزيع الأدوية المزوّرة، ما يفاقم المخاطر المُحدقة بالصحة والسلامة العامة. يٌضاف إلى ذلك أن تجارة الأدوية المزيّفة غالباً ماترتبط بمجموعات إجرامية منظمة تجذبها الأرباح الطائلة التي يوفّرها هذا القطاع. المُخيف في حالة المغرب هو أن شبكات تهريب المخدرات قد تستخدم أيضاً البنى اللوجستية القائمة لتهريب الأدوية المزوّرة وبيعها.

يخشى كلٌّ من الجزائر والمغرب أن يصبحا معبراً للكوكايين الآتي من أميركا الجنوبية. فالسلطات المغربية تصدر بانتظام تقارير عن عمليات ضبط للكوكايين المُهرَّب جواً على متن الطائرات على خط ريو دي جانيرو-الدار البيضاء، ويبدو أن مصدره في غالب الأحيان أفريقيا الغربية. في العام 2016 مثلاً، أعلنت السلطات عن تنفيذ عمليّتَي ضبط كبيرتين للمخدرات، حيث تمت مصادرة 250 كيلوغراماً في مختبر لتصنيع الكوكايين في وجدة يديره خبيران في "طبخ" الكوكايين من البيرو، و1230 كيلوغراماً على متن قارب في الداخلة على مشارف الحدود الموريتانية. وفي العام 2017، روى مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، عبد الحق خيام، تفاصيل أكبر عملية ضبط للكوكايين في تاريخ المغرب، اعتُقل خلالها 13 مهرّباً في شمال البلاد وغربها بتهمة حيازة حوالى 2.4 طن من المادة المخدّرة. وفي العام 2018 أيضاً، أعلن المكتب المركزي للأبحاث القضائية عن ضبط 541 كيلوغراماً من الكوكايين في ميناء الدار البيضاء، كانت معبّأة داخل حاوية بضائع نُقلت على متن سفينة شحن آتية من البرازيل. وقد آلت تحقيقات مكتب الأبحاث إلى اعتقال 29 مسؤولاً رفيعاً في جهاز الدرك الملكي المغربي، من ضمنهم 5 برتبة عقيد. تميط عمليات الضبط هذه اللثام عن الفساد الناجم عن أنشطة تهريب المخدرات المستشرية في صفوف مسؤولي قوى الأمن، وتشي بأن مهرّبي المخدرات يعمدون ربما إلى تحويل نشاطهم إلى بلاد المغرب العربي.

في العام 2018، سلّطت فضيحة أخرى مُرتبطة بالكوكايين الضوء على الأهمية المطّردة لهذه المنطقة بالنسبة إلى منظمات تهريب المخدرات العابرة للحدود، وأيضاً على الدور الأساسي الذي يلعبه الفساد في تحريك خيوط التهريب. فعملية الضبط الكبيرة في ميناء وهران غرب الجزائر لم تصادر 701 كيلوغرام من الكوكايين وحسب، بل كشفت أيضاً عن ضلوع شخصيات نافذة في المجال العقاري، فضلاً عن قضاة ومدّعين عامّين وعُمدات وأبناء رجال سياسة بارزين. يُعتبر رئيس العصابة كامل شيخي شخصية بارزة في المجال العقاري، كما أنه مقرّب من أصحاب النفوذ. ويُقال إن شبكة علاقاته العامة واسعة النطاق، إذ تشمل الدوائر الحكومية والعسكرية والمخابرات وأجهزة الشرطة. لذا، ونظراً إلى نفوذه الكبير وروابطه السياسية، شبّهته صحيفة الوطن اليومية الجزائرية بكلٍّ من أحمد يوسفي سعيد (المكنّى "المهاجر") وأحمد زنجبيل (أو "بابلو إسكوبار وهران")، اللذين أحكما قبضتهما على شبكات تهريب المخدرات في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة، وتمكّنا من الإفلات من العقاب عبر التهرّب الضريبي ودفع الرشاوى.

بسبب الفساد المستشري وتعدّد مصادر المخدرات، تواجه الجزائر والمغرب عقبات كأداء في التصدّي إلى الانتشار المتنامي للقنب والكوكايين والأدوية. وللأسف، لاتزال الجهود التي تبذلانها لمكافحة المخدرات ضئيلة، مايسمح لتجار المخدرات بأن يسرحوا ويمرحوا من دون رادع أو وازع.

التأثيرات العكسية للمقاربة الضيقة

أفرزت المروحة الواسعة من الإجراءات التي اتخذتها الجزائر والمغرب لضبط الحدود تأثيرات جانبية خطيرة، إذ شلّت على سبيل المثال اقتصادات مجتمعات المناطق الحدودية. وواقع الحال أن الخصومات والعداوات المضرّة بين الدولتين، قوّضت فرص التعاون الأمني والإمكانيات الاقتصادية لمنطقة حدودية كان يمكنها أن تُشكّل "معابر تنعم بالازدهار". في هذا الصدد، كتب رئيس الانخراط الاجتماعي في المنتدى الاقتصادي العالمي، وديع أيت حمزة: "من قبيل الجنون أن يتم تبادل البضائع بين هذين الجارين ]المغرب والجزائر[ من خلال ميناء مرسيليا، في حين يمكن ببساطة نقلها عبر الحدود البرية". لكن يبدو أن هذه العوائق السخيفة ستستمر إلى ما لانهاية. ففي الشهرين الأوّلين من العام 2018، استوردت الجزائر "حوالى 8036 سيارة "مركّبة جزئياً" من مصنع داسيا في رومانيا"، على الرغم من توافر سلع مماثلة جاهزة ومركّبة بالكامل في طنجة. الأمر نفسه ينطبق على المنتجات الزراعية التي تستوردها الجزائر بكميات كبيرة من خارج المغرب العربي – والتي ينتج المغرب العديد منها. يُشار كذلك إلى أن عملية الاستيراد هذه كانت مكلفة للغاية. فوفقاً لمجلة إكونوميست، "في العقد الذي سبق العام 2015، كان يمكن لاقتصادَي البلدين أن يشهدا نمواً بمقدار الضعف". لكن، بدلاً من ذلك، لم يشهد الاقتصاد الجزائري "سوى 33 في المئة من النمو، فيما شهد نظيره المغربي 37 في المئة فقط". ومثل هذه النسب من النمو غير كافية كي تتمكّن الدولتان من التصدّي إلى البطالة المتنامية باطّراد في صفوف الشباب.

علاوةً على ذلك، ما فاقم من حدة المشكلة، فشل الحكومتان الجزائرية والمغربية في توفير فرص العمالة الرسمية. إذ أدّت إعاقة التجارة غير الشرعية إلى ضائقة جهوية وحنق شعبي على كلا جانبي الحدود الجزائرية- المغربية. ففي المناطق الشمالية الشرقية المغربية التي تحد الجزائر، يعتمد 90 في المئة من الاقتصاد على القطاع غير الرسمي، فيما يعوّل الباقي على تحويلات المغاربة العاملين في الخارج، وعلى الزراعة التي استندت تاريخياً بكثافة إلى استخدام الوقود المهرّب. وأدّت الحملات على هذا الوقود إلى احتجاجات متقطعة. ووفقاً لادريس حوات، الرئيس السابق لغرفة التجارة والصناعة والخدمات في وجدة، دفع هذا الوضع 30 ألف عائلة تعتاش من أرباح الوقود المهرّب إلى تنظيم العديد من الاعتصامات في العام 2016، سدّوا خلال إحداها الطريق الرئيس الذي يربط وجدة بالسعيدية. هذا التوتر المتصاعد ظهر جلياً في الاحتجاجات التي دامت أشهراً عدة بسبب موت ثلاثة شبان يعملون على استخراج الفحم من مناجم مهجورة في البلدة الشرقة المُفقرة جرادا، في كانون الثاني/يناير 2018.

شهدت البلدات الحدودية الجزائرية احتجاجات متقطعة مماثلة. ففي شباط/فبراير 2018، انفجرت تظاهرات في بلدتي السواني والبطيم الفقيرتين، حيث طالب السكان بخيارات اقتصادية بديلة للتخفيف من وطأة تأثير التحصينات الحدودية على أوضاعهم المعيشية. وفي كانون الأول/ديسمبر 2018، ذكرت صحيفة الوطن أن المحتجين في السواني أغلقوا الطرق الرئيسة، مُنددين في الوقت نفسه بكلٍ من الإطباق على أرزاقهم وفشل الحكومة في حماية الحدود وقطع دابر تدفق المخدرات. والحال أن تواصل غياب فرص العمل البديلة يحوّل الشبان إلى "قنابل موقوتة"، على حد تعبير هذه الصحيفة.

يُنذر هذا الوضع بالسوء بالنسبة إلى بلدان أخرى أيضاً، خاصة حين نضع في الاعتبار استخدام هذه الأخيرة الجدران المُحصنة للمساعدة على السيطرة على المداخل إلى أراضيها. ففي البلدان المغاربية التي لها موارد وأيدي عاملة حتى أقل من الجزائر والمغرب- كليبيا وموريتانيا وتونس- قد تكون التأثيرات على سكان الحدود أسوأ.

الحاجة إلى إصلاحات على الحدود

طالما أن المغرب والجزائر تنتهجان مقاربة ضيّقة ومحدودة في مجال أمن الحدود، لن تكون إجراءات تحسين إنفاذ القانون، ونصب العوائق، وزيادة الرقابة، فعّالة. إذ يجب أن تترافق العوائق والتكنولوجيا مع استراتيجيات متكاملة للسيطرة على الحدود، تأخذ في الاعتبار السياقات الجغرافية، والمادية، والاجتماعية- الاقتصادية. فإجراءات إنفاذ القانون التي تتجاهل التهريب بكونه قضية تنمية جوهرية وتُهمل المشاريع المُربحة لجميع الجيران سيكون نصيبها الفشل على الأرجح. ثم أن إخماد الاتّجار غير الشرعي بالسلع المدعومة عبر الحدود، لم يسفر سوى عن نشوء أسواق وطرق جديدة. فالمهربون لازالوا يتملّصون من سلطات إدارة الحدود، أو يستخدمون الرشى لشق طريقهم عبر الحدود، فيما يعمد آخرون منهم ببساطة إلى فتح خطوط توريد جديدة.

علاوة على ذلك، طالما يواصل المغرب والجزائر العمل كلاً على حدة، سيتابع المهربون فتح ثغرات في استراتيجيات الحدود، يساعدهم ويحرضهم في ذلك فساد مسؤولي أجهزة الأمن. ولذا، إصلاح الشرطة والهيئة القضائية أمر ضروري، وكذا الإرادة السياسية لمكافحة الفساد الذي يُعتبر السند الأكبر لتهريب المخدرات والجريمة المنظّمة.

في السنوات الأخيرة، بدأ المغرب والجزائر إجراءات إصلاح وتحديث إدارة الجمارك فيهما. لكن ثمة حاجة لما هو أكثر من ذلك لتحسين أنظمة إدارة الحدود في كلا البلدين، بما في ذلك إضفاء المهنية على عمليات التدريب، والتوظيف، وترقية مسؤولي الجمارك ومدراء الأمن.

هوامش

1 Michael Willis, Politics and Power in the Maghreb: Algeria, Tunisia and Morocco From Independence to the Arab Spring (London: Hurst & Company, 2012); and Anouar Boukhars and Jacques Roussellier, Perspectives on the Western Sahara: Myths, Nationalisms, and Geopolitics (Lanham, MD: Rowman and Littlefield, 2013).

2 مقابلة أجراها المؤلّف مع مات هربرت من الشركة الاستشارية التونسية Maharbal (ماهربعل) في 8 كانون الثاني/يناير 2019.

3 المصدر السابق.

Sri Lanka’s Easter Bombings: Peaceful Coexistence Under Attack

 الأربعاء 24 نيسان 2019 - 6:20 ص

Sri Lanka’s Easter Bombings: Peaceful Coexistence Under Attack     https://www.crisisgroup.… تتمة »

عدد الزيارات: 21,835,142

عدد الزوار: 549,859

المتواجدون الآن: 0