«المقاتلون الأجانب» ما بين مطرقة «داعش» وسندان أوطانهم

تاريخ الإضافة الأربعاء 13 أيلول 2017 - 7:31 ص    التعليقات 0

        

«المقاتلون الأجانب» ما بين مطرقة «داعش» وسندان أوطانهم

المنسق الأوروبي لمكافحة الإرهاب: عودة ألفي مقاتل ستؤدي إلى خلق خلايا قادرة على ارتكاب هجمات عشوائية

(«الشرق الأوسط}).... الرياض: نداء أبو علي

إن انتقال ثقافة الكراهية والتطرف الداعشي من مناطق النزاع إلى بقاع العالم الأخرى، وتكثيف الأنشطة الإرهابية في الدول الأوروبية في الآونة الأخيرة، أدى إلى ظهور منتجات ثقافية ودرامية تتطرق إلى قضايا الإرهاب. ذلك التوجه مغاير للتصور القديم بأن على الإعلام أن يمارس تعتيمًا إعلاميًا يتجاهل رسائل المتطرفين، بهدف تثقيف المشاهد بالتفاصيل الوحشية للتنظيمات المتطرفة وتعميق وعيه بحيثيات التنظيم.

بثت القناة البريطانية الرابعة في 20 أغسطس (آب) 2017 عملاً دراميًا بريطانيًا بمسمى «ذا ستايت» بمعنى «تنظيم الدولة»، عبر أربعة أجزاء على التوالي، وهو من إخراج بيتر كوسمينسكي، وقد اعتمد في كتابته للسيناريو على جمع المعلومات الواقعية والاستناد إلى المواد الإعلامية لتنظيم داعش، ونقل من خلاله التجربة الداعشية للمقاتلين البريطانيين، وقد حرص على إيجاد طاقم تمثيل متنوع الجنسيات ناطق بعدد من اللغات المختلفة على رأسها الإنجليزية والعربية، وتظهر المقاطع المختلفة من العمل الدرامي لكنات عربية مختلفة تعكس بواقعية التنوع الجغرافي للمقاتلين الأجانب في سوريا. وقد تصدرت البطولة الممثلة البريطانية أوني أوهيارا عن دورها طبيبة سمراء تدعى شاكيرا بوث، تتسلل إلى سوريا مع طفلها محمّلة بأفكار مثالية عن التنظيم تتبدد تدريجيًا. ليتم رصد الأحداث داخل المقر الداعشي بنقل قصص مستوحاة من شخصيات وتجارب واقعية، وإن كان بعيون بريطانية تتطرق إلى الأزمات الوجودية والخيبات لشخصيات تصطدم بالتصورات المغلوطة للتنظيم وعمليات القتل والسبي والتوحش وانتهاك الحريات وحقوق الإنسان. وقد تعرض العمل الدرامي لانتقادات جراء بثه خمسة أيام عقب حادثة دهس شاحنة 14 شخص وإصابة مائة آخرين في منطقة لاس رامبلاس السياحية ببرشلونة والتي تبناها تنظيم داعش. وإن كان استعراض هذا النوع من الدراما عن وعي بوجود أزمة للمقاتلين الأجانب في مناطق النزاع. تتسم مرحلة ما بعد فشل مزاعم خلافة «داعش» في كل من سوريا والعراق، وتشرذم التنظيم وتناثره إلى مجموعات صغيرة، تجلت نتائجه الأولية بتصاعد أزمة عودة المقاتلين الأجانب، بالأخص كون التنظيم تمكن عبر تقنياته المتطورة من استقطاب وتجنيد عدد كبير من القادمين من بقاع مختلفة، وقد بدأت معالم ذلك تظهر في أوروبا لتمتد إلى أفغانستان والفلبين. وقد قدر المنسق المكلف بمكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي جيل دي كيرشوف عدد المقاتلين الأوروبيين الموجودين حاليا في الشرق الأوسط بما يتفاوت ما بين 2000 و2500 مقاتل، يتوقع عودتهم إلى أوروبا ليتعاظم احتمال خلق خلايا نائمة قادرة على ارتكاب هجمات إرهابية عشوائية واللجوء لعمليات خفية تحت الأرض يصعب تحديدها. وقد وصل إجمالي عدد المقاتلين البريطانيين في مناطق النزاع نحو 850، حسب المفوض البريطاني لدى الاتحاد الأوروبي للأمن ومكافحة الإرهاب جوليان كينج. في حين أكد وزير الداخلية الفرنسي جيرار كولومب عودة ما يصل إلى 271 متطرفًا من مناطق النزاع، وضع عدد منهم رهن الاحتجاز. وتتصدر كل من فرنسا وبلجيكا إجمالي عدد المقاتلين الأوروبيين. وتتفاقم أزمة المقاتلين الأجانب مع تدفق المهاجرين إلى أوروبا عبر سواحل إيطاليا، إذ حذر رئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تاياني من إمكانية تسلل المقاتلين الأجانب عبر تلك السواحل. وفي الوقت الذي تسعى فيه دول أوروبية لسن قوانين وتشريعات لطرق مواجهة هذه العودة الكارثية، اتجهت إدارة دونالد ترمب إلى طرق أكثر ضراوة تتمثل بتطويق مواقع الداعشيين من أجل إبادة المقاتلين ووضع حد لتدفقهم وعودتهم إلى أوطانهم أو إيجاد ملاذ آخر. والحد من الهجمات الإرهابية التي بدأت بالتصاعد تحديدًا في أوروبا لتتناثر ما بين برشلونة وبروكسل وباريس وهامبورغ، لتتسم بالعشوائية وبتخبط مرتكبيها ممن يظهر بمظهر المختل عقليًا، ويسهل قتلهم من قبل السلطات. إذ إن الهدف يتمركز حول إعمال الرعب وقتل المدنيين ممن تتم شيطنتهم والحث على إبادتهم بأي وسيلة سانحة. الأمر الذي يتسبب من جهته في تصاعد الإسلاموفوبيا؛ مما قد يؤدي إلى غضب الأوروبيين وتأجيج الممارسات العنصرية، سواء فردية أو ما قد يتفاقم فيما بعد أن يتم ربط العنف ومفاهيمه بالمسلمين؛ الأمر الذي يزيد من شعور الأقليات بالإقصاء والشعور بالاختلافات الثقافية، ويزيد من احتمال تعاطف أفراد مع تنظيم داعش أو تنظيمات أخرى قد تبزغ مستقبلاً. حرص تنظيم داعش على الاستثمار في المقاتلين الأجانب منذ البدء، وإن كانت أهدافه في أول فترته مغايرة عن الأهداف الحالية، ففي البدء كانت الحاجة إلى مقاتلين أجانب بهدف خلق شخصيات جذابة تظهر التنوع العرقي، وتزيد من فرص تجنيد المزيد من المقاتلين الأجانب، سواء عبر العالم الافتراضي أو من خلال التغلغل في مكامن المتعاطفين مع التطرف. أما عقب تضييق الحصار الأرضي والإلكتروني على التنظيم، فإن الأوامر الداعشية حثت أنصار التنظيم على التوقف عن المشاركة في القتال في مناطق النزاع، ونقل المعارك إلى أوطانهم ليستحيلوا إلى قنابل قد تتفجر في أي وقت ودون أدنى ملاحظة. ولا سيما أن انتقالهم الجغرافي سيتسبب في تصدير الآيديولوجية المتطرفة والخبرة العملية التي حصل عليها هؤلاء المقاتلون بعد حصولهم على التدريب العسكري والعقائدي في المخيمات المخصصة لذلك، والتي بات من الصعب توفيرها، بعد أن استعاض التنظيم عنها بدورات قصيرة سريعة والاكتفاء بإجبار قسري تحت التهديد للأهالي للانضمام إلى التنظيم. ولا سيما بعد أن أصبح من الصعب انضمام المزيد من المقاتلين الأجانب في مناطق النزاع بعد استهدافها من قبل القوات، وبعد الاختراق الأمني الدولي للعالم الإلكتروني الداعشي. الأمر الذي قد يسهل من تقليص أعداد المقاتلين الأجانب، وإن استمرت «داعش» في إيجاد طرق جديدة لتلافي تعقبهم في الفضاء الإلكتروني، والتجنيد وجهًا لوجه إن أمكن. عودة المقاتلين الأجانب إلى أوطانهم تشكل خطورة وتحيلهم إلى خلايا نائمة ما هي إلا قنابل موقوتة، ولا سيما بعد أن تمت أدلجتهم وزادت اضطراباتهم النفسية نتيجة الممارسات غير السوية في مناطق النزاع، تلك التي أمدتهم بمهارات قتالية حرفية وعززت من شأنهم كمقاتلين الأجانب ليمتازوا عن غيرهم من المتطرفين بخوضهم تجربة فريدة في معقل تنظيم داعش قبل أن يتلاشى. الأمر الذي يمدهم بفرصة الحصول على التمجيد من المتطرفين الآخرين وتقديم الولاء لهم مستقبلاً. تداعيات الهجمات الأخيرة التي تعرضت لها دول أوروبية، تشي بتضخم القلق الأمني وميل تلك الدول إلى تشديد الاحترازات الأمنية، والتعامل مع مقاتليهم بحزم سواء عبر توجيه ضربات عسكرية بالتحالف مع الولايات المتحدة وتصويبها نحو معاقل «داعش»؛ مما يقضي على عدد من المقاتلين الأجانب ويخفف من عبئهم.

ومن جهة أخرى عبر دراسة وسن تشريعات وقوانين لا تجرّم الإرهاب فحسب، وإنما تشمل رفضًا لعودتهم في أوطانهم وسحب للجنسية في بعض الحالات. في حين يتم استقبال أعداد أخرى من المقاتلين الأجانب ليتم إما الاعتقال الفوري أو إجراء التحقيق معهم من أجل معرفة الحيثيات وطرق التعامل معهم ومراقبة من تظهر عليه بوادر التطرف أو ممن يصعب تأهيله، بالأخص وأن قرار العودة إلى الأوطان جاء بالتحديد بعد التقهقر الداعشي، وقد أصبح البقاء في مناطق النزاع يهدد حياة المقاتلين، وبعد تغير استراتيجية التنظيم وتوصية مناصريه بنقل المعارك إلى أوطانهم. كل ذلك يعزز من أهمية معرفة أسباب انضمام هؤلاء المقاتلين إلى التنظيم لمعرفة إن كان سيتم تجريمهم أم إعادة تأهيلهم فكريًا وعقائديًا ودمجهم مع المجتمع الأوروبي. إذ يصعب إعادة تأهيل المقاتل المؤدلج، ممن يؤمن بالقضية الداعشية، مع وجود استعداد للموت في سبيل القضية. في حين يظهر منضمون إلى التنظيم من معتنقي الإسلام حديثًا ممن لديه فهم مغلوط للتعاليم الإسلامية نتيجة ضعف الخلفية الشرعية واستعداد لتقبل أي تعاليم. ويتفاقم ذلك في حال وجود شعور بأزمة الهوية في المجتمعات التي يعدون فيها أقليات. في حين تسهل معالجة إعادة تأهيل المنضمين إلى التنظيم جراء أسباب اقتصادية كالعوز والفقر بعيدًا عن الأسباب الآيديولوجية، أو نتيجة اضطرابات النفسية وشعور بالعزلة الاجتماعية، أو بحث عن إثارة أو الحصول على مركز ذي أهمية في التنظيم، نتيجة الحملات الدعائية المغلوطة التي شنها الأعضاء الداعشيون، ممن يظهر عليهم فيما بعد تندم على الانضمام بالتنظيم بعد اكتشافه عدم التقاء توقعاته بالواقع الداعشي. في حين يظهر وجود مقاتلين ممن لديهم سوابق إجرامية وقابلية على ارتكاب أعمال عنف وتطرف.

قد تحدد الفترة المقبلة مصير المستقبل الأوروبي واحتمال وقوعه في هوة صدام الحضارات عن عدم ذلك. ويتم درء ذلك عبر الحرص على وضع سياسات تتضمن احتواء الأقليات وتقبل للمهاجرين بشكل عام، والمقاتلين العائدين إلى أوطانهم ممن لديهم قابلية على التغيير بشكل خاص، من أجل دمجهم في المجتمع وإعادة تأهيلهم وإعادة غرس القيم المدنية التي لطخها العنف والتطرف في المعاقل الداعشية، وتوفير الرعاية النفسية اللازمة من أجل منع هؤلاء الأفراد من ارتكاب الجرائم الإرهابية. وحتى لا تتكرر أزمة الطبيبة البريطانية شاكيرا بوث في مسلسل «تنظيم الدولة»؛ إذ قررت العودة إلى وطنها رافضة للممارسات الداعشية. لتتعرض للاستجواب من قبل السلطات البريطانية. تختصر الطبيبة الداعشية التائبة في المسلسل الدرامي أزمة المقاتلين الأجانب، وتسخر من وضعها الراهن بقولها إنها تعتبر الآن خائنة بالنسبة لـ«داعش»، وإرهابية بالنسبة للسلطات البريطانية. الأمر الذي يشي بهرب عدد من المقاتلين الأجانب بعد أن لفظهم التنظيم نتيجة رفضهم ممارساتهم العنيفة، في حين يقابلون بتشكيك من سلطات بلدانهم لحقيقة نواياهم ونبذهم للتطرف.

Restoring UN Leadership of Libya’s Peace Process

 الإثنين 25 أيلول 2017 - 7:26 ص

  Restoring UN Leadership of Libya’s Peace Process https://www.crisisgroup.org/middle-east-nor… تتمة »

عدد الزيارات: 3,327,581

عدد الزوار: 127,699

المتواجدون الآن: 18