معركة الأقصى... رابحون وخاسرون

تاريخ الإضافة السبت 12 آب 2017 - 5:53 ص    التعليقات 0

        

معركة الأقصى... رابحون وخاسرون

ماجد عزام .. باحث وإعلامي فلسطيني

لا يمكن الجدال في أن ما شهدناه في الأقصى في النصف الأخير من شهر تموز/يوليو الماضي، كان صراع أقرب إلى المعركة معركة ربحها المقدسيون والشعب الفلسطيني، دون أن تؤدي أو تقود إلى الانتصار في الحرب الشاملة، أي حرب تحرير فلسطين، والعكس طبعاً بالنسبة لإسرائيل التي خسرت المعركة، لكنها ما زالت رابحة في الحرب، أي مواصلة احتلالها للقدس وفلسطين بشكل عام.

إذن معركة الأقصى الأخيرة كان فيها رابح أساسي وخاسر أساسي، وبين هؤلاء وهؤلاء كان رابحون، ولكن بشكل نسبي كما كان خاسرون، وبشكل نسبي أيضاً.

الرابح الأساسي والمركزي كان بلا شك المقدسيون ومعهم الشعب الفلسطيني بشكل عام هم خاضوا المعركة بثبات عناد وصمود أفشلوا خطط الاحتلال في فرض هيمنته وسيادته على الحرم القدسي الشريف، وخطوة تركيب البوابات الالكترونية كانت المرحلة الأولى على طريق استنساخ نموذج الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، وفرض التقسيم الزماني والمكاني للحرم القدسي وصولاً حتى إلى هدمه إذا ما سمحت الظروف، وإقامة الهيكل المزعوم مكانه.

المقدسيون خاضوا المعركة وحدهم تقريباً مع دعم تعاطف شعبي فلسطيني كبير وواضح، ولكن على الأرض كانوا هم وحدهم دون قيادة سياسية فعلية بينما كانت القيادة بيد رجال الدين والمرجعيات الدينية مسؤولي الأوقاف الإسلامية والأقصى، ورغم غياب هدف أو عنوان سياسي محدد للصراع، إلا أن المعركة نفسها سياسية بامتياز، وتمحورت حول رفض سيادة الاحتلال على الحرم، حتى مع احتلاله للمدينة وفلسطين مع إبقاء الوضع الراهن قبل عملية الـ"غبارية" والمستمر عملياً منذ النكبة الثانية في حزيران/ يونيو 1967.

ما سهل الانتصار في المعركة ليس فقط امتلاك الحق، وإنماالحكمة أيضاً عبر خوض صراع شعبي جماهيري سلمي أساساً بعيداً عن العنف السلاح، وبالتالي تقييد أيادي إسرائيل ومنعها من البطش أو استخدام القوة المفرطة بحق المنتفضين، والأهم برأيي كان النجاح في تكريس الصورة الواقعية الحقيقية والصحيحة، حيث الشعب الفلسطيني الأعزل مدافعاً عن حريته وحقه في الحياة الحركة العبادة والتنقل أمام القوة العسكرية الغاشمة القائمة بالاحتلال.

انخرط الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 48 في المعركة جنباً إلى جنب مع المقدسيين ، وهم قاموا بدور أساسي فيها، وأعتقد جازماً أن عبارة المقدسيين تشملهم أيضاً ولو مجازاً أو معنوياً كانوا دائماً في الميدان دفاعاً عن الأقصى ورفضاً للممارسات الاستيطانية والتهودية فيها، ورغم بعض المبالغة من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، إلا أن ما يقولونه عن دور الشيخ رائد صالح ورفاقه وعرب 48، فيه جانب كبير من الصحة والدقة فهم يتصرفون كمقدسيين وفلسطينيين، ولا يمكن تحجيمهم أو إقصائهم ووجودهم في الميدان إلى جانب المقدسيين يراكم الصعوبات والعراقيل أمام إسرائيل للانتصار في مخططاتها ومشاريعها التقسيمية أو حتى التدميرية.

ثمة رابحون آخرون فقط بشكل نسبي ومجازي. فحماس مثلاً ومعها حركات المقاومة أظهروا التعاطف الكبير وخاضوا المعركة السياسية والإعلامية إلى جانب المعتصمين والمنتفضين، ولكن على أرض الواقع بدوا عاجزين عن نصرة هبة الأقصى ، وهذا الأمر تجسد بشكل واضح في غزة تحديداً، حيث لم يكن سوى التظاهرات والاعتصامات السلمية في إظهار أو إقرار بالعجز عن نجدة الأقصى ورفع الحصار عنه بالصواريخ أو بالقوة العسكرية المسلحة، رغم إبقاء سقف المواقف المرتفع المهدد لفظياً أو كلامياً فقط، وعدم التراجع عن فكرة أو نظرية أن تحرير الأقصى يجرى فقط بالقوة العسكرية والمسلحة وانطلاقاً من غزة تحديداً.

الرئيس عباس كان رابح بشكل نسبي أو مجازي أيضاً هو التحق بالمعركة في لحظاتها الأخيرة ربما فهم كسياسي مجرب وعتيق أن إسرائيل خسرتها وأنها مضطرة للتراجع، وكان انضم فعلياً للمعركة في بداية أسبوعها الثاني وبعدما كانت قد حسمت عملياً، وبادر إلى وقف التنسيق الأمني، بينما كان المجلس الوزاري الاسرائيلى المصغر قد اتخذ فعلياً قرار التراجع وتفكيك البوابات الالكترونية والكاميرات. وحاول عباس استخدام المعركة لتحسين وضعه السياسي المتراجع، ليس فقط للرد على تفاهم دحلان حماس، إنما على الاستخفاف الإسرائيلي العربي به، ورفض نتن ياهو التعاطي الجدي مع الجهود أو شبه الجهود الأمريكية الفارغة من أي مضمون.

إسرائيل خاسر أساسي ولا شك هي أذعنت واضطرت للتراجع عن خطواتها، كما عن رغبتها في فرض سيادتها وسيطرتها الفعلية وإجراء التقسيم الزماني والمكاني للحرم، تراجعت كالعادة تحت الضغط وبعدما كان نتن ياهو غلب أصلاً اعتباراته الحزبية السياسية والأيديولوجية عن الاعتبارات الأمنية كما كان معهوداً في الدولة العبرية منذ تأسيسها، الشاباك والجيش رفضاً أو تحفظا عن تركيب البوابات والكاميرات وشككا في جدواها الأمنية، لكن الشرطة وزيرها أيداها لدوافع حزبية - دون إجراء النقاشات الأمنية والعميقة – وهو نفس ما فعله ممثلوا اليمين المتطرف في الحكومة.

إسرائيل خسرت كذلك عبر إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وعودتها إلى بؤرة الاهتمام الإقليمي والدولي، خاصة بعدما أنها نجحت في حجبها أو على الأقل في استغلال وتضخيم التحولات والأخطار الإقليمية مثل داعش الإرهاب المطامع والسياسات الإيرانية التقسيمية والمديرية وتكريس فكرة أن الخطر على الاستقرار الإقليمي لا يأتي من الاحتلال، وإن القضية الفلسطينية لم تعد مركزية أو ذات أولوية لكن الغطرسة الجشع والرغبة في تغيير الوضع الراهن أو القائم الذي استفادت منه أصلاً لصالحها ارتد سلباً عليها، ومثل ذلك أى الثمن الباهظ للتغيير أحد أسباب التراجع سواء في الأقصى أو الضفة غزة وفلسطين والمنطقة بشكل عام.

واحد من التأثيرات السلبية على تل أبيب كانت تضرر سيرورة التطبيع والتحالف غير المعلن مع الدول العربية. فمع تصاعد الوضع وعناد وثبات المقدسيين وعودة القضية إلى عناوين الصحف والأجندة السياسية تأثرت سلباً العلاقات العلنية والمستترة بين تل أبيب وعواصم عربية مهمة، ولم يكن بالإمكان مناقشة أو الاهتمام بأي ملف ثنائي أو إقليمي. في ظل الوضع المتفجر في الأقصى، والذي أدى إلى إحراج في العواصم المعنية، فهي لا تستطيع تبني وجهة النظر الشعبية الفلسطينية كونه يصب في مصلحة خصومها السياسيين، ولا تستطيع تبني وجهة النظر الإسرائيلية كونه يحرجها أمام شعوبها وينال من هيبتها والنتيجة كانت أن القضية باتت محرجة جداً ضاغطة ووقفت حجر عثرة في طريق العلاقات أو سيرورة العلاقات المتنامية، وهذا أيضاً كان أحد أسباب التراجع والانحناء الإسرائيلي وفق التقديرات والتحذيرات التي قدمتها الأجهزة الأمنية.

شركاء وحلفاء إسرائيل العرب خاسرون بشكل نسبي لم ينتفضوا أو يرفضوا فكرة البوابات وقبلوا بمغزاها الأمني دون أي اهتمام واعتبار لمغزاها الديني السياسي والتاريخي ومع رفض المقدسيون وعنادهم اضطروا للتراجع، ولكن دون أن أي ضغط جدي، وبدوا مستعدين لفكرة الحلول الوسط التي رفضها حتى الرئيس عباس الذي يمكن فهم تشدده ووضعه في سياق الرد على تجاهل الزعماء العرب له، كما على دعمهم لتفاهم دحلان حماس ضده، رغم أنه المسؤول المباشر عن تلاقي خصومه كما عن الأوضاع البائسة في غزة والمشروع الوطنى بشكل عام.

التحالف الأقلوي المذهبي وجناحه العسكري الحشد الشعبي المتفشي كالسرطان في طول المنطقة وعرضها، يعتبر كذلك أحد الخاسرين، فرغم الصخب والصوت العالي، إلا أنه لم يفعل شيئاً لمساندة المقدسيين وطريق القدس تشعبت وتضمن مناطق بعيدة ذات أجندة مذهبية، بينما المدينة المقدسة تبعد كيلومترات معدودة عن درعا عرسال القصير، ناهيك عن الادعاء الفج أن الانقلاب والتحالف مع الفلول في اليمن أو التطهير العرقي في حلب الموصل والرمادي يأتي في سياق المعركة المزعومة من أجل القدس.

في الحقيقة خاض المقدسيون المعركة وحدهم دون قيادة سياسية –التحقت مضطرة و متأخرة بهم-، وهم خاضوها كما ينبغي بشكل محق وحكيم وبإطار جماهيري سلمي دون سلاح أو عنف بينما أتى هذا من جانب الاحتلال الذي لم يكن يملك أي فرصة للانتصار، ولم يكن عليه سوى التراجع والتفتيش في أجندته العنصرية القهرية المسلحة عن أساليب أخرى لاستعادة قدرة الردع المستحيلة مع نجاح المقدسيين وقيادتهم الميدانية في تحييد آلته العسكرية الفتاكة والقاتلة.

Approaching the North Korea challenge realistically

 الأحد 20 آب 2017 - 8:35 ص

Approaching the North Korea challenge realistically https://www.brookings.edu/research/approachin… تتمة »

عدد الزيارات: 2,585,407

عدد الزوار: 104,444

المتواجدون الآن: 10