ما بين إيران القومية وإيران الدينية (1 - 2) ...(2 ـــ 2)...

تاريخ الإضافة الخميس 11 تموز 2019 - 6:41 ص    التعليقات 0

        

ما بين إيران القومية وإيران الدينية (1 - 2) ...

القبس...د. حامد الحمود - منذ حوالي سنتين، كنت في زيارة إلى بيروت، وصدف أن كان في الفندق نفسه الذي سكنته مؤتمر لفتيان وفتيات من دول المنطقة ترعاه الأمم المتحدة، وتشارك فيه جمعيات النفع العام من منطقتنا. وقد تحدثت إلى فتيان وفتيات من إيران شاركوا في هذا المؤتمر. ولا بد أن أشير هنا إلى أن الفتيات كن يلبسن ملابس عادية بحيث لا تفرقهن عن الفتيات اللبنانيات، ما جعلني أظن انهن معارضات للنظام الإيراني. وعندما اضطررنا أن نتشارك على طاولة الانتظار نفسها في الفندق، تحدثت مع الفتيان والفتيات حول التدخلات الإيرانية في منطقتنا وبالذات حول دور إيران في تشريد الملايين من الشعب السوري. وقد صدمني أن هؤلاء الفتيات كن أكثر من الفتيان في دعم التدخلات الإيرانية في المنطقة، وأذكر أن إحداهن خاطبتني قائلة: «نحن دولة مهمة في المنطقة، ولنا أهدافنا الإستراتيجية وعلى العالم أن يتناغم مع إستراتيجيتنا». علمتني هذه التجربة أن أصحو من غفوة أن الليبراليين في إيران يعارضون تدخلات إيران في المنطقة. فهناك مشاعر وطنية وقومية إيرانية تشكل رؤى وأهداف الغالبية العظمى من الشعب الإيراني، وأن القومية تتغلب على الدين أحياناً. وفي أحيان أخرى يجري دمج الشعور الديني بالشعور القومي. وهناك أكثر من مظهر ومثال على هذه الظاهرة من المشاعر الجياشة التي وصل الحد بها وإن لفترة وجيزة بتوحيد مشاعر الرئيس روحاني برضا بهلوي ابن الشاه ووريث العرش الشاهنشاهي. فغالبيتنا يتذكر المباراة التي تغلبت فيها إيران على المغرب ضمن مباريات كأس العالم الأخيرة. فمنظر الفتيات اللاتي كن يرفعن علم إيران ويلبسن قميص الفريق الإيراني لا يذكرنا أبدا بضرورة الالتزام بالحجاب الإسلامي أو ما يطلق عليه التزام حجاب اسلامي آست. فهن لم يمثلن إيران الإسلامية إنما إيران القومية. ويذكر الدكتور شرفين ملك زاده الأستاذ الزائر في كلية وليامز في الولايات المتحدة في مقالة له حول صعود الشعور القومي في إيران في الواشنطن بوست بتاريخ 25 / 06 / 2018 أن إيران عندما كانت تلعب كرة القدم كانت كلها تلعب تحت الشعار: «80 مليون، شعب واحد، ونبض واحد». وأن الرئيس روحاني ورضا ابن الشاه كلاهما كان يشاهد المباراة، وأن الاثنين قفزا عندما سجل الفريق الإيراني هدفاً. هذا وقام الدكتور شرفين ملك زاده بدراسة لمنهج المرحلة الابتدائية في إيران خلال الفترة 1979 - 2009، ووجد أن دراسة التاريخ القومي لإيران، خاصة تاريخ قبل دخولها الإسلام قد تعزز بعد الثورة وذلك بالتعبير عن الأفكار القومية من خلال معتقدات دينية. وعلينا ألا نستغرب هذا التوجُّه. حيث إن كلاً من المسلم الهندي والعربي والأندونيسي تتشكل هويتهم من مزيج من المشاعر القومية والمشاعر الدينية. لكن هذه الدول لا تدعي أنها تعيش تحت مظلة نظام ثوري اسلامي. وفي ما يتعلق بمشاعر الولاء للوطن، وجد أن الولاء للوطن يتغلب على أي شعور آخر، لدرجة أن آخر سفير للشاه في واشنطن أردشير زاهدي الذي ولد عام 1928 والمتزوج من ابنة الشاه، وكما نشر محمد آية الله طبار الأستاذ في جامعة تكساس في «نيويورك تايمز» بتارخ 2 مايو 2019، أن زاهدي قد كتب إلى وزير الخارجية الأميركية بومبيو مؤخراً يقول فيها: «إن أبناء إيران النبلاء سيدافعون دائماً عن وطنهم الأم.. لذا فإن أي شرعية لنظام في ايران، ستكون مستمدة من عظمة إيران التاريخية، وأنها سترجع إلى هذه العظمة». وبعكس أنظمة دكتاتورية مثل أنظمة صدام والأسد والقذافي التي لا تعرف المشاعر الحقيقية لأبناء شعبها، فإن النظام الإيراني يعمل بجدارة في قياس المشاعر والتوجهات الحقيقية للشعب الإيراني. فمع أن الرئيس روحاني والوزير محمد جواد ظريف قد لعبا دوراً رئيسياً في الموافقة على الاتفاق النووي عام 2015، فإنهما ما كانا سينجحان من دون الدعم الذي حصلا عليه مؤكدا من قبل استطلاعات الرأي العام التي تجريها الحكومة بصورة دورية.

ما بين إيران القومية وإيران الدينية (2 ـــ 2)

يرى الدكتور محمد آية الله طبار ــ الأستاذ في جامعة تكساس ــ في مقال نشره في الـ«نيويورك تايمز» بتاريخ 2019/4/3، أن إلغاء الاتفاق النووي من قبل الرئيس ترامب أضعف المعارضة الإيرانية، ووحد الشعب في الالتفاف حول قيادته. هذا مع أن البطش لم يتوقف في إيران، فإن النظام حصل على داعمين جدد. وبالنظر إلى صعود المشاعر القومية على حساب المشاعر الدينية، أصبح قبر الملك داريوس ـ الذي يقع 600 كلم جنوب طهران ــ مزاراً لبعض الإيرانيين الذين أرهقتهم المظاهر الدينية. هذا مع أن الحكومة الإيرانية لا تشجع على زيارة قبر الملك داريوس. قد تتغير الأمور في السنوات القادمة، حيث يرى عمار مالكي (Observer 2016/11/3)، من جامعة تلبرغ في هولندا، أن الطبقة السياسية في طهران فاسدة، لذا هم يبحثون عن رموز تذكرهم بالماضي. وللملك داريوس صورة مثالية ليس في ذاكرة الإيرانيين فقط، وإنما في الذاكرة الإنسانية. فكان منفتحاً على الديانات الأخرى. لذا كان يعبد الإله مردوك عندما أصبحت العراق جزءاً من امبراطوريته. وكان يعبد الإله الفينيقي بعل، عندما امتدت دولته إلى ساحل البحر المتوسط. هذا وقد امتد النفوذ الإيراني مرة اخرى إلى ساحل البحر المتوسط في السنوات الأخيرة، وتحت راية المرشد الأعلى. هذا وحققت إيران نجاحات عسكرية في المنطقة، بعد أن ملأت الفراغ السياسي والعسكري بعد سقوط نظام صدام حسين. وقامت بتحصين نفسها من خلال دمج المشاعر القومية بالمشاعر الدينية. ومع أن ولاية الفقيه غرست نفسها بعمق في الطبقة الدينية الإيرانية، بالرغم من عدم قبولها في النجف. هذا واستطاع المرشد الأعلى أن يكون قائداً سياسياً وملهماً روحياً، بالرغم من توليه القيادة في سن مبكرة نسبياً. وخاطب خامنئي المنافسين والمشككين فيه بالالتزام بمبدأ ولاية الفقيه، مذكراً إياهم بقدراته الروحية. كما قام هايس هالم في كتابه «الشيعة» بالرد على النقاد بقوله: «إن القول ان الفقيه يتصرف حسب مصلحته الخاصة، وانه ديكتاتور هو تفسير مضلل»، معتبراً تصرفاته تنفيذاً لأسس دينية. هذا ولا بد من الإشارة هنا الى انه مهما بلغ الثقل العلمي او السياسي للمرجعيات الدينية، فإنه يمكن التراجع او التنصل منها بعد وفاة شخوصها أو أفول تأثيرها، شيعية كانت أم سنية من أجل مصلحة الأمة. فبعد وفاة الإمام الخميني استطاع النظام الجديد أن يتنصل من فتوى الخميني بقتل سلمان رشدي، التي اطلقها عام 1989. كما أنه، وكما يذكر هاينس هالم في كتاب «الشيعة»، ولأسباب اقتصادية تراجع خامنئي عن فتوى الخميني بتحريم الكافيار وسمك القرش لعدم وجود حرافيش فيه. وقد جرى تغليف هذا التراجع بصبغة علمية، لكي لا يشكك بمركز ولاية الفقيه. فبعد وفاة الخميني نشرت الصحف الإيرانية: «حقق البحث العلمي تقدماً غير متوقع. فقد أعلنت الصحافة الإيرانية أن الخبراء في المؤسسة الوطنية للأسماك قد اكتشفوا أن سمك الكافيار وسمك القرش على حد سواء له حراشف صغيرة جدا لا ترى إلا بالمجهر». لست من المتحمسين لشحن المشاعر القومية، عربية كانت أم فارسية، ألمانية ام فرنسية، وبالتأكيد فإن المشاعر الطائفية هي إما سيئة وإما أسوأ. لكن الأسوأ أن تدمج المشاعر الطائفية بالمشاعر القومية العنصرية. وعادة ما تزدهر هذه المشاعر عند دكتاتوريات لا ترى العلاقة بين الحرية والعدالة، ولا ترى أن العقلانية طريق أكثر منه مقصد. فالوصول الى الحقيقة ليس مجرد هدف يحمينا من الطوارئ، إنما قدرة على النقد والابتكار للتقرب من الحقيقة.

Rebels without a Cause: Russia’s Proxies in Eastern Ukraine

 الأربعاء 17 تموز 2019 - 5:17 ص

  Rebels without a Cause: Russia’s Proxies in Eastern Ukraine https://www.crisisgroup.org/euro… تتمة »

عدد الزيارات: 25,762,698

عدد الزوار: 630,089

المتواجدون الآن: 0