الطبقة الحاكمة الناشئة في مصر...

تاريخ الإضافة الإثنين 26 تشرين الأول 2020 - 5:31 م    التعليقات 0

        

الطبقة الحاكمة الناشئة في مصر...

شانا مارشال....

شانا مارشال مديرة مساعدة لمعهد دراسات الشرق الأوسط في كلية إليوت للشؤون الدولية...

ملخّص: يعتمد استيلاء المؤسسة العسكرية المصرية على موارد الدولة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي على سوء إدارة الدولة والفساد الواضح للنظام السابق، ما ينذر ببروز طبقة حاكمة جديدة من ضباط عسكريين.....

لم تعد المؤسسات التجارية العسكرية في مصر صندوقًا أسودَ، ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم حجم الهدر والفساد في أكبر دول العالم العربي من حيث السكّان. لم يكن التحول الدراماتيكي للاقتصاد العسكري في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي نتيجة للاقتصاد سياسي يطغى عليه الجانب العسكري بشكل متزايد، بقدر ما هو نتيجة لتسلسل هرمي للضباط يسعى إلى ابتزاز أكبر قدر ممكن من الامتيازات خلال عهده (المحدود ربما) في السلطة.

تتمثّل الميزة الرئيسية للمؤسسة العسكرية في هذا الاستيلاء على موارد الدولة في أن العديد من المصريين يتذكرون الفساد الباذخ في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، وكذلك مشاركة المؤسسة العسكرية في بناء العديد من المؤسسات العامة الأكثر أهمية في مصر في عهد الرئيس السابق جمال عبد الناصر. بعبارة أخرى، استغلت المؤسسة العسكرية المصرية التاريخ الوردي والفرصة الاقتصادية السانحة للظهور كنواة لطبقة حاكمة جديدة في مصر.

ينطوي تقرير يزيد صايغ الشامل والمفصل حول الاقتصاد العسكري المصري على كمية هائلة من البيانات الجديدة، بما في ذلك أدلة عملية من وثائق ومقابلات رسمية. وقد تمكن، عبر التواصل مع ضباط وغيرهم من المطلعين على شؤون القوات المسلحة المصرية من تقديم عدد من الملاحظات الجديدة والمهمة، من ضمنها الإقرار بأن جزءًا كبيرًا من عملية انخراط المؤسسة العسكرية في الاقتصاد يتم بشكل غير رسمي.

أدى عدم الاتساق والطابع غير الرسمي والافتقار العام إلى البيانات حول العمليات الاقتصادية للقوات المسلحة المصرية إلى صعوبة مقارنتها بالمؤسسات العسكرية الأخرى ذات المحافظ الاقتصادية. ويبقى السؤال ما إذا كانت المؤسسة العسكرية تعمل كطبقة حاكمة فريدة بسبب سيطرتها على أدوات الإكراه، أم لأنها متجذّرة في جميع أركان الاقتصاد، مما يجعل القوة الغاشمة غير ضرورية. هل تستفيد القوات المسلحة المصرية اليوم من نفوذها الجديد لتصبح طبقة حاكمة جديدة، أم أنها تستخدم أدوات الإكراه في خطة مدروسة ترمي إلى إعادة تشكيل الاقتصاد وإخضاع البلاد إلى سطوتها؟

تشير الدلائل إلى قدرٍ من الانتهازية. لقد جعل التحليل السابق للاقتصاد العسكري المصري من الطابع الإكراهي للقوات المسلحة نقطة انطلاقه التحليلية، إلا أن هذا الأمر يعيق القدرة على رؤية ضباط المؤسسة العسكرية كطبقة حاكمة ناشئة، تارةً تستوعب بقايا نظام مبارك السياسي وطورًا تتخلّى عنها. تُعتبر التعيينات في مجالس إدارة الشركات، والمناصب الإدارية في الشركات الكبرى، والتكليف بمهام استشارية للجهات العامة والشركات الخاصة، والتواصل مع الشركات الدولية في المشاريع الكبرى من مزايا الطبقة الحاكمة وتشكل أساس نفوذها.

طبقة حاكمة نموذجية

هذا النفوذ ليس فريدًا، لكنه يعمل على غرار طبقة حاكمة نموذجية، حيث تشكّل السيطرة على رأس المال — بما في ذلك الوصول إلى أموال الدولة وعمالة المجندين والأصول الأساسية والأراضي والاستثمار الأجنبي والمساعدات العسكرية الرسمية — الأساس للتراكم المستمر. وفيما تعتمد الطبقات الحاكمة في الدول الأخرى غالبًا على النفاذ إلى الأسواق الخارجية أو خلق فرص جديدة لتراكم رأس المال، إلى أن المصدر الأساسي لإثراء الطبقة الحاكمة العسكرية في مصر هي الدولة المصرية. إذ يتغلغل الضباط العسكريون الموجودون في الخدمة الفعلية وكذلك المتقاعدون في بيروقراطية الدولة، خاصةً منذ العام 2011، عندما بدأت العقود الحكومية الجديدة والسيطرة على التدفقات الاستثمارية الضخمة من الخليج في دفع توسع الاقتصاد العسكري.

يسلّط التكافل بين العمليات العسكرية الرسمية وغير الرسمية الضوء على الفرصة التي استغلتها هذه الطبقة الحاكمة الجديدة. فقد يحصل ضابط لديه عملية في القطاع الخاص لإصلاح المركبات الرياضية الفاخرة على قطع غيار والوصول إلى آلات باهظة الثمن مجانًا، لأن المؤسسة العسكرية تقوم بتجميع وتعديل العديد من المركبات المماثلة بموجب عقود حكومية رسمية. وقد يكون لضابط آخر فيلا مجانية في منطقة منتجعات، ممنوحة له من الحكومة، لا يمكنه تأجيرها وفحسب، بل يمكن استخدامها أيضًا لاستضافة رجال الأعمال الأجانب وشركاء الاستثمار المحتملين. شبكات الامتياز التكافلية هذه سمة أساسية من سمات الطبقة الحاكمة التي استغلت الإنفاق العالي على الدفاع والمليارات من المساعدات العسكرية الأجنبية ومجموعة الامتيازات المؤسساتية التي تمنحها لها الدولة.

يعمل الاقتصاد العسكري مثل حاضنة امتيازات لطبقة حاكمة نموذجية بطرق أخرى أيضًا. فالضباط العسكريون يتمتعون بإمكانيات غير متكافئة للحصول على الإعانات، والتسلل إلى صفقات سياسية واقتصادية لاستخراج القيمة، والتناوب داخل وخارج الجهات الحكومية والشركات الخاصة للاستفادة من العلاقات الشخصية والوصول إلى معلومات مقيدة. وفي الكثير من الأحيان، يتلقى ضباط رواتب من قبل شركات خاصة للعمل في مناصب العلاقات العامة أو الشؤون الحكومية لأن بإمكانهم تسريع الحصول على التراخيص والإعفاءات التنظيمية والخدمات الحكومية الأخرى. هذه سمة من سمات أي طبقة تسعى إلى الريع أو الاستغلال.

منافع الاستيلاء على الدولة

هناك منافع كبيرة تنتج من هذا السعي إلى الريع. والمعلومات المحاسبية والمالية المحدودة التي تعلن عنها المؤسسة العسكرية تجعل من الصعب على المراقبين أو المدققين المدنيين الحصول على فهم شامل أو نقد الاقتصاد العسكري، الأمر الكفيل بإدامة الامتياز العسكري من خلال جهود الخداع والتضليل والتعتيم. إن قدرة المؤسسة العسكرية على التسلل إلى كل قطاع آخر، بما في ذلك قطاع المصارف والتمويل، بالإضافة إلى التعقيد الصناعي للاقتصاد العسكري، يصعّب على المنظمين والمراجعين التحكم في العمليات. وبالتالي، يستطيع الضباط العسكريون تجديد العديد من الامتيازات التي تتمتع بها الشركات التي تسيطر عليها المؤسسة العسكرية في مصر، مثل التهرّب الضريبي والمدخلات المدعومة وعمليات الإنقاذ.

تمتلك المؤسسة العسكرية أيضًا هوية مؤسساتية قوية تؤثر على عملية صنع القرار الاقتصادي. تضع المؤسسة العسكرية عناصرها كحامين ومتنفذين في العدد المتزايد من المساحات الوسيطة بين شركات القطاعين العام والخاص والمنظمات غير الحكومية ومصارف التنمية ومنظمات المعونات. يرى صانعو القرار العسكريون مؤسستهم على أنها مصدر للتغيير الهيكلي، كما الدعم الحكومي والتفاخر المؤسساتي ،لا الربح، هما ما يدفعان القوات المسلحة المصرية إلى توفير السلع الأساسية والرعاية الطبية بأسعار أقل من السوق. تسلّط هذه العقلية العامة واللامساواة الشديدة في الموارد التي يراكمها الضباط من ذوي الرتب العليا، الضوء على المدى الذي ستذهب إليه هذه الطبقة الحاكمة الجديدة من أحل الحفاظ على امتيازاتها.

يشير خالد إكرام، المدير السابق لدائرة مصر في البنك الدولي، إلى الفصائل ذات الامتيازات داخل مصر التي "تستفيد من الريع الاقتصادي الناجم عن عدم الكفاءة في الاقتصاد" (75). ومع ذلك، فإن هذه المظاهر الريعية — الرشاوى والفيلات والمدخلات التي تكون أقل من سعر السوق والأرباح المحصلة من العقود — تنتج عدم الكفاءة، وليست ناتجة عن عدم الكفاءة. يعمل هذا الريع على تحويل الموارد من المجالات التي يمكن تطبيقها فيها بشكل مثمر، عادةً في البنية التحتية أو الرعاية الصحية الأساسية أو التعليم، إلى مجالات أخرى.

لا تُعتبر هذه الأشكال الريعية ذات كفاءة لأن الموارد تصبّ بدلًا من ذلك في صالح الأفراد الذين راكموا بالفعل ثروة كبيرة، مما يعني أن تداولها في الاقتصاد محدود للغاية. تتراكم هذه الأرباح غير العادية بسبب الكفاءة المفرطة التي تنتج عن التكاليف المنخفضة للغاية التي يتم تكبدها لاستغلال العمالة والبيئة الطبيعية في مصر، والتي لم ينجح أي منها حتى الآن في المطالبة بتعويض عادل لاستخدامها. أدّت هذه الطبقة الحاكمة الجديدة التي تبحث عن مثل هذه الفرص الريعية إلى تفاوتات متعمدة لم يكن من المحتمل أن تنجم عن نمو طبيعي لقطاع الدفاع بعد وصول المؤسسة العسكرية إلى السلطة في العام 2013.

المزايا الداخلية والخارجية

لن تزيح حزمة الإصلاحات التحريرية التي يوصي بها عمومًا لزيادة الكفاءة الاقتصادية (مثل الخصخصة والتحرير) المؤسسة العسكرية عن سلطتها، ولن توطّد بطريقة ما نفوذ مجموعة من نخب القطاع الخاص الليبرالية التي تنتظر أن تحل محل المؤسسة العسكرية. بدلًا من ذلك، يتطلب الإصلاح تغييرًا سياسيًا هيكليًا كبيرًا من داخل مصر وخارجها، فضلًا عن زيادة الدعم للطبقات الفقيرة والعاملة.

يشير الانخراط المتواصل للشركات الأجنبية متعددة الجنسيات والمستثمرين المحليين الأثرياء في الاقتصاد المصري، على الرغم من التكاليف الكبيرة في تقديم الرشاوى والعمولات، إلى هوامش ربح كافية لتغطية التحسن الكبير في أجور العمال وظروفهم في جميع المجالات. وستؤدي مقاضاة المصارف الأجنبية والشركات الاستشارية وغيرها من الجهات المهنية (الغربية في المقام الأول) على خلفية تسهيل هروب رأس المال غير المشروع والتهرب الضريبي للمصريين الأثرياء، إلى تحسين الظروف الاقتصادية من خلال توفير الأموال لبرامج الرفاه المحلي إضعاف الطبقة الحاكمة الجديدة التي دفعت الدولة إلى الخراب.

يمكن للمؤسسة العسكرية أن تواصل حشد الدعم من المصريين لأن عملها على توفير الخدمات الجماعية مثل البنية التحتية والسلع الأساسية والرعاية الصحية أكثر وضوحًا لعامة الناس من أنشطة الفساد والاحتيال والهدر التي تمارسها هذه المؤسسة. ربما كان الانتقال إلى حكم المؤسسة العسكرية في العام 2013 بمثابة بداية النهاية لحقبة المؤسسة العسكرية في السلطة، حيث يزيد دمج الطبقة الحاكمة الجديدة من فرص ظهور فسادها وعدم كفاءتها.

لم ترفع عقود من الزمن من المساعدات الدولية والاستثمارات التي تم ضخها في القطاعات الإستخراجية أو قطاعات المضاربة مثل الخدمات المالية والعقارات الفاخرة، مستويات المعيشة، بل خلقت طبقة من المصريين فاحشي الثراء الذين يعتمد استمرار امتيازاتهم على دولة سيئة الإدارة لا تستطيع فرض ضرائب على الأغنياء، أو منع التدفق غير المشروع لرأس المال، أو فرض حماية للعمالة أو البيئة، أو التدخل لكبح مراكمة الثروة. إن الطبقة الحاكمة القومية التي تقدم أحيانًا سلعًا جماعية ستحظى دائمًا بدعم شعبي أكثر من مجموعة من النخب المتنوعة التي تختلف من لغتها وأنماط حياتها عن الغالبية العظمى من السكان. يمكن إلقاء جزء من مسؤولية الميزة السياسية للمؤسسة العسكرية مباشرة على النظام السياسي الذي أبقته في السلطة لعقود قبل العام 2011. لو لم يكن مبارك وحلفاؤه الغربيون فاسدين إلى هذا الحد، لما احتاجت المؤسسة العسكرية اليوم إلى أكثر من مجرد زي عسكري رتيب ومخابز لإقناع الناس بأنهم لطالما كانوا في صفٍ واحد.

تقرير مؤتمر: الدبلوماسية البترولية 2020 ....

 الإثنين 23 تشرين الثاني 2020 - 5:56 ص

تقرير مؤتمر: الدبلوماسية البترولية 2020 .... معهد دول الخليج العربية في واشنطن... ركز مؤتمر الدبل… تتمة »

عدد الزيارات: 50,343,059

عدد الزوار: 1,517,132

المتواجدون الآن: 54