حزب الله أوقع نفسه في فخّ...

تاريخ الإضافة الجمعة 6 كانون الأول 2019 - 7:21 ص    التعليقات 0

        

حزب الله أوقع نفسه في فخّ...

مركز كارنيغي..مايكل يونغ...

بات الحزب، عبر محاولته الحفاظ على نظام سياسي فاسد، متماهياً معه...

منذ اندلاع موجة المظاهرات اللبنانية في 17 تشرين الأوّل/أكتوبر، أدخل حزب الله نفسه في مُعضلة قد تكون لها تداعيات وجوديّة بالنسبة إليه.

فَهِمَ حزب الله منذ البداية أن الرفض الشعبي الواسع للطبقة السياسيّة وسرقاتها وإدارتها السيئة لشؤون البلاد تشكّل كلها تهديداً للنظام الذي حماه منذ العام 2005. لكن أمينه العام حسن نصر الله بدا حذراً حيال اتخاذ موقفٍ حاد ضد المظاهرات، مُفضِّلاً في البداية نصح المتظاهرين بقبول استجابة مؤسّساتية تدريجية مع تظلّماتهم.

لم يُقدِّر نصر الله حجم فقدان الثقة بين الشعب وبين القيادة السياسيّة، فيما اعتبر المتظاهرون أن قيادة حزب الله تماطل لكسب الوقت ليس إلا. وعندما فشلت في ذلك، تابع نصر الله التصدّي للحراك الاحتجاجي، إنما من دون نتيجة، فانخرط في تراجع كلامي تكتيكي من جهة، وسمح بنشر مقاتلين من الحزب لترويع المتظاهرين. وقد مُني ذلك أيضاً بالفشل، وزاد النقد العام الموجّه إلى حزب الله، الذي بات يُعتبر المدافع الرئيس عن نظام سياسي فاقد الصدقيّة.

وعندما استقال رئيس الوزراء سعد الحريري في 29 تشرين الأول/أكتوبر، أصبح حزب الله في حيرة من أمره. فنصر الله كان يريد بقاء الحريري في منصبه، لكن هذا الأخير قلب الطاولة لأنه علم أن ذلك سيؤدي إلى إحدى حصيلتين: الأولى، هي السماح له بتأليف حكومة جديدة بشروطه؛ والثانية منعه من تنفيذ ذلك، ما من شأنه أن يدفع حزب الله وحلفائه إلى تأليف حكومة من لون واحد، وبالتالي إلى مواجهة الغضب الشعبي والانهيار الاقتصادي الذي يلوح في الأفق.

ناور الحريري جيّداً، لكنه سرعان ما انسحب من السباق في مواجهة رفض حزب الله والرئيس ميشال عون ورئيس التيّار الوطني الحر جبران باسيل السماح له بتأليف حكومة تكنوقراط، وهو مطلب الحركة الشعبيّة. وهكذا، أصبح حزب الله في موقف صعب. فهو يريد الحريري رئيساً للحكومة لأنّه سيؤمِّن له غطاء سُنيّاً قيّماً، كما أنّه من الشخصيات السنيّة القليلة التي تحظى برصيد دولي يمكّنها من اجتذاب أموال إلى لبنان ومن التصرُّف كمُحاور للمؤسّسات الماليّة الدوليّة والمستثمرين.

لو عمد حزب الله إلى تأليف حكومة لون واحد مع عون وباسيل ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ستكون مضاعفات ذلك كارثيّة. إذ ستُعارضها غالبيّة لبنانيّة وستكون بلا ثقل دولي وبلا حريّة كافية للتفاوض بشأن مساعدة البلاد. والأسوأ أنه من المرجّح جدّاً أن تعتبر الولايات المتحدة أن هذه الحكومة تحمل توقيع حزب الله، وأن تتعامل معها من خلال توسيع نطاق العقوبات الاقتصادية الأميركية لتشمل حلفاء الحزب.

لا يبدو أن حزب الله يملك خيار اللجوء إلى القوّة العسكريّة لإرغام اللبنانيّين على الامتثال. فحتّى في البيئة الشيعيّة لم يبدُ حزب الله مستعدّاً لاستخدام القوة المفرطة لإسكات المُتظاهرين، ومن المعروف أنه لا يستطيع القيام بذلك في البيئات السُنيّة والمسيحيّة والدرزيّة. لكن إذا حاول ذلك، ستنزلق البلاد إلى حرب أهليّة، وهذا أسوأ خيار للحزب لأنه سيقوّض دوره كوكيل لإيران في مواجهة إسرائيل. لذا أقصى ما فعله كان نشر شباب من الحزب مع حلفائه في حركة أمل لترويع المتظاهرين. لكن المرة الأخيرة التي حدث فيها ذلك، تصدّى لهم المتظاهرون، وبدا حزب الله وأمل وكأنهما قطّاع طرق طائفيون. بعد هذه الحادثة، خفّف المتحدثون عن الحزب والحركة حدة خطابهما.

آخر سيناريو للخروج من هذا المأزق كانت اقتراح اسم سمير الخطيب لتأليف حكومة. لكن تم عرقلة هذه الخطّة على ما يبدو لأن حزب الله لا يريد رئيس حكومة غير معروف على نطاق واسع. وربما يرى الحزب أن الخطيب لن يحظى بالقبول في صفوف المتظاهرين أو داخل الطائفة السنيّة. يُضاف إلى ذلك أن الخطيب لا يملك ما يحتاج إليه الأمر لقيادة دفّة لبنان الغارق في لُجج الانهيار المالي. لذا، لايزال الحزب يسعى إلى إقناع الحريري بالعودة عن قرار رفض ترؤّس الحكومة الجديدة.

من الصعب عدم الاتفاق مع تقديرات الحزب، إذا كان مُقتنعاً بها فعلاً. كما يتضح للجميع أن الحريري هو المرشّح الجدّي الوحيد المتوافر. ويبدو بصورة متزايدة أن قراره الانسحاب من السباق هو خطوة تكتيكية لحمل حزب الله وعون وباسيل على التوصّل إلى هذا الاستنتاج.

سيبقى حزب الله عالقاً في الفخّ إذا رفض إبداء مرونة في تشكيل حكومة جديدة. ومن خلال محاولة حماية النظام الفاسد القائم وحلفائه الطفيليّين ومصالحهم، لا يتسبّب الحزب سوى في تسريع انهيار هذا النظام. أما الأمر الأكثر ضرراً فهو أنه في حال انهار النظام، في وقت يُعتبر حزب الله أقوى مدافع عن الطبقة السياسية التي تسبّبت بهذه الكارثة، قد تكون العواقب بعيدة الأثر بالنسبة إلى الحزب.

خلال وقت قصير نسبيّاً، لن يكون أمام لبنان خيار سوى اللجوء إلى المؤسّسات الماليّة الدوليّة لتأمين الأموال الضرورية لاقتصاد هو في أمسّ الحاجة إلى السيولة. ولن يكون أمام الطبقة السياسيّة مجال للمُناورة هنا من أجل تفادي هذه النتيجة، لأنه بحلول ذلك ستكون صرخة اللبنانيّين قد علت. في الواقع، سيكون تأخير التدخّل الخارجي بمثابة خطوة انتحاريّة على الأرجح بالنسبة إلى الحزب والطبقة السياسيّة على حدٍّ سواء.

بمجرد أن يفرض صندوق النقد الدولي حزمة إصلاحات على لبنان، ستصبح قدرة السياسيين على منع حصول ذلك محدودة. وستكون هذه موجعة لأن حزمات الصندوق دائماً ما تكون متشدّدة. لكن السياسيّين سيجدون صعوبة أكثر في السرقة، ولن يكون أمامهم خيار سوى السير مع شروط الصندوق إن أرادوا الحصول على الأموال. في الواقع، ستتغيّر طبيعة القيادة السياسيّة في لبنان لأنّ سلطة صارمة ستكون متربّصة بهم.

يدرك حزب الله ذلك تمام الإدراك. لكن كلّ ما يفعله يجعل التدخّل الدولي المالي مُحتملاً. عندئذٍ، سيتمثّل البديل الوحيد بالقبول بحكومة موثوقة والشعور بالأمل في إمكانية التوصُّل إلى اتفاق مع المجتمع الدولي من شأنه التركيز على إصلاح الاقتصاد وإعادة هيكلة الديون وإقرار إجراءات تتلافى التدابير التقشُّفية القاسية. قد يقدّم اللبنانيون تضحيات من أجل حكومة يمكن أن يؤمنوا بها، لكن لابدّ من أن يروا بصيص أمل في آخر النفق.

تحدّث الكثيرون عن تصريحات نصر الله الأخيرة التي دعا فيها إلى النظر في إقامة علاقات اقتصادية بديلة عن تلك التي تربط لبنان بالدول الغربية، وطلبه من مجتمعه المحلي تحمُّل مصاعب الوضع الاقتصادي. وإذا دلّ ذلك على شيء فهو إلى أي درجة يُعتبر موقف الحزب يائساً. فالصين وروسيا وإيران ليست في وضع يخوّلها مساعدة لبنان، كما أنها لا تملك حافزاً للقيام بذلك. علاوةً على ذلك، يُدرك اللبنانيّون أن معظم القوّة الاقتصاديّة موجودة في الغرب.

أما بالنسبة إلى الشيعة، فهم لم يدعموا حزب الله لقضاء سنوات حياتهم في الفقر. وهم لطالما اعتبروا الحزب كتذكرة للنهوض الاجتماعي في الدولة اللبنانية، وسبيلاً للخروج من فقرهم الماضي. لذا، لايُعتبر طلب الصبر وتحمّل الصعوبات منهم بالخطة الجيدة. فبمجرد تدهور النظام، سيتوجّب على نصر الله إطعام مئات الآلاف من أنصاره، وسط احتمالات بأن الغالبية ستلوم حزب الله قريباً على المحنة التي يمرون بها.

ماذا يستطيع حزب الله أن يقدِّم في نهاية هذه الأزمة الوطنية المديدة؟ أسلحة؟ مقاومة؟ شعارات؟ ما قيمة ذلك عندما يحاول اللبنانيّون الخروج من الهاوية؟ لا يقدّم حزب الله أي حلول جديّة لمشاكل منطقة تتّسم بتدهور في الظروف المعيشية، وارتفاع في أعداد الشباب الذين يفتقدون إلى آفاق مستقبل مزدهر، ووجود قيادات فاسدة نهبت وقمعت مجتمعاتهم. يشهد الحزب اليوم مرحلة دراماتيكيّة فيما هو عالق في دوامة من الاتهامات في منطقة تشهد تحوّلاً كاملاً.

تخفيف محنة اللاجئين السوريين في لبنان

 السبت 15 شباط 2020 - 6:57 ص

تخفيف محنة اللاجئين السوريين في لبنان https://www.crisisgroup.org/ar/middle-east-north-africa/eas… تتمة »

عدد الزيارات: 34,682,607

عدد الزوار: 866,997

المتواجدون الآن: 0