انزعاج سوري من الاهتمام الأميركي الكبير بلبنان

مسؤول أميركي: الأسد يتعاون معنا وبشروطنا

تاريخ الإضافة الجمعة 14 آب 2009 - 7:45 ص    عدد الزيارات 1046    التعليقات 0    القسم دولية

        


"اكد مسؤول اميركي كبير لجهات عربية واوروبية رسمية ان حوار ادارة الرئيس باراك اوباما مع نظام الرئيس بشار الاسد يهدف الى الضغط عليه لدفعه الى تغيير سياساته وتوجهاته الاقليمية، وليس من اجل تقبل المواقف والمطالب السورية والتكيف معها. وكشف المسؤول الاميركي ان نظام الاسد تصرف حتى الآن بواقعية ومرونة وانفتاح في تعامله مع ادارة اوباما لانه يحتاج الى الحوار معها، اذ انه وافق على ان يكون هذا الحوار مشروطا وان يكون التقارب التدريجي بين اميركا وسوريا مرتبطا باقدام القيادة السورية على تنفيذ مطالب اميركية محددة تتعلق بلبنان والعراق وفلسطين وايران والنزاع مع اسرائيل وملف اسلحة الدمار الشامل، وهي مطالب تلقى دعما دوليا وعربيا واسعا. واوضح المسؤول الاميركي ان حوار ادارة اوباما مع سوريا كان توقف بسرعة لو ان نظام الاسد تمسك بمواقفه ومطالبه، ولو لم يكن مستعدا فعلا للتعاون مع الاميركيين ولتفهم مطالبهم ومواقفهم، ضمن اطار الحرص على تأمين المصالح الحيوية المشتركة للبلدين ومن دون ان ينعكس ذلك سلبا على مصالح دول اخرى كلبنان مثلا".
هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية في باريس وثيقة الاطلاع على الاتصالات الاميركية – السورية، واوضحت ان النظام السوري يحاول اعطاء انطباع "بأن العالم كله يأتي اليه وينشد التقارب معه من دون ان يدفع اي ثمن سياسي، ومن دون ان يقدم اي تنازلات، او يتخلى عن سياساته وتوجهاته الحالية".
وشددت المصادر على ان "هذه ليست الحقيقة، اذ لن يحدث اي تقارب جدي بين واشنطن ودمشق ما لم يقدم نظام الاسد تنازلات محددة وملموسة تتعلق بالقضايا الاقليمية الاساسية، وما لم يقم بالدور الايجابي المطلوب منه اميركيا ودوليا وعربيا في المنطقة".
وذكرت المصادر ان الحوار الاميركي – السوري صعب ومعقد، من جهة بسبب اهمية الملفات الاقليمية المطروحة للنقاش فيها وخطورتها، ومن جهة ثانية بسبب وجود ازمة ثقة عميقة بين الجانبين، ولأن ثمة مسافة بين الاستعداد السوري للتعاون مع الاميركيين وتحقيق التعاون. ومن جهة ثالثة بسبب عدم رغبة الرئيس الاسد او قدرته على اجراء التغييرات المهمة في سياساته وتوجهاته المطلوبة منه بسرعة او بسهولة، كذلك بسبب عدم استعداد ادارة اوباما لدفع اي ثمن سياسي للنظام السوري يتناقض مع تصميم اميركا والمجتمع الدولي على حماية لبنان المستقل السيد، وعلى دعم الانظمة العربية المعتدلة، وعلى تعزيز خيار الحل السلمي للنزاع العربي - الاسرائيلي وللنزاعات الاخرى في المنطقة".
 

الاسد وايران و"دولة حماس"

وكشفت لنا هذه المصادر واقع الحال في العلاقة الاميركية – السورية وحقائقها الاساسية، مركزة على الامور والمسائل الرئيسية الآتية:
أولاً، العلاقة بين اميركا وسوريا ليست علاقة تحالف او صداقة وود، بل ان ثمة ازمة ثقة حقيقية بين الرئيسين اوباما والاسد وبين حكومتي البلدين على رغم ان القضايا العالقة ذات الاهتمام المشترك تناقش عبر الحوار والاتصالات الديبلوماسية خلافا لما كانه الوضع في عهد ادارة الرئيس السابق جورج بوش وتحديدا منذ عام 2005. وما يؤكد وجود ازمة الثقة هذه انه لم يتم حتى الآن اجراء اي اتصال مباشر بين اوباما والاسد على الرغم من ان الرئيس الاميركي اتصل مباشرة مرات عدة بعدد كبير من الزعماء العرب، كما ان مستوى المبعوثين الاميركيين الذين يزورون دمشق ويجرون محادثات مع المسؤولين فيها هو ادنى من مستوى المسؤولين والمبعوثين الذين يزورون دولا اخرى في المنطقة ومنها لبنان الذي زاره نائب الرئيس جوزف بايدن كما زارته وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، اضافة الى عدد كبير من المسؤولين السياسيين والعسكريين والامنيين.
ثانياً، اميركا وسوريا لا تزالان في حال من الخصام والخلاف العميق حول معظم القضايا الاقليمية او ذات الاهتمام المشترك، على رغم حدوث لقاءات عدة بين مسؤولين في البلدين خلال الاشهر القليلة الماضية. ويبدو واضحا ان ادارة اوباما ليست راغبة في فتح صفحة بيضاء بين البلدين وتجاوز الخلافات والتعقيدات التي تميزت بها المرحلة السابقة من دون حدوث تغييرات حقيقية في السياسات السورية، بل ان الادارة الاميركية الحالية لا تزال في الواقع تتمسك بالمطالب ذاتها التي تمسكت بها ادارة بوش في تعاملها مع المسؤولين السوريين والمتعلقة خصوصا بلبنان والعراق وفلسطين وايران والنزاع مع اسرائيل وملف اسلحة الدمار الشامل. ولم يتبدل سوى الاسلوب، اذ ان ادارة اوباما تعتمد الحوار و"الديبلوماسية الناعمة" والانفتاح المشروط في التعامل مع نظام الاسد من اجل دفعه الى تغيير سياساته ومواقفه، بينما اعتمدت ادارة بوش اسلوب المواجهة السياسية والديبلوماسية والضغط المباشر وغير المباشر والتهديد والتشهير في التعامل مع السوريين.
ثالثاً، لم يتم التوصل حتى الآن الى صيغة مشتركة ومحددة مقبولة من الطرفين الاميركي والسوري لتجاوز حال الخصام والخلاف وايجاد علاقة عمل منتظمة بينهما. كما لم يتم التوصل حتى الآن الى اسس وقواعد مشتركة للتعاون الجدي والمنتظم بين البلدين في اي ساحة من الساحات الاقليمية، وفي اي مجال من المجالات المهمة. فبالنسبة الى العراق لم يتم التوصل حتى الآن الى اتفاق حاسم على قيام تعاون عسكري وامني واستخباراتي منتظم اميركي – سوري او اميركي – سوري – عراقي لتسلل المقاتلين العرب من سوريا الى الساحة العراقية لتنفيذ عمليات ارهابية مختلفة، كما يضع حدا لنقل الاسلحة والاموال الى المتمردين على النظام العراقي. ولم يتم كذلك انهاء دور عناصر وقيادات معارضة للنظام في بغداد ومقيمة في الاراضي السورية. وعلى الصعيد الفلسطيني لا يزال النظام السوري يدعم فعلا، وبالتفاهم مع ايران، "دولة حماس الانفصالية" في غزة وخياراتها وتوجهاتها مما يعرقل تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية وتعزيز الموقف الفلسطيني التفاوضي في الوقت الذي تريد ادارة اوباما من السوريين ان يساندوا الجهود المصرية لتحقيق المصالحة الفلسطينية، وان يضغطوا جديا على "حماس" وتنظيمات فلسطينية اخرى من اجل تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية مقبولة دوليا وتساعد على اطلاق عملية تفاوض فلسطينية – اسرائيلية جديدة برعاية اميركية. وبالنسبة الى ايران، ترى ادارة اوباما ان نظام الاسد لا يزال داخل المعسكر الايراني وانه جزء اساسي من استراتيجية الجمهورية الاسلامية في المنطقة، وهو لم يتخذ حتى الآن القرار الاستراتيجي بفك تحالفه الوثيق مع القيادة الايرانية والتعاون الجدي بدلا من ذلك مع الدول العربية المعتدلة والمجتمع الدولي من اجل وضع حد لسياسات ايران التوسعية في المنطقة والمشاركة في الجهود الهادفة الى اقناع الايرانيين بالتخلي عن خططهم لانتاج السلاح النووي. وضمن هذا الاطار تشعر ادارة اوباما بانزعاج من عدم تعاون السلطات السورية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل كامل من اجل ازالة كل الشكوك حول احتمال قيام سوريا بنشاطات سرية لانتاج سلاح نووي بالتعاون مع ايران وكوريا الشمالية.
 

العقدة اللبنانية

رابعاً، الملف اللبناني بجوانبه المختلفة يشكل عقدة مهمة ومحورا اساسيا في الحوار الاميركي – السوري خلافا لما يتمناه نظام الاسد. واذا كانت ادارة اوباما مرتاحة الى حدوث تغيير جزئي في التعامل السوري مع لبنان سواء لجهة تبادل العلاقات الديبلوماسية والسفيرين او لجهة الامتناع عن التدخل المباشر في الانتخابات النيابية، او لجهة وقف بعض الاعمال والنشاطات السلبية او المدمرة في هذا البلد، فان الادارة الاميركية ترى ان ذلك ليس كافيا لاقامة علاقات جيدة وصحية وسليمة بين سوريا ولبنان. فما تريده ادارة اوباما، وكذلك سائر الدول الاجنبية والعربية المعنية بمصير لبنان، هو ان يواصل نظام الاسد جديا عملية التطبيع الكامل للعلاقات مع لبنان السيد على اساس المساواة والندية والاحترام المتبادل لاستقلال كل من البلدين وبما يحقق مصالحهما المشتركة وليس مصالح احدهما على حساب الآخر. والتطبيع الكامل يشمل خصوصا ترسيم الحدود نهائيا بين سوريا ولبنان، وتأكيد لبنانية منطقة شبعا خطيا ورسميا لتسهيل استعادتها بالوسائل الديبلوماسية، ووقف شحنات الاسلحة الى "حزب الله" وتنظيمات فلسطينية وثيقة الصلة بدمشق، والتعاون الحقيقي مع المحكمة الدولية لتحقيق العدالة، والاقتناع فعلا ونهائيا بأن لبنان دولة مستقلة متحررة من الهيمنة السورية ويجب التعامل معها ومع شعبها على هذا الاساس. وترغب ادارة اوباما، ايضا، وكذلك حكومات اخرى، في ان يتم الغاء "معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق" الموقعة بين سوريا ولبنان عام 1991 والتي ادت الى ايجاد وحدة امر واقع بين البلدين من خلال تشكيل مجلس اعلى سوري – لبناني يتخذ القرارات الاساسية في مختلف المجالات.
وتؤيد ادارة اوباما ايضا تعديل الاتفاقات الموقعة بين لبنان وسوريا خلال سنوات الهيمنة او اعادة النظر فيها من اجل ضمان مصالح البلدين وليس مصلحة بلد على حساب آخر. وترى واشنطن ان ثمة تباطؤا بل ترددا سوريا في تنفيذ هذه المطالب.
خامساً، كشف لنا ديبلوماسي اوروبي معني مباشرة بالملف اللبناني ان المسؤولين السوريين ابدوا  في اتصالات اجروها اخيرا مع مسؤولين فرنسيين واوروبيين "انزعاجا حقيقيا مما سموه الاهتمام الاميركي الكبير وغير المبرر في نظرهم بلبنان"، وانتقدوا ما ورد في الرسالة التي بعث بها اوباما نهاية تموز الماضي الى الكونغرس وطلب فيها تجديد العقوبات الاميركية على شخصيات سورية ولبنانية وعلى ممتلكاتها بسبب دورها السلبي في لبنان ومحاولاتها تقويض الاستقرار فيه. وشدد اوباما في رسالته هذه على اهمية تمسك الولايات المتحدة بسيادة لبنان واستقلاله واكد ان هذه النشاطات السورية الهادفة الى تقويض سيادة لبنان او نظامه ومؤسساته الديموقراطية "تؤدي الى عدم استقرار سياسي واقتصادي في البلد وفي المنطقة وتشكل تهديدا غير اعتيادي واستثنائي للامن القومي الاميركي وللسياسة الخارجية الاميركية". وابدى المسؤولون السوريون "انزعاجهم الحقيقي" من استمرار معاقبة سوريا بسبب لبنان ومن تشديد المسؤولين الاميركيين على "الدور المحوري للبنان المستقل والمستقر على صعيد المنطقة"، ومن تشديدهم على ربط رفع العقوبات الاميركية عن سوريا باقدام نظام الاسد على عدد من الخطوات والاجراءات الاساسية بما يشمل تنفيذ قراري مجلس الامن 1559 و1701 وخصوصا ترسيم الحدود بين البلدين ووقف شحنات الاسلحة الى "حزب الله". ورأى المسؤولون السوريون ان اقدام ادارة اوباما على تخفيف بعض العقوبات المرتبطة بسوريا والمتعلقة بتصدير منتجات ذات صلة بتكنولوجيا المعلومات واجهزة اتصالات وقطع غيار واجزاء مرتبطة بسلامة الطيران المدني، ان هذا ليس كافيا اطلاقا في نظر السوريين لاظهار الرغبة الاميركية الحقيقية في تحسين العلاقات معهم.
واكد لنا ديبلوماسي اوروبي زار دمشق اخيرا "ان سياسة الحوار والانفتاح، وإن المشروط التي تعتمدها ادارة اوباما في التعامل مع سوريا، تريح نظام الاسد لكنها ايضا تشكل نوعا من الاحراج له وتقلص من قدرته على المناورة، ذلك ان السوريين يشعرون بأن ادارة اوباما تريد ان يقدم نظام الاسد تنازلات مهمة عراقيا ولبنانيا وفلسطينيا واقليميا وعلى صعيد التعامل مع ايران واسرائيل وتريد بالتالي تقليص الدور السوري الاقليمي، في مقابل تحسين العلاقات الثنائية بين سوريا واميركا ودول اخرى، ولكن من دون ان يحقق النظام السوري انجازات اكبر من ذلك سواء على صعيد ضمان استعادة الجولان المحتل او على صعيد المحكمة الدولية، او على صعيد النفوذ السوري في المنطقة. وهذا اقل بكثير مما يريده ويسعى اليه السوريون. ولذلك يبدو نظام الاسد حائرا فعلا ومرتبكا بصورة غير معلنة في تعامله مع ادارة اوباما، اذ انه مصمم على مواصلة الحوار معها وراغب في التعامل معها، لكنه يريد في المقابل الحصول على مكاسب اكبر من تلك التي يقدمها اليه الاميركيون حاليا".

بقلم عبد الكريم أبو النصر

المصدر: جريدة النهار

Getting a Grip on Central Sahel’s Gold Rush

 الأربعاء 13 تشرين الثاني 2019 - 8:15 ص

Getting a Grip on Central Sahel’s Gold Rush https://www.crisisgroup.org/africa/sahel/burkina-faso… تتمة »

عدد الزيارات: 30,796,495

عدد الزوار: 747,621

المتواجدون الآن: 0