السياسة الاقتصادية للحكومة المقبلة

تاريخ الإضافة الأحد 21 حزيران 2009 - 6:51 ص    عدد الزيارات 1545    التعليقات 0    القسم محلية

        


عقد الرئيس فؤاد السنيورة اجتماعا موسّعا مع الهيئات المالية والاقتصادية العالمية كان الغرض منه تصوّر برنامج تجاوز نتائج الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وكذلك التركيز على الانماء المناطقي وتحفيز النشاط الاقتصادي.
وعلى رغم التأخير الواضح، والذي اقر به الرئيس السنيورة، فقد هدف الاجتماع الى توفير معالم برنامج ارتأى اصحابه ان يكون خريطة الطريق الاقتصادية للحكومة الجديدة.  وهنا لنا ملاحظات عدة.
من المؤكد ان اللبنانيين أظهروا قدرة متميزة على التغلب على الصعاب وحققوا نمواً لافتاً بنسبة ثمانية في المئة أو أكثر بقليل عام 2008، كما أظهرت حسابات ميزان المدفوعات فائضا وازى 3.8 مليارات دولار، وهذا اعلى رقم تحقق للبنان في تاريخه، وأهميته كبيرة لان تكاليف الاستيراد ارتفعت بقوة عام 2008 ، وخصوصا بالنسبة الى استيراد المشتقات النفطية والمنتجات الغذائية.
والمؤشرات لمتابعة النمو بمعدل أربعة في المئة، وقد يرتفع الى ستة في المئة هذه السنة،  قوية حتى تاريخه وقد تجلت في زيادة الصادرات وارتفاع عدد الزوار وتحرك القطاع العقاري، اضافة الى ارتفاع حجم الودائع في المصارف، سواء التي منها في لبنان او تلك التي تملكها مصارف لبنانية  بنسبة ملحوظة في الخارج. وثمة اربعة اسباب رئيسية لاندفاع النشاط الاقتصادي في النصف الثاني من عام 2008، واستمرار هذا التوجه في 2009.
- ارساء قواعد الاستقرار السياسي وتحسّن اداء قوى الامن والجيش في ضبط وقع الحياة المدنية،  وكان البرهان الساطع على هذا التحسن إجراء الانتخابات النيابية في يوم واحد في مناخ من الحرية والهدوء، وذلك بفضل شاب تولّى الوزارة بعد عمله طويلاً في مجال مكافحة الفساد وتطوير القوانين. وقد أثر تصميمه وديناميكيته، على رغم محاولات اعاقته داخل وزارته ومن وزراء آخرين.
- تجاوز القطاع المصرفي نتائج الازمة المالية والاقتصادية العالمية اشراف المصرف المركزي على تقيد المصارف التجارية بسياسات محافظة والتزامها معايير الحذر.  ومع ذلك خسر اللبنانيون من محافظهم الاستثمارية في الخارج ما يراوح بين ثمانية و 10 مليارات دولار.
-  الارتفاع التلقائي والطبيعي لتعويض خسائر عامي 2006 و 2007 التي نتجت من حرب صيف 2006 ومن معارك نهر البارد مدى شهر ونصف شهر صيف 2007، والاستثمار التعويضي طبيعي اذا أحس المواطنون بان فترة من الاستقرار مقبلة، وهذا هو الشعور السائد اليوم.
-استمرار تحويلات اللبنانيين الى عائلاتهم، ومن أجل الاستثمار في بلدهم، وتجاوز أرقام التحويلات المستويات المقدرة لدى بنك التسويات الدولية، وتاليا تحقيق الفائض الملحوظ على حساب ميزان المدفوعات.
وفي ما عدا السبب الاول لاستعادة النشاط الاقتصادي، وهو الاهم، لم يكن للحكومة أي دور في ترسيخ الاسباب الاخرى.  ونحن نتحدث عن الحكومة بصفتها التنفيذية، وتالياً نرى ان توصيات الندوة التي انعقدت قبل أيام من انتهاء الدورة النيابية، وكان من المفترض ان تنير طريق الحكومة الجديدة، هي طموح في غير محله بالتأكيد. لذلك نجد ضرورة لتوجيه رسالة الى الحكومة المقبلة تتضمن أفكاراً ورؤيا لما نظن أن لبنان في حاجة اليه في المرحلة المقبلة:
حضرة رئيس مجلس الوزراء المقبل،
مطلوب منك قبل كل شيء ألا تستمر في السياسات التي اعتمدت خلال السنوات الاربع المنصرمة – باستثناء ما اعتمد لاعمال الاغاثة – وعسى ألا تكون هناك حالات طارئة تفرض أعمال اغاثة استثنائية مكلفة مالياً وأمنياً واجتماعياً.
ان الحكومة التي تودّعنا لم تول موضوع الوفر التشغيلي أي عناية، بل كرست اهتمامها للشق المالي من الشأن العام، أي تحصيل الموارد وضبط نسبة العجز، حتى وإن يكن ذلك على حساب النمو.
العجز الاكبر هو في مجال انتاج الكهرباء وتوزيعها. وعناصر المشكلة واضحة منذ 1997، اذ ان الخسارة ترتهن الى حد بعيد بشبكة توزيع مهترئة وغير متكاملة بسبب اعتراضات سياسية على مواقع بعض أعمدة نقل الكهرباء بالتوتر العالي، وارتفاع تكاليف الصيانة نتيجة اهمال هذه الاعمال، وتآكل ادوات الانتاج بسرعة، وارتفاع تكاليف شراء قطع الغيار، واستعمال المشتقات المرتفعة الثمن والاقل فاعلية للانتاج من مصنعين بدل تشغيلهما على الغاز، والخسارة التقنية بين حجم الانتاج في المعامل والتسليم الى المستهلك، وتبلغ هذه الخسارة بين 18 و20 في المئة، في حين انها لا تزيد على ستة الى ثمانية في المئة في البلدان المتطورة.
ان عملية تحسين شبكة توزيع الكهرباء، وان تكن مكلفة نسبياً، يمكن انجازها في وقت قصير، وتعطي مردوداً خلال سنة عبر تخفيف الاهدار التقني الذي يؤدي الى استعادة الاموال المستثمرة، وتحسين عمليات الصيانة ونفض الجهاز الوظيفي، وابعاد السياسة عنه. وكلها أمور تساهم، مع وقود الغاز، في خفض عجز الكهرباء بنسبة النصف أو ما يعادل 500 مليون دولار سنوياً على الاقل.
كل التحسينات كان في الامكان انجازها في السنوات الاربع المنصرمة، على رغم الحروب والانشغالات الاخرى. لكن تركيز الحكومة على الموارد بدل التركيز على إساءة استخدام الموارد، منع التحسين المطلوب.
ولم تكرس الحكومات، في السنوات الاربع التي تلت انتخابات 2005، انتباهاً كبيراً لقضية المياه.  والمياه هي المورد الطبيعي الاثمن والمتوافر للبنان واللبنانيين بكميات كبيرة. وفي كل يوم تزداد نسبة تلويث المياه بسبب التخلص من النفايات المنزلية والصناعية بطرق بدائية. ولم يكن هناك أي مسعى لانجاز خطة للاستثمار المائي وتنقية المياه الجوفية، فضلا عن زيادة فاعلية استخدام الموارد المائية. فقد أنجز سد شبروح بعد سنوات طوال من الانتظار، وها هو اليوم بطاقة 10 ملايين متر مكعب – أي ما يساوي واحداً في المئة من حجم تساقط الأمطار سنوياً – غير مربوط بمواقع الاستهلاك المقررة بشبكة حديثة للتوزيع. فمياهه تهدر بنسبة مرتفعة في مجاري شبكة مهترئة. وبعض مياهه يفرغ في مجرى النهر الاقرب من أجل تفادي فيضان طاقته.
والحكومات المتعاقبة منذ انتخابات 2005 تعايشت بكل راحة مع مصفاتين في الزهراني وطرابلس لا تعملان منذ عشرات السنين، بينما العاملون فيها برواتب مرتفعة وتعويضات نهاية خدمة مذهلة، لا يزالون في مناصبهم ورواتبهم وتعويضاتهم على عاتق الدولة. لاعطاء مثل بسيط عن حجم المشكلة التي نحن فيها، نقول ان أي عمل يؤدي الى توسيع المصفاتين او احداهما على أسس حديثة، كان من شأنه ان يوفّر على لبنان بين 400 مليون و500 مليون دولار سنوياً، كما ان اسعار البنزين، حتى في ضوء أسعار النفط حالياً (نحو 72 دولاراً البرميل) كانت لتكون على مستوى 28 الف ليرة لبنانية الصفيحة.
ولا حاجة الى تعداد ما لم يتحقق في الماضي القريب، وهو كثير كثير. والمطلوب من الحكومة الجديدة، إن هي كانت ممثلة حقاً لآمال اللبنانيين وتطلعاتهم، ان تتجاوز فلسفة الحكومة السابقة، القائمة على الاهتمام بالشأن المالي ولو على حساب الشأن الاقتصادي.
ان المطلوب من الحكومة الجديدة هو ان تدعم النمو في المجالات المثمرة، وان تنفذ المشاريع التي تعيد لبنان الى مصاف الدول المتقدمة، سواء في نظافة الهواء والمياه، أو في ضبط حركة السير وقاية للاعصاب والحياة، وان تنكب على تحسين وسائل الاتصال، وتحديد اعداد موظفي القطاع العام ونشاطات مؤسساته، وتنفيذ برنامج لصيانة مصادر المياه وتطويرها.
والامر الاهم هو ان تتجاوز الحكومة بتصورها ومنطلقاتها الممارسات التي سادت في السابق.  فلبنان في حاجة قصوى الى تعديل منهجيته. وهناك ظلم كبير لأي رئيس للوزراء آت ولأي فريق يختار، بحثّهما على تبني السياسات السائدة حتى اليوم.
 

مروان اسكندر     


المصدر: جريدة النهار

Exiles in Their Own Country: Dealing with Displacement in Post-ISIS Iraq

 الثلاثاء 20 تشرين الأول 2020 - 6:04 ص

Exiles in Their Own Country: Dealing with Displacement in Post-ISIS Iraq https://www.crisisgroup.… تتمة »

عدد الزيارات: 47,796,788

عدد الزوار: 1,423,258

المتواجدون الآن: 54