"الإسلاموفوبيا" و"العربوفوبيا" تحييان الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية

عشر سنين على 11 أيلول 2001

تاريخ الإضافة الإثنين 12 أيلول 2011 - 7:21 ص    عدد الزيارات 2139    التعليقات 0    القسم دولية

        


عشر سنين على 11 أيلول 2001

سنوات "العقد الضائع" غيّرت معالم أميركا والعالم
لولا هجمات 11 أيلول لما كان غزو أفغانستان والعراق ممكناً

عندما هوى برجا مركز التجارة العالمي في نيويورك صباح ذلك اليوم الجميل في 11 أيلول 2001، قال الاميركيون ومعهم كثيرون في العالم: لقد تغير كل شيء بعد هذا اليوم المفصلي.

واشنطن – هشام ملحم:
خلال ساعات الصباح، أقدم 19 شاباً عربياً، بينهم اللبناني زياد الجراح البالغ من العمر 26 سنة، على خطف ثلاث طائرات للركاب واستخدامها للمرة الأولى صواريخ لتدمير البرجين وضرب مبنى وزارة الدفاع "البنتاغون" في ضواحي واشنطن. الطائرة الثالثة (يعتقد ان الخاطفين أرادوا استخدامها لتدمير مبنى الكونغرس) سقطت في ولاية بنسلفانيا بعد مواجهة بين الركاب والخاطفين. حصاد الدم: نحو ثلاثة آلاف مدني معظمهم من الاميركيين وآخرون قدموا الى أميركا من 80 دولة.
هذا الهجوم الإرهابي الذي قامت به مجموعة صغيرة، والذي لم تزد كلفته عن نصف مليون دولار، على أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم، هز المجتمع الاميركي بطريقة غير معهودة وغيّر الكثير من المسلّمات والممارسات وألحق بالولايات المتحدة خسائر هائلة بشرية وعسكرية ومالية ومعنوية. ويقدِّر الخبير الاقتصادي جوزف ستيغلتز الخسائر المالية بما بين 5 و6 تريليونات دولار بما في ذلك كلفة  غزو أفغانستان والعراق، والحرب التي شنها الرئيس جورج بوش على "الإرهاب العالمي". الخسائر البشرية الاميركية، في أفغانستان والعراق، زادت عن ستة آلاف قتيل وأكثر من 40 ألف جريح، والنزف مستمر. الخسائر البشرية في أفغانستان والعراق غير معروفة بالضبط وتراوح بين 137 ألف مدني، على الأقل في البلدين، ومليون عراقي قتلوا في العقد الماضي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة نتيجة الغزو والعنف الذي ترتب عليه. قبل نهاية العقد، نجحت القوات الاميركية الخاصة في قتل زعيم "القاعدة" اسامة بن لادن في باكستان، بعدما قضت في السنوات الاخيرة على عدد كبير من قادة التنظيم الاصولي من الذين لجأوا الى باكستان أو المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان.
     
 

"العقد الضائع"

 في الايام والاسابيع الاخيرة التي سبقت الذكرى العاشرة للهجوم، استعاد الاميركيون الصور المروعة للبرجين وللضحايا، بمن فيهم الذين قفزوا من الطبقات العليا في البرجين لئلا يلتهمهم جحيم النيران التي فجرها وقود الطائرات، وكان بينهم رجل وأمرأة يداً بيد وهما في طريقهما السريع الى الموت. كما استعادوا الصور الشجاعة والبطولية لرجال الإطفاء والشرطة والإسعاف الذين ضحوا بأنفسهم بالمئات لإنقاذ الآلاف في البرجين. المناسبة المؤلمة كانت، ربما أكثر من أي سنة أخرى، فرصة لمراجعة نقدية جدية وصارمة لما فعلته ولم تفعله الولايات المتحدة خلال العقد الماضي، الذي التقى عدد من المعلقين والمؤرخين على  وصفه بـ"العقد الضائع".
ولولا هجمات ايلول الإرهابية، لما كان غزو أفغانستان والعراق ممكناً، ولا الحرب الشاملة على الإرهاب الدولي. هذه الحروب أدت بسرعة الى تبخر مشاعر التعاطف والتضامن التي عبر عنها الملايين في العالم مع الولايات المتحدة. كما خلقت توترات عميقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين والعرب والمسلمين، وتوترات بين واشنطن وحلفائها في حلف شمال الاطلسي ادت الى انتقادات اميركية علنية لأداء أعضاء الحلف الأوروبيين في أفغانستان.
    التغييرات التي ترتبت على هذه الهجمات في الولايات المتحدة كانت عميقة ومتشعبة وشملت السياسة الخارجية  والاستراتيجية، وأحدثت تغييرات حكومية بنيوية وخصوصاً في مجال الامن الوطني، إذ أدت الى ايجاد ثالثة كبرى الوزارات في البلاد وهي وزارة الامن الوطني.
وتكلف اجراءات الامن والمراقبة في المطارات والمرافئ ونقاط العبور الحدودية، أو إجراءات حماية المرافق الحيوية، من سدود ومحطات انتاج الطاقة الكهربائية ومفاعلات نووية، الخزينة الاميركية 75 مليار دولار سنوياً. وتبدو المباني والمرافق الحكومية في بعض الحالات كأنها قلاع محصنة بحواجز من الاسمنت المسلح، وكاميرات للمراقبة وعناصر الشرطة.
في العام الماضي نشرت صحيفة "الواشنطن بوست" تحقيقاً طويلاً ومقلقاً عن البيروقراطية الامنية الجديدة التي أوجدتها الحكومة خلال السنين العشر الاخيرة والتي شملت 1200 جهاز حكومي جديد، يتعامل مع 1900 شركة توفر الخدمات أو المشورة الأمنية. ووصل عدد الاميركيين الذين يعملون في هذه البيروقراطية الأمنية الى أكثر من 850 الف شخص. وقد فرضت وزارة الامن الوطني إجراءات أمنية جذرية في المطارات أدت الى استخدام أجهزة اشعة (أثارت ولا تزال تثير الكثير من الجدل، لأسباب صحية وأخرى تتعلق بانتهاك الحقوق المدنية وخصوصية المسافر) وغيرها من الاجراءات الامنية والتفتيشية التي زادت تعقيد سفر ملايين الاميركيين وتأخيره.
  
 

مسرح الحرب على "الإرهاب"

الحرب الشاملة التي شنتها ادارة الرئيس بوش على "الإرهاب الدولي"، والتي شملت تنظيم "القاعدة" وتنظيمات اسلامية متطرفة أخرى مشابهة له أو تتعامل معه، غطت مسرحاً عالمياً واسعاً تخطى أفغانستان وباكستان والعراق ليشمل اليمن والصومال والفيليبين. في هذه الحرب لم تتردد الولايات المتحدة في انتهاك حقوق المعتقلين من الإرهابيين أو المشتبه بضلوعهم في الإرهاب وسجنهم بشكل مفتوح من دون توجيه اتهامات محددة اليهم أو محاكمتهم، واستخدام اساليب تحقيق معهم رأت منظمات حقوق الانسان أنها ترقى الى مستوى التعذيب، مثل اسلوب الاغراق. الحرب على الإرهاب ارتبطت بمراكز اعتقال تحولت معالم جغرافية وأخلاقية جرت فيها ممارسات مشينة ومحرجة لدولة تفخر تقليدياً – وهي محقة في ذلك – باحترامها لسلطة القانون. هذه الاستثناءات والممارسات الصارخة التي بدأتها ادارة الرئيس بوش حولت معسكر غوانتانامو في كوبا وسجن أبو غريب في العراق ومعسكر باغرام في أفغانستان أماكن جغرافية-رمزية جسدت ابشع نواحي  "الحرب على الإرهاب الدولي". وورطت الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، دولاً عربية  ومسلمة وأوروبية، عندما أشرفت وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إي" بالاشراف على سجون فوق أراضيها أبقت فيها معتقلين مشتبهاً في تورطهم في الإرهاب، أو سلمت هؤلاء المعتقلين الى اجهزة استخبارات في دول عربية ومسلمة "للتحقيق" معهم، مع علمها المسبق والمؤكد ان هذه الدول تستخدم التعذيب بشكل منظم وروتيني خلال مثل هذه التحقيقات.
هذا الهاجس الامني اثر سلباً ايضاً على الحقوق المدنية للمواطنين الاميركيين، بعد اقرار ما سمي "قانون المواطنة" الذي أعطى السلطات الفيديرالية صلاحيات مراقبة المواطنين الاميركيين التي رأى العديد من الحقوقيين انها إما تنتهك أو إما تقلص حريات المواطن الاميركي الذي يضمنها الدستور، مثل التنصت على المكالمات الهاتفية لبعض المواطنين الاميركيين من دون الحصول على الأذون القضائية الضرورية. وعلى رغم ان الرئيس باراك أوباما أوقف ممارسات التعذيب في المعتقلات، إلا ان وعده باقفال معسكر غوانتانامو خلال سنة، وتعهده محاكمة بعض المعتقلين في المحاكم المدنية وليس العسكرية، لم تتحقق حتى الآن، لأسباب عدة، منها معارضة الجمهوريين. ويمكن القول إن أكثر ممارسات ادارة الرئيس بوش في الحرب على الإرهاب لا تزال سارية المفعول.

 

مسلمو أميركا

بعد هجمات ايلول تعرض بعض المسلمين الاميركيين للمضايقات وواجهوا مشاعر عدائية، لكنها لم ترق الى العدائية الرسمية والممارسات التمييزية كما أوحى بذلك بعض الكتابات العربية. وعلى رغم التحرشات واستمرار الصور النمطية عن المسلمين في بعض وسائل الاعلام (والمضاعفات السلبية لأعمال العنف والإرهاب التي أرتكبها مسلمون اميركيون بينهم الضابط نضال حسن وفيصل شاه زاد)، الا ان ذلك لم يوقف هجرة المسلمين الى الولايات المتحدة. وبينما وصل عدد الذين حصلوا على اقامات دائمة عام 2000 الى 66 ألفاً، وصل عدد الذين حصلوا على حق الاقامة الدائمة (الخطوة الأولى للحصول على الجنسية) عام 2009  الى 115 ألفا.
وتُظهر استطلاعات الرأي ان المسلمين في أميركا يختلفون عن المسلمين في أوروبا، إذ يتمتعون في أميركا بمستويات أعلى في مجالات التعليم والدخل المالي. وفي استطلاع أجرته مؤسسة "بيو" قال 71 في المئة منهم ان النظام الاميركي يكافئ من يعمل بجهد في أميركا، كما قال 73 في المئة من هؤلاء انهم لم يتعرضوا لأي تمييز.
    حتى اللغة لم تسلم من التغييرات، بعدما دخلت عليها عبارات مثل "اذا لم تكونوا معنا فإنتم ضدنا" أو "حقبة الحرب التي لا نهاية لها" أو "غراوند زيرو" وهي عبارة استخدمها الاميركيون للمرة الأولى لوصف مكان انفجار القنبلتين النوويتين في هيروشيما وناغازاكي في اليابان في الحرب العالمية الثانية.
بعد مرور عشر سنين على هجمات ايلول، يستطيع الاميركيون ان يقولوا إن الحرب على "القاعدة" قد نجحت الى حد كبير، وهي اليوم أقل تعرضاً لهجوم مماثل لهجمات 11 ايلول 2001، كما حمت نفسها من هجمات ارهابية كبيرة. هجمات الطائرات من دون طيار التي كثفها الرئيس أوباما في السنوات الاخيرة أضعفت تنظيم "القاعدة" كثيراً وقضت على قادة بارزين فيه وأبقت الآخرين تحت الارض. لكن ذلك لا يعني ان الحرب انتهت على هذا التنظيم أو فروعه، بما في ذلك "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" الذي يقوده انور العولقي المولود في ولاية نيومكسيكو من أبوين يمنيين، والذي يواصل العمل على تنظيم هجمات ارهابية على الولايات المتحدة.
وعلى رغم الانجازات التي حققتها الولايات المتحدة في حربها على "القاعدة"، الا ان السؤال الملحّ هو: هل هذه الانجازات المحدودة تبرر الثمن الهائل الذي دفعته ولا تزال تدفعه البلاد؟ صحيح ان بن لادن لم يحقق رؤيته المجنونة لإقامة خلافة اسلامية جديدة، ولم يسقط أي نظام مسلم أو عربي، إلا ان اتباعه يستطيعون ان يتبجحوا – وعن حق ويا للاسف- بأنهم ورطوا الولايات المتحدة ومعها بعض حلفائها الغربيين في حروب استنزاف في العالم الاسلامي من جنوب غرب آسيا الى العراق واليمن. ووقت تقترب الولايات المتحدة من سحب معظم، أو ربما جميع قواتها من العراق، وتقترب من بدء سحب القوات الدولية من أفغانستان، تبدو الصورة السياسية في كابول وبغداد غير ايجابية وغير مشجعة، والاستتثمارات الاميركية الضخمة في البلدين تركت وراءها نظاماً ينخره الفساد في كابول، ونظاماً سياسياً هشاً في بغداد تبدو فيه ايران لا الولايات المتحدة الدولة الخارجية ذات النفوذ الأوسع في العراق.
    
 

تحدّي النهوض

 بعد عشر سنين من هجمات أيلول، تبدو عبارة " لقد تغير كل شيء..." صحيحة جزئيا فقط. اليوم الهاجس الامني انحسر كثيراً، وحل محله الهاجس الاقتصادي والمعيشي بعد عقد من الزمن شهد أضخم أزمة مالية في تاريخ البلاد منذ ثلاثينات القرن الماضي، وارتفعت فيه المديونية الى أرقام شبه خيالية واقتربت فيه نسبة البطالة من نحو 10 في المئة، وهي نسبة أعلى من ذلك في أوساط الاقليات، ولا يشعر المواطن الاميركي في حياته اليومية اليوم بأنه يخوض حرباً على الإرهاب الدولي، إلا إذا اضطر الى السفر جواً. والأمر اللافت والمقلق هو ان الكلفة البشرية لحربي العراق وأفغانستان تبدو بعيدة عن الاميركيين الذين لا يشارك أي فرد من عائلاتهم في هذه الحربين.
عشية هجمات 11 ايلول 2001، كانت الولايات المتحدة في وضع اقتصادي وسياسي واستراتيجي متفوق، حيث كان هناك فائض في الموازنة مع نهاية عقد من الزمن على انهيار الاتحاد السوفياتي وهزيمة صدام حسين في 1991. بعد عشر سنين من بدء الحرب في أفغانستان وثماني سنوات من غزو العراق، المزاج في البلاد قاتم ومشاعر انعدام الثقة واسعة. ويرى الكثير من الاميركيين ان حكومتهم قد بالغت كثيرا في ردها على هجمات ايلول وأضاعت عقداً كاملاً في حروب استنزاف ستبقى آثارها ومضاعفاتها معهم الى وقت طويل. وخلال الحرب على الإرهاب وهاجس مكافحة الاسلام الأصولي في العقد الماضي، أشاحت الولايات المتحدة عن التحدي الحقيقي (الاستراتيجي والاقتصادي) الذي برز في العقد الماضي، وهو بروز الصين والهند والبرازيل وحتى روسيا دولاً صاعدة تمثل المحرك الرئيسي لعجلة الاقتصاد والانتاج في العالم. المضاعفات البعيدة المدى لصعود الصين منافساً حقيقياً لأميركا في هذا القرن، والانهيار الاقتصادي في 2007، والازمة المالية المستمرة في منطقة الأورو، هي أهم بكثير من  مضاعفات هجمات 11 أيلول 2001.
في الذكرى العاشرة لهجمات ايلول، من الواضح ان هذه التجربة المرّة قد غيرت الولايات المتحدة، وأظهرت محدودية قدراتها، وحجّمت مكانتها ونفوذها الدوليين، وفرضت عليها عملية مراجعة نقدية. المحللون الذي يشككون في فرضيات بداية انهيار الولايات المتحدة أو "الامبراطورية الاميركية" يشيرون الى ان البلاد واجهت في السابق تحديات مماثلة وحتى أصعب مما تواجهه اليوم، من الحرب الاهلية الى حقبة الكساد الاقتصادي الكبير، لكنها كانت دوماً تعود من محناتها أقوى وأصلب وأكثر صحة. الاميركيون بطبعهم متفائلون. هذا الارث إذا صاحبته ارادة سياسية قوية، سوف يكون كافياً لاستخدام الخصائص والموارد الأميركية بامتياز، مثل القدرة على الابداع والخلق في مجالات الاعمال والعلم والابحاث والفرص التي توفرها اميركا للمواهب الاميركية والتي ترغب في ان تصير أميركية، كي تنهض الولايات المتحدة من كبوتها الآنية وتستعيد مكانتها التي تعرضت لإرهاب غير معهود قبل عقد من الزمن. 
 


النتائج الاقتصادية الكبيرة لتاريخ 11/9
بقلم الدكتور لويس حبيقة

عندما يذكر الاعلام يوم 11/9، يفكر الجميع في الهجوم الاجرامي على مبنى مركز التجارة العالمية في نيويورك وبعض المراكز الحكومية الأميركية الأساسية في واشنطن وغيرها. الاّ أن تاريخ 11/9/1989 يرمز الى سقوط الشيوعية الاقتصادية، وهو لا يقل أهمية سياسياً ومعنوياً عن 11/9/2001 ولا نزال نعيش نتائجه الاقتصادية الكبيرة. 11/9/1989، هو اليوم الذي فتحت فيه المجر حدودها مع النمسا مما سمح للألمان الشرقيين بالتوجه عبرهما الى المانيا الغربية وشكل بداية سقوط القسم الشرقي من ألمانيا، وتاليا انتهاء رمز الشيوعية الاقتصادية. تعب الألمان الشرقيون اقتصادياً من النظام الشيوعي ومن غياب الحريات، وكذلك الأوروبيون الشرقيون كالبولونيين والمجريين. قبل نهاية الحرب الباردة، وصل التضخم الى 30% سنوياً في المجر، وارتفعت الديون العامة وانحدر مستوى المعيشة كما الأجور. في بولونيا، كان ثلث الشعب فقيراً، ووصل مؤشر التضخم الى 60% وفُقدت السلع من الأسواق. في انتخابات 4/6/1989، حققت النقابات البولونية بقيادة ليخ فاونسا انتصاراً كاسحاً. فالاقتصاد وجّه السياسة، وغيّر سوء الاداء الاقتصادي وجه الأنظمة التي انتقلت الى النظام الحر.
من أمثلة سوء الأداء، أن الرئيس الروماني السابق نيكولاي تشاوشيسكو شيّد قصرا من الرخام الأبيض يحتوي على ألف غرفة، وقت كان الشعب يجوع ويفتقد أهم السلع المعيشية. بلغت كلفة القصر ما يعادل سنة كاملة من الصادرات الرومانية. في خريف 1989، بلغ حجم الدين الخارجي لألمانيا الشرقية 26 مليار دولار مع فوائد سنوية بلغت 4,5 مليارات دولار، أو ما يعادل ثلثي الدخل القومي ومرة ونصف مرة قيمة الصادرات. شُيّد جدار برلين في 13/8/1961 على طول 300 ميل لمنع الشرقيين من اللجوء الى الغرب، إذ بلغ عدد الهاربين قبل اقامته ألف شخص يومياً. يرمز الجدار الى فترة طويلة من العذاب والقمع والنضال، كما الى الأمل في المستقبل. وقد شكل رمز الحرب الباردة التي وجّهت الاستثمارات والانفاق في الاقتصادات العالمية. في الولايات المتحدة، بُنيت شبكة الطرق عبر الولايات في كل الاتجاهات لتسهيل نقل الامدادات العسكرية. وُجد الأنترنت أصلاً لتسهيل الاتصال بين وحدات الجيش الأميركي والوحدات الحليفة، ولم يتحوّل شبكة تجارية الاّ لاحقاً. أنفقت الولايات المتحدة الكثير على التعليم والابحاث كي تربح حرب الأدمغة ضد المعسكر الشرقي. وُجدت مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لدعم الاقتصادات التي اعتمدت النظام الحر.
تسلّم ميخائيل غورباتشيوف الأمانة العامة للحزب الشيوعي السوفياتي في 11/3/1985 وكان راغباً في التغيّر. في الـ54 من العمر، كان أصغر أمين عام استطاع أن يفهم بسهولة مشكلات النظام الاقتصادي السوفياتي وتالياً عدم امكان الاستمرار بالأوضاع.  انفتح على الغرب ووقّع مع الأميركيين اتفاقات لخفض الأسلحة النووية. لا يمكن أحداً أن ينسى هاتين الكلمتين المهمتين "غلاسنوست" (أي رياح التغيير) وبيريسترويكا (أي الانفتاح والاصلاح). حظي غورباتشيوف بحسن رفقة الرئيس رونالد ريغان في الولايات المتحدة ورئيسة الوزراء مارغريت تاتشر في بريطانيا، لأنهما وثقا به وتعاملا معه بصدق، واضطرا مراراً الى مواجهة اليمين المتطرف في حزبيهما أي الجمهوريين والمحافظين. انتهت الحرب الباردة باحتفال وليس بتوقيع اتفاق سلام كما حصل في الحربين العالميتين. لم تنتصر الجيوش في الحرب الباردة، وانما تحققت رغبة الشعوب في التغيير.
من الخطأ القول إن الولايات المتحدة أو الغرب أسقطا الاتحاد السوفياتي. الحقيقة أن الشعوب فرضت التغيير بسبب النتائج الاقتصادية السلبية في وجود عامل مساعد هو شخص ميخائيل غورباشيوف الذي رفض القمع كما حصل سابقاً في المجر وتشيكوسلوفاكيا. هل يمكن القول إن الولايات المتحدة ربحت اقتصاديا الحرب الباردة؟ في الواقع، وجهت الحرب الخيارات الاقتصادية على نحو غير فاضل وذلك بسبب الضرورة. بين عامي 1940 و1996، أنفقت الولايات المتحدة 5,8 آلاف مليار دولار على الأسلحة والتجهيزات النووية، وكان ممكناً استثمارها في الأمور الاجتماعية والعلمية. فالحرب الكورية مثلا، أفقدت الولايات المتحدة أكثر من 32 ألف جندي وقتلت ثلاثة ملايين كوري. أما حرب فيتنام، فقتلت أكثر من 58 ألف جندي أميركي وجرحت 304 آلاف، من غير أن ننسى أن 1,2 مليون فيتنامي قُتلوا خلال سبع سنوات من العنف.
لا بدّ من أن تكون التجربة الشيوعية مهمة جداً للعالم العربي. ولا شك في أن الأوضاع الاقتصادية هي دافع أساس وليس الوحيد للانتفاضات العربية. لا يمكن أي حاكم أو مسؤول أن يتجاهل مطالب الشعوب في الحريات والحقوق وحسن الاداء والبحبوحة الاقتصادية. يجب أن تعلّمنا تجارب الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية الكثير عربياً.

 

 


 

نيويورك تخطّ صورتها الجديدة وتعيد صوغ "الحلم الأميركي" بعد 11 أيلول
"الإسلاموفوبيا" و"العربوفوبيا" تحييان الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية

منظر عام لموقع البناء في "غراوند زيرو" حيث كان برجا مركز التجارة العالمي. جانب من النصب التذكاري لبركة المياه المحفور عليها اسماء ضحايا هجمات 11 ايلول.
لم يكن 11 أيلول 2001 يوماً مشؤوماً للولايات المتحدة فحسب. لا يزال العالم بأسره - في الذكرى السنوية العاشرة لذلك الهجوم الإرهابي - يعاني تبعاته الوخيمة. يجهد الأميركيون منذ عشر سنين لمداواة الجروح البالغة لذلك التاريخ. يتطلع النيويوركيون، الذين يتشكّلون تقريباً من كل أبناء الأرض، ليس فقط الى إعادة رفع معالم مركز التجارة العالمي، بل أيضاً الى محاكاة مستقبل مدينتهم منذ الآن.

نيويورك – علي بردى:
حزينة، ككل سنة، هي الذكرى السنوية العاشرة لـ11 أيلول. لم تساو السنون العشر التي مضت شيئاً لدى ذوي الضحايا. لم تخفف أحزانهم. تعود الذكرى كل سنة بهؤلاء الى تلك اللحظات المريرة. تتكرر الصور المخيفة كل سنة لتحيي ذكرى الموتى. غير أن الحزن ليس مقيماً دوماً في نفوس الأميركيين. مرور السنين العشر لا يدفع فقط الى آلام ودموع في نيويورك. تبعث المناسبة روح التأمل في حاضرهم ومستقبلهم. يعقدون حوارات كثيرة عن علاقاتهم بعضهم ببعض. يذكرون بالقيم والمثل التي قامت عليها أميركا. يتساءلون عن جدوى تطابق الديموقراطية والحرية والحقوق التي ينعمون بها على الآخرين. يتحدثون عن علاقاتهم بعمرانهم وبيئتهم المحيطة. يثيرون سجالات عن معنى السياسات الخارجية لأميركا وخوضها حروباً في أقاصي الأرض. يناقشون مسائل انسانية وأخلاقية مرتبطة بحياتهم الداخلية اليومية. لا يمكن احصاء العناوين التي تعدها المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني لإحياء هذه الذكرى في نيويورك وحدها. تزخر الشوارع والمؤسسات والمعارض والمنتديات والمتاحف بكل أصناف المناسبات الخاصة. يحاول البعض، من دون جدوى في أحيان كثيرة، لصق صفة الإرهاب بكل ما (أو من) هو مسلم وعربي. وفي المقابل يسعى البعض المتبصر الى الحيلولة دون التعميم الأعمى. يتظاهرون في الشوارع لهذا الرأي أو ذاك، من غير أن يتعدى أي شخص على حرية الآخر في التعبير. رجال الشرطة حسبهم المراقبة، من دون تدخل، حرصاً على القانون وصوناً للنظام العام.
الأميركيون يكافحون لتبقى بلادهم وهذه الضاحية - الجزيرة المسماة مانهاتن تتسع لكل الألوان والطبقات والأديان والمعتقدات. غير أن المسلمين عموماً يعانون "الإسلاموفوبيا" والعرب خصوصاً يرزحون تحت "العربوفوبيا"، وويلات مظاهر خوف الأميركيين والغربيين مما ارتكبه، أو قد يرتكبه، نفر من المتطرفين، أكانوا من الإسلاميين أم من العرب، أم سواهم من الإرهابيين المنتمين الى جنسيات وأديان أخرى.

ذروة الإرهاب العالمي
لا يبدد كل ذلك الصخب أحزان ذوي الضحايا الـ2977. مأساتهم لا تزال هي ذاتها منذ هجمات 11 أيلول على الولايات المتحدة. تلاشى كثيرون حين تمكّن 19 عنصراً من "القاعدة" من تحويل طائرات الركاب المدنية صواريخ عابرة. تبريراتهم المعاداة لأميركا، والمناهضة للإمبريالية والرأسمالية، والكراهية لمحاباتها اسرائيل والثأر من تجاهلها معاناة الفلسطينيين، وهلمجراً من الذرائع التي تطول. لم يسأل هؤلاء عن مصير الركاب أو هوياتهم، وبينهم أطفال ونساء وشيوخ وشباب من أكثر من 55 جنسية ومن كل الأديان والمعتقدات، وبينهم مسلمون وعرب وأربعة لبنانيين (جود صافي واسكندر عيراني وجود موسى وبطرس الهاشم). لم يكترث الجهاديون المهاجمون لأناس أبرياء كانوا يسعون الى لقمة العيش، بينهم أغنياء وفقراء ومتوسطو حال. يجادل البعض بأن هؤلاء إنما اختطفوا ديناً وصدموا به بعض معالم هذا العصر. يرى آخرون أن هذه الضربة لم تكن مجرد اعلان حرب على أميركا. كانت رمزاً لبلوغ الإرهاب العالمي ذروة لا سابق لها.
مذذاك، استخدمت الولايات المتحدة كل الوسائل لمكافحة الإرهاب. خاضت حربين معلنتين في أفغانستان والعراق. شرعت قانون "باتريوت آكت" الذي يعتبره كثيرون منافياً لشرعة الحقوق المدنية الأميركية. اتخذت اجراءات لا سابق لها في مطاراتها ومرافئها. غير أنها "أخفقت الى حد بعيد في ردم الهوة الثقافية التي أوجدها الإرهاب بين أميركا نفسها وجالياتها المسلمة"، على حد تعبير المديرة التنفيذية لمنظمة "يوث ليد" الخيرية جانيت بن التي قالت في إحدى الحلقات: "حان الوقت كي نسأل أنفسنا: هل نعلم حقاً صلب ما يصنع الإرهابيين؟ الإرهاب يأتي من الكراهية، ومن الأسهل أن نكره أناساً حين لا نفهمهم". واقترحت أن "نشجع التفاهم والتعاون بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى" لردم "هوة الاختلاف" بين الأميركيين جميعاً، وليس فقط بين الأميركيين والمسلمين.
سقط برجا مركز التجارة العالمي ووقعت المأساة الكبرى في نيويورك. وفي تلك الذكرى، شاركت الناشطة في منظمة "أهالي 11 أيلول من أجل غد مسالم" طلعت حمداني، في ندوة على مسافة أمتار من موقع "غراوند زيرو" حيث قضى ابنها محمد في انهيار البرجين. أكدت أن "لا عاقل يأسف للنهاية التي لقيها أسامة بن لادن". لكنها "تأسف بشدة لأن الناس عندما يعلمون أنها من أصل باكستاني، يسألونها مثلاً: هل التقيت زعيم تنظيم القاعدة؟ هل حزنت لمقتله". يؤلمها مجرد سؤال كهذا. تتضاعف أحزان هذه الأم الثكلى لأن "الناس، في بعض الأوقات، لا يتركون لنا وقتاً حتى للعزاء!". وإذ تذكر بأن هجمات 11 أيلول "مأساة وطنية للأميركيين، لأن أناساً من كل الديانات ماتوا، ابني مات"، تتساءل: "لماذا نوضع تحت هذا النوع من الرقابة الأمنية لأننا ننتمي الى الإسلام؟ لماذا هذا العداء للمسلمين؟"، لافتة الى أن "بين الأميركيين مسلمين وعرباً هنا منذ أجيال. اللبنانيون هنا منذ مئات السنين ككل الأميركيين".

إخفاء معلومات
لا تخفي مديرة جمعية نيويورك للعرب الأميركيين ليندا صرصور، وهي مسلمة تضع الحجاب، هويتها الدينية. لكنها ترفض "التعريف الشائع للإرهاب"، المرتبط حالياً بالمسلمين حصراً، علماً أنه إذا ارتكب شخص من دين آخر عملاً مماثلاً، لا يوضع في هذه الخانة. وإذ تشير الى تقرير وزعته أخيراً وكالة "الأسوشيتد برس" عن استعانة شرطة نيويورك بخبرات وكالة الإستخبارات المركزية "سي آي إي" بغية "التجسس" على المسلمين والعرب الأميركيين، تثير مسألة "الإسلاموفوبيا" التي يعانيها كل الأميركيين، وبينهم المسلمون.
تدفع الذكرى مديرة اتحاد نيويورك للحريات المدنية دونا ليبرمان الى المقارنة بين ما كان واقع الحال قبل عشر سنين و"الوضع الأسوأ اليوم" على مستوى الحقوق والحريات في نيويورك، موضحة أن ثمة أشخاصاً ذوي أصول آسيوية أو عربية احتجزتهم السلطات واعترفت لاحقاً بأنهم "لقوا معاملة رهيبة". ولاحظت كيف "ابتكرنا بسرعة بعد الهجمات الآخر الجديد، آخر القرن الحادي والعشرين". هذا الآخر هو أي مسلم وأي عربي. كان "الآخر" في الماضي الأميركي القريب هو الأسود.
طارت شهرة الصحافي خوان غونزاليس لدى صحيفة "الدايلي نيوز" ومنظمة "ديموكراسي ناو" الإعلامية اليسارية، إذ كشف أسراراً عن "انتهاكات أخرى بالغة الخطورة" تتعلق بـ"اخفاء" معلومات عن الأضرار البيئية والصحية التي نجمت عن انهيار برجي مركز التجارة العالمي و"تضليل" العاملين في السوق المالية لإعادتهم الى وول ستريت لأن "السلطات أرادت فحسب إعادة فتح البورصة غير مكترثة بأي شيء آخر".
في مكان غير بعيد أيضاً، كانت تقيم عضو المجلس المحلي كاثرين ماكفاي هيوز مع أسرتها التي عانت أشهراً تردي الأوضاع الصحية في المنطقة. بيد أن نشاطها المدني والحقوقي أتاح لها المشاركة في صنع القرارات المتعلقة، ليس فقط بإعادة موقع مركز التجارة العالمي الذي "ينبغي أن نكف الآن عن تسميته غراوند زيرو"، بل أيضاً في إعادة تصميم المنظور المستقبلي للأحياء السفلى من ضاحية مانهاتن.
كان محقاً مدير الندوة الصحافي المرموق طوم روبنس، الحائز جوائز عدة، في تأييده ضرورة التعامل مع قانون "باتريوت آكت" والبنود التي "تنتهك" الحريات المدنية الأساسية باسم الحفاظ على الأمن القومي، على أن تتدخل الحكومة بفاعلية لحماية حقوق الجماعات المستهدفة من دون وجه حق في حملات التمييز والتشويه. وكذلك كان واضحاً في التعبير عن اعجابه بقدرة النيويوركيين على استخدام أفضل ما لديهم من المقدرات لتجاوز مأساة انهيار البرجين والحوارات التي استمرت سنوات مع ذوي الضحايا وكل المعنيين وصولاً الى الاتفاق" على كل تفاصيل البنيان الجديد ذي الأبراج السبعة المتفاوتة الارتفاع لمركز التجارة العالمي.

الصورة الجديدة للمدينة
يتساءل الأستاذ الفخري لدى جامعة كولومبيا والمتخصص في التخطيط المديني البروفسور بيتر ماركيوز عن السبب الذي جعل موقع الهجمات "أيقونة". هل مثلاً لأنه "يمثل تصميم النيويوركيين وقدرتهم على اعادة البناء؟". وتحدث عن أهمية المشاركة الشعبية الواسعة في نقاش أدى في نهاية المطاف الى رسم مستقبل الموقع، الذي سيطبع الصورة الجديدة للمدينة.
لم تستطع حملات كثيرة لليمين الأميركي المتطرف منذ سنوات وقف مشروع المركز الإسلامي الذي يتبناه الشيخ فيصل عبد الرؤوف على مسافة عشرات الأمتار فحسب من موقع هجمات 11 أيلول. يندر فعلاً أن يرى المرء - في عالم يتحدث فيه البعض عن "نهاية التاريخ" و"صدام الحضارات" وتزداد فيه النزاعات الدينية والعرقية - راهبين بوذيين وهما يتعبدان ويبتهلان مشياً، جيئة وذهاباً، بين أبواب المركز الإسلامي هذا وكنيسة وكنيس قبالة موقع البناء الجديد لمركز التجارة العالمي.
نيويورك مدينة المتناقضات التي لا تشبه أياً من مدن الولايات المتحدة أو أياً من مدن العالم. تتفرد بأن لا أحد يشعر بأنه غريب فيها، ليس لأنها مدينة الغرباء، بل لأنها تطوعت لتستقبل هجيناً من كل أجناس الناس. الزائر فيها - حتى لو كان لا ينطق الإنكليزية - كالمقيم والمواطن. لا مكان فيها ظاهراً لأي تمييز. هي مدينة الهوامش الواسعة والقلب النابض بسرعة غير معتادة. تضم في شارع وول ستريت تمثال الثور البرونزي، رمز عظمة أميركا وجبروتها المالي. فيها أناس ثراؤهم فاحش يرتعون في أعالي ناطحات السحاب. فيها العدد الأكبر من المقتنيات الفنية والثقافية لحضارات العالم وثقافاته. فيها أعظم صحافة العالم وإعلامه. بيد أنها تشبه كذلك واحدة جيدة من مدن العالم الثالث. فيها فقراء يتسولون ومتشردون ينامون على قارعات الطرق. فيها من يؤلف كتاباً بعنوان "الناس الأخلدة" الذين يعيشون في الزوايا المظلمة القذرة لمترو الأنفاق.
في مقالة نشرتها مجلة "النيويوركر" في عددها الأول بعد هجمات 11 أيلول، كتب هندريك هيرتسبرغ: "بالنسبة الى الذين يقيمون في المحيط المباشر، كان الرعب بالطبع مباشراً وجلياً. وقعت في ما تعلمنا أنه زمن حي، وفي مكان حي. بالنسبة الى البعيدين – أكانوا على مسافة عشر طرق أم في المقلب الآخر من الأرض – فقد كانوا شهوداً عبر التلفزيون، كانوا كأنهم يرون الأحداث عبر زجاج براق. واقعهم كان مرئياً، لكنه غير ملموس. تطلب الأمر ساعات للبدء بفهم مقدار (الهجمات). يتطلب الأمر أياماً لتلاشي دفاعات فقدان المشاعر. سيتطلب الأمر أشهراً – أو سنوات – لقياس أثرها ومعناها".
تحت عنوان "عشر سنين لاحقاً، مدينة للذكريات"، تنشر "النيويوركر" مجموعة صور مع تعليقاتها، من دون نص، لتكون شاهدة فحسب على نيويورك الجديدة، وكذلك على مستقبل "الحلم الأميركي" فيها.

 

 


 

"القاعدة" بعد بن لادن خسرت طليعيتها لا وجودها في العالمين العربي والإسلامي
"الجهاديون" إلى انحسار وحظوظ الدولة الإسلامية تتراجع لمصلحة... الديموقراطية

زعيم تنظيم "القاعدة" الراحل اسامة بن لادن. (عن الانترنت) معتقلون وحراس في معتقل غوانتانامو بأفغانستان عام 2002. (أ ب)
قد يكون اسامة بن لادن يرقد باطمئنان في بحر العرب، هو الذي قال بعد هجمات 11 ايلول 2001 إنه لا يأبه اذا مات الان لانه  أنجز مهمته بعدما  نبه المسلمين حول العالم "الى الظلم الذي يفرضه عليهم الغرب واسرائيل". الا أن هذا ليس بالضرورة حال "قاعدته" التي خسرته مؤسساً وزعيماً بعدما ارتبط اسمه بها طوال ربع قرن، والتي أخفقت في اطاحة أي من الانظمة "المرتدة"، وقت يجتاح الساحات العربية التي كان التنظيم الاصولي يعتبرها "ملعبه" شباب أطاح أنظمته مطالباً لا بالخلافة الاسلامية وإنما بالديموقراطية.

بعد عشر سنين من المطاردات الماراتونية وقع بن لادن في قبضة الاميركيين في عملية جريئة تتناقل وسائل الاعلام الاميركية صوراً لها هذه الايام، في محاولة لتضميد جروح لم تندمل بعد من أحد أبشع الاعتداءات يتعرض لها البشر، ثم نثر الاميركيون  رماده في بحر العرب لئلا يتركوا اي أثر يخبر عنه أو يمكن أن يجعله محجة لاتباعه.
وبقتله، سجلت الادارة الاميركية "انتصاراً" على الارهاب الذي تجرأ عليها في عقر دارها وضرب رموز عظمتها بيد أن حجم هذا الانتصار ليس محسوماً بعد، فثمة من يعتبره "نقطة تحول" فيما يقول آخرون إنه مجرد "حدث مهم" في  معركة مفتوحة بلا نهاية منظورة.

حجم "القاعدة"
عموماً، يبدو مستحيلاً اعطاء تقدير دقيق لحجم "القاعدة"، فهو تنظيم لامركزي، وتراوح التقديرات لعدد أعضائه  بين بضع مئات وبضعة آلاف، الا أن الاستخبارات الاميركية لا تزال تحذر من أنه "لا يزال مع أتباعه وحلفائه عدوا خطراً  وحريصاً على مهاجمة أهداف أميركية وأوروبية".  
وفي الذكرى العاشرة لـ9 /11، خرج معلقون في الولايات المتحدة يتحدثون عن تضخيم المسؤولين الاميركيين قدرات "القاعدة" بعدما عاش أميركيون ومعهم كثيرون حول العالم  في هاجس ان تلك الهجمات على نيويورك وواشنطن ليست سوى البداية، وإن خلايا نائمة لـ"القاعدة" قد تكون مختبئة في مدن أميركية، فاستنفروا  تارة لنبأ تفجير جهاز نووي في مرفأ، وطوراً لمغلفات الجمرة الخبيثة "الانتراكس" التي أرسلت الى جهات عدة.
طوال عقد، ساد اقتناع بأن العقد الاول من القرن الحادي والعشرين سيشهد جرائم قتل بدم بارد تودي بعشرات آلاف الاميركيين. وبهذا المعنى، شكلت تلك الهجمات انتصاراً تكتيكياً ونفسياً لـ"القاعدة". ولكن في الواقع، تظهر الاحصاءات أن نحو 150 الف شخص قتلوا في الولايات المتحدة منذ 9\11، اي ما يعادل 14 الف شخص سنوياً، الا أن اياً منهم لم يقضِ بيد "القاعدة"، وأن 14 منهم فحسب سقطوا على يد متحمسين للمنظمة الارهابية.
بالطبع، لم يمتهن تنظيم "القاعدة" العمل الخيري بعد هجمات نيويورك وواشنطن، فلائحة الاعتداءات ومحاولات الاعتداء الدموية التي تنسب اليه في الولايات المتحدة وخارجها خلال العقد الاخير طويلة جداً، من محاولة تفجير طائرة تابعة لشركة "نورث وست" الاميركية كانت متجهة الى ديترويت عام 2009، ومحاولة الاغتيال الفاشلة لرئيسة الوزراء الباكستانية الراحلة بنازير بوتو في تشرين الاول 2007، واغتيالها بعد ذلك بشهرين في عملية نسبت الى بيت الله محسود القائد في "طالبان" الباكستانية القريبة من "القاعدة"، وتفجير منشأة بقيق النفطية السعودية الكبرى في العالم عام 2006، والهجمات على قطارات مدريد عام 2004 وتفجير ثلاثة مجمعات سكنية في الرياض عام 2003  والهجوم بسيارة مفخخة ومحاولة اسقاط طائرة اسرائيلية في مومباسا عام 2002 والهجوم على ناقلة نفط فرنسية قبالة شواطئ اليمن في السنة نفسها،اضافة الى سلسلة تفجيرات باكستان في ربيع 2002 وتفجير صهريج وقود أمام كنيس في تونس في السنة نفسها، وغيرها  وغيرها من الهجمات التي نفذتها مباشرة أو بواسطة جماعات مناصرة لها روعت العالم.
ولكن على رغم هذا السجل الدموي الذي تطول فيه لائحة مدنيين عزل قضوا في قطار أو أوتوبيس أو ملهى ليلي، لم ينجح التنظيم الاصولي تماماً في تكرار ضربته القاتلة ضد الولايات المتحدة.

الإجراءات الأميركية وتراجع التعبئة
لا شك في أن الاجراءات التي اتخذتها اميركا في الداخل كما في الخارج، بما فيها قطع الموارد عن "القاعدة" واعتقال أو قتل عدد كبير من قادته، ساهمت في "تشذيب" طموحاته وإحباط خطط جهنمية له قبل أن ينفذها، وإن لم تنجح في القضاء عليه تماماً.  
والى التضييق الكبير على التنظيم الاصولي، يلفت أستاذ علم الاجتماع في جامعة كارولينا الشمالية تشارلز كروزمان الى أن حجم التعبئة الارهابية تراجع منذ 9 /11. وينسب الى مسؤولين أميركيين أنه خلال السنوات الخمس الاخيرة من نظام "طالبان" مر في مخيمات التدريب في أفغانستان عشرات الآلاف من  المجندين. ولكن بعد الحرب الاميركية على أفغانستان، تراجعت كثيراً أعداد المعسكرات. وفي بيانات أخيرة قدر خبراء استخباراتيون أميركيون بأقل من الفي شخص عدد الذين تدربوا في المنطقة القبلية في شمال غرب باكستان التي باتت تعد أكبر معسكرات الارهابيين.
وما ينطبق على أفغانستان يصح أيضاً في العراق حيث قطعت قبائل الانبار التي تخلت عن المتمردين عام 2006 الطريق أمام وصول مئات المقاتلين الاجانب للتدرب في العراق.
ومع بضع مئات من الناشطين لا يزالون يتدربون في مخيمات في اليمن والصومال، استناداً الى الارقام الاستخباراتية المعلنة، يعتقد أن جهاديي "القاعدة" حول العالم لا يتجاوزون بضعة آلاف. ومع أن عدداً كهذا ليس قليلاً نظراً الى ما يمكن انتحاريا واحداً ملتزماً أن يقوم به، الا أنه بالتأكيد أقل بكثير مما كان  قبل عقد.

خسارة الحلم
من هذا المنطلق، يبدو أن هجمات 11 أيلول التي قد تكون من الناحية العملانية، نجحت بما يفوق تصور بن لادن نفسه، بعدما أودت بثلاثة آلاف شخص ودمرت برجي التجارة العالمية، لم تحشد المسلمين وراءه في طريق الجهاد ونشر الاسلام في العالم كله.
وبخسارته أفغانستان والعراق، لم يخسر بن لادن موطئا له ولمعسكرات التدريب لجماعته فحسب، وإنما فقد القدرة على اقامة الدولة الاسلامية الموعودة. ففي رسالة موجهة عام 2005 الى أبو مصعب الزرقاوي زعيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين"، الفرع العراقي لـ"القاعدة". شدد الرجل الثاني في التنظيم آنذاك  أيمن الظواهري على أن النصر يأتي "عندما يتم تأسيس دولة اسلامية على طريقة النبي في قلب العالم الاسلامي... ويكون مركزها في الشرق ومصر".
لكن التكتيكات الطائفية والعنفية لـ"القاعدة" في العراق ألّبت الكثير من العراقيين ضد التنظيم، ونجحت سياسات أميركية أحياناً في شق صفوف التمرد، محبطة محاولة جدية  لاقامة الدولة الاسلامية بعد محاولات فاشلة أخرى في الجزائر ومصر والسودان وأفغانستان.
بعد عشر سنين على هجمات 11 أيلول، لا يزال مجرد تحذير على صلة بـ"القاعدة"، سواء أكان كاذباً أم صحيحاً  يستنفر أميركا والعالم، وإن يكن التنظيم يواجه تحديات كبيرة في صفوفه وخارجها.
فبخسارة أميره فقد تنظيم "القاعدة"الاتصالات الشخصية التي كانت لبن لادن في أفغانستان وباكستان ودول الخليج والتي وفرت له طويلاً الموارد والحماية. كما خسر رمزاً إعلامياً بارزاً كانت اطلالة وحيدة له كفيلة بجذب ملايين المشاهدين حول العالم، سواء أكان اعجاباً بهذا الرجل أم خوفاً مما سيقول. وقبل كل شيء خسر التنظيم قائده الاعلى. فالغارة التي شنها فريق كوماندوس أميركي على منزله في أبوت أباد الباكستانية أظهرت أنه لم يكن في السنوات الاخيرة مجرد زعيم صوري خلافاً لما رجح محللون غربيون كثر.
والى ذلك، أظهرت الوثائق التي ضبطت في المنزل أن "القاعدة" خسر كثيراً من قدراته، وأن بن لادن ورجاله يشتكون من قلة المال والنزف المستمر في صفوف التنظيم نتيجة الغارات بطائرات اميركية من دون طيار على باكستان. ولا شك في أن الوثائق والمعلومات التي ضبطت هناك كشفت كثيراً من أسرار "القاعدة" وهيكلية قيادتها العامة، مما يعرض قيادييها لخطر أكبر.

الظواهري
صحيح أن التنظيم انتخب الظواهري لخلافة بن لادن، الا أن محللين لا يرون أن العملية الانتقالية ستكون سلسة بحجة أن بعض الحرس القديم لـ"القاعدة" لا يشعرون بالولاء للزعيم المصري الاصل والذي يعتبرونه حديث العهد نوعاً ما في صفوفهم. ويتوقعون تحفظات كبيرة وخصوصاً من الاعضاء الخليجيين، في حال تعيينه مصرياً آخر نائباً له.
ولكن على رغم هذه الانقسامات المحتملة، يستبعد أن يواجه "القاعدة" انهياراً واسعاً في ظل قيادة الظواهري الذي أظهرته وثائق كشفت أخيراً أكثر اجتهاداً والتزاماً مما ظُنَّ سابقاً. ففيما ساد اعتقاد قديم أن الطبيب المصري هو ثوري فاشل ربط عربته بنجم بن لادن ولم يضطلع بأي دور في التنظيم، أظهرت وثائق أنه، بالنسبة الى بن لادن، هو أشبه بالشخصية الخرافية سفينغالي، اي العقل المدبر الشرير الذي دفع الملياردير السعودي الى حرب مع الولايات المتحدة.

الثورات العربية
في أي حال، تواجه القيادة الجديدة لـ"القاعدة" تحدياً كبيراً لهدفها الرئيسي وسبب وجودها. فبعد عقدين على اطلاق بن لادن حربه على كل رموز الكفر بدءا بالانظمة العربية المرتدة عن الاسلام السلفي، يضج العالم العربي بالثورات التي يبدو لوهلة أنها تشكل فرصة نادرة للتنظيم الاصولي لبدء تأسيس الدولة الاسلامية. ولكن الساحات العربية تحدت حتى اليوم أقله، هذه التوقعات، وخرج الشباب الى الشوارع بعد طول انتظار ليطيحوا نظاماً مستبداً تلو الآخر، مطالبين  بالديموقراطية والتعددية والحرية لا بالدولة الاسلامية. ولا تبدو المحاولات الاخيرة للظواهري لاستمالة الاسلاميين في مصر وتونس ناجحة حتى الان. فمع أن بعض الاسلاميين في البلدين يدعمون نظرياً "القاعدة"، يستعد كثيرون منهم، وخصوصاً "الاخوان المسلمين" لخوض الانتخابات المقبلة. وحتى السلفيون المصريون الذين يؤيدون  الظواهري سياسياً بدأوا يؤلفون أحزابهم.
في اختصار، لم يعد "القاعدة" في طليعة الحركات الاسلامية في العالم العربي، وخصوصاً بعدما بدأ شباب مسلم مسالم  يحقق الغايات نفسها بوسائل مختلفة، باستخدام "تويتر" بدل القنابل و"فايسبوك" بدل السيارات المفخخة.
... كما مقتل بن لادن، تشكل الثورات العربية تحدياً لـ"القاعدة"، الا أن أياً من الامرين يؤذن بنهاية حتمية قريبة للتنظيم الاصولي. فالظواهري لم يضيع الوقت منذ مقتل معلمه، موجهاً سلسلة من الرسائل الصوتية التي يعيد فيها تكييف عقيدة "القاعدة" مع الثورات العربية ومحاولاً تركيز سلطته على "الفروع" المختلفة للتنظيم. وهو بالتأكيد يراقب من كثب الثورات التي تواجه قمعاً دموياً ولن يفوت بالطبع اية فرصة للتوغل فيها وايجاد موطئ قدم لـ"قاعدته".

موناليزا فريحة     

عقد من تشتت العرب في "التيه" هل تخرجهم منه الثورات الشعبية؟

عمان - من عمر عساف:
على وقع الذكرى العاشرة لهجمات 11 أيلول 2001، يقف العالم لمراجعة ما حدث حتى الآن من أجل تقويم المواقف والسياسات وبناء سياسات جديدة في ضوء هذه التقويمات. فهل يفعل العرب، وهم الأكثر تضرراً من تداعياتها، كما يفعل العالم؟
النخب السياسية، على قلتها، تعمل على ذلك، والإعلام كذلك. وأكثر ما يشغلهم هو معرفة ما إذا كانت ثمة علاقة أو رابط بين تداعيات 11 أيلول وما يحدث في المنطقة العربية من ثورات شعبية اتفق على تسميتها الربيع العربي.
المشكلة الكبرى التي تواجه هؤلاء وغيرهم، هي أن الربيع العربي لمّا يستقر حتى الآن على هيئة أو وجهة تمكن من فهمه وتحليله والخروج باستنتاجات منطقية تفضي إلى استشراف لمستقبله ولمستقبل المنطقة، خصوصاً أنه لا يزال في طور التشكل.
ويذهب بعض الأصوات إلى أنه من المبكر جداً البحث عن هذه العلاقة أو هذا الرابط، إن من حيث أسباب التحولات الأخيرة في العالم العربي، أو من حيث النتائج التي وصلت إليها، أو تلك المقبلة.
غير أن هناك كوة تتيح المجال لإقامة العلاقة وإلإشارة إلى الرابط، وربما كان كشفها مرتبطاً بدوائر التفكير والتخطيط وصنع القرار الغربية أكثر منها العربية.
وهي تتعلق بقوة بالسؤال الكبير الذي طرحه الغرب عقب 11 أيلول، وهو: "لماذا يكرهوننا؟".

 

إرهاب ضد الغرب

يعتقد الغربيون أن أحد أهم أسباب توجه الإرهاب الإسلامي والعربي  إليه، هو أن كلاً من الأنظمة الحاكمة، بما فيها تلك المرتبطة بعلاقات حميمة معهم،  وأمراء "الإرهاب" يحمّلون الغرب مسؤولية الأوضاع المتردية في العالمين العربي والإسلامي، وخصوصاً تعقد حل القضية الفلسطينية وفشله.
وهم يرون أن كلا الطرفين استطاع توجيه الغضب والإحباط في الشارعين العربي والإسلامي إلى عداء للغرب، وهو ما مكّن من تنفيذ هجمات 11 أيلول وما تلاها من عمليات وتفجيرات في أماكن متعددة من العالم وفي أوقات مختلفة، مثل تفجيرات بالي ومدريد التي كان من أبرز أهدافها قتل عسكريين ومدنيين أجانب وغربيين.
والسبب الثاني الأبرز وراء توجه الغضب غرباً هو البيئات الحاضنة لـ"الإرهاب الإسلامي والعربي" والمتمثلة بالنظم الاجتماعية والتربوية والثقافية السائدة في معظم العالمين العربي والإسلامي، وتحديداً في المملكة العربية السعودية التي ينتمي 18 من المتهمين بتفجير برجي مركز التجارة العالمي اليها.
وهو ما أتاح للإدارات الغربية، والأميركية تحديداً (إدارة جورج بوش الابن) التي تحمل فكر ايديولوجية دينية متشددة، فرصة للضغط بقوة عليها وعلى بقية الدول العربية وخصوصاً دول الخليج ومصر "الظواهري" وأردن "الزرقاوي" وفلسطين "الحمساوية"، إضافة إلى باكستان وإيران.
وساعد في إقامة الحملة المتشددة على هذه الدول ونظمها وبناها الاجتماعية والتربوية إعلام منحاز، معظمه محكوم أو قريب من اللوبيات اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا، أو مرتبط بالتيارات اليمينية التي أخذت بالصعود والانتشار مستغلة الحملة العالمية على الإرهاب.
والتفاعل الغربي مع هذين السببين كان قوياً وآتى أُكُله، فهذه الدول اضطرت في سبيل دفع تهمة الإرهاب أو احتضانه أو التسبب به، إلى الالتحاق بالحملة العالمية للقضاء على الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، والتي أدت إلى شن حربين في سنتين (احتلال أفغانستان للقضاء على "القاعدة" و"طالبان"، واحتلال العراق للقضاء على نظام البعث بقيادة صدام حسين).
بل إن الدول العربية جهدت في إقناع الغرب بأنها هي ايضاً مستهدفة من الإرهاب الذي"لا دين له" وأنها دفعت كلفة باهظة في مقاومته.
وجعل رد الفعل الغربي كثيراً من هذه الدول تخضع لمزيد من التبعية للولايات المتحدة الى ان تحولت أراضيها قواعد أميركية، مثل الأردن وقطر وعمان والكويت، بل إن دولاً عربية انخرطت في حرب أفغانستان  تحت لواء حلف شمال الأطلسي، مثل الأردن والإمارات العربية، وتورط أكثر الدول العربية في نشاطات  "استخبارية" تحت اسم "التنسيق الأمني" مع أجهزة الاستخبارات الغربية، بما فيها الإسرائيلية.
وساهمت "الحرب العالمية على الإرهاب" في فرض المفهوم الأميركي للإرهاب الذي اختلف عليه عالمياً، بجعل "مقاومة الاحتلال" صنوا لـ"الإرهاب" مما جعل الكثير من حركات المقاومة العربية والإسلامية موضع اضطهاد وملاحقة.
بل إن رقابة دولية صارمة ومصادرات عدة وتجميدات لأصول مالية فرضت على حسابات دول وأشخاص ومصارف عربية وإسلامية وعشرات الجمعيات والهيئات الخيرية، الأمر الذي أدى إلى ضرب أو تجميد الكثير من النشاطات الخيرية، بما فيها تلك الموجهة الى فلسطين ولبنان والى أسر الشهداء فيها.

 

الشرق الأوسط الجديد

الأخطر من الجانب الأمني والعسكري، كان السياسي، إذ سعت واشنطن وحليفاتها إلى فرض واقع جديد في المنطقة من خلال مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي هدف إلى تغيير البنى السياسية والاجتماعية والثقافية تحت اسم "الإصلاح".
هذا المشروع، الذي تبلور بعد سقوط العراق، كان يمكن أن يؤدي، أو أنه يهدف إلى خلخلة الأنظمة السياسية في المنطقة وتغيير خريطتها، وهو ما جبه برفض ومقاومة قويين من كل الدول العربية، التي اتفقت للمرة الأولى على قضية واحدة في مواجهة الغرب، وهي "رفض الإصلاح" الذي قالت أنه "مفروض من الخارج"، مدعية أن الإصلاح "يجب أن يكون من الداخل" وأن عليه أن "يراعي خصوصيات كل بلد وظروفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية".
وكانت نتيجة صراع الإرادات هذا، التوصل إلى صيغة متوسطة عنوانها "الاستقرار"، بعدما، جهدت الأنظمة العربية في تخويف الغرب من أن البديل منها سيكون أنظمة إسلاموية غاية في التشدد، وهو ما أفلحت فيه بعدما أوصلت الانتخابات الفلسطينية مطلع عام 2006 حركة المقاومة الإسلامية "حماس" المسجَّلة على القائمة الأميركية للحركات الإرهابية، إلى رأس السلطة الوطنية الفلسطينية.
وساعد في تمرير صفقة "الاستقرار" البديل الذي طرحته المجموعة العربية للشرق الأوسط الجديد في قمة تونس 2005، وهو "المشروع العربي للإصلاح".
النتيجة الأبرز لهذه الصفقة كانت مزيداً من التبعية العربية للغرب، وخصوصاً في الجانب الاقتصادي، الذي كان أبرز دلائله صفقات خيالية للسلاح لا مبرر لها سوى إنعاش صناعات الأسلحة والاقتصادات الغربية.
لكن الأخطر تمثل في إطلاق أيدي الأنظمة العربية لقمع كل الحركات الإصلاحية، وخصوصا التيارات الإسلامية الداعية الى الإصلاح، بمباركة غربية، ومصادرة الحريات ووضع قيود صارمة عليها وتراجع الحراك الديموقراطي العربي، الذي رافقه تضخم غير طبيعي في أجهزة الأمن والقمع في الدول العربية.
وسجلت جميع منظمات وهيئات حقوق الإنسان العربية والدولية تراجعاً كبيراً وخروقات بالغة في حقوق الإنسان العربي في معظم الدول العربية خلال السنوات التي تلت صفقة استبدال "الإصلاح" بـ"الاستقرار"، وقت أُطلقت يد إسرائيل للتنكيل بالفلسطينيين وإكمال الانقلاب الذي بدأته عقب 11 أيلول على اتفاق السلام مع الفلسطينيين.

 

الربيع العربي

ثمة شبه  اتفاق على أن اليأس المتولد من تعاظم القمع الرسمي وتزايده، وانتهاك الحريات وحقوق الإنسان، إلى تعمق وطأة الأوضاع الاقتصادية الصعبة على المواطن العربي واشتدادها، أفضت جميعاً إلى  الثورات الشعبية، وخصوصا في الجمهوريات الاستبدادية.
الاستبداد، الذي كان لصفقة استبدال الإصلاح بالاستقرار، المبرمة بين الأنظمة العربية والغرب يد طولى في اشتداد وطأته على المواطن العربي، أوصل الشارع العربي إلى اقتناع مفاده أن سبب تردي أوضاعه بمجملها ليس الإرهاب، وإنما الاستبداد المرتبط بالفساد.
وهو ما أدى إلى استدارة كاملة للغضب المصحوب باليأس والإحباط إلى الأنظمة المستبدة. وساعد الغرب بحماسها في تعزيز هذا التوجه، ليتخلص إلى درجة كبيرة من تهديدات الإرهاب الموجهة إليه، أي قلب المعادلة على الأنظمة العربية. وهو ما ظهر بصورة واضحة في التعاطف الغربي مع الثورات العربية والدعم غير المحدود لها، بل توفير الحماية لها من فتك الأنظمة الحاكمة.
وكان أبرز نتائج هذا الربيع انحسار الاهتمام والتعاطف في الشارع العربي مع الحركات الأصولية، وهو ما ظهر في رد الفعل البارد على مقتل زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن.
وبينما كان الربيع العربي أسرع وأعمق في الجمهوريات الاستبدادية ( تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا) يعتقد المتابعون أن تباطؤه ورتابته في الأنظمة الملكية لا يعنيان إطلاقاً أنها بمنأى من التأثر بأجواء هذا الربيع.
لكن هذه الملكيات التي استفادت إلى درجة معينة من عامل التوقيت، ومن تضاؤل تأثير العامل الاقتصادي على مواطنيها مقارنة بالأنظمة الجمهورية، اتخذت سلسلة إجراءات إصلاحية اقتصادياً وسياسياً. ومع أن هناك من يرى أن هذه الاجراءات غير كافية، وهدفت إلى احباط الحراك المطالب بالإصلاح، إلا أنها نجحت، إلى درجة ما،  في الحد من تسارع التحولات في الدول المعنية.
فهل تكون نتائج الربيع الآخذ في التفاعل إيجابية على الشارع العربي، فتخرجه من صحراء التيه التي أمضى فيها عقداً كاملاً من التشتت والارتهان للأجنبي وللأنظمة الاستبدادية الفاسدة؟
 أم تنقلب عليه وبالاً وتبقيه داخل دوامة العنف والتقسيم ومزيد من "العرقنة" و"اللبننة" و"السودنة" ومزيد من البطالة والفقر والجوع والتبعية للآخر؟


المصدر: جريدة النهار

...A Way Out of the Iraqi Impasse....

 الجمعة 12 آب 2022 - 5:32 ص

...A Way Out of the Iraqi Impasse.... Demonstrators are occupying parliament in Baghdad, with Ira… تتمة »

عدد الزيارات: 100,546,882

عدد الزوار: 3,607,759

المتواجدون الآن: 69