نـظـــام فلسطـيـنـي جــديــد:

السلطة بدون "فتح"

تاريخ الإضافة الجمعة 29 أيار 2009 - 6:14 ص    عدد الزيارات 1375    التعليقات 0    القسم عربية

        


جاء تشكيل الحكومة الثانية، برئاسة الدكتور سلام فياض، ليطرح على بساط البحث السياسي الفلسطيني، المزيد من التساؤلات الشائكة، وعلى طرفي الاستقطاب السياسي: "فتح" و"حماس" على حد سواء.
رأت "حماس" في هذا التشكيل، وفي هذا التوقيت، تحديداً، عقبة جديدة في وجه الحوار الوطني، الذي طال أمده، وقامت بالاعتراض عليه وعدم الإقرار به. كما رفضت الكتلة البرلمانية في "فتح"، المشاركة في هذا التشكيل الحكومي، وعارض قيامه أساساً، وفي هذا، تلاقت كتلتا "فتح" و"حماس"، البرلمانيتان بشأن حكومة فياض الثانية!!
سبق لحركة "حماس"، أن اعترضت على تشكيل حكومة فياض الأولى، ورأت فيها خرقاً للنظام الأساسي الفلسطيني، وتجاوزاً للمجلس التشريعي، أما حركة "فتح" التي ارتضت بهذه الحكومة بعد أحداث غزة الدموية، أواسط حزيران 2007، فإنها لم تستشر بتشكيل الحكومة الثانية، وتم تجاوز كتلتها البرلمانية عن سابق إصرار. لم يجد الرئيس محمود عباس، أية ضرورة لمشاورة الكتلة البرلمانية لـ"فتح"، ذلك أن هذه الحكومة، لن يتم عرضها على التشريعي، نظراً لعدم توافر التوافق اللازم بين الكتلتين المركزيتين فيه، "حماس" و"فتح"، وبالتالي فإن الرئيس عباس، ورئيس وزرائه المكلف فياض، لم يريا أية ضرورة للعودة لـ"فتح"، أو السعي الجاد لتشكيل حكومة فصائلية. ما حصل بين عباس و"فتح"، هو أبعد من التشكيل الحكومي، وأعمق من خلاف نشأ نتيجة عدم التشاور. باتت "فتح" تلمس وعلى نحوٍ يومي، أن ثمة نظاماً سياسياً فلسطينياً جديداً، بات قيد الإنشاء، وهذا النظام، يختلف ببناه ومعطياته وأهدافه، عن النظام الفلسطيني الذي تكرست أبعاده وأسسه في الزمن الفصائلي، منذ العام 1969 وحتى العام 1994.
نشأ النظام الفصائلي الفلسطيني في كنف منظمة التحرير الفلسطينية، منذ أن اعتلت سدة القيادة فيها "فتح" والفصائل المسلحة الأخرى عام 1969، وكان أبرزها: "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" عام 1969. وفي  إطار المنظمة، وما دار فيها من صراعات داخلية، تطور النظام الفلسطيني، وتكرست أسسه القائمة على "الكوتا" والإنابة الثورية. حاول الرئيس ياسر عرفات، التمسك بأسس هذا النظام وأبعاده، في ظل السلطة الفلسطينية عام 1994، والايحاء بأن منظمة التحرير ونظامها ما زال قائماً ومعمولاً به، عبر التمسك بالفصائلية التي بات معظمها بقوة الدفع التاريخي، لكن محاولاته تلك، لم تكن ملائمة لواقع جديد، هو واقع قيام السلطة وتطبيقات الاتفاق الفلسطيني - الاسرائيلي. لعل تجاوز "فتح" في مشاورات تشكيل الحكومة الثانية،  يدلل، بوضوح، أن النظام الفلسطيني الجديد، بات قادراً على تجاوز الأسس الفصائلية كلها، ومهما بلغ حجم هذا الفصيل أو ذاك، وبالتالي لم تعد "فتح" العمود الفقري للنظام الفلسطيني!!
أقدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وفي خطاب متلفز واحد، على اتخاذ قرارين مهمين، هما عقد المؤتمر السادس في المناطق الفلسطينية المتاحة، وحدد تاريخ الأول من تموز لانعقاده، وكذلك تشكيل حكومة فلسطينية جديدة، برئاسة فياض، متجاوزاً بذلك، هيئات "فتح" القيادية، اللجنة المركزية، والمجلس الثوري، واللجنة التحضيرية. لم يكن بإمكان الرئيس عباس، تجاوز "فتح"، وبهذا الشكل السافر، دون إدراكه، بأن هذه الحركة باتت ضعيفة، تجاوزها الزمن، وبات بالإمكان توظيفها في سياق مشروعه الجديد، القائم على أسس جديدة، غير تلك الأسس الفصائلية القديمة. وقد شكّل هذا التجاوز، صدمة قوية لبعض قيادات "فتح"، التي تقاطعت، مع مواقف "حماس". لكن تلك الأوساط، سرعان ما أدركت فداحة خسارتها إن هي استمرت في معارضة قرارات الرئيس وتوجهاته، فعاد بعضها وانكفأ عن مواقفه، داعياً إلى وحدة موقف "فتح"، وعدم المشاركة في شقها مجدداً.
 أوساط عديدة، داخل "فتح"، تدرك الآن أن مناهج العمل التنظيمي والسياسي القديم، اصبحت جزءاً من الماضي، وبأن مستقبل النظام الفلسطيني الجديد، مرهون باعتبارات وبُنى أخرى، غير "فتح" ما قبل 1994، وغير فصائلية منظمة التحرير الفلسطينية ويعمل فياض، منذ أن تولى رئاسة الوزارة الأولى، على إعادة تشكيل البُنى الاقتصادية والأمنية الفلسطينية على نحوٍ جديد، وبتنسيق شبه تام مع الولايات المتحدة والأوروبيين، وقد حقق في هذا المجال نجاحات واضحة، خاصة في تشكيل  الأجهزة الأمنية، التي غدت القوة، الأكثر تنظيماً وحزماً في الضفة الغربية. وعلى الصعيد الاقتصادي والمالي، نجح فياض، بدعم المشاريع المتوسطة والصغيرة، مما حقق تشكيلات اقتصادية - اجتماعية جديدة، في المدن والبلدات والقرى، ترى فيه بأنه المخلص الجديد.
ما حدث إبان تشكيل الحكومة الثانية، كان واضحاً للجميع، فملامح النظام الفلسطيني الجديد، قطعت شوطاً مهماً في التشكيل، وثمة توافقات فلسطينية وإقليمية ودولية، اصبحت متوافرة لولادة النظام الفلسطيني الجديد، هو نظام ينسجم مع ما يجري في المنطقة عموماً، مما بات يشير مستقبلاً، الى تلاشي دور منظمة التحرير، وفصائل العمل الوطني فيها، لحساب نظام يقوم على أسس ومعطيات وشخصيات من خارج أطرها، ومخزونها التاريخي عموماً.

 


(استاذ محاضر في دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية - جامعة بيرزيت)


المصدر: جريدة النهار

Getting a Grip on Central Sahel’s Gold Rush

 الأربعاء 13 تشرين الثاني 2019 - 8:15 ص

Getting a Grip on Central Sahel’s Gold Rush https://www.crisisgroup.org/africa/sahel/burkina-faso… تتمة »

عدد الزيارات: 30,773,297

عدد الزوار: 746,568

المتواجدون الآن: 0