أزمة الجنوب.. القديم الجديد في تقسيم اليمن (2-3)

تاريخ الإضافة الثلاثاء 30 حزيران 2009 - 10:05 ص    عدد الزيارات 575    التعليقات 0

        

أزمة الجنوب.. القديم الجديد في تقسيم اليمن (2-3)

  

توصيف أزمة الجنوب ومظاهرها:

نقصد بـ(أزمة الجنوب) في هذا التقرير حالة الغليان التي بات يعيشها الجنوب اليمني وتتحدث عنها وسائل الإعلام المختلفة، وتعبر عن نفسها في قالب سياسي وإعلامي واجتماعي وجماهيري وعمل مسلح، على الصعيدين المحلي والخارجي.

ولهذه الأزمة عدة مظاهر، منها:

أولا: المظاهر السياسية:

- تشكيل حركات معارضة جنوبية سياسية في الخارج، في كل من: بريطانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، بعض دول الخليج، مصر.

- اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بقضايا الجنوب واستضافتهما لطالبي اللجوء السياسي وفتح المجال لهم لتأسيس حركات معارضة وحراك سياسي معارض هناك.

- وقوف أبناء الجنوب مع مرشح أحزاب اللقاء المشترك "فيصل بن شملان"، في صورة احتشاد جماهيري عريض.

- عودة الحديث عن الجنوب والمطالبة بالعودة إلى الانفصال أو إصلاح مسار الوحدة على أساس وثيقة العهد والاتفاق، الموقعة بين شركاء الوحدة في عمان عام 1993م. وهذا الحديث أصبح يدار في عدة أطر: إطار الحزب الاشتراكي، إطار الحراك الجماهيري في الجنوب، إطار المعارضة في الخارج.

- الحراك النشط بين قيادات الجنوب الاشتراكية في الداخل والخارج، مع محاولة بعض هذه القيادات التغطية على خلفيتها الاشتراكية وظهورها بمظهر اللا منتمي!

- تفعيل منظمات حقوقية ومدنية: جمعيات المتقاعدين –برئاسة العقيد ناصر النوبة، جمعيات الشباب العاطلين عن العمل، حركة المتقاعدين العسكريين، ملتقيات المصالحة والتسامح ومنها كما في ردفان، ولقاءات الضالع ويافع وحضرموت وأبين والمهرة، وجمعية المتقاعدين الدبلوماسيين، وحركة المتضررين في قضايا الأراضي بعدن والمكلا.

- القيام بالمظاهرات والاعتصامات وعقد الدواوين (المجالس) التي يعبر فيها عن قائمة المطالب والشعارات السياسية.

- إبراز قيادات جديدة تدعو لانفصال الجنوب وتتبنى الحراك لهذا الشـأن خـارج إطـار الحـزب الاشتراكـي![20]

ثانيا: المظاهر الإعلامية:

- إنشاء مواقع إلكترونية خاصة بالجنوب وتطرح قضيته بهذا الوصف، وانتشار المواضيع الذي تتحدث عن وضع الجنوب ومطالب الجنوبيين، ناقدة نظام صنعاء وحكومة الشمال والشماليين بصفة عامة. ومن أمثلة هذه المواقع: صوت الجنوب (www.soutalgnoub.com)، تاج (www.tajaden.org)، الجنوب العربي (www.southarabia.net)، عدن برس (www.adenpress.com)، حضرموت برس (www.hadhramoutpress.com)، شبوة برس (www.shabwahpress.net)، يمن بورتال (www.yemenportal.net)، الضالع (www.aldhala.com) .... إلخ.

- السعي لإنشاء قناة فضائية لخدمة الرموز المطالبة بالانفصال، فالدكتور/ عبدالله أحمد بن أحمد -رئيس التجمع الديمقراطي الجنوبي- يرى أن إنشاء قناة فضائية باسم الجنوب "الحلقة المركزية" في نشاط المعارضة "لأن قيامها سوف يحدث تحولا جذريا في عملنا وفي استيعاب العالم لقضية الجنوب العادلة.. أعطوني قناةً جنوبية أعطيكم وطناً جنوبيا محررا".[21]

- الحديث في الصحف عن قضية الجنوب وأوضاع الجنوب ومساوئ الوحدة التي توصف بأنها (وحدة ضم وإلحاق) وآثار حرب 1994م (التي توصف بأنها احتلال شمالي)! وإثارة الموضوع بصورة أو بأخرى!

- رفع شعارات مناوئة للوحدة المفروضة بقوة حرب 1994م، والدعوة للانفصال، وإخراج الشماليين، وعودة الجنوب للجنوبيين، وغيرها من اللافتات التي ترفع في المظاهرات والتجمعات العامة ضد الدولة!

- رفع علم الجنوب العربي، أو علم دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، في المظاهرات والمسيرات والفعاليات الجماهيرية كتعبير عن الرغبة للعودة إلى الأوضاع السابقة.

- التعبير بالمصطلحات التالية: "شعب الجنوب" و"دولة الجنوب" و"قضية الجنوب"[22] و"الجنوب المحتل".. بشكل يمحور الاهتمام حول جنوب اليمن، في الخطابات والتصريحات والمقالات الصحفية.

ثالثا: المظاهر الاجتماعية:

- الدعوة إلى تجمع قبائل الجنوب، والتي يتبناها مندعي العفيفي، وهي محاولة لرص صفوف أبناء الجنوب في إطار مناطقي.

- أحاديث الجنوبيين التي تعبر عن تململهم من الأوضاع التي جاءت بها الوحدة وتمنيهم لعودة أيام الحزب والرجوع إلى سابق العهد!

- تعبير الجنوبيين عن تذمرهم من هيمنة أبناء الشمال على المناصب الإدارية العليا وأغلب الوظائف المهمة في الدوائر الحكومية وانتشار الأيدي العاملة الشمالية في كافة المهن والأسواق، وهذا التعبير يأخذ عدة صور: منها النكت السياسية والاجتماعية الساخطة على الشماليين وعلى سلوكياتهم! ومنها القصائد والزوامل الشعبية! ومنها رفضهم لبقاء الشماليين في هذه الوظائف والمناصب والمهن والمطالبة بإعادتها إلى الجنوبيين، عوضا عن معاملتهم وفق سياسة (خليك في البيت)!

- الحديث عن (الدحابشة)[23] كوصف منفر للشماليين والتندر بهم في المجالس.

رابعا: المظاهر العسكرية:

- بروز حركة سعيد بن شحتور، وهي حركة مسلحة تطالب بالانفصال والرجوع عن الوحدة وطرد الشماليين عن الجنوب، ولها وجودها وحراكها النشط في أوساط الجنوبيين! ولديها معسكراتها التي تديرها!

- وجود حركة تسلح غير مبررة وتوزيع سلاح في الأوساط الاجتماعية الرافضة للواقع الراهن والمطالبة بالانفصال! إلى درجة أن هناك عروض على تيار الجهاد في هذا الشأن أيضا!

- هناك حديث عن تشكيل لجان عسكرية وعمل سري مسلح (ميليشيات)!

أسباب الأزمة ودوافعها:

الأزمة الراهنة في الجنوب لها أسباب عدة، وهي تشكل تراكمات عدة عوامل سابقة أفرزت الواقع الذي يعاني منه الجنوبيون والذي لا يجدون منه مخرجا إلا بالانقلاب على هذا الواقع بالكلية!

ومن هذه الأسباب:

- اقتناع شريحة من أبناء الجنوب بأن حرب 1994م كانت حربا استأثر الشماليون بها على مقدرات الجنوب وممتلكاته، ومارسوا في ظل نتائجها سياسة الاحتلال بإقصاء أبناء الجنوب وإحلال أبناء الشمال في إدارة الجنوب واستثمار مقدراته. وهي قناعة أوجدتها ممارسات الحكومة تجاه الجنوب عقب حرب الانفصال (94) في سبيل إقصاء كوادر الحزب وتمكين الدولة من الأوضاع هناك بحيث لا يتم الرجوع بها مرة أخرى إلى رفض الوحدة. وهذه السياسات فيما يبدو غالت في التخوف وذهبت بعيدا في الإجراءات التعسفية ضد أبناء هذه المناطق بدافع القلق.

- ذهاب أحلام الكثير من أبناء الجنوب بشأن تحسن الأوضاع بعد الوحدة وحرب 1994م اقتصاديا مع توقع عودة أراضيهم وممتلكاتهم التي أممت زمن الاشتراكي أدراج الرياح! فقد أثقلت الحرب كاهل الدولة، وأدت إلى تحملها نتائج ما دمرته الحرب على صعيد المؤسسة العسكرية والبنى التحتية والخدمات والمصالح الاقتصادية والتعويضات الاجتماعية، وكان من نتائج ذلك تدهور قيمة الريال اليمني إلى أكثر من 100 ريال مقابل الدولار، وإلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتراجع الحراك الاقتصادي وهروب رؤوس الأموال وجمود الموارد الاستثمارية.

- استهداف نظام صنعاء –حسب رؤية الجنوبيين- لقبائل الجنوب من خلال تهميشها وتفريقها وإشعال فتيل الصراع بينها. فقد حاولت القيادة السياسية تذكير أبناء الجنوب بالصراعات التي جرت في السبعينات والثمانينات في إطار التنافس على السلطة من خلال تنبيش بعض المقابر الجماعية التي اكتشفت وإعادة الحديث عن ملفات قديمة في وسائل الإعلام.

- فشل الحكومات المتعاقبة في معالجة أوضاع أبناء الجنوب في ظل التدهور الاقتصادي والمعيشي المستمر، بالإضافة إلى بطء وتيرة العمل في مجال تأسيس البنى التحتية وقيام المشاريع الاستثمارية وتوظيف عائدات البترول لصالح مناطق الاستخراج الجنوبية بالدرجة الأولى.

- فقدان العديد من الرموز السياسية والاجتماعية والقبلية الجنوبية لمصالحها وتغييبها عن الشأن العام مقارنة برموز الشمال!

- ضياع حقوق الجنوبيين والاعتداء على ممتلكاتهم والتعدي عليهم وممارسة المتنفذين الشماليين سلوكيات الإذلال والإهانة ضدهم – حسبما يردد العديد من أبناء الجنوب، وهو ما عكس انطباعا عن كون هذه الممارسات سياسة ممنهجة للحكومة ضد أبناء الجنوب.

- إفراط الحكومة في قمع الحريات وغياب عامل الثقة عنهم والنظر إليهم بعين الريبة ومعاملتهم وفقا لهذا الأساس. وذلك نتيجة ارتباط أعلب العناصر المتحركة بالحزب الاشتراكي، كما أن ظهور (موج) و(حتم) و(تاج) وغيرها من الملتقيات والجمعيات لم تتوجه بخطاب حقوقي عام بل اصطبغت في معظمها في حدود جغرافية الجنوب، مؤكدة بذلك –وفقا لرؤى في السلطة- وجود نوايا حقيقية للانفصال تحت مبررات الحقوق والمطالب.

- انفراد الشماليين بأغلب المناصب الحكومية ومجالات الاستثمار والمواقع السياسية، في حين يعاني الجنوبيون من التهميش والاستبعاد، فحضورهم على مستوى سلطات الدولة: الرئاسية والنيابية ومجالس الشورى والوزراء والمحليات والقضاء والدفاع الوطني ضعيف جدا أو مهمش –وفق رؤية الجنوبيين! في برنامج "ساعة حرة" عبر محمد عبدالرحمن العبادي -عضو اللجنة التنفيذية للتجمع الديمقراطي- عن أن "الجنوبيين من نائب رئيس الجمهورية الأستاذ عبدربه منصور.... إلى آخر موظف في الحكومة اليمنية ليسوا سوى ديكور، وصلاحياتهم وسلطاتهم أقل بكثير من المرؤوسين تحتهم"[24].

- الحديث عن (عائلة حاكمة) ومسألة (التوريث) وغياب مشروع (نظام ديمقراطي) يأَّس الكثير من تغيير الأوضاع وتصحيح المسار، مع قيام الحكومة المتكرر بتزوير إرادة الناخبين ومقاومة جهود المعارضة والمستقلين للوصول للحكم أو المشاركة في السلطة.

- التعبئة الإعلامية والسياسية لأحزاب المعارضة والذي دفع المجتمع اليمني -والجنوبيين خاصة- للتطلع إلى التغيير والبحث عن مخرج. فقد استطاع الاشتراكي ترسيخ رؤية مغايرة لحرب عام 1994م في أذهان الجنوب مستغلا أخطاء الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام) وسياساته تجاه الجنوبيين.

- فشل المؤتمر في كسب ثقة المجتمع الجنوبي وتفعيل نشاطه في مناطق الجنوب، بل على العكس من ذلك يعبر الجنوبيون عن امتعاضهم من لغة الخطاب الدونية التي يتخاطب بها المؤتمريون مع أبناء الجنوب، والتي يسودها لغة المنَّ والأذى! –حسب تعبيرهم.

- سوء أداء الدوائر الحكومية في الجنوب وهيمنة الشماليين عليها! ورغم اعتماد حكومة المؤتمر على مبدأ انتخاب المحافظين ومديري المديريات كجزء من المعالجات، إلا أن ما جرى في هذا الجانب خيب آمال أبناء الجنوب.

- إعلان القيادات الجنوبية في السلطة عن تذمرها من تعمد سياسة تهميش دورها في المشاركة بالقرار والتخطيط وإدارة البلاد في المحافل الخاصة مع أبناء الجنوب، وفقا لبعض التسريبات.

- فشل القيادة السياسية في الحفاظ على حلفائها، وممارسة سياسة الإقصاء إزاءهم: إسلاميين[25]، قوميين، اشتراكيين، وطنيين[26]! والتفرد بالقرار؛ الأمر الذي أكسبها عداوة هؤلاء.

- تعامل القيادة السياسية مع رموز وقيادات الجنوب وفق لغة الترغيب والترهيب للعمل لصالحها بعيدا عن دورها السياسي والاجتماعي لمناطقهم!

- لعب بعض الأطراف الإقليمية والدولية بملف الجنوب، وهناك حديث عن مساهمة إقليمية وبريطانية وأمريكية في تحريك الأزمة وإبقائها فاعلة في الساحة.

- فشل الدولة في مواجهة تمرد الحوثي والقضاء عليه حفز البعض لتبني العمل المسلح لنيل مطالبهم في الانفصال والعودة إلى حكم مستقل، خاصة مع وجود تبن خارجي للقضية كما أسلفنا في النقطة السابقة.

- غياب رموز بديلة عن رموز الحزب الاشتراكي تتبنى هموم المواطنين في الجنوب وتعمل لحلها بحق مع الحفاظ على الوحدة الوطنية والألفة الاجتماعية، إسلاميين أو وطنيين!

هذه الأسباب وفرت أرضية خصبة لبذر روح التمرد والثورة على الأوضاع في نفوس كثير من أبناء الجنوب، وهو ما دفع بتيار الانفصال في الحزب الاشتراكي للعمل على جني ثمار هذا الوضع من خلال إدارة وتوظيف الطاقات وتنظيم القدرات وتوفير الإمكانيات والاتصال مع قوى الداخل والخارج وترتيب الأدوار بين أطياف العمل الحالي، فالتيار الانفصالي يدفع بهذا الوضع باتجاه تحقيق أهدافه للعودة إلى السلطة من بوابة الثورة الأهلية، بعد أن خسر حرب 1994م نتيجة غياب الدعم الأهلي له في حينها![27]

تعاطي الأطراف السياسية والقوى الدينية والاجتماعية مع الأزمة:

موقف النظام الحاكم من الأزمة:

القيادة السياسية حاولت أن تضع عددا من المعالجات نتيجة سياساتها الخاطئة التي أفقدتها القبول، وتحت ضغط الحراك الجنوبي وضغوط خارجية بهذا الشأن. فقد أعلن الرئيس عن عفو عام عن قيادات الحزب الاشتراكي التي شاركت في الانفصال، ودعا الفارين منهم خارج البلاد للعودة إلى بلادهم. كما سعى المؤتمر الشعبي العام لفتح حوار مع الحزب الاشتراكي وإعادة مقراته الرسمية وممتلكاته في سبيل إغلاق أي مطالب للحزب.

كما عملت الحكومة على تعيين شخصيات جنوبية في مناصب قيادية في الوزارات والمحافظات وأجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة لإظهار حسن النوايا تجاه أبناء الجنوب.

إلا أنها لم تهتم بشأن إصلاح أوضاع القاعدة العريضة من منسوبي الجيش والأجهزة الحكومية من المدنيين الذين سرحوا أو أحيلوا على التقاعد؛ ومعظمهم كان يعتمد بالأساس على المرتبات التي يتقاضونها من الدولة؛ وهم في مقابل ذلك لا يجدون مصدرا للدخل نتيجة ندرة الوظائف الحكومية وفي القطاعين العام والخاص، وعلاوة على ذلك فإن مناطقهم تعيش فقراً مدقعا وغيابا للبنى التحتية لأي تنمية اجتماعية.

وعوضا عن حلِّ أوضاع هؤلاء ذهب المؤتمر الشعبي العام إلى استقطاب عدد من أبناء الجنوب للانضمام إليه! وإن كان ذلك غير مرحب به جنوبيا.

إن من الملاحظ على هذه المعالجات غلبة طابع الأداء الارتجالي وغير المؤسسي والسطحي، واستبداد القيادة السياسية في إدارة أزماتها السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

ونرصد هنا بعض أساليب العلاج أو المواجهة التي اعتمدها النظام الحاكم تجاه أزمة الجنوب الراهنة:

في المجال السياسي:

لا يوجد أي خطة معلنة بهذا الشأن في المجال السياسي لمعالجة أزمة الجنوب، والقيادة السياسية تتحاشى الحديث عن الجنوب باعتباره كيانا مستقلا في إطار الوطن، ومن ثمَّ فهي تحاول طرح قضايا الجنوب في إطار الحديث عن أوضاع اليمن عامة، وهذا يجعل تعاطي الحكومة مع الوضع قاصرا كما أنه متأثر بنظرة التشكك والريبة لمطالب أبناء الجنوب على تنوع مشاربهم وفئاتهم وشرائحهم. ومن ثمَّ فقد فشل النظام الحاكم في توجيه خطاب سياسي متزن ومعتدل ومنصف لأبناء الجنوب، في حين فشل في تسكيت أصوات الخارج من خلال تقديم خطة عملية ورؤية واضحة لحل أزمات البلد، وعلى العكس من ذلك سعى النظام إلى الاتصال ببعض رموز الخارج المعارضة في سبيل الصلح من خلال التنازل عن خطابها السياسي وتحقيق مكاسب مادية لها ومقايضتها بذلك!

كما أن النظام عمل على توزيع أموال وأراضي ووظائف حكومية في سبيل استقطاب عناصر المعارضة الداخلية وتغيير مواقفها.

لقد بات لدى أبناء الجنوب شعور بأن خطابات ووعود رئيس الجمهورية بشأن حل قضاياهم ومعالجة أوضاعهم المحلية في أثناء زياراته إليهم ومن خلال حملاته الانتخابية شعارات لا تتحقق على أرض الواقع ولا تجد صدى في برامج الحكومة ومناشطها؛ كما أن تعيين بعض الشخصيات الجنوبية في مناصب قيادية لم يمثل لهم أي مكاسب حقيقة في ظل عجز هؤلاء عن خدمة الجنوب وتبني مطالب أبنائه.

ومؤخرا حاول النظام الحاكم نبش جراحات الماضي بين أبناء الجنوب وتيارات الحزب الاشتراكي اليمني من خلال التذكير ببعض الأحداث والكشف عن مقابر جماعية، وهي محاولة فيما يبدو لزعزعة وحدة جبهة الجنوب، كما أنه يسعى حاليا لاستقطاب رموز وقيادات اجتماعية للوقوف إلى صفه للمساهمة في تسكين الحراك الجنوبي، وذلك من خلال تعيينها في لجان حكومية بهدف دراسة المشاكل المطروحة وتقديم اقتراحات بشأنها.

كما أن الحزب الحاكم عمم على فروعه في المحافظات القيام بفعاليات جماهيرية تعبر عن تضامنها مع الوحدة ورفضها لدعوات الانفصال، إلا أنها لم تجد قبولا حافلا بين أبناء الجنوب فظهرت بشكل هزيل، وهو ما عكس ضآلة حجم القاعدة الجماهيرية للمؤتمر في الجنوب.

ومن بين هذه اللجان لجنة حل مشاكل المتقاعدين برئاسة باصرة، ولجنة حل مشاكل متضرري الأراضي والعقارات، ولجان حل أوضاع المؤسسات الصناعية المتردية، وغيرها.

كما أن محافظي المحافظات الجنوبية يعملون على التواصل مع شخصيات جنوبية مؤثرة: اجتماعية ودينية ورجال أعمال لاستقطابهم وتوجيههم لإطفاء ثورة الغضب لدى أبناء الجنوب.

في المجال الاقتصادي:

من الناحية الاقتصادية فقد ظل النظام الحاكم عاجزا أمام حل مشكلة البطالة والفقر التي يعاني منها كثير من أبناء الجنوب في ظل حركة الاستثمار البطيئة وغياب فرص العمل والبنى التحتية للإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي! وعوضا عن ذلك أضافت سياسة النظام بشأن تقاعد وفصل عدد من أبناء الجنوب أزمة أخرى لظروف العوائل الجنوبية في ظل الغلاء المعيشي وقصور قدرة العمل الخيري والتأمينات الاجتماعية عن استيعاب كافة الأسر المتضررة والفقيرة والمحتاجة.

حاليا تعمل الدولة على تحسين البنى التحتية للكهرباء والهاتف والطرق والماء إلى حد ما، كما أنها تحث المانحين وصناديق التنمية لبناء المدارس والمستوصفات الصحية وحفر الآبار في المناطق الجنوبية، وإضافة إلى ذلك تمَّ فتح فروع عديدة للمؤسسة الاقتصادية في مدن ومناطق الجنوب لتوفير السلع الغذائية الضرورية.

وتسعى الحكومة جاهدة على استقطاب الاستثمار الأجنبي إلى الجنوب لتشغيل وتوظيف القوى العاملة والكوادر الفنية والخبرات العلمية في المشاريع المقامة. إضافة إلى سعيها في حلِّ القضايا العالقة بشأن الممتلكات والأراضي والعقارات والأحكام القضائية المتعلقة بالخلافات القائمة في هذه القضايا.

وبالرغم من ذلك فإن هذه الحلول لا تزال تعاني من البطء وبقائها حبرا على ورق وتلاعب المنفذين لها مما يؤدي إلى فشلها وخرابها!

وقد وجه رئيس الجمهورية مؤخرا بإعادة كافة المتقاعدين والمنقطعين عن العمل منذ عام 1994م إذا كانوا قد أحيلوا إلى التقاعد أو انقطعوا عن العمل بطريقة غير قانونية، مع منحهم كافة مستحقاتهم المالية أو الترقية، والاستفادة من كافة التخصصات الفنية في إطار القوات المسلحة والأمن وبما يحقق المصلحة العامة. كما وجه بحل مشكلة الأراضي الخاصة بالعسكريين والأمنيين التي سبق منحها لهم من خلال تشكيل لجنة من الجهات المعنية وبمشاركة ممثلين عن المستفيدين من تلك الأراضي.

في المجال القانوني والأمني:

إن أي محاولة لرفض ظاهرة الفساد الإداري والمالي المتفشية في مرافق الدولة –بما في ذلك الجنوب- ينظر لها على أنها مكايدة سياسية ويتهم أهلها بالوقوف وراء دعاوى الانفصال، وكثيرا ما يشتكي أبناء الجنوب من غياب القانون وظلم القضاء والتلاعب بالأحكام رغم الحديث عن إصلاحات إدارية ومالية ورقابية وقضائية في الدولة.

لقد خضع العديد من أبناء الجنوب –حسبما يذكر في الجنوب- لاعتقالات جائرة وتحقيقات خارج حدود القانون ووحشية في التعامل واتهامات كيدية، فأصبحت النظرة إلى هذه المؤسسات الأمنية والقضائية نظرة كره وعداء.

ومما غذى حالة الغضب والعداء في الجنوب التعاطي الإعلامي لحزب المؤتمر الشعبي العام تجاه قضايا الجنوب في إطار الكيد السياسي، حيث يتم إنكار الحقائق وتزوير الواقع وتوجيه أصابع الاتهام لكل من يتحدث عن الحقوق والمظالم والأوضاع، فإعلام المؤتمر يتجاهل صوت أبناء الجنوب ويغيب قضاياهم بشكل مستهجن.

ومن ثمَّ فإن التعاطي الأمني والإعلامي والاقتصادي للنظام الحاكم مع الأزمة لا يرقى إلى مستوى المعالجة والحل لها، بل على العكس من ذلك هناك قصور وخلل وتصعيد أحيانا لأسباب الأزمة.

ويبقى أن نشير أن الحل المنظور للنظام الحاكم في الوقت الراهن في تسريب البعض هو الحل الأمني والعسكري! فهناك حضور قوي للجيش وأجهزة الأمن بصورة ظاهرة في مدن ومناطق الجنوب، وهناك إعادة لتمضوع المعسكرات في الجنوب وتعزيز لقدراتها وعتادها وذخائرها، كما هو حاصل في أبين والضالع وشبوة؛ وغالبا فإن القيادات المؤثرة في هذه المعسكرات والأجهزة الأمنية هي قيادات شمالية بالدرجة الأولى.

كما أن هناك حالة انعقاد نشطة لمجالس الدفاع الوطني في المحافظات الجنوبية، وإن كانت الدولة لا تنوي المبادأة بالحراك العسكري والعمل المسلح، لكنها تصدت للتظاهرات والتجمعات التي وقفت خلفها رموز الأزمة بنزول الجيش وأجهزة الأمن في استعراض للقوة، وهو ما بدا جليا في مواجهتها لمظاهرات الضالع وعدن وغيرها! ويحرص المؤتمر حاليا على إقرار "قانون حماية الوحدة"، وهو قانون بحسب المعارضين له سيكون سيفا مصلتا على أي حراك حقوقي ونشاط شعبي مدني في الجنوب. فهو يجرم الإخلال بالوحدة الوطنية أو الخروج عن الثوابت "أو الدعوة إلى السلالية والمناطقية وإثارة النعرات"!

ويتردد في الجنوب أن معسكرات الدولة تشهد حركة تنقل وإمداد وشراء للأسلحة وتخزينها في مقابل ما تقوم به مجاميع المعارضة المسلحة –كحركة سعيد بن شحتور[28]، وهذا ما يثير المخاوف من اشتعال شرارة المواجهة ودخول البلاد في حرب استنزافية مدمرة!

عين الزائر للجنوب لا تخطئ تشديد إجراءات التفتيش في بعض النقاط الأمنية، وحالة الاستعداد والجاهزية التي تظهرها أجهزة الأمن في المدن؛ علما بأن الدولة حريصة أن يكون مجندي الشرطة في الشوارع من أبناء الجنوب غالبا.

وهناك لغة تهديد من الأجهزة الأمنية لرموز الأزمة ومسيري الاعتصامات والمظاهرات.

كما أن بعض عناصر التيار الجهادي تحدثت –في لقاء معها- عن اتصال الأجهزة الأمنية بها لتوظيفها ضد التيار الانفصالي، إلا أنها تفيد بأنها ردت سلبا بهذا الشأن نظرا لموقف الدولة من التيار الجهادي ومحاربتها له!

ويتهم الجنوبيون الدولة بمحاولة اغتيال بن شحتور، وأنها تسعى لتصفيته وغيره من رموز الأزمة جسديا، إذا لم تتمكن من إقناعهم عن العدول عن مطالبهم أو اعتقالهم في حال رفضوا!

البعض يتحدث عن وجود من يدفع القيادة السياسية والأوضاع للاشتعال، وأن هؤلاء يحققون من وراء ذلك إعادة هيكلة القوى التقليدية النافذة في الحكم والتي أعاقت مشروع التحديث واللبرلة في اليمن! وهم يتوزعون على مؤسسات الدولة ومفاصل الحزب الحاكم!

موقف المؤتمر الشعبي العام:

غالبية المنضوين تحت مظلة المؤتمر الشعبي العام هم من أبناء المحافظات الشمالية، وهناك القليل من أبناء الجنوب، وهذا ما يفسر الموقف الوحدوي البارز للحزب، في حين أن أبناء الجنوب لا يبدون حماسة ظاهرة ضد فكرة الانفصال باعتبار انتمائهم الاجتماعي والمناطقي، ومع هذا فهناك من يتحدث عن وجود شخصيات جنوبية انفصالية في المؤتمر لكنها لا تعلن عن موقفها إلا في أطر ضيقة بين أبناء الجنوب وذلك كونها معطلة عن مهامها وصلاحياتها في الحكومة والحزب!

ويعتقد البعض بأن الجنوبيين المنضوين تحت مظلة المؤتمر في حال قيام حركة تمرد جنوبية لن يقفوا مع الوحدة لأنهم يعلمون سلفا بأنهم سيقفون مع قضية خاسرة في الجنوب، وهذا ما يفسر رفض بعضهم المشاركة في التصدي لتيار الانفصال الحالي والقيام بدور مناهض لمطالب أبناء الجنوب!

وما يلفت الانتباه هو أن صحف المؤتمر تتخذ من مهاجمة رموز الحزب الاشتراكي في الداخل والخارج سياسة دائمة لها: فقد هاجمت علي ناصر محمد وحيدر أبو بكر العطاس وأحمد الحسني وغيرهم!

موقف أحزاب المعارضة من الأزمة:

الحزب الاشتراكي اليمني:

يضم الحزب الاشتراكي في إطاره حاليا ثلاثة تيارات رئيسة:

- تيار انفصالي: يدعو إلى الانفصال ويطالب بالرجوع عن الوحدة، ويترأسه الرموز الفارة منذ حرب 1994م والتي لا تزال ترفض العودة إلى الوطن. ويضاف إلى هذا التيار الداعين إلى إقامة الجنوب العربي والمدعومين من بريطانيا، وهم التيار الغالب في الحزب.

- التيار المطالب بتصحيح مسار الوحدة وفق وثيقة العهد والاتفاق، ويرأسه حيدرة مسدوس وحسن باعوم.

- التيار الوحدوي المعارض: والذي يرأسه ياسين سعيد نعمان، إلا أنه التيار الأضعف، كما أن أغلب رموزه شمالية في الأصل.

وحاليا هناك خلافا بارزا بين هذين التيارين، فقد صرح ياسين سعيد نعمان –لقدس برس- بأن حزبه سيتصدى لـ"كل المشاريع الصغيرة، والصغار الذين يحملونها"، موضحا أن قصده بالصغار جناح الحزب الاشتراكي الذي ينتقد أداء قيادة نعمان للحزب، وأبرز رموزه حسن باعوم. وحمّل السلطة مسؤولية تنامي هذا التيار داخل الاشتراكيين؛ واصفا إياهم بأنهم "لا يدافعون إلا عن أنفسهم، ويأخذون من معاناة الناس وسيلة لتحقيق مصالحهم، وهم يبتزون السلطة، وهي للأسف تتعامل معهم، أما الحزب الاشتراكي فهو يدافع عن قضايا هؤلاء في إطار خياراته الوطنية". في المقابل سبق بحسن باعوم -عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني- أن اتهم في تصريحات خاصة لـ"قدس برس" قيادة ياسين سعيد نعمان ومن معه بما أسماه "اختطاف الحزب الاشتراكي"، مشيرا بأنه يعبر عن قطاع عريض داخل الحزب الاشتراكي، وأنهم يدعون "إلى حوار بين جمهورية اليمن الديمقراطية والجمهورية اليمنية في صنعاء"! وأن يأخذ هذا الحوار بعين الاعتبار قرارات الأمم المتحدة التي صدرت عشية الحرب. مشيرا إلى أن ياسين سعيد نعمان والقيادة التي حوله لا تمثل إلا نفسها، وأن "هناك قيادات شرعية للحزب، أما هؤلاء الذين هم في الواجهة فلا يمثلون إلا أنفسهم"!

وهناك شخصيات ورموز اشتراكية أخرى في الداخل والخارج لها تأثيرها وحضورها في المشهد إلا أن موقفها من الانفصال غامض، فالرئيس اليمني الجنوبي السابق علي ناصر، والمقيم في دمشق، له صلة ببعض الرموز الداعية للانفصال في الغرب، إلا أنه لا يعلن موقفا واضحا من القضية! كما أن سالم صالح محمد، القيادي الاشتراكي البارز الذي عاد من الخارج وعين مستشارا للرئيس صالح، لا يزال يحتفظ بعضويته في الحزب وصلته بقياداته، وإن كان قريبا من النظام الحاكم وهو ما يفسره البعض بدور "الطابور الخامس" لصالح المعارضة!

علي ناصر محمد صرح مؤخرا باتجاه تأييده للحراك الجنوبي رغم ما فيه من دعوات للانفصال: "ومع الأسف أن النظام يواجه المظاهرات والاحتجاجات السلمية التي تحدث منذ عام وحتى اليوم في المحافظات الجنوبية بالعنف والقتل والسجن والمطاردة وآخرها ما حصل في عدن ولحج وأبين واعتقال القيادي البارز في محافظة أبين حسين زيد بن يحيى ظهر يوم 6/4/2008م أكبر دليل على إرهاب الدولة وإصرارها على رفض كل الخيارات السلمية"![29]

وبغض النظر عن هذا التفصيل يجب التذكير بأن الحزب هو من أشعل حرب الانفصال عام 1994م، وبأن غالبية رموز المعارضة في حركة موج وتاج وغيرها هم من كوادر الحزب السابقة، وبأن رموز الحراك الجماهيري والعمل المسلح اليوم هم أيضا من المنتسبين للحزب!

فقيادات الحزب ورموزه لم تأت للوحدة طيعة مقتنعة، وهذا ما أشار إليه حيدر أبو بكر العطاس –رئيس الوزراء السابق والقيادي الاشتراكي البارز- في حواره مع قناة "الحرة"، وأعادت نشره صحيفة الثوري، حين أشار إلى أن الوحدة تمت بقرار سياسي لا باستفتاء شعبي! وأنه عارض الوحدة الاندماجية في حينه! وسبق أن كان العطاس عضوا في حركة "موج"، لكنه استقال من اللجنة التنفيذية لها عام 1995م.

ومن هذا المنطلق يرى البعض أن هذا التباين في الحزب ناشئ عن اختلاف المصالح بين هذه التيارات، ويرى آخرون أن هذا التباين توزع للأدوار في إدارة الحزب الاشتراكي لمشروعه الانفصالي بعد أن خسر حرب 1994م وخسر على إثره مكاسبه ومواقعه السياسية! وأن ما يؤكد هذا بقاء هذه التيارات رغم تناقض أفكارها وآرائها لهذا الشأن في إطار حزبي واحد وتحت مظلة قيادة تنظيمية واحدة فيها كافة الأطياف!

يقول أبو بكر باذيب -الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني: "الحزب الاشتراكي اليمني لم يدع أنه صاحب هذه الحركة لكن لا شك في أنه مؤثر أساسي في هذه الحركة مثله مثل غيره من الأحزاب، السمة الرئيسية في هذه الحركة هي السمة الجماهيرية وهذه ميزة تنفرد بها هذه الحركة منذ وقت طويل، فنحن لم نشهد مثل هذه الحركة، ونتمنى أن تستمر في هذا التوجه على أن ترشد من أهدافها وأساليبها مستقبلا"؛ ويضيف: "هذا المزاج الحاد موجود داخل الحزب الاشتراكي أيضا، لا أريد أن أغطي على هذا الأمر".[30]

لقد سبق للحزب أن أبدى تأييده لملتقيات التسامح والتصالح، وهو اليوم حاضر بقياداته وكوادره وشعاراته ضمن حراك الاحتجاجات في الجنوب ظاهرا، كما أصبح الحديث عن قضية جنوبية وجنوب متأزم هو السمة الغالبة على عناصره.

إن أقل ما يمكن أن يكسبه الحزب الاشتراكي اليمني من هذا الحراك هو بناء استحقاقات سياسية في ظل هذا الأزمة تحت ذريعة أن ما يجري اليوم في الجنوب هو انعكاس لنتائج حرب 1994م التي يصفها بالإقصائية، والتمييزية ضد المواطن الجنوبي الذي يشعر بأن التعامل معه يتم على أساس أنه مواطن (درجة ثانية)، والنظرة للجنوب على أنه أرض وثروة! وبالتالي فهو يحاول أن يحصد من وراء هذا الحراك مكاسب سياسية.

ويرى ياسين سعيد نعمان أن احتجاجات الجنوب ينبغي أن تدعم، وأنه ينبغي ألا يفرض أشخاص أنفسهم أوصياء عليها حتى لا يقتلوها، كونها ستفرض زعامتها من داخلها، وأن على المشترك ألا يقف بعيداً عنها، بل عليه أن يدعمها، وبدلاً من قيادتها بشكل مباشر، لا بد من تنسيق فعاليات مختلفة شعبية واجتماعية يكون المشترك طرفاً فيها.

ويضيف وهو يعبر عن اطمئنانه لـ"تماسك الحزب": "أين هي هذه الدولة (الجنوبية)؟ وما الذي جرى لها؟ حرب 94 أرادت أن تنهيها من الذاكرة التاريخية بشكل عام، وحولتها إلى مجرد جغرافيا. هذا ما دفع إلى طرح القضية الجنوبية من جديد، بمعنى أن الدولة الوطنية الديمقراطية اليمنية التي نتطلع إليها لا بد أن تقوم على جناحين، ولا تستطيع أن تقلع بجناح واحد".. ويضيف: "نحن في الاشتراكي والمشترك نرى اليوم أن حل القضية الجنوبية هو مفتاح الحل للإصلاح الشامل. وأن الجنوب هو البوابة التي يجب أن يبدأ منها الجميع لإصلاح أحوال البلاد".[31]

التجمع اليمني للإصلاح:

يتوزع التجمع اليمني للإصلاح على ثلاثة تيارات رئيسية:

التيار السلفي: وهو تيار يقوده علماء ودعاة ملتزمون بمرجعية الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة. وهذا التيار مع بقاء الوحدة، ولا يزال يتبنى التصدي لأي نية للانفصال، وقد كان حاضرا بفعالية في حرب 1994م، إلا أن هذا التيار لم يعد هو الموجه الحقيقي لفكر التجمع وقراره التنظيمي في الوقت الراهن.

التيار القبلي: وهو يتخذ موقف المساندة للوحدة من منظور بقاء مصالح نفوذ هذه القبائل سياسيا واقتصاديا، وهو ما دفعها في حرب 1994م للوقوف إلى جانب نظام صنعاء، حيث تعاملت مع قضية الجنوب من منطلق (ثقافة الفيد)!

التيار العقلاني والسياسي في التجمع: والذي تغيرت لديه النظرة الإسلامية للحكم والسياسة والاجتماع وأصبح يسود عليه منطق النظرة الغربية لهذه المسائل، فهو يحاول مسايرة الإرادة الدولية، وفي ظننا أن هذا التيار سوف يتنبى مواقف غير متصادمة معها، من باب إثبات حسن النوايا والتماشي مع مقررات المجتمع الدولي، وهو يتعاطى مع قضية الانفصال وفق سياسة الممكن! وهناك تسريبات تفيد بأن القيادة التنظيمية للإصلاح أوعزت لقيادة التنظيم في الجنوب لترتيب أوضاعها تهيئا لأي تغير في واقع البلاد وتوجهها إلى الانفصال! وهذا الترتيب يعني اتخاذ التدابير اللازمة للتعامل مع الانفصال كواقع قائم!

حاليا تقف قيادة حزب "التجمع اليمني للإصلاح" إلى جانب بقية أحزاب اللقاء المشترك، وهي الحزب الاشتراكي اليمني وحزب الحق وحزب اتحاد القوى الشعبية والتنظيم الوحدوي الناصري، في موقفه من أزمة الجنوب.

يقول الدكتور محمد السعدي -الأمين العام المساعد لحزب "التجمع اليمني للإصلاح": إن "أوضاع الجنوب الحالية هي نتيجة لتراكم سياسات الحكومات المتتالية للمؤتمر الشعبي العام".. ويضيف وآراء الحزب في هذا الشأن واضحة ومعلنة ولا تخرج عن موقف "اللقاء المشترك" الذي يمثل الإصلاح جزءا منه. وأن رؤية الحزب لتهدئة الاحتقان القائم في الجنوب تقوم على "الاعتراف من قبل النظام بوجود أزمة"، و"دعوة القوى السياسية المؤثرة لتشخيص هذه الأزمة، ووضع الحلول بشراكة وطنية بين كل القوى المؤثرة بما فيها الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية".[32]

لكن الإصلاح بدون شك لا يقر الدعوات القائمة للانفصال، يقول الأستاذ عبدالوهاب الآنسي، الأمين العام للتجمع اليمني للإصلاح: "نحن في التجمع اليمني للإصلاح، وكأحزاب اللقاء المشترك للمعارضة، نجرم وندين وسنقف ضد أي تصرف تم في السابق أو تصرفات قد تتم لاحقاً قد تؤدي إلى إخراج هذه القضية من إطارها الوطني إلى إطار خارجي إقليمي كان أو دوليا".[33] لكنه في المقابل لن يكرر موقفه الذي أبداه في حرب 1994م بعد أن تنكر الرئيس صالح لدماء مقاتلي التجمع وجهود رموزه الدينية والاجتماعية لتجييش الشعب إلى جانبه! وقد يحدث في وسط الإصلاح تصدع جديد في حال كان لزاما عليه اتخاذ موقف محدد من الأزمة إذا ما بلغت حدَّ السعي إلى الانفصال.

موقف الشيعة من الأزمة:[34]

للتيار الشيعي في اليمن تاريخه في التحالف مع الحزب الاشتراكي، فقد تبادلوا التأييد والنصرة في قضاياهم، ففي حين ساند الاشتراكيون الملكيين في حربهم ضد الجمهورية وقف الشيعة إلى جانب الحزب الاشتراكي في أزمة عام 1993م وحرب 1994م، وحملوا راية الدفاع عن الحوثية في حربها مع الدولة!

وعلى هذا الأساس فإن الشيعة يساندون الحزب الاشتراكي في مخطط الانفصال لعدة أسباب:

- كونه سيضعف من قوة حكومة الرئيس علي عبدالله صالح، الأمر الذي يمدهم بقدرة على التمرد واستمرار مشروع الثورة الشيعية في اليمن.

- كونه سيقلل من نسبة التعداد السكاني للسنة لصالح المد الشيعي، فالجنوبيون جميعهم سنة.

- كونه سيعزز من مكانة حليفهم السياسي (الحزب الاشتراكي) ومن ثمَّ سيقوى من الحلف القائم بينهما.

هذه الحقيقة يؤكدها مواقف الحزب الاشتراكي المدافعة عن تيار الحوثي ورؤيته للحرب في صعدة، وهي جميعا تعكس تلاحما بين هذين التيارين؛ كما يؤكدها دخول الحزب الاشتراكي اليمني (جنوبي يساري) مع حزب الحق (شمالي مذهبي) مع اتحاد القوى الشعبية (شمالي مذهبي ليبرالي) في مظلة "اللقاء المشترك"، واتفاق هذه الأحزاب في ظل أزمة 1993م على حكم اليمن بصيغة فدرالية أو كنفدرالية، وهذا الاتفاق قائم حتى اليوم، فقد أشار محمد عبدالملك المتوكل -نائب الأمين العام لاتحاد القوى الشعبية، في مقابلة له مع صحيفة "الشارع"، في 4/8/2007م، أن الحكم اللامركزي هو الطريق الأفضل لحماية وحدة اليمن من التمزق والتفتت.

---------------------------

[20]  في فبراير 2008م، وفي أثناء مهرجان لجمعية المتقاعدين، طالب العميد ناصر النوبة باستقلال الجنوب أسوة باستقلال إقليم كوسوفو! وتحدث في الوقت ذاته عن مشروع لفصل شبوة وحضرموت والمهرة! قائلا: "رهانهم خاسر.. فحضرموت وشبوة والمهرة مع الجنوب". ووعد عبده المعطري -رئيس جمعية المتقاعدين بالضالع- بـ"مرحلة جديدة من النضال جنبا إلى جنب، متقاعدين ومدنيين وشباب ومناضلين". في حين رفعت لافتات تندد بـ"احتلال الجنوب"! نيوزيمن، في 24/2/2008م.

[21]  رسالة رئيس (تاج) إلى التجار والميسورين الجنوبيين، موقع صوت الجنوب، في 15/1/2007م.

[22]  يقول الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني ياسين سعيد نعمان، في ندوة بعنوان "الحراك الشعبي في الجنوب، قراءة في الأسباب والتداعيات والحلول": إن على السلطة الاعتراف أولاً بالقضية الجنوبية كونها قضية سياسية وليست جهوية مناطقية. ويرى أن ما هو حاصل اليوم من حراك احتجاجي شعبي ناتج من غياب المشروع الوطني ومشروع الوحدة الطوعي الديمقراطي السلمي الذي دمر في حرب صيف 1994م.

[23]  وصف دحباشي مستقى من مسلسل يمني قدمته الفضائية اليمنية وكانت أبرز شخصية فيه (دحباش) وهي شخصية شمالية تدعو للسخرية!

[24]  قناة الحرة، في 4/4/2008م.

[25]  دخل المؤتمر في مواجهات مسلحة مع الإصلاح في انتخابات عام 1997م وعمل على إضعاف وجوده في الدولة وضرب أكبر معاقله (المعاهد العلمية) بقرار الإلغاء.

[26]  عبرت شخصيات ورموز عدة عن تهميش الرئيس لها وتغيبهم عن صنع القرار من بينهم: الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وسنان أبو لحوم، وغيرهم.

[27]  يقول عبدالله غانم- رئيس الدائرة السياسية للمؤتمر والعضو الاشتراكي السابق- في حوار مع صحيفة الخليج الإماراتية: "الحزب الاشتراكي يتصور أن فرصته للوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها معدومة عن طريق صناديق الاقتراع".. حسب رأي غانم لذلك فهو يريد أن يعود إلى سدة الحكم بورقة الجنوب. (الميثاق، في 11/4/2008م).

[28]  تشير بعض المصادر أن بن شحتور كان ضابطا متقاعدا، وسبق له أن التحق بجهاز أمن الدولة، بعد أن قضى ثلاث سنوات في السجن بإيران على خلفية اختطاف طائرة سعودية إلى طهران إبان فترة حكم الشاه بحجة أن السلطات السعودية كانت قد صادرت عليه شحنة دجاج ولم تعوضه عنها! الميثاق نت، في 4/6/2007م.

[29] علي ناصر محمد -الرئيس اليمني الجنوبي السابق، في حوار مع صحيفة "الخليج" الإماراتية، نقلا عن www.sanaapress.net، في 10/4/2008م.

[30] أبو بكر باذيب -الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، في حوار مع صحيفة "الخليج" الإماراتية، نقلا عن www.alwatanye.net، في 10/4/2008م).

[31]  ياسين سعيد نعمان -الأمين العام للحزب الاشتراكي، في حوار مع صحيفة النداء, في 25/1/2008م.

[32]  الدكتور محمد السعدي -الأمين العام المساعد لحزب "التجمع اليمني للإصلاح"، في حوار لصحيفة "الخليج" الإماراتية، نقلا عن www.alwatanye.net، في 10/4/2008م).

[33]  عبدالوهاب الآنسي، الأمين العام للتجمع اليمني للإصلاح، في حوار مع صحيفة "الراية" القطرية، نقلا عن www.al-islah.net، في 27/04/2007م.

[34]  تجدر الإشارة هنا أن نظام الجنوب الاشتراكي كان يقف إلى جانب إيران في حربها ضد العراق في حين أنَّ نظام صنعاء كان يقف إلى جانب بغداد ويمدها بالمقاتلين
 
 

The Regional Stakes of Soured Israeli-Jordanian Relations

 الجمعة 27 آذار 2020 - 6:40 ص

The Regional Stakes of Soured Israeli-Jordanian Relations https://www.crisisgroup.org/middle-east… تتمة »

عدد الزيارات: 36,995,675

عدد الزوار: 921,396

المتواجدون الآن: 1