واشنطن. صعود الهوية الدينية لدى الجيل الثاني من المهاجرين و«جهاد» ضد «العدو البعيد»

تاريخ الإضافة الجمعة 17 نيسان 2009 - 11:06 ص    عدد الزيارات 739    التعليقات 0

        

 

 (1 من 3) ... المسلمون الأميركيون متدينون في بيئة محافظة والعرب بينهم ينتظرون من أوباما رفع عبء 11 أيلول عن كاهلهم....
نيويورك - بيسان الشيخ     الحياة     - 18/03/09//
شعار «التغيير» الذي أطلقه الرئيس الأميركي باراك أوباما حين كان لا يزال يخوض معركته الانتخابية لم يطل السياسة الداخلية فحسب وإنما تخطاها إلى السياسة الخارجية في شكل أساسي، لا سيما تلك التي تربط الولايات المتحدة بالشرق الأوسط.
واستهل الرئيس الجديد عهده بأكثر من رسالة وجهها إلى العالمين العربي والإسلامي، وإلى الجالية المسلمة داخل أميركا نفسها. فكان أول اتصال أجراه كرئيس دولة مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأول مقابلة تلفزيونية أجراها كانت من نصيب قناة عربية هي «العربية» لتنقلها عنها لاحقاً أكثر من 200 محطة محلية وعالمية. وعبّر أوباما من خلال تلك الشاشة عن طريقة إدارته في الحكم وموقفه من قضايا المنطقة محاولاً مد جسور كان هدمها سلفه جورج بوش مع العالمين العربي والإسلامي.
وفي رمزية هذا الخيار، بعث أوباما برسالة واضحة: القطع الواضح والصريح مع سياسات الإدارة الجمهورية السابقة التي جعلت من «الحرب على الإرهاب» عنواناً عريضاً لكل القرارات المتعلقة بالسياسة الداخلية والخارجية على السواء، وذريعة للحرب على العراق ولانتهاك حقوق الإنسان في معتقل غوانتانامو وخرق الدستور داخل الأراضي الأميركية نفسها.
وخلال الحملة الانتخابية عبر كثيرون عن مخاوفهم من أن «يتساهل» أوباما، في حال فوزه، مع قضايا الأمن القومي والإرهاب و «ألاّ يحمي البلاد كما يجب» من هجمات جديدة محتملة كما فعل سلفه. فصحيح أن الإدارة السابقة حولت البلاد «محمية أمنية» (بحسناتها وسيئاتها) إلا أنها عملياً منعت وقوع اعتداءات أخرى طوال الفترة الممتدة بين11 أيلول (سبتمبر) 2001 و4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 وهو حساب لا يستهان به بالنسبة إلى الأميركيين.
وفي الوقت الذي يعتقد كثيرون بأن بريق «القاعدة» خف لأن الجسم التنظيمي تضخم فأصابه وهن وتفكك لا سيما وأن قادته مختبئون عاجزون عن الظهور للعيان، إلا أن التهديد الفعلي يبدأ في كون تلك الهيكلية الواضحة تحولت كيانات زئبقية صغيرة، تتمتع بهامش واسع من الاستقلالية والأجندات المحلية، ويكفيها أن تتبع تطبيقياً تعاليم المؤسسة الأم، مع إمكانية اعتماد رموز وقادة ميدانيين «محليي الصنع» كما جرى في عدد من العواصم الأوروبية.
فإذا كان صحيحاً أن تنظيم «القاعدة» اليوم ليس حزباً له مقر بعنوان معروف ويحمل مناصروه بطاقات انتساب، وتلك نقطة ضعف فيه، إلا أن قوته وقدرته على التهديد مستمدة من ذلك الضعف نفسه إذ نجح إلى حد بعيد في أن يتحول إلى «سوفتوير» يمكن لأي مجموعة صغيرة بخبرات محدودة، وفي أي بقعة جغرافية «تحميله» واعتماد أسلوبه في تنفيذ المهمات، التي بات يمكن تفصيلها على قياس حاجات داخلية. من هنا وضعت الحكومات الغربية وخصوصاً إدراة بوش جالياتها المسلمة تحت المجهر. فطبقت إجراءات وقوانين مجحفة عليهم من قانون «باتريوت آكت» إلى لائحة الأسماء الممنوعة من الهجرة، وصولاً إلى ترحيل مئات الأشخاص المنتهية أوراق إقامتهم، واعتقال آخرين بتهمة انهم «مقاتلون اعداء»، تحسباً لأن يظهر بينهم من يشبه مجايليهم الأوروبيين.
لكن تلك السياسات الاستباقية والحمائية نفسها، استخدمتها «القاعدة» ذريعة للتجنيد في معركتها ضد الغرب وعلى رأسه أميركا. طبعاً الذريعة تبدأ بفلسطين مروراً بأفغانستان والعراق وصولاً إلى تطبيق صارخ لسياسة الكيل بمكيالين. فأميركا من جهة تبشر بالديموقراطية وتخوض حروباً لأجلها، ومن جهة تدعم حكومات في الشرق الأوسط لأن ضحايا غياب الديموقراطية فيها ليسوا سوى «إسلاميين»! وبهذا المعنى يصبح تفجير أي مطعم تابع لشركة «ماكدونالد» في أي بقعة منسية من العالم أو تنفيذ عملية انتحارية في مترو الأنفاق في عاصمة أوروبية كأنه رد على سياسات أميركا ودحض لادعاءاتها. فحتى تلك الديموقراطية التي تتغنى بها واشنطن غير مرغوبة في أوساطهم، وهم لا يتوانون عن وصفها بـ «البدعة» لأنهم ببساطة لا يبحثون عنها. فهم في «جهادهم» ساعون للعدالة وليس للديموقراطية. هي دوامة، النتيجة فيها سبب. لكن إذا كانت السياسات الأميركية فعلاً أحد مصادر وحي «المجاهدين» والانتحاريين فلماذا لم تتعرض أميركا نفسها لأكثر من 11 أيلول واحد؟ ولماذا لم يتمكن تنظيم «القاعدة» من تجنيد عناصر له بين الجيلين الثاني والثالث من الجاليات المسلمة في أميركا على غرار ما فعل في أوروبا؟ هل هي فقط اختلافات في البيئة المهاجرة أم ان اسباباً إضافية أدت إلى النأي بأميركا عن مرمى سهام الإرهابيين؟ ومن هم هؤلاء المسلمون وكيف يعيشون؟
تنشر «الحياة» سلسلة تحقيقات تتناول الجيل الثاني من المهاجرين المسلمين وإمكانية ظهور «جهاديين» بينهم، عبر رصد نماذج من تلك البيئة في واشنطن وفيرجينيا ونيويورك. كذلك تكشف السلسلة الملف القضائي لـ «آخر مقاتل عدو» التقت «الحياة» محاميه وحصلت على نسخة عن ملفه الذي لم يجد طريقه إلى القضاء منذ اعتقاله قبل 6 سنوات. هنا حلقة أولى.
< إنه مساء نهاية أسبوع قارس ومطعم «اليمن السعيد» في أحد شوارع بروكلين في نيويورك يضج بالزبائن. صاحب المطعم أحمد، يساعد عماله ويركض بين الطاولات يلبي الطلبات من شوربة ساخنة يقدمها على حساب المحل، إلى أطباق تقليدية متنوعة يختتمها غالباً بـ «فتة» العسل مع الموز والسمن فوق فتافيت الخبز المحمص. الزبائن غالبيتهم من أصل يمني، بينهم سيدة أو اثنتان بالحجاب رافقت الزوج والأولاد، فيما البقية شبان ورجال وبعض السياح. المطعم وعلى رغم صيغته الشعبية المحلية التي تحمل الزائر إلى أزقة صنعاء وحاراتها يحمل طابعاً «كوزموبوليتياً» لا يمكن تجاهله. فوجوه الاشخاص وأزياؤهم واللغات المحكية وحتى اللكنات الأميركية المختلفة كلها تجعل من ذلك الاختلاط نموذجاً نيويوركياً مصغراً ومكاناً مثالياً للباحث عن الأوجه الأخرى لنيويورك، تلك البعيدة عن تايم سكوير وتمثال الحرية. ابراهيم زبون قديم في المطعم، يأتي كل يوم تقريباً وبات له ركنه وأطباقه المفضلة. يحييه احمد تحية أبناء الحي ويستقبله برغيف خبز ساخن. ثمة ود قديم يربط الشابين اللذين نشأا في هذه الشوارع وقد جاء إليها آباؤهم وأجدادهم بحثاً عن حياة أفضل، أو ربما عن مجرد حياة. كان والد إبراهيم يصطحبه إلى المطعم حين كان ولداً صغيراً يساعده في الـ «سوبر ماركت» بعد دوام المدرسة وأيام العطل، فيجلس الوالدان يتحادثان بشؤون البلاد، فيما يلعب الصغيران بعد وجبة غداء دسمة.
قبالة «اليمن السعيد» على الناصية الأخرى من الشارع، تبدو لافتة «مطعم الوحدة» اليمني مضاءة بالنيون الملون. وقربها «مخبز دمشق»، و «حلويات طرابلس»، ومسجد صغير مضاء يصعد إليه بدرج حلزوني عبر مدخل أحد المباني. لوهلة قد يشعر المرء أنه في أي حارة في عاصمة عربية وينسى كلياً أنه في نيويورك! يشير ابراهيم إلى محل ضخم ويقول «كان هذا المحل لأبي وأنا ولدت في المنزل الذي فوقه. سكنا في هذا الحي سنوات طويلة إلى أن كبرت عائلتنا وباع ابي المحل والمنزل وانتقلنا إلى حي آخر ثم انتقلت أنا للسكن وحدي». هكذا هي نيويورك. حي يصعد وحي يهبط وعائلات ترحل ووجوه تتبدل. والمهاجرون العرب لا يشذون عن هذه القاعدة يتنقلون عبر الأحياء بحسب تموجات السوق وأسعار العقارات من دون ادعاءات أو أحكام مسبقة. فحتى جامع مقاطعة «باترسون» مثلاً، في نيوجرسي، كان كنيساً يهودياً وسط حي يهودي. طغت على المنطقة في السنوات الأخيرة الهجرة العربية خصوصاً من فلسطينيين وأردنيين وانخفضت الأسعار فكانت مناسبة لشراء العقار وتحويله مسجداً. ثم توسعت لاحقاً القاعات من حوله لتكون صفوفاً تدرس فيها اللغة العربية ويحفظ القرآن، فيما خصت النساء بجناح خاص لنشاطاتهن.
اليوم يعيش ابراهيم وحده في ستوديو صغير كأي شاب أميركي من عمره. يعمل مساعداً في شركة قانونية للدفاع عن المعتقلين في «غوانتانامو». صار يعرفهم ويعرف قصصهم عبر ملفاتهم وبعضهم من أًصل يمني. لا يميز البريء من المذنب بينهم، لكن ما يهمه من المسألة برمتها أن «معتقل العار»، كما يسميه، مخالف للدستور الأميركي ولكل ما تعارفت عليه قوانين البلاد، والدفاع عن المعتقلين هو دفاع عن معنى أميركا وليس بالضرورة عنهم كأشخاص فتلك كما يقول «مهمة المحاكم المدنية».
وفيما بدأ ابراهيم يتحدث بحماسة عن عمله وعائلته دخل «اليمن السعيد» شاب طويل أشقر ملتح، حليق الشوارب. لوح له ابراهيم من بعيد بيده وهمس «وصل اليهودي» فيما الشاب رفع صوته قليلاً وهو يقول «السلام عليكم» بعربية متعثرة وجلس في زاوية بدت كأنها له. الجائع الجديد الذي انضم إلى موائد أحمد يهودي اعتنق الإسلام وأطلق على نفسه اسماً عربياً كغالبية المنضمين الجدد. بعد فترة من تردده على المطعم وبناء صداقات فيه وسماعه قصصاً وروايات عن اليمن قررالسفر وزيارة ذاك البلد البعيد. لكن فور عودته أوقفته الشرطة الأميركية بضعة أسابيع وخضع للتحقيق بتهمة التدرب في معسكرات «القاعدة» لا سيما وأنه مكث فترة هناك ودرس العربية وتردد على ما يبدو على «جامعة الإيمان» التي يديرها الشيخ الزنداني. لكن أفرج عنه لاحقاً لعدم كفاية الأدلة ضده. «والله أعلم» يقول إبراهيم الذي لا يحمل ذمته تهمة من هذا العيار. ثم يضيف «لم نر منه أي تصرف سيئ هنا. هو شخص هادئ جداً منطوٍ على نفسه نراه في المطعم وفي المسجد يصلي خصوصاً أيام الجمعة». ويضيف إبراهيم بصوت خفيض «يغتاظ جداً عندما نمازحه ونناديه باليهودي، فهو الآن مسلم، ويأخذ المسألة على محمل الجد وأحياناً أكثر من اللزوم... لكن في النهاية ليس شأننا أن نراقبه».
لا يشذ ابراهيم كثيراً عن أبناء الجيل الثاني من المهاجرين المسلمين إلى الولايات المتحدة الذين نشأوا في عائلات من الطبقة الوسطى تبحث عن مستقبل أفضل لأبنائها. فالآباء الذين جاؤوا حاملين مهناً صغيرة أو شهادات علمية عملوا بمداخيل تفوق أحياناً متوسط دخل الفرد الأميركي العادي، فشكلوا أرضية صلبة لأبنائهم الذين اندمجوا اقتصادياً وانخرطوا في النظام أكثر مما فعل أهلهم، ووجدوا لنفسهم حيزاً من دون أن يتخلوا بالضرورة عن مكونات ثقافتهم الأم وشعائر دينهم. أما من فعل منهم ذلك فبقرار شخصي وليس كشرط من شروط الانخراط في البيئة الأوسع. فالقيم الاجتماعية السائدة في هذه البلاد محافظة إلى حد بعيد والتدين فيه سمة مقبولة اجتماعياً سواء مورست شعائره في الكنيسة أو الكنيس أو المسجد أو أي دار عبادة. لذا لا يشعر إبراهيم أو أي ابن مهاجر مثله أن عليه التخلي عن دينه واعتناق العلمانية كمدخل إلى المواطنة الكاملة أو ليصبح جزءاً من النسيج الاجتماعي كما هي الحال في أوروبا. كما أن الاندماج نفسه لا يفرض عليه كجزء من خطة حكومية وبرامج خاصة ومناهج تضعها وزارات مختصة ويتعين عليه هو أن يطبقها بحذافيرها. هنا يمنع حتى السؤال عن الدين خلال تقديم أوراق الهجرة أو تسجيله على الأوراق الثبوتية. ومن حسنات هذه المسألة أنها لا تفرق بين الأفراد على أساس دينهم، ولا تمارس ضدهم أي حكم مسبق، نظرياً على الأقل. إلا أنها في الوقت نفسه تجعل من إمكانية التحقق من عدد المسلمين الأميركيين مثلاً، مهمة مستحيلة. فبعض المصادر الحكومية يقول إن عددهم نحو مليونين ونصف المليون ومصادر الجمعيات الأهلية وأئمة المساجد تذهب إلى تقديرهم بنحو 7 ملايين ونصف المليون. الفارق شاسع وليس من طريقة لإثباته أو نفيه.
ولفترات طويلة بقي طاغياًَ على الانتماء بعد الجنسية الأميركية البلد الام أو البقعة الجغرافية. كأن يقال هؤلاء أميركيون لاتينيون، أو آسيويون أو شرق أوسطيون. الهوية الدينية الإسلامية طارئة على غيرها ولم تتداول كتعريف موحد عن المجموعة إلا بعد هجمات 11 أيلول فجاءت كمؤشر عن الانتماء يتجاوز الجغرافيا الى المعتقد الديني. وتلك الهوية الدينية المستجدة لا تشمل الأميركيين الأفارقة مثلاً وإن كانوا مسلمين، ذاك أن هويتهم الراجحة هي العرق وليس الدين. وبهذه المعادلة يصبح التعريف مطاطاً، فالنسبة إلى «الشرق الأوسط» تعني بعد 11 أيلول، النسبة إلى الدين أيضاً على رغم الإدراك المسبق بأن أفواج المهاجرين الاولى من الشرق الاوسط هي غالباً هجرة مسيحية. وكان من نتائج ذلك التعريف أن صار التوجه الرسمي إلى هؤلاء يتم أولاً انطلاقاً من هويتهم الدينية، وهم إذ ذاك راحوا يتصرفون أيضاً بناء عليها، من مبدأ انه «إن كنتم تعاملوننا كمسلمين قبل أن نكون مواطنين فسنتصرف نحن أيضاً كمسلمين». فكثرت في وسائل الإعلام مصطلحات تخص «الجاليات المسلمة»، واعتمدت بعض المطاعم وأبرزها ماكدونالد «وجبات حلال» بين أطباقها. حتى لوائح الإعلانات في المطار مثلاً تعرض «وجوهاً من أميركاً» ترحب بالمسافرين، استجد عليها شابات محجبات. وفي بعض الدوائر الرسمية ومراكز الشرطة علقت صور كبيرة للتعريف «بأشكال غطاء الرأس الشائعة بين المسلمين الأميركيين».
ومن أسباب ذلك أن غالبية مظاهر الإسلام الذي تشهده أميركا اليوم جاءها مع الشرق أوسطيين والخليجيين لا سيما بناء الجوامع والمساجد السلفية في شكل أساسي ومدارس التعليم الديني والجمعيات الخيرية التي شهدت فورة غير مسبوقة في أواسط الثمانينات. فمثلاً تشير دراسة حديثة عن الجوامع في أميركا على مستوى الولايات كلها، أجراها معهد «بيو» أن 70 في المئة من أئمة المساجد في أميركا «سلفيون» و21 في المئة «متشددون».
أما الإسلام كدين فليس جديداً على الولايات المتحدة ولم تحمله إليها الموجة الأخيرة من المهاجرين الشرق أوسطيين، بل هو موجود مع الأفارقة الذين يعتبرون أنفسهم المسلمين الأوائل في هذه القارة وطبعوا الدين بطابعهم. فهنا غالباً ما ترى في الشارع امرأة إفريقية ترتدي حجاب الرأس لكنها في المقابل تكشف عن ذراعيها صيفاً من دون أن يحسب ذلك نقص في دينها. أو مثلاً في احتفال لبلدية نيويورك بمناسبة عيد الفطر، الذي طالب المشاركون فيه جعله عيداً رسمياً ويوم عطلة أسوة ببقية الأعياد، قدمت مجموعة من الشبان والشابات أناشيد دينية ترافقت بتصفيق اليدين وحركات شبه راقصة تشبه تلك التي تؤديها فرق الترتيل في كنائس الأفارقة.
والواقع أن المسلمين الأفارقة خاضوا «جهادهم» الاجتماعي وناضلوا لنيل حقوقهم المدنية كمجموعة اثنية بالدرجة الأولى، ولا ينظرون إلى المسلمين العرب بصفتهم على صراط أكثر استقامة من صراطهم.
وإلى ذلك فإن الجيل الأول من المهاجرين العرب المسلمين لم يكن شديد التدين والالتزام بعكس الأبناء الذين شهدت نشأتهم يقظة الهوية الدينية فانكب بعضهم على التعرف على دينه في مرحلة لاحقة من عمر المراهقة، وانخرط في دروس مسائية لحفظ القرآن وتعلم اللغة العربية، وابراهيم مثلاً واحد منهم. فهو بدأ منذ سنوات قليلة يواظب على الصوم والصلاة وزيارة اليمن حين يتسنى له ذلك. وبحسب دراسة لمركز «بيو» أجريت في 2007 تبين أن 45 في المئة من المسلمين بين 18 و35 عاماً باتوا يصلون 5 مرات في اليوم في الوقت الذي كانت دراسة صادرة في عام 2000 عن جامعة هارفرد كشفت أن ثلث المسلمين لا «ينتمون» إلى مسجد محدد ولا يصلون عموماً وإن فعلوا ففي المنزل. كذلك كشفت الدراسة نفسها أن العرب يحتلون المرتبة الثالثة بين المسلمين الذين يترددون إلى الجوامع بانتظام، يسبقهم الأفارقة والمتحدرون من جنوب آسيا (الباكستانيين والهنود والبنغال والأفغان). تلك الأرقام ليست من دون دلالة. فهي مؤشر أول الى أن المسلمين في أميركا يشبهون أميركا نفسها. هم متنوعون ومختلفون ومتشابهون في آن. هنا فعلاً لا فضل لعربي على أعجمي منهم. فكلهم مسلمون، وكلهم أميركيون.
ونظراً إلى أن الدولة الأميركية ليست راعية لأبنائها، ولا تحتضن المهاجر فتؤمن له دخلاً شهرياً وخدمات اجتماعية من دون مقابل، ليبقى عاطلاً عن العمل طالما طاب له ذلك، وهو يضطر منذ لحظة وصوله إلى الدخول في دورة الإنتاج. فإن لم يعمل مات جوعاً. وهو، ما إن يعمل حتى يضطر لإيجاد أرضية مشتركة بينه وبين غيره من الأقوام فيأتي اندماجه عفوياً تلقائياً بفعل التبادل البشري. إنه اندماج اقتصادي بالدرجة الأولى ينتج عنه لاحقاً مع الأجيال الثانية والثالثة اندماج اجتماعي لكنه حتى الآن ليس سياسياً. فالمهاجرون المسلمون لم يثبتوا حتى الآن وعلى رغم مشاركتهم القوية في الانتخابات الأخيرة أنهم صوت انتخابي يحسب له حساب كالصوت اليهودي أو الصوت اللاتيني مثلاً. لكنهم في المقابل، فاعلون ومشاركون على المستويات المحلية. فهم حاضرون بقوة في البلديات ولجان المناطق والأحياء والمدارس حيث كلمتهم مسموعة وأحياناً راجحة. وبهذا المعنى هم لا يشعرون بتهميش اجتماعي، لأنهم يساهمون مباشرة في القرارات التي تتعلق بحياتهم اليومية.
وإذا كان الحي اليمني في بروكلين معروفاً باسمه هذا إلا أنه لا يشبه تلك الصورة النمطية عن «الغيتوهات» المغلقة في بريطانيا أو فرنسا، حيث يتجمع المهاجرون جيلاً بعد جيل حتى يكاد بعضهم يفقد الحاجة لتعلم اللغة المحلية. وإن كانت محال المهاجرين في ذلك الحي ومتاجرهم تحمل لافتات بأحرف عربية، فلأنهم كغيرهم من المهاجرين جاءت تجربتهم الأميركية تراكمية أضيفت إلى سابقاتها ولم تنقطع عنها أو تنفها. فصحيح أن المساجد مثلاً مقسمة بحسب المجموعات الاثنية إلا أن المناسبات العامة تجمع مسلمين من كافة المشارب والألوان، فيصبح المسجد والقاعات المحيطة به جامعاً بالمعنى الحرفي للكلمة. فتلتقي المجموعات العرقية بعضها ببعض من أفريقيين وآسيويين وعرب والبان فتختلط الثقافات ومعها الممارسات المختلفة للدين نفسه.
 (2 من 3)... «الجهاديون الأميركيون» خرجوا إلى أرض إسلامية والخلايا «المحلية المنشأ» لم تستفد من خبرتهم القتالية
ليس اليمن تفصيلاً عابراً في سير «المجاهدين» الأميركيين، مهاجرين كانوا أو معتنقين جدداً للديانة، ولا الانطلاق من الحي اليمني في بروكلين صدفة بحتة. فإذا كانت الجاليات المسلمة المهاجرة مندمجة اقتصادياً واجتماعياً إلى حد بعيد في البيئة الاميركية، إلا ان السنوات السبع الاخيرة شهدت مداً وجزراً بين هذه الجاليات والأجهزة الأمنية. هي علاقة معقدة بين طرفين يتوجس كل منهما من الآخر لكنه في الوقت نفسه مضطر للتعامل معه وإيجاد حد أدنى من الثقة به.
أول خلية «محلية المنشأ» اوقفت في الولايات المتحدة غداة أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 هي شبكة لاكوانا، شمال ولاية نيويورك، والمؤلفة من 6 شبان أميركيين من أصل يمني. تلك كانت الشرارة الاولى التي حركت مخاوف الأمن الأميركي من احتمال تشكل خلايا إرهابية بين الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين المسلمين وإمكانات تجنيدهم في الداخل أو عبر شبكة الانترنت. فانطلق مصطلح «محلي المنشأ» من تلك الخلية وصار يشمل الظاهرة عموماً.
كذلك فإن أول «طالباني أميركي»، جون ولكر ليند أو كما أطلق على نفسه اسم سليمان الفارسي بدأ رحلته «الجهادية» الطويلة من صنعاء تحديداً. رحلة أوصلته إلى ساحات القتال في أفغانستان وجعلته من أبرز رموز 11 أيلول في الإعلام الأميركي والثقافة الشعبية متفوقاً لفترة غير قليلة من الزمن على أسامة بن لادن والملا عمر من حيث التغطية الإعلامية. وأثار ليند جدلاً واسعاً في المجتمع الاميركي بين من اعتبره خائناً يستحق الاعدام ومجرد مراهق طائش وقع ضحية مجتمع قذف به إلى التطرف الإسلامي. وهذا رأي يتشاطره بعض دارسي ظاهرة المعتنقين الجدد للاسلام الذين برزت بينهم على سبيل المثال لا الحصر، أسماء مثل «خوسيه باديلا» المعروف بـ «عبد الله المهاجر» المتهم بتحضير القنبلة القذرة، و «آدم بيرلمان» المعروف بـ «عزام الأميركي» أو «أبو صهيب الاميركي» الذي صار أشبه بناطق رسمي لتنظيم «القاعدة» بالانكليزية في أشرطة شركة «السحاب».
ولعل أكثر ما ترجم هذا الرأي في الثقافة الشعبية أغنية كتبها وأداها مغني البوب ستيف إيرل عنوانها «جون ليند بلوز» (أو كآبة جون ليند) ويقول مطلعها «ذهبنا للجهاد وقلوبنا طاهرة وشجاعة» فيما يردد الكورس «أشهد ان لا إله إلا الله».
ويمنح مسار ليند رحلات «الجهاد» على الطريقة الاميركية ملمحاً إضافياً، حيث يشكل الانتقال من دين إلى الآخر، منعطفاً أساسياً في مسيرة التطرف بدءاً بالتحول من المسيحية إلى الإسلام ثم اعتناق مبادئ متطرفة والإقامة فترة من الزمن في اليمن وصولاً إلى افغانستان واللقاء بأسامة بن لادن.
أما صنعاء إحدى أقدم المدن في العالم، فشكلت محطة أساسية في خروج هؤلاء إلى «ارض اسلامية» باحثين عن مكان يمارسون فيه شعائر دينهم. ذاك أن مفهوم الإسلام المتعدد المشارب في أميركا، والذي تختلط فيه الشعائر الدينية بالتقاليد الاجتماعية للبلدان الاصلية والمكونات الثقافية الاميركية ما عاد يشبع عطش شبان حالمين ومثاليين يريدون دفع الأمور إلى حدودها القصوى. واليمن أيضاً يحاكي في مخيلتهم الدينية صورة المكان الأثري الذي حافظ على نقائه وطهارته الأولى، فلم تلوثه الحضارة والثراء وبقي خارج روح هذا العصر الذي يمقتون. وبين تقصي سير الشبكات أو المجموعات من جهة، والأفراد الذين انطلقوا لوحدهم من جهة أخرى، تتجلى قواسم مشتركة كثيرة أولها توجيه سهام «الجهاد» إلى الخارج وليس إلى الداخل واعتماد مبدأ قتال العدو البعيد.
< كانوا مجموعة شبان في مطلع العشرينات من مدينة لاكوانا الصناعية شمال نيويورك، تربطهم شوارع مدينتهم ومحالها وانتماؤهم إلى بلد آبائهم اليمن. كأي أبناء حي، قضوا أوقاتاً طويلة مع بعضهم، وارتادوا المدرسة الرسمية في المقاطعة ولبوا رغبة الأهل بزيارة الأجداد والأعمام في البلد الأم صيفاً. كانوا «شلة» تهتم بالثياب والموسيقى والفتيات، وارتدوا فوق سراويل الجينز الهابطة عند خصورهم، سترات واسعة كتب عليها «الفرسان العرب» ومارسوا الرياضات الأميركية التقليدية من كرة قدم وهوكي. شكلهم كان أقرب إلى فريق «راب» منه إلى خلية متشددين إسلاميين. لكنهم في ذلك الوقت لم يكونوا قد تدينوا بعد.
ياسين طاهر انتخب «الأكثر شعبية» بين رفاق صفه في العام 1996. كان كابتن فريق كرة القدم، وتزوج لاحقاً حبيبته من أيام الدراسة التي كانت مشجعة الفريق. هي قصة أميركية تقليدية تنسج شاشات التلفزة حولها مسلسلات «سيتكوم» يومية. فيصل جلاب كان شريكاً في محطة وقود، يحب السهر والحفلات، وهو مشجع متحمس لفريق «بافالو» في لعبة الهوكي. بالكاد كان يتحدث العربية عندما تم تجنيده، ولم تبد عليه أمارات التدين إلا عندما بلغ منتصف العشرينات وكان قد تزوج. شفال مسعد وبحسب تقارير الشرطة عنه، كان يرتاد نوادي القمار عند الحدود الكندية - الأميركية و «له جانبه الجامح» كما وصفه رفاق حيه السابقون. ساهم علوان خريج جامعة ومتزوج وأب لثلاثة أولاد. عمل مستشاراً في شركة في وسط نيويورك وكان ناشطاً بين أبناء الجالية اليمنية. وهو أول أميركي يلتقي شخصياً أسامة بن لادن، ويتحدث في مقابلة رسمية عن تجربته تلك. مختار البكري الذي لم تخرج حياته كثيراً عن خط الآخرين اعتقل ليلة زفافه في غرفة فندق في العاصمة البحرينية المنامة بناء على مذكرة تقدمت بها وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي أي»، واعترافاته بأن المجموعة تدربت على السلاح في معسكر في أفغانستان ولم تذهب لدراسة الدين في باكستان، ساعدت الـ «أف بي آي» في الوصول إلى بقية أعضاء المجموعة في لاكوانا بعد مضي نحو عام على عودتهم من أفغانستان.
يحيى جوبع هو الوحيد الذي لم ينشأ في لاكوانا، وكان الوسيط بين هؤلاء الشبان ومجندهم. ولد في منطقة برونكس أعلى نيويورك ثم حمله والداه إلى اليمن حيث قضى بضع سنوات عاد بعدها في أواسط التسعينات من القرن الماضي إلى نيويورك. وحده جابر البنا أقر مراراً لأصدقائه في المعسكر بأنه يريد أن «يستشهد». اعتقدت السلطات الاميركية طويلاً أنه موجود في اليمن، وخصصت جائزة قيمتها 5 ملايين دولار لمن يدلها عليه. في 2004 أعلنت الأجهزة الأمنية اليمنية أنه موقوف لديها، قبل أن تعود وتعلن لاحقاً أنه هرب في 2006 مع مجموعة من 23 سجيناً نجحوا في الفرار من سجن قرب صنعاء.
قبل تلك الرحلة إلى أفغانستان والتي تمت على دفعتين في 28 نيسان (أبريل) وأيار (مايو) 2001، كانوا مجرد شبان أميركيين يمرون بما يمر به أقرانهم من فورات شغب حيناً ولحظات تعقل حيناً آخر. زيارتهم الصيفية إلى اليمن جاءت بداية تلبية لرغبة الاهل في الحفاظ على رابط مع الجذور والدين والثقافة المحلية، وهو ما نجح به الشبان إلى حد بعيد. فهم حاولوا دائماً التوفيق بين عالمين. المراهقة التقليدية نسبياً التي عاشوها على مقاعد المدرسة الثانوية، اتخذت بعد تخرجهم منحى تقليدياً بدوره. فعملوا في مهن موقتة، وغير مستقرة أحياناً، وتحولوا «شلة» «لها جانبها السيئ» كما تصفها التقارير الأمنية، التي كشفت أيضاً أنهم تورطوا في جنح صغيرة هنا وهناك. لم يطل بهم الأمر على هذه الحال، ففي هذا الوقت بالذات تم تجنيدهم على يد شخص يدعى كمال درويش، سبق أن استضافه يحيى جوبع في شقته في نيويورك. نظم الاثنان حلقات ودروساً دينية في المنزل، تتبعها سهرات نقاش تدور غالباً حول «الجهاد» والاستشهاد ويحتل درويش الجزء الأكبر منها. أقنع درويش الشبان بأن المسلم الحقيقي هو المجاهد الذي يدافع عن دينه وإخوانه. بدا قريباً منهم ودوداً، وضليعاً في شؤون الدين من دون أن يكون واعظاً يحدثهم في جلسات «شبابية» يأكلون خلالها شطائر البيتزا ويتسامرون، وهو يخبرهم عن تلك البلدان البعيدة والبطولات والأشخاص الذين لم يحلموا بمقابلتهم يوماً. حتى الآن تبدو القفزة التي قفزوها بين الحياة المدنية غير الدينية والتدين، عادية وتقليدية، وهي تشبه إلى حد بعيد الطريق التي سلكتها لاحقاً المجموعات المشابهة في أوروبا. فهم يطابقون الجيل الثالث من «القاعديين» الذين يعرّفهم مارك ساجمان في كتابه «جهاد بلا قيادة» بأنهم أبناء الطبقات الوسطى - الدنيا، الذين لا يكملون تعليمهم الثانوي وتربطهم في ما بينهم شللية قوية حتى إذا اقدم الواحد منهم على عمل ما لحق به الآخرون. هم «عصاميون» في الدين تعلموه باجتهاد شخصي، فلم ينشأوا بالضرورة في عائلات أو بيئات متدينة، وذلك القليل الذي اكتسبوه لم يمدهم بثقافة دينية نظرية بقدر ما أثار فضولهم وحماستهم وجعلهم يتحمسون لتلقي المزيد.
نجح درويش في حملهم إلى معسكر «الفاروق» في أفغانستان ليتدربوا على السلاح، وكان شبه واثق من أن وجودهم بين المقاتلين في تلك الجبال ولقاءهم أسامة بن لادن سيسهلان عليهم ترك نمط حياتهم في نيويورك والانضمام إلى صفوف «المجاهدين». لكن عملياً، بعد فترة قصيرة من تلك الحياة العسكرية - الدينية الصارمة، بدأ الشبان يتململون ويفتعلون الحجج والذرائع لمغادرة المعسكر والعودة إلى أميركا. يقول البكري في إفادته، إنه طلب الرحيل لأن عائلته لا تعرف مكان وجوده وهي لا شك قلقة عليه. فنصحه بن لادن في أحد اللقاءات بأن يكتب رسالة يطمئنهم فيها عن حاله. وفي اعترافاته قال البكري إنه «في العمق وعلى رغم التدريب العسكري، لم يشعر يوماً أنه عضو في تنظيم القاعدة». أما علوان الذي كان من الدفعة الأولى التي توجهت إلى المعسكر، فيقول إن ما دفعه للقيام بتلك الرحلة كان فضولاً وحاجة نفسية للتعمق في الدين، أكثر منه نية واعية بأن يتدرب ليحترف العمل الإرهابي، وأنه إذا أقدم على هذه الرحلة فكمراهق يسرق سيارة والده مع علمه المسبق أنه يرتكب خطأ، لكن إدراكه هذا لا يردعه عن الإقدام على فعل السرقة بقدر ما يثير حشريته. وعندما طلب الرحيل، سمح له بذلك شرط الاجتماع ببن لادن الذي بدا بحسب أقواله مهتماً جداً بحال المسلمين في أميركا. ثم طلب منه أحد مساعدي بن لادن حمل أشرطة فيديو عن تفجير المدمرة الأميركية كول إلى بيت ضيافة في باكستان في طريق العودة، وهو ما اعترف علوان بتنفيذه. مع العلم أن بيوت الضيافة تلك، كانت مسكن «المجاهدين» ومحطة «ترانزيت» في طريقهم إلى افغانستان. وحده البنا بدا مصراً منذ اليوم الأول على البقاء والقتال والاستشهاد.
عاد بقية أعضاء المجموعة إلى أميركا واستأنفوا «حياة طبيعية» محاولين طي صفحة معسكر الفاروق، فندم منهم من ندم، وتزوج من تزوج وعاد آخر إلى نمطه «الأميركي» السابق. لم يكشف أحد منهم ما حدث في معسكرات «القاعدة» ولا ما عرفوه عن التنظيم. حتى بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) خافوا وأبقوا سرهم طي الكتمان.
فجأة، وفي أيلول 2002، في الذكرى السنوية للاعتداءات، طلب الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني شخصياً من مدير مكتب التحقيقات الفيديرالي (أف بي آي) روبرت مولر اعتقال أعضاء «شبكة لاكوانا» الستة العائدين قبل نحو عام ونصف عام من أفغانستان وتم تقديمهم للإعلام بصفتهم خلية إرهابية اكتشفت حديثاً. أعلن عن العملية في مؤتمر صحافي احتفالي وصدرت الصحف واستهلت نشرات الأخبار بعناوين رنانة عن إحباط مخططات إرهابية وتوقيف أول «خلية نائمة محلية المنشأ». جاءت الصفعة التي خلفها الكشف عن «شبكة لاكوانا» مزدوجة. فهؤلاء من جهة مسلمون ذهبوا فعلاً إلى معسكرات «القاعدة» وتدربوا على السلاح لخوض الجهاد، ومن جهة أخرى يحملون جوازات سفر أميركية تمنحهم حرية حركة واسعة عبر المطارات الداخلية والعالمية.
في ذلك الوقت لم تكن هجمات لندن ومدريد قد حدثت بعد، وكان أقصى ما يمكن تصوره بعد عام على 11 أيلول تهديد جديد ومن الداخل! أما اليوم فتكاد التقارير كلها تجمع على أن ذلك لم يكن أكثر من فرقعة دعائية واستثمار سياسي احتاجت إليه الإدارة بعد مرور عام على فشلها في إلقاء القبض على بن لادن. فالتبليغ عن المجموعة جاء من داخل الجالية ذاتها وقبل وقت طويل من كشفها للإعلام وذلك ليس بالتفصيل العابر. فحين ألقي القبض على الشبان لم يكن أحد منهم متلبساً بالتحضير لأي عملية أو مخطط إرهابي، ولا حتى وُجد سلاح في حوزتهم. أودعوا السجن وقبعوا فيه عاماً من دون محاكمة ولا توجيه تهم. في 2003 نالوا أحكاماً تتراوح بين 8 و10 سنوات بتهمة «تقديم الدعم لتنظيم إرهابي خارجي». وتوالت بعدها اخبار الكشف عن خلايا وشبكات داخلية، الأبرز بينها كانت «خلية ديترويت» و «شبكة فيرجينيا الجهادية» و «شبكة جيرسي».
وإذا كانت أول خلية أميركية «محلية المنشأ» والى حد ما الخلايا الأخرى تلتقي في نقاط تشابه مع الخلايا التي نشأت لاحقاً في أوروبا ونفذت تفجيرات مدريد ولندن، يبقى أن التفصيل الأساس في تلك الشبكات الأميركية أنها لم تنتقل من طور التفكير أو النية (إن وجدت)، إلى طور الفعل. فأعضاء خلية لاكوانا لم يضعوا خبرتهم العسكرية والقتالية التي تلقوها في أفغانستان قيد التطبيق داخل الأراضي الأميركية، بل مكثوا عاماً ونصف عام لم يقدموا على أي عمل يهدد أمن البلاد. لكن اختيارها من الأجهزة الأمنية يحمل دلالات كثيرة. بداية هي رسالة واضحة للجاليات المسلمة عن طريقة التعامل التي يجب أن يتوقعوها منذ ذلك الوقت فصاعداً، وأنهم محط شبهات وعليهم أن يثبتوا براءتهم يومياً. وتم تكريس طريقة التعامل تلك لاحقاً بعدد من الإجراءات كوضع لائحة بالأسماء الممنوعة من السفر في المطارات تضمنت في بدايتها نحو مليون ونصف مليون اسم، وإجراء «مقابلات طوعية» مع المهاجرين المسلمين وإصدار قانون «باتريوت آكت» الذي يسمح للشرطة من بين ما يسمح لها، بالتنصت على الهواتف والبريد الإلكتروني والسجلات المصرفية من دون إذن مسبق من المحكمة إضافة إلى دهم المنازل من دون مذكرة توقيف والاعتقال الاعتباطي لفترة غير محددة ومن دون توجيه تهم. وبدأت حملة اعتقالات بالجملة، وتضييق وملاحقات حتى شعر المهاجرون المسلمون أنهم يعيشون تحت «قانون طوارئ» جديد سبق وهربوا منه في بلدانهم الاصليه. وفيما القوات الأميركية تخوض حروبها على الإرهاب في الخارج بقوة السلاح، خاضت الأجهزة الأمنية حربها الداخلية أيضاً وجعلتها حرباً استباقية وقائية، فشعر المسلمون والعرب خصوصاً بينهم أنهم وضعوا تحت المجهر. فإذا كانت الأجهزة الامنية معتادة على كشف الجريمة بعد حدوثها، بناء على الأدلة والدوافع والأداة... الخ. طرحت عليها العمليات الانتحارية تحدياً جديداً كونها أشبه بالجريمة الكاملة. فغالباً ما تكون الدوافع والمنفذ والأداة معروفة سلفاً. عندئذ، ينصب الجهد الفعلي على استباق جريمة مقبلة محتملة.
وإذا كان من شأن تلك الإجراءات أن حصنت أميركا ضد هجمات أخرى، فلأنها أيضاً بدأت قبل حرب العراق التي استغلتها «القاعدة» ذريعة أساسية للتجنيد في أوروبا حيث الجاليات المسلمة أكثر هشاشة وأقل اندماجاً وتديناً. فتدين المسلمين الأميركيين اجتماعي ثقافي وليس تنظيمياً، وهو جزء من منظومة عامة تميل إلى التدين والمحافظة من دون أن تتخذ شكلاً حزبياً أو ايديولوجياً كما هي الحال في أوروبا.
لكن المعضلة تبقى في الوضع القانوني لهذه الشبكات الذي يثير نقاشات بحيث جاءت المحاكمات على النيات وليس الأفعال. فبعيداً من إطلاق أحكام حول براءة عناصر تلك الشبكات او تورطهم، إلا أن الأدلة غالباً ما لم تثبت كفايتها لإدانتهم، من دون أن يكون لذلك تأثير في الأحكام التي صدرت في حقهم أو تخفيف سنوات عقوباتهم.
الجاليات المسلمة بين "ماكارثية" الأجهزة والاحتضان الاجتماعي
خلية ديترويت اتهم فيها 3 شبان بالتخطيط لتفجير ديزني لاند، بناء على شريط فيديو صوروه خلال زيارة للمدينة السياحية، وأشرطة دينية عثر عليها بحوزتهم وشهادة شاهد أمام المحكمة يحمل سجلاً جرمياً حافلاً يريد تنظيفه. وتلك كلها معلومات موثقة في ملفات المحاكم. وعندما كشفت تلك الوثائق بعد فترة على إغلاق الملف، وقع الخلاف بين وزير العدل جون آشكروفت والمدعي العام ريتشارد كوفيرتينو وبدأ تبادل التهم بتلفيق أدلة وإخفاء أخرى. «شبكة فيرجينيا» ألقي القبض على أعضائها وهم يلعبون بـ «الكرات الملونة» وهي لعبة شعبية تتمثل برمي كرات مليئة بسوائل ملونة. اعتبر ذلك تدريباً على القاء القنابل. هل فعلاً كان ذلك في نيتهم؟ لا أحد يمكنه أن ينفي أو يؤكد. لكن الاجهزة باتت تفضل أن تخطئ في التهمة أو تخرق الحريات المدنية على أن تخطئ في التوقيت.
تقول إيفون حداد أستاذة العلاقات الإسلامية - المسيحية في جامعة جورجتاون في واشنطن «كأنه بات يحق لكل أميركي أو سائح أن يلعب تلك اللعبة ما لم يكن مسلماً متديناً! إنها الماكارثية الجديدة التي تلاحق المسلمين اليوم كما لاحقت الشيوعيين سابقاً حتى قضت عليهم».
في المقابل، يوضح برنارد هيكل الاستاذ والباحث في جامعة برنستون والذي أدلى بشهادته كخبير أمام المحكمة في عدد من القضايا المتعلقة بالارهاب معنى «المؤامرة» في القانون الاميركي، فيقول: «من حيث المبدأ يمكن محاكمة الأشخاص إذا تبين أنهم يتآمرون لتنفيذ فعل جرمي، ولكن على النيابة العامة أن تثبت بالادلة القاطعة أن شخصين على الاقل تآمرا للقيام بعمل إجرامي لتتمكن بالتالي من ملاحقتهما وهذا صعب جداً، وإذا نجحت المحاكم في إنزال عقوبات في أشخاص لم تثبت إدانتهم فلأنها استغلت خوف المحلفين من وقوع هجمات أخرى من جهة، وجهلهم بالدين الإسلامي من جهة، بحيث شكّل أي نص ديني أو تعويذة أحياناً دليلا قاطعاً ضد حاملها». ويرى هيكل أن الحملة التي تعرض لها المسلمون لا ترقى إلى كونها «ماكارثية جديدة». فتلك كانت حملة اجتماعية طردت الناس من بيوتهم، ووظائفهم «حيث لم يكن الشخص يجرؤ أن يقول أمام جاره إنه شيوعي، أما الآن فالمسلمون لا يضطرون إلى نكران انتمائهم الديني، ولم نسمع عن حالات «عنصرية» ضد المسلمين كمجموعة».
وأضاف «إلى حد بعيد كان هناك نوع من الالتفاف الاجتماعي حولهم مقابل الطوق الأمني المشدد. فبعد أحداث 11 أيلول وجهت أجهزة الأمن والمراقبة كل طاقاتها الى الجاليات المسلمة، وبدأت الحكومة الأميركية ترحل كل من انتهت تأشيرة إقامته، ورفضت تجديد عدد من التأشيرات وهذا عمل قانوني مبدئياً، لكن تملك الجالية الرعب وصارت في موقع دفاع بما لم يترك ملاذاً آمناً بينها لمن يريد أن يعتنق أفكار القاعدة».
هنا يتخذ تفصيل كـ «الوشاية الداخلية» التي تعرض لها أعضاء شبكة لاكوانا اهميته. فالجالية المسلمة المهاجرة التي كان يفترض أن تكون بيئة حاضنة لهؤلاء «المجاهدين»، تحولت بيئة طاردة بعدما شعرت أنها المتضرر الاول من هجمات 11 أيلول وهي التي جاءت إلى هذه البلاد بحثاً عن حياة أفضل. تلك جالية أميركية بالدرجة الأولى ولا تحتمل خسارة مكتسبات راكمتها خلال سنوات الهجرة.
المفارقة تكمن في أن تنظيم «القاعدة» فهم بدوره تلك المعادلة وأدرك أن هذه الأرض ليست خصبة اجتماعياً ولا سهلة أمنياً ليتم اختراقها والتجنيد فيها، فشاح عنها إلى اوروبا.
(3 من 3) ... أجهزة الأمن الأميركية شنت حرباً داخلية على الإرهاب وفضّلت انتهاك الحريات على أن تخطئ في التوقيت
«إن رأيت شيئاً قل شيئاً». عبارة باتت الأشهر في نيويورك. تطالعك في القطارات والباصات وعلى اللوائح الإعلانية الضخمة وأكياس النايلون في محلات بيع التذكارات. تكاد العبارة تحل محل الشعار المعروف عن المدينة «أنا أحب نيويورك»، لدرجة يشعر معها الزائر أنها تختزل مزاج مدينة متوجسة من كل جسم غريب على رغم السنوات الـ7 التي تفصلها عن هجمات 11 أيلول (سبتمبر). في أسفل ذلك التحذير كتب رقم الخط الساخن لجهاز مكافحة الإرهاب بما يسمح لكل شخص أن يتصل بالشرطة ويبلغ عن الجسم المشبوه بشكل مجاني. عالمان متناقضان تحملهما كل من العبارتين ويفصل بينهما يوم مظلم في تاريخ البلاد. فنيويورك المستقبلة لكل غريب، تلك المدينة الكوزموبوليتية التي يلتقي فيها مختلف أطياف البشر فيخرجون منها وقد أحب كل منهم جانباً ولو ضئيلاً فيها، باتت مكاناً خائفاً مترقباً يحاول تفادي صفعة لا يدري من أين قد تأتي.
والترقب ذاك ما عاد مصدره الخارج فحسب، بل صار مصحوباً بشكوك ومخاوف من تهديد داخلي محتمل. وما عزز تلك المشاعر حوادث في أوروبا نفذها مواطنون مسلمون بـ «وحي» من أساليب «القاعدة» ومن دون تدخل مباشر من قادتها إضافة إلى اكتشاف عدد غير قليل من الخلايا المحلية الناشطة.
وإن بدا أن الفكرة الأولى لهذه الحملة في قطارات نيويورك وشوارعها انطلقت في أواسط 2002، إلا أن معالمها تحددت أكثر وانتشرت شعاراتها وصورها بقوة بعد اعتداءات مدريد في 11 آذار (مارس) 2004 على خلفية تعاون استخباراتي أميركي- اسباني وتبادل خبرات ومعلومات بين محققين من ضفتي الأطلسي. فعلى مدى عامين دأبت الأجهزة الأمنية على مقابلة أشخاص كانوا مسافرين على متن تلك القطارات ونجوا من التفجيرات فاعترفوا انهم رأوا حقيبة من دون صاحب ولم يبلغوا عنها لأنها لم تثر الشبهات، فتبين لاحقاً للمحققين أنها حوت المتفجرات التي أودت بحياة 191 شخصاً. لكن، وعلى رغم تسجيل شرطة القطارات في ولاية نيويورك 71 بلاغاً في كانون الثاني (يناير) من العام الماضي و104 في آذار و124 في نيسان، إلا أنه لا يبدو على النيويوركيين أن النداء يستوقفهم في شكل استثنائي. بل هم يمرون بمحاذاته ويتقافزون بين مقصورات القطار بسرعة فائقة تمليها عليهم دورة حياتهم تاركين مسألة أمنهم لرجاله.
لا ينكر المسؤولون الأمنيون في المقابل احتمالات ان ترد اتصالات خاطئة وأخرى لا تثبت الشكوك، إلا أنها تبقى برأيهم وسيلة لإشراك المجتمع كله وفي شكل يومي في الحرب على الإرهاب، أضف الى ذلك أن الأجهزة التي كانت اعتمدت مبدأ الحرب الوقائية صارت تفضل ان تخطئ في الظن وتخرق الحريات الفردية على أن تخطئ في التوقيت. لكن هامش الخطأ المتاح ذاك، سهل اعتقال أشخاص لفترات غير محددة والتحقيق مع آخرين بطريقة اعتباطية ومن دون مذكرات توقيف وأحياناً لأسباب تعلنها السلطات لكنها غير تلك التي تضمرها، كأن يتم توقيف شخص أو ترحيله نهائياً عن البلاد بحجة ظاهرية هي انتهاء تأشيرة الإقامة وسبب فعلي لا يفصح عنه هو شبهة الإرهاب. وهذا ليس بأسلوب جديد استحدثته وزارة الأمن القومي في الإدارة السابقة لمكافحة الإرهاب، وإنما هو طريقة اعتمدتها الشرطة مطلع القرن الفائت في مواجهة اباطرة المافيا الإيطالية الذين لم تتمكن من إثبات تهم جنائية عليهم فكانت توقفهم لجنح صغيرة ثم تصدر بحقهم أحكاماً مشددة. وأول من تكرست بسببه هذه «الحيلة الالتفافية» كان زعيم المافيا الشهير «أل كابوني» الذي فتكت عصاباته بشوارع نيويورك وعاثت فيها قتلاً ودعارة ومخدرات، فيما كان هو وفي كل مرة يقدم للمحكمة حجة غياب مناسبة تبعد عنه قضبان السجن. وعلى رغم الجرائم التي اقترفها وخطط لها، لم تتمكن الشرطة من إلقاء القبض عليه إلا بتهمة حيازة مسدس بلا ترخيص!.. وعلى هذا المنوال عوملت الجاليات المسلمة والأحياء التي خرجت منها خلايا إرهابية غداة الهجمات من دون التأكد المسبق من صحة الادعاء أو عدمه.
مقاطعة باساييك في نيوجيرسي، التي تضم 35 ألف مسلم وتعد ثاني أكبر تجمع للمسلمين في أميركا والأول من حيث الكثافة في عدد المسلمين، هي واحدة من المناطق التي وضع سكانها تحت مجهر الأجهزة الأمنية وخضعوا للتقصي الدقيق في سجلاتهم وقواعد بياناتهم. فشهد أبناء تلك المنطقة لما يعرف بـ «المقابلات الطوعية» وهي عبارة عن لقاءات دورية مع الشرطة للإجابة عن أسئلة تتعلق بعمل رب الأسرة وعدد أفرادها، والوضع العائلي والاقتصادي لهم والتحويلات المالية التي تجريها الأسرة لبلدها الأصلي أو تلك التي تتلقاها وعدد الأبناء الذكور وعملهم واهتماماتهم وغيرها من المعطيات التي تهم الأجهزة. لكن المفارقة تكمن في أنه وعلى رغم تسمية تلك المقابلات بـ «الطوعية» إلا أن من لا يشارك فيها كان يواجه بملف قضائي يتعلق إما ببطاقته الإئتمانية أو بأوراق الهجرة أو حتى بمخالفة سير.
محمد القطناني رئيس المركز الإسلامي لمقاطعة باساييك الكائن في مدينة باترسون التي تضم وحدها 8 مساجد و15 ألف مسلم غالبيتهم من الفلسطينيين والأردنيين (البقية من الأتراك والباكستانيين والبنغال) قال في لقاء مع «الحياة»: «البحث لم يكن عن إرهابيين وإنما عن مخالفات هجرة، والخلية التي اتهمت بالإرهاب وسلطت وسائل الإعلام الضوء عليها لم يسكن أفرادها هنا. ربما مروا بهذه المدينة لكنهم لا ينتمون إليها». والواقع أنه بين العامين 2001 و2004 أجريت 20 ألف «مقابلة طوعية» وتم ترحيل 13 ألف مهاجر مسلم «فتملّك الجالية الرعب واتخذت موقع الدفاع» بحسب الشيخ القطناني الذي أضاف: «لكننا في عظات الجمعة شددنا على أنه يجب اعتبار ذلك فرصة تعارف بين الدولة وأبنائها المهاجرين لذا شددنا على أهمية التجاوب مع هذه المقابلات». وليس الشيخ نفسه بعيداً عن تلك الإجراءات الوقائية. فهو الذي تصفه وسائل الإعلام الأميركية بـ «رجل السلام ومد الجسور» يخوض اليوم معركة بقاء مع السلطات التي اتهمته بداية بأنه «تورط بأعمال إرهابية مع منظمة حماس» مطلع التسعينات، وأنه حوّل الأموال لها ويجب ترحيله وذلك بناء على ادعاء من وزارة الأمن القومي المستحدثة بعد 11 أيلول. والقضية التي رفعتها الحكومة الأميركية في 2006 ضده وضد زوجته و3 من أبنائه (المولودين خارج أميركا) ترتكز على أنه في العام 1999 وخلال تقديم أوراق البطاقة الخضراء أو الجنسية لم يذكر القطناني مسألة اعتقاله 3 أشهر لدى الإسرائيليين في 1993. لكن الدفاع ارتكز الى أنه لم توجه تهمة للشيخ خلال اعتقاله، وانه لو كان متورطاً بأي عمل مشبوه لما افرج عنه. فردت دعوى الترحيل وصدر الحكم ببقاء الشيخ وعائلته داخل الأراضي الأميركية. لكن الحكومة لم ترض بالحكم واستأنفته مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 ليتجدد النقاش.
وكان القطناني جاء إلى الولايات المتحدة في 1996 بموجب تأشيرة تمنح لرجال الدين الذين تطلبهم جاليتهم ليؤموا الصلاة ويديروا شؤونها الروحية. وتجدد تلك التأشيرات دورياً وتمنح الحق لاحقاً بالحصول على الإقامة ثم الجنسية. ويقول: «لم أسع شخصياً للهجرة، لكن عندما جئت انخرطت وصرت أشعر أنني جزء من هذا البلد». ويضيف الشيخ الذي جلس في مكتبه يحاول تنظيم ندوة مع الشباب حول الأزمة المالية العالمية والنظام المصرفي الإسلامي: «البعض يصورنا على أننا دخلاء على هذا المجتمع، لكننا معنيون بكل ما يحدث هنا، وهذا البلد هو بلد المهاجرين والزمن زمن هجرة المسلمين». والواقع أن العائلة التي جاءت من الأردن أواسط التسعينات، وكانت مؤلفة من الأب والأم وثلاثة أبناء، كبرت في أميركا حيث ولد 3 أطفال آخرين وباتت جزءاً من نسيج المدينة. فالشيخ وهو اليوم في منتصف الأربعينات يشرف على أكبر مركز إسلامي، ويرعى شؤون الجالية التي لا تقتصر على العرب، حيث يقدم المركز خدمات تتراوح من الشوؤن الدينية إلى الاستشارات العائلية والتحكيم المالي والتأهيل النفسي والخدمات المدنية- الاجتماعية. والمركز الذي كان كنيساً يهودياً يقع على تلة صغيرة خارج صخب المدينة يضم مسجداً يجمع في صلاة الجمعة نحو 1500 شخص ويرتفع هذا العدد إلى 5 آلاف في الأعياد، وقاعات للقراءة وصفوف لتدريس اللغة والقرآن وإجراء الندوات.
والواقع ان تلك المراكز التي ضيقت السلطات الأميركية الخناق عليها وعلى تمويلها في السنوات الماضية خوفاً من أن تتحول نقطة استقطاب وتجنيد، تشكل عملياً جسراً حقيقياً بين الجاليات المسلمة وبقية مكونات المجتمع السياسية والاجتماعية والدينية. فالنشاط الانتخابي الذي شهدته هذه المقاطعة تحديداً والارتفاع وإن الضئيل في أعداد الناخبين المسلمين في الانتخابات الأخيرة، جاء في شكل كبير نتيجة سعي الأئمة إلى انخراط الشبان في عملية الاقتراع كجزء من الاندماج والمشاركة في القرار من داخل المنظومة الرسمية. وإذ يميل العرب المسيحيون تقليدياً إلى الجمهوريين، بسبب حرصهم على التقاليد الاجتماعية المحافظة من جهة واعتمادهم السياسات الليبيرالية في الاقتصاد من جهة أخرى وهؤلاء أساساً تجار ورجال أعمال، يميل المسلمون في المقابل إلى الديموقراطيين الذين يجدون فيهم ملاذاً آمناً في السياسات الاجتماعية والاقتصادية.
ومن الفتاوى التي كان للقطناني دور رئيس في صوغها، تلك المتعلقة بوجوب مشاركة المسلم في الانتخابات انطلاقاً من مبدأ أن «المجتمع له حق على المسلم الصالح». ولا يرى القطناني تعارضاً مع مقاطعة هؤلاء المسلمين المتدينين أنفسهم الانتخابات التشريعية في بلدانهم الأصلية بحجة فساد أنظمة الحكم فيها، بل يفسرها في عامل «الثقة بالنظام» الذي يحتسب كل صوت يمكن أن يحدث فرقاً وتغييراً في الإدارة. ولعل الإشكالية التي يواجهها أمثال الشيخ القطناني من المتدينين المعتدلين أنهم باتوا يعاملون كمجموعة دينية واحدة لا تأخذ في الاعتبار الاختلافات بين المجموعات الفرعية داخلها، ما يحمل مخاطر تحويل المعتدلين من الشباب إلى البحث عن بدائل أكثر تطرفاً. وبواقعية حذرة لا ينفي الشيخ احتمالات نشوء حالات تطرف بين الجيل الثاني من المهاجرين المسلمين إذا لم يعط أصحاب الأصوات المعتدلة دوراً كافياً في المجتمع والعمل السياسي.
وإذا كان من مؤشر على ما مر ويمر به الشيخ القطناني من دعاوى قضائية لترحيله في شكل مفاجئ، بعد قضائه وعائلته أكثر من عشر سنوات داخل الأراضي الأميركية، فهو يؤشر عن قبول متبادل لتلك الدينامية القانونية ولعب اللعبة بشروطها.
 
 

The Arab Spring a decade on

 السبت 16 كانون الثاني 2021 - 7:47 م

The Arab Spring a decade on Ten years ago, in mid-January 2011, Tunisians pushed President Zine e… تتمة »

عدد الزيارات: 54,050,998

عدد الزوار: 1,647,020

المتواجدون الآن: 45