إعمال "السلاح الميتافيزيقي" في حروب الاستيلاء الأهلية وتهديم الدول حركات الإسلام السياسي العربية على منعطف جديد

تاريخ الإضافة الإثنين 16 آذار 2009 - 1:46 م    عدد الزيارات 646    التعليقات 0

        

وضاح شرارة – "المستقبل"

منذ نيف وأربعة عقود، أي طوال الثلث الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن التالي، دخلت بلدان المشرق العربي (والإسلامي) ومجتمعاته "منطقة عواصف"، على ما كان موظفو الحزب الشيوعي الصيني يقولون ويكتبون. ففي الأثناء لم تعف الحروب، على أشكالها ومراحلها ومقاصدها، عن المجتمعات والبلدان هذه. فارتمى أهلها، على مقادير متفاوتة، في حروب دول إقليمية، وإقليمية دولية، وإقليمية أهلية، وأهلية أهلية أو محلية. فلا تحصى المنازعات الحربية التي تدخل في الأبواب هذه، ولا مسارح المنازعات أو حوادثها وأصحابها وجماعاتها وصورها.

فمن 1967، وهي سنةٌ مَعْلم، الى 2009، وحرب "حماس" وإسرائيل فاتحتها المتواضعة ربما، نشبت المنازعات المتفرقة – من تركيا شمالاً الى إيران جنوباً وشرقاً واليمن وضفتي البحر الأحمر جنوباً وغرباً، وبين المسرحين مسارح كثيرة جزئية أو فرعية، وبينهما جماعات عرقية وقومية ومذهبية وأهلية عصبية – نشبت في بيئات مركبة. والبيئات يتصل بعضها ببعضها الآخر من طريق الجماعات، وهوياتها وأواصرها التقليدية والمحدثة، أو يتصل من طريق سياسات الدول والمنظمات السياسية المشاركة في حكمها أو الفاعلة في بلدانها. فلا يلبث الانفجار في البؤر العربية – الإسرائيلية، أو البؤر الإيرانية – العربية، أو البؤر التركية – الكردية (والعربية)، أو البؤر العربية – العربية، او البؤر الأميركية – العربية، ان تمتد أمواجه وأصداؤه الى قلب البلدان والجماعات المحاذية او القريبة. فيمتحن أبنية الدولة والحكم في البلدان هذه وتماسكها امتحاناً صعباً. ويؤلب جماعاتها بعضها على بعض، ويُخرجها على دولها وأجهزة الحكم فيها، ويشق الجماعات على مجتمعها ويشقها على نفسها.

قيود الحروب "الفلسطينية"

فالبؤرة المنفجرة لا تقتصر دائرة فعلها على الرقعة الوطنية التي تنهض عليها الدولة الوطنية، والمفترضة إقليمية، بل تنتشر تردداتها في بؤر أو مسارح تتصل بالبؤرة المركزية من طريق أجزاء الجماعة الوطنية (الفلسطينية أو الكردية)، أو من طريق نفوذ الدولة الوطنية وطاقم حكمها الحزبي "القومي" (النفوذ السوري في الأجنحة المحلية الفلسطينية أو اللبنانية أو الأردنية أو العراقية، أو النفوذ العراقي في أجنحة محلية أخرى)، أو من طريق الدولة الوطنية المذهبية أو الدينية (إيران الخمينية مثال من مثالات أخرى). والمنظمات السياسية القوية، وهي على نحو متعاظم منظمات أمنية وعسكرية واجتماعية وإقليمية على معنى الأرض أو الديرة معاً، غالباً ما تتخطى الدائرة الوطنية الى دوائر إقليمية ودولية أوسع. وهذا شأن الأحزاب الإخوانية، أي أحزاب الإخوان المسلمين و "جمعياتهم" على ما كانت تسمي منظماتها نفسها. وهو شأن منظمات القوميين السوريين، على قدر أقل وأضعف، وشأن المنظمات الشيوعية الى وقت قريب لم يبق منه ربما غير الحزب الشيوعي الثوري (الفلسطيني).

وتشترك "الكيانات" المتفرقة هذه، دولة كانت أم حزباً أم جالية أم قوماً أم طائفة مذهبية أو دينية، في تقديمها رابطتها أو عصبيتها الأهلية، أو "السياسية" على معنى شروط استيلائها على الدولة، على الرابطة السياسية الوطنية والمشتركة (المفترضة). ويجوِّز التقديم هذا حمل أواصر السياسة وأطرها على الحرب وأحلافها، ونهجها العنيف، ومناوراتها المتقلبة والمراوِغة، وتعبئتها "الكلية" على وجوهها الإيديولوجية والاجتماعية والتنظيمية. و "يطور" الأمران، الاستيلاء الأهلي والعصبي والتعبئة "الكلية"، الحروبَ الفلسطينية والأهلية الوطنية التي انفجرت غداة 1967 في الأردن ولبنان، وعلى مقدار أقل وأضيق في سورية، وأصاب رذاذها، على مقادير متفاوتة، السياسات العربية كلها، ولم تسلم منها المجتمعات نفسها. فالحروب الفلسطينية والأهلية الوطنية غلبت سياستُها وغاياتها ومقاصدها العائدة الى كيانات الدول ومصالحها، صفتها الإيديولوجية "الكلية"، وغلبت صفتها الأهلية نفسها.

فبقيت كيانات الدول الوطنية، وسياسات هذه الكيانات ومواقفها،  الركن الذي عولت عليه الحروب الفلسطينية والأهلية الوطنية، وسعت في توجيهه الوجهة التي طلبتها ونشدتها. وهي في سعيها وتعويلها لم تنفخ في الانشقاقات الأهلية والاجتماعية والثقافية إلا على قدر ما تفيدها الانشقاقات، واستعارُها وتناسلها، في تقييد نازع السلطات الوطنية الى الاستقلال بسياستها عن "السياسة" الفلسطينية الكثيرة المنازع، وفي شل تحكمها في إدارتها وأجهزتها الداخلية. وبلغ القدر "المفيد" هذا في لبنان – حيث تتقاسم التكتلات الاجتماعية، وروابطها الجديدة ومصالحها، النفوذ والقوة مع الروابط العصبية المتجددة – مبلغاً عظيماً وبعيداً. ولكن التعويل على كيانات الدول، والمحافظة الإيديولوجية، قيدا ثورية الحروب هذه.

والحق ان حروب المرحلة التالية والمستمرة، الحروب المذهبية والإيديولوجية الإيرانية والسورية منذ 1980 الى اليوم، اعتقت نفسها من القيود "الفلسطينية" والوطنية السياسية المتبقية، فجعلت نصب عينيها إشاعة الانقسامات العصبية في كيان الدولة بين الجماعات الأهلية، وفي الجماعات نفسها. وذلك على معايير سياسية تنظيمية (الولاء والخروج) واعتقادية اخلاقية (الشرع والتحلل) واجتماعية (الثراء والفقر) تعمِل تفريقاً وترتيباً في أجسام الجماعات. ومن القرائن والعلامات الظاهرة على التحلل من معيار الدولة الوطنية، وهذه ضمناً أو علناً جزء من "مجتمع دول" أممي محتمل، إنكار المذهب الرسمي الإيراني والخميني على الدولة العبرية، والشعب الإسرائيلي صفة الكيان السياسي الوطني. ويترتب على الإنكار توعد الدولة وشعبها بالاستئصال، على شاكلة "الورم الخبيث" (خامنئي في مؤتمر مساندة غزة، في أوائل آذار الجاري)، أو "الغدة السرطانية" المأثورة عن المرشد الأول. والقرينة الثانية هي خطة الحكم الإيراني بناء قوة نووية عسكرية في مخالفة صريحة لتوقيع معاهدة حظر الانتشار النووي، من غير الخروج من المعاهدة.

ويوحِّد المذهب الخميني الرسمي "أعداءه" في معسكر واحد. وهو يُدخل في المعسكر: الدول الكبرى المتحفظة عن سياسة القوة الإيرانية والدولة الوطنية، وسياستها المسترشدة أو المؤتمة بأبنيتها وسلمها ومصالحها المشتركة، وبمترتبات انخراطها في "مجتمع الدول" ومواثيقه وهيئاته وضوابطه. وهو يجمع الأعداء كلهم، في نهاية المطاف، على عدو "عالمي" واحد، على قول أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في بيانهما المعروف، جوهره "صليبي صهيوني" لا يتجزأ. ويجمع، من وجه آخر يلازم الأول، "اصدقاءه"، وهم أقرب الى الموالي والأشياع أو أعداء العدو الصليبي الصهيوني، كتلة واحدة لا تتجزأ. ويثبِّت المعسكران "العالميان" المفترضان انقسام الدول والمجتمعات والجماعات والأفراد انقساماً داخلياً لا ينجو منه كيان، ولا يشذ عن عمومه "الفولاذي".

"تحديث" الأصول من فوق ومن خارج

ويتطاول الانقسام الى الأركان النفسية والإنسانية والأخلاقية، ولا يقتصر على السياسة، على معناها المتعارف والسائر. ولعل حمل الانقسام على الأركان الشاملة هذه وجه من وجوه تجديد الخمينية، إيديولوجية الثورة الإيرانية الحاكمة، الحركات الثورية الإسلامية المعاصرة، ووجه من وجوه تحديثها، أي تثبيت منزعها الى الإحاطة بالمجتمع كله. فإنزال منزلة محل الركن من العلاقة الاجتماعية والسياسية الغالبة والناظمة، يحيل المجتمع والدولة مسرح حرب أهلية مزمنة. ويحيل المتحفظين عن موالاة "الثورة الإسلامية" ونصرتها، على قول رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام (بإيران) علي أكبر هاشمي رفسنجاني في زيارته النجف، أو غير المبالين، أعداء يحل، أي يفرض "جهادهم" وإقصاؤهم فرض عين، وفي نهاية الأمر إهدار دمائهم وقتلهم، معنوياً أو مادياً بحسب مقتضى الظرف والحال. ولا فرق حقيقياً أو عملياً بين تصنيف عبدالسلام فرج "الجهاد"، ورأسه اغتيال رأس الدولة الوطنية (العلمانية)، فريضة سادسة، تستوي وأركان الإسلام الخمسة على مستوى واحد، وبين إحياء روح الله خميني الإمامة الإمامية و "الكينونية" في زي ولاية الفقيه و "دولته"، وأجهزة الدولة هذه، وعلى رأسها المرشد وحرسه الثوري واستخباراته وشرطته (الباسيج).

والتنويه بالأصول الإيمانية والاعتقادية ينبغي ألا يفهم تعليلاً أو على وجه التعليل. فليس مرد تناول السياسة، والعمل السياسي والنظم السياسية، على مثال الحرب الأهلية والدينية العامة، الى مفهوم الجهاد أو الى اصل الإمامة. وليس الجهاد أو الإمامة السبب أو المصدر الذي تتحدر منه الحروب الأهلية الفلسطينية واللبنانية والأردنية والسورية، إلخ، الظاهرة والمستترة الدابة. وتوارد الأفكار أو الأصول هذه وصوغها على نحو متقارب وتواقتها (في سبعينات القرن الماضي)، هي ثمرة تشابك الاختبارات السياسية على عرض جماعات ومجتمعات كبيرة تقوم مصر والمشرق العربي وباكستان وإيران منها مقام المحور والعمود الفقري. والأرجح ان "الاهتداء" الى الأصول هذه، وبعثها في حلتها المحدثة، السياسية العملية والاجتماعية والحربية، هما ما ينبغي تعليله في سياقة تبلور الحركات الثورية وحروبها الأهلية.

ولعل "الأصل" في هذا – إذا لم يكن بدٌ من اصل يستدل به الى حبْك خبر مفيد – هو اضطلاع قيادة الحركات الثورية الإسلامية بإنشاء هذه الحركات، والدعوة إليها، وتنظيمها، وإعمالها، من خارج التيارات والحركات والخلافات التي تتنازع المسرح السياسي والاجتماعي في بلدان الحركات هذه، ومن فوق. وانتصاب المؤسسين، حسن البنا أو عبد الأعلى المودودي أو روح الله خميني، للإرشاد تارة والإمارة تارة والولاية تارة ثالثة، يتجاوز الألفاظ ودلالتها اللغوية الى شرائط الدور. وعلى مثال فكري بنيوي، انتبه إليه جاك بيرك وهو يراقب التحرير الجزائري، تتزيا الثورة، وهي تجديد وانقطاع وترك، بزي إحياء السنن الثابتة واتباع التقليد "الحسن". ويزعم أولياء الخروج على "السلطان الجائر"، و "الكافر" و "المبتدع"، انهم لا يعدون نفض الغبار عن المعنى القديم والواحد، وإزالة الأنقاض عن النبع ومائه، على قول رشيد رضا. ولا ينبغي تأويل هذا مراوغة أو احتيالاً.

وإتيان العمل السياسي من خارج ومن فوق ليس قراراً يبادر إليه اصحاب الحركات الثورية، الجهادية والإمامية (على معنى التشيع وعلى معنى الصدارة المطلقة والمعصومة). فهم ليسوا في خيرة من أمرهم وهم يسعون ويتحركون في أبنية مجتمعات وثقافات ينهض السلطان (الدولة) فيها على الموازنة بين الجماعات. وهذه الجماعات احتفظ معظمها بمعظم مقومات انكفائه على أواصره ومعاييره ومراتبه. فالجماعات الأهلية، العائلية والبلدية والسكنية، والجماعات "الوطنية"، ناهيك بالجماعات الدينية الاعتقادية المؤتلفة من الأولى، ولايات متناحرة وعلى حدة، على مقادير متفاوتة. ولا تشذ الجماعات المهنية والسلكية عن الحال هذه. فهي كذلك تنكفئ على مصالحها ومنافعها المرتجاة، وتقدمها على عموم مصالح مشتركة. وقلما تمثل المصالح المشتركة المفترضة في حركة اجتماعية عامة، فتتعدى السلك الضيق أو القطاع المهني والجماعات الأهلية المتفرقة، إلى نهج وسياسة في مستطاعهما خلافة طاقم الحكم على الحكم وتصريفه وتدبيره. وشطر راجح من موارد الحكم والسلطان في مجتمعاتنا العربية والإسلامية إنما يصرف الى تقطيع أواصر الجماعات المشتركة، إذا تبلورت في حركات دينية أو نقابية، وإلى تصديعها من داخل، وإلحاق من قد يتولون تضامنها وجمعها في مرتبة من مراتب جهاز الحكم.

وعلى هذا، فالخروج، أو "الانتقاض على السلطان"، على قول مصنفي كتب التاريخ والأخبار، هو المثال المتاح. ولكن الدولة الوطنية المحدثة، وشطر كبير منها هو صنيعة القوة والتوسع الغربيين والأوروبيين، ألزمت الحكم في الدول هذه القيام بوحدة الشعب والأراضي والسيادة والهيئات والمؤسسات، أو جعلته صنو هذه الوحدة، وأرستها على آلات وأجهزة، مثل الإدارة والجيش والعملة والانتخابات والمواصلات والاتصالات والإعلام والحدود والقضاء والإحصاء. فجمعت مواردَ قوة هائلة في دائرة الدولة وقطبها. ولم يقتصر التفاوت والخلل الفادحان بين قطب الحاكم وقطب المحكومين على ميزان العلاقة الاستعمارية وحقبتها. فورثت الدولة الوطنية الإقليمية التفاوت والخلل هذين. وفاقم السلطان غير المقيد بـ "حزب البلد" على خلاف "حزب البلاط" (في المملكة المتحدة البريطانية) أو بحقوق المواطنين من بعد، فداحة التفاوت. وَدَمَجَ المثال المحدث، والمقيم، قداسة السلطان، وهو آلة التدبير الإلهي المنعم أو الناقم، ومواردَ الدولة الجديدة، في بنية متشابكة تسعى في بلوغ الوحدة المتماسكة من غير ان تدركها في أحيان كثيرة. فرسا الحكم على موارد القوة فوق رسوه على قدس السلطان، و"عمقه" الصوفي الديني والقومي التاريخي. وفي الحالين، استقر الحكم على وحدة الركن الصوفي وموارد الدولة الوطنية المتحدرة من السيطرة الاستعمارية معاً أم قنع بموارد السيطرة وآلاتها، غدا الخروج أو "الانتقاض على السلطان" عملاً عسيراً دونه أذرع الدولة الطويلة والكثيرة.

الشعب والقاعدة

ونشأت الحرب غير النظامية – على ما يسم جيرار شاليان مختاراته الوافية من كتابات مؤرخين وقادة هذا الصنف من الحروب (الى عنوانين فرعيين: القرن العشرون والقرن الواحد والعشرون، حروب غوار وحركات إرهاب، 2008، غاليمار، باريس) – نشأت عن خلل ميزان القوة بين كفتي الحكم، الاستعماري المحتل أو الوطني، و "الشعب". فهذه الحروب، على قول شاليان مرجِّعاً أصداء مقالة تناقلها منظروها وقادتها، هي "رد جواب الضعيف على القوي". والإرهاب، وهو غير حرب الغوار أو الأنصار الإقليمية (على عرض إقليم أو بلاد)، هو "رد الجواب الأضعف من الضعيف على القوي". والحرب غير النظامية استدراك على خلل ميزان القوة الفادح بين قطب السلطان الحاكم وقطب المحكومين، وسعي في تعويضه وتقويمه من طريق "الشعب" وكفته. فالفرق الأول والراجح بين حرب تقليدية يقتتل فيها جيشان نظاميان وظاهران، هو عسر أو استحالة تعريف أحد العدوين، وتملصه من التعريف والثبات، وانكفاؤه الى "داخل" لا يدرك.

ويفترض هذا إنشاء "الشعب"، وتخليقه قوة مادية ومعنوية مقاتلة ومنضبطة وتخليصه من سديم اجتماعي وسياسي متداع. وذهب أحد أوائل منشئي مثل هذه القوة وباعثيها في القرن العشرين، وهو ليس غير توماس إدوارد لورنس، "لورنس العرب" على ما سمته السينما الأميركية، ذهب الى ان فن قيادة حرب الغوار يشترط "السيطرة على عقل الجمع وروحه"، والحؤول دون تقلب مزاجه "المزاجي". وتتولى الدعاوة مهمة السيطرة. وتتوسل الى غايتها "بطاقة البشر الانفعالية المركبة والمتقلبة". فتثبَّت الطاقةُ هذه على "ما يميل الى المحجة المقصودة والأخيرة". وعلى رغم قيادة لورنس، ضابط الاستخبارات البريطاني في الحرب العالمية الأولى، عشائر عربية وحجازية معظمها من الأميين ومن اهل البادية، لا يشك في ان "الصحافة المطبوعة هي امضى سلاح في عتاد قائد الحرب المعاصر". وتعليل الأمر، على خلاف الحال بأوروبا حيث أُوكل بالدعاوة والتحريض طاقم من خارج قيادة الأركان، هو ضعف المقاتلين العرب المادي والجسدي ضعفاً لا يعوضه إلا إعمال "السلاح الميتافيزيقي"، على قول لورنس النفاذ والبصير.

وعلى نحو ما يُعمل السلاح الميتافيزيقي في إنشاء القوة المقاتلة، يُعمل في تفتيت قوة العدو. وتقتضي حرب الضعيف (على) القوي الامتناع من الاشتباك وخوض الحرب، ومن التصدي للعدو. فالضعيف يرضى بضعفه، ويقرّ به، ما عدا حين يعزم على مباغتة العدو القوي، ونحره، قبل ان يولي الأدبار، ويدير ظهره هارباً، وهو يولي العدو الأدباء وييمم شطر خلائه، أو "قواعده" خارج متناول العدو وذراعه. فـ "الحرب العربية جغرافية". ومسرحها الأثير هو الصحراء، أو قلب شبه جزيرة العرب، بين مكة وبغداد وحلب، وهي "بلاد مجدبة لا خريطة لها". والتحصن بالداخل البعيد من متناول "الجيش العثماني" ومن خط الحجاز، والإقامة على صلة بالقواعد البحرية البريطانية في موانئ ينبع والوجه أو العقبة بواسطة محطات هي مضارب قبائل موالية، يحققان المكافأة المنشودة بين حركة المقاتلين العرب وبين قوة عتاد الجيش العثماني وعديده، وبين "حرية" المغيرين وبين خنادق المدافعين، وبين المكان "الاستراتيجي" وقوة النار التكتيكية.

ويخلص لورنس في مقالته – وهي مادة "حرب الغوار" ("غيريلا") في الموسوعة البريطانية (1926) – الى ان تمرد غير النظاميين، على ما يسمي الثورة العربية الحجازية وحربها، لا تقوم له قائمة إلا بـ "قاعدة حصينة" لا تدركها يد العدو. وأركان القاعدة الحَصان، إذا جازت الصفة الفقهية للمرأة المحصنة بزوج وعقد شرعي، ثلاثة: موانئ البحر الأحمر (مصدر السلاح والمساندة والقيادة) والصحراء وروح الولاء في المقاتلين. ويقتضي الانتصار في الحرب غير النظامية استمالة السكان الى صف القوة الناشطة. واقتصار هذه على 2 في المئة من جملة السكان، إذا مال إليها 98 في المئة منهم ميلاً غير ظاهر ولا مورط، قمين بانتزاعها النصر. والرسمُ المثلث الذي جرده ضابط الاستخبارات البريطاني، وجمعَه في صورة القاعدة الحصينة، والبعيدة من متناول "الدولة" أو السلطان القوي والمتمكن، الرسم هذا يتمتع الى اليوم بقوة تعليل وربط لم تنتقص التجارب والاختبارات التالية منها. فـ "القاعدة"، أي مثالها، تجمع عوامل رد جواب القوة الضعيفة على القوة المتمكنة، من خروج على ميزان أو قوانين الحرب التقليدية بين قوتين متشابهتين ورفضٍ للمعركة وتثبيت قوات نظامية كبيرة تحسباً واستباقاً وتوسيط "الشعب" أو السكان بين القوات النظامية وبين المقاتلين غير النظاميين.

الصناعي والعضوي

وهذا ما سعت فيه وطلبته الحركات السياسية التي قادت ما سماه ماوتسي تونغ الصيني، أبرز قادة هذا الضرب من الحركات، "حرب الشعب". وكان الانتصاران الفيتناميان في ديان بيان فو (1953) على الجيش الفرنسي وبجنوب فيتنام (1968 – 1975) على القوات الأميركية والفيتنامية الجنوبية، آيتين ساطعتين على "خصوبة" الحرب هذه. وعلى رغم اختلافها، وانتهاجها طرائق أخرى، لم يكذب انتصار الحرب الكوبية، في 1959، والحرب الجزائرية، في 1962، جدوى "حرب الشعب"، وفاعلية فكرة القاعدة الحصينة ومثالها. وتنبه مناقشة إخفاقات الحروب غير النظامية، وأبرز الحروب الخاسرة والفاشلة هي حروب اميركا اللاتينية الغيفارية ("مقبرة حرب الغوار" بحسب ج. شاليان) والحروب الفلسطينية وبعض الحروب الإفريقية، تنبه المناقشة الى قصور الإعداد السياسي، وضعف التمهيد للحرب الآتية وعملياتها من طريق استمالة "حلقات الوصل" أو "الكوادر المتوسطة". وهؤلاء هم القادة المحليون الجدد، و "البنية الوسيطة". ويتولى العملُ السياسي المنظم والسري انتخابهم وإنشاءهم وشحذ طاقاتهم على التأطير والتنسيق والتنفيذ والترميم، وعلى الاستخبار والرصد والاقتصاص والإرهاب، فهم اصحاب "السلاح الميتافيزيقي"، ومعملوه في الجمهور الرخو والمشرذم. وهم، في نهاية المطاف، عماد القاعدة البشرية الحصينة التي تلتجئ إليها طليعة الثورة و "الحكومة" الثورية.

والبنية الوسيطة، أو الهيكل الحزبي السابح في بحر السكان والناس، والحاجز بينهم وبين نفوذ الدولة فيهم وسطوتها عليهم، هذه البنية هي تتويج بناء "الحزب الطليعي" على مثاله الأمري والمحترف. وينسب المثال هذا الى صاحب الثورة الشيوعية الروسية، وحزبها، لينين، وإلى ظله وساعده وعامله أو رأس رمحه، ستالين. وهو يتحدر من روافد متضاربة ومتضافرة معاً مثل الرافد الإرهابي الاجتماعي، الداعي الى اغتيالات تهز رأس السلطة وقممها، والرافد الفوضوي المحرض على ضم العالم السفلي الى الثورة، وزرع التشكك في أركان الامتثال الإيماني والسياسي والاجتماعي معاً. ولعل الرافد الأرجح كفة، والأقوى أثراً، هو الرافد البوليسي الاستخباري. فنبه المؤرخ البريطاني سيمون سيباغ مونتيفيوري في "سيرة ستالين الفتى" (2007)، أو "ستالين الشاب"، الى تعالق إنشاء القيصر ألكسندر الثالث سلكي "الأوكرانا" (البوليس السري) والجندرمة العسكرية في ثمانينات القرن التاسع عشر، وإلحاق جماعات منظمة من المخبرين و "العملاء الداخليين" في استخبارات مستقلة تأتمر بأمر قادة السلكين – وتبلور أبنية الحزب الثوري في المختبر الروسي، ومدنه المحدثة، وبلاد فتوحه الاستعمارية والاستيطانية الجديدة في القوقاز (حيث جورجيا، مربع فتوة يوسيب فيساريونوفيتش ديوغاشفيلي المعروف لاحقاً بستالين)، وحاكت المنظمة اللينينية الأوكرانا. "فاختارت محترفين مدربين ومجربين يضاهون البوليس السري تدريباً وخبرة وتمكناً من تقنيات المؤامرة المدبرة والسرية"، على ما يكتب سيباغ مونتيفيوري. وانتخب لينين محترفيه هؤلاء من "عالم على حدة" يضطرب فيه خليط المتساقطين من الطبقات الاجتماعية، والخارجين على معايير الحياة السائرة والغالبة، والمترجحين بين عالم الجريمة والاحتيال وبين العالم المدني. وأذابهم في قالب آلة صلبة تصلح لتوجيه الضربة أو الطعنة حيث عقدة الأوصال، ولمقارعة "البيروقراطية البوليسية المركزية"، نواة السلطان القيصري،  على ما ذهب إليه ماكس فيبير، في تناوله حوادث ثورة 1905.

ويتفق الإنشاء الصناعي والخارجي الفوقي، وهو إنشاء بيروقراطي محدث وتنويري (على معنى غير مفتعل افتعالاً كاملاً)، مع خطابة عضوية تنكره وتتشدد في إنكاره، وتستولد السلك الصناعي والبيروقراطي الأمري من ثنايا الجسم الاجتماعي، على زعمها الملح ومن دواخله وبواطنه العميقة والفطرية. وزعم خروج "حرب الشعب"، والانتفاضات الشعبية، والجماهير والحركات الإحيائية، و "الشارع"، من رحم عضوي أو من "ذاكرة حية" منتفضة، يكذبه تاريخ الانتفاضات وحركات التمرد الحديثة، الأوروبية والإسلامية العربية. فحروب الغوار – وهي حروب "طياحة" على ما سماها اهالي بلاد بشارة أو جبل عامل في القرن الثامن عشر، وتعريفها هو إحجامها عن المنازلة أو المعركة على قول كميل روجرون في "الحرب الآتية"، 1948، وتركها الجادة العريضة الى الشعاب الثانوية، على ما ذكر ريمون آرون غداة 40 عاما على روجرون – هي ثمرة تعاظم أثقال الجيوش الحديثة، عدداً وعتاداً، وتمدد خطوط تموينها، ووطأتها على السكان، والفلاحين والمزارعين خصوصاً، وعلى مواردهم وأرزاقهم.

فلم تولد حرب الغوار من المشاعر القومية أو الوطنية. فليس أقوى وطنية من انتفاض الهولنديين على السيطرة الإسبانية في القرن السابع عشر. ولم تلد الانتفاضة الوطنية حرب الغوار. ولم يسوِّها أو يبعث عليها التعصب والغلو الدينيان، على ما قيل في قيام المستعمَرين على مستعمريهم، ويقال اليوم في أعمال الجماعات الباكستانية والأفغانية وغيرها. فالتعصب الحاد كانت الحروب الدينية الأوروبية حضنه الدافئ. ولم تنشأ حروب الغوار عن هذه. فهي نشأت وترعرعت، وقوي ساعدها القاتل (يقدِّر روجرون ان الفلاحين الإسبان كبدوا الفرنسيين، قوات وموظفين مقيمين، في 1807 – 1812، 100 ألف قتيل في السنة الواحدة)، في بلاد ونواح نائية بأوروبا، استرامادور بإسبانيا وروسيا البيضاء شرق أوروبا. فكان نازع الجيش الفرنسي اللجب الى انتزاع تموينه الثقيل من الفلاحين والمزارعين، من غير تسديد الثمن ومن غير رضا الأهالي، شرارة الخلاف اللاذعة. ولكن الفلاح، وهو في إسبانيا وروسيا أقرب الى القن منه الى العامل في الأرض، ما كان له ان ينهض الى قتال "جمهوري" (أو جماعة)، ولا في مقدوره إلحاق ضرر كبير في قوات الاحتلال، لولا صناعة البندقية الفردية، وطلقتها النارية الجاهزة، ويسر حملها والتستر عليها حين إصلاء الكمائن.

الغوار والديموقراطية

فتضافر نقل تموين جيوش جرارة، وتمدد خطوط مواصلات الجيوش وقطع مدفعيتها، ومرورها في بلاد نائية تقيم بها جماعات محافظة وتقليدية، وابتكار البندقية الخفيفة، تضافرت العوامل المتفرقة هذه على "الابتكار" الحربي الاجتماعي الذي مثلت عليه حروب الغوار أو الطياحة. وكان من ثمراتها الاولى والمرة إيقاعها الهزيمة في الجيش الفرنسي، الامبراطوري النابليوني ووليد الثورة الديموقراطية "الكبرى"، مبتكر التعبئة الشعبية العامة والتسليح الفردي والمدفعية الثقيلة. وابتكرت (الثورة) الديموقراطية، والامبراطور الفرنسي ابنها "الشرعي"، تخويل قوة الاحتلال التي تنتسب إليها، وتصدر عنها، الطعن في مشروعية الطبقة الحاكمة المحلية، وإنكار "تمثيلها" الطبقات الشعبية المحكومة. فلم يقدِّر نابليون ولا قدر جنرالاته ومندوبوه السامون في البلدان المحتلة، أن يخرج الأهالي، نخباً وعامة، على إدارة حديثة و "عقلانية"، وأن ينتصروا لطبقة بالية تسومهم التسلط والقهر. فأيقن الحاكم الفرنسي وهو يزمع نفي الأسرة الإسبانية الحاكمة، في أواخر 1807 وأوائل 1808، وحبس ولي العهد اليافع دون فرانثيسكو دو بولا (14 عاماً)، أن إجراءه هذا لن يعدم الاستقبال بالترحيب. فهو يستجيب، على ظن الامبراطور، يأس الجمهور الإسباني من محاكم التفتيش، ومن إرهاق الرهبان والكنيسة والحكم العاجز والفاسد كاهليه – بحسب الروائي الإسباني أرتورو بيريز – ريفرتي، موجزاً الحال عشية انفجار الثاني من ايار 1808 الدامي (في روايته الموثقة، "يوم غضب"، 2007).

وآذن الطعن والإنكار هذان، الى إعمال معيار سياسي ديموقراطي ومحدث في السياسة والسلطان يخول صاحبه، على ما يحسب، الحكم في طبائع السياسة بأزمة مشروعية عامة أصابت الأبنية التقليدية، وشقت الطريق الى تصدي مشروعية كاريزمية، ثورية "إلهية" أو ميتافيزيقية وخلاصية، لخلافة الأبنية التقليدية. وتتقدم ربما الشروط البنيوية الاستراتيجية، والسياسية والإيديولوجية، الشروط الاجتماعية العينية التي كانت الحاكمة في بلورة حروب الغوار، في مهدها الأوروبي. واتفقت الشروط على وجهيها، من غير مصادفة، وبناء الجيوش الجمهورية من التجنيد العام الشعبي، وخوضها حروباً سياسية تجنح في "مفهومها" المجرد، على ما رأى كلازفيتز، الى أقاصي العنف والتدمير، أي إلى إبادة العدو. فكانت حروب الغوار "داء" الجيوش الحديثة و "مرضها" الناجم عن ولادة مثاليهما من شروط مشتركة ومتضافرة.

وحين أرادت الجيوش الحديثة، الغربية والمتحدرة من مجتمعات ودول أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهي حقبة الإمبرياليتين (البحرية والقارية) وتوسع الرأسمالية والدولة الوطنية والإقليمية، حين أرادت قهر الحروب الثورية وغير النظامية اضطرت الى محاكاتها، بدورها. فاتخذت اسماً لها ووسماً "نقيض التمرد"، أو "النقض على التمرد". وكتيب ديفيد بترايوس، قائد قوات الائتلاف (الأميركية) بالعراق، في قواعد المرابطة والاشتباك، و "أصول" مستشاره الأسترالي العميد ديفيد كيلكولين "الثمانية والعشرون" (2006)، قرينتان أخيرتان من القرائن على المحاكاة هذه. وقوامها الأول استخلاص قاعدة داخلية، أو حمى ومعقل من قبضة "القاعدة"، أو الجماعة الثورية عموماً والإسلامية الجهادية خصوصاً.

وفي الأثناء، أي غداة 2003، وحرب العراق – وهذه سبقتها وتخللتها وأعقبتها حروب محلية أهلية وإقليمية، من الجلاء الإسرائيلي عن جنوب لبنان الى حرب "حماس" (المستمرة) بغزة – تسللت الحروب غير النظامية الى قلب الدول الوطنية. وهي تنزع، في لبنان وفلسطين، الى الاستقرار في الأبنية السياسية العادية والسوية. فتنشئ الحركات الإسلامية الثورية قواعد أهلية واجتماعية "محررة" في ثنايا "الشعب"، وهو كتل أهلية، تتولى القيادات الحزبية والعسكرية الأمنية حكمها. وتتخذ من أبنية الدولة، وهيئاتها ومؤسساتها، "أحضاناً" أو أعشاشاً وسكناً. وتسورها بعصبيتها، وتلوذ بها، وتشن منها غاراتها على الإقليم المشترك، وتعطل سلطته، وتعارض السلطة العامة بحق نقض لا يعف عن مسألة أو فعل. وظهر ازدواج السلطة في صورة دولتين، على المثال الغزاوي الحمساوي، أم استتر (نسبياً) في صيغة "حكومة وفاقية"، على المثال اللبناني، فمؤداه واحد، وهو شن حروب غوار أمنية وسياسية وإجرائية وإدارية وإعلامية واقتصادية من قواعد حصينة ومسورة بالميتافيزيقا، على قول لورنس مرة أخرى.

وتتخلل الحركات هذه المجتمعات والدول على نحو يجعل الفكاك منها، وعزلها من السكان، وإخراجها من معازلها أو حصرها فيها وتأليب السكان عليها، أموراً تكاد تكون مستحيلة. فهي توسلت بالحرب غير النظامية على المحتل الإسرائيلي، ومزجتها مزيجاً حميماً بالحرب الأهلية، وهذا من سمات "حرب الشعب" و "تناقضاتها"، واستأنفت علاقات سياسية واجتماعية سائرة وسوية ظاهراً بأبنية الدولة. ولكنها، في الأثناء، أخرجت جماعاتها من الجسم السياسي المشترك، وتحصنت بها تحصن المقاتلين غير النظاميين بقواعدهم الثورية النائية، الثابتة أو المتحركة. وهي أنشأت القواعد هذه من المتساقطين والمسحوقين والمهجرين والمعتاشين من الإعالات ومن المنكفئين على حاراتهم وروابطهم وتلفزيونهم وفتاويهم، وأذابتهم جماعة منقادة للأمر "الإلهي" أو القومي. وهدمت، من طريق جهاز دعاوة وتحريض ضخم، المباني الذهنية والشعورية القيمية المتشابكة التي تولى التعليم والعمل المختلطان، والصحافة، والسينما وأماكن الترويح المتفرقة والسياحة، الى (بعض) السكن، رفعها. فانهارت المباني هذه كلها. وحلت محلها مبان أخرى يستحيل الاشتراك فيها، وتحصنها خنادق عميقة. وفوق الخنادق هذه تبني الحركات السياسية والأمنية والعسكرية "صروحها" السياسية المبتكرة.

The Arab Spring a decade on

 السبت 16 كانون الثاني 2021 - 7:47 م

The Arab Spring a decade on Ten years ago, in mid-January 2011, Tunisians pushed President Zine e… تتمة »

عدد الزيارات: 54,048,472

عدد الزوار: 1,647,013

المتواجدون الآن: 50