مؤتمر "مستقبل العروبة".. نحو تجربة جديدة قائمة على الديمقراطية

تاريخ الإضافة الأحد 8 آذار 2009 - 11:16 ص    عدد الزيارات 665    التعليقات 0

        

منصور بو داغر

وزراء، نواب، باحثون وأساتذة جامعيون من مختلف الأقطار العربيّة شاركوا في المؤتمر الذي دعا إليه ونظمه القطاع التربوي في "تيار المستقبل"، وكانت لهم مساهماتهم على مدى أيام ثلاثة، عُقدت خلالها تسع ندوات، درست فيها العروبة من مختلف جوانبها. فكانت هناك استعادات للمفاهيم القوميّة ونشأتها وتجاربها في الغرب، وكانت مراجعة نقديّة للمراحل التاريخيّة للعروبة وللخطاب القومي العربي، وكان تحليل لتجاربها في بعض الدول العربيّة، وبحث لأطرها الحاليّة لا سيّما منها العولمة وما حملته من قيم إنسانيّة وثقافيّة جديدة لا حياة أو مستقبل لمن لا يلتزم بها، على الأقل في حدودها الدنيا.

وقد خرج المؤتمرون بمقاربة عامة للعروبة معتبرينها "مجموعة السمات الثقافيّة والاجتماعيّة والنفسيّة المتشكلة تاريخياً، والمتصفة بثبات نسبي، للجماعة التي نطلق عليها الأمة العربية". مستبعدين من هذا التعريف "أي مسعى للإقصاء على أساس الدين أو المذهب، أو أي مُعطى ثقافي ثانوي، من شأنه تفكيك بدل جمع النسيج الأهم للأمة (أي أمة)". مشددين على أنّ "نسيج الأمة يتكوّن من وحدة اللغة، والتراث، والذاكرة التاريخية للنضال في سبيل الاستقلال، والوحدة، والنضال ضد الاستعمار".
هذه المقاربة الجديدة ولدت من رحم التجارب الماضية التي مرّت بها منطقتنا ودولنا حتى اليوم، ومن الجمع إلى حدٍ ما بين النظريّتين الفرنسيّة والألمانيّة المتعارضتين حول نسيج الأمّة.

وزير الإعلام طارق متري أشار إلى أنّ "العلمانية لم تكن غريبة عن الفكرة القومية العربية. لكن اعتبارها شرطاً لها لم يكن مطلباً مسيحياً. فالمسيحيون، رأوا، بوجه الإجمال، ضرورة فصل الحقل الديني عن ميدان السياسة معتبرين أنه لخير الاثنين معاً. واكتفوا، من جهة ثانية، بالتشديد على الرغبة المشتركة بينهم وبين المسلمين في تجريد القوى المستعمرة من سلاح قوي، أشبه بالذريعة، وهو حماية الأقلية من طغيان الأكثرية. كما دعوا الى مقاومة الصهيونية من منطلق قومي، أي انطلاقاً من وعي الخطر الذي يهدد المسيحيين والمسلمين على حدٍ سواء".

لذا فإن الإحجام، بحسب متري، عن الدعوة الحثيثة إلى قبول العلمانية لم يكن مجرّد ضرب من ضروب الواقعية السياسية الظرفية. إنما جاء تعبيراً عن إدراك الصعوبة، بل الاستحالة، في الفصل بين العروبة والإسلام. ذلك أن معظم العرب إذا ما كانوا متيقنين من أن غير المسلمين منهم جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، فإن الإسلام أساس شعور العرب بوحدتهم، وهو القاعدة الحضارية لخصوصيتهم القومية. أكثر من ذلك، فإن البعض نظر إلى القومية العربية من حيث هي خطوة لا بد منها لإحياء الإسلام. وتعدّى آخرون هذا القول إلى اعتبار الإسلام بمثابة صانع للأمة العربية وموضوع عزتها. ولم يغب عن بال أصحاب هذا الموقف، أو الكثيرين منهم، الانتباه إلى احتمال الاستئثار الإسلامي بالعروبة. فحذّروا منه، تلميحاً، عن طريق إشراك المسيحيين العرب في الاعتزاز بالحضارة الإسلامية. وتحول هذا التلميح إلى التصريح عند بعض مثقفيهم.

بدوره يرى الدكتور داوود الصايغ أنّ "بعض دول شمال افريقيا والسودان قد نصت دساتيرها إما على ازدواجية الانتماء او على الالتزام باللغة العربية (الجزائر، تونس). ولكن دولاً أخرى مثل الأردن والبحرين والإمارات العربية المتحدة وسوريا والعراق وقطر ومصر والكويت نصت دساتيرها على أنها جزء من الأمة العربية".
وتساءل الصايغ عن سبب بقاء إشكالية العروبة قائمة وموضوع تجاذب، هل لأن ‹‹الرابط العروبي في مفهوم الأمة، كان يقوم بصورة اساسية على اللغة والدين›› وان ‹‹السبب الأساسي في خلق الأمة العربية والشعور بالوحدة القومية بين المسلمين العرب يعود الى الإسلام››، كما قال الدكتور زين زين، أم لأن ‹‹أهل لبنان هم لبنانيون لا أكثر ولا أقل›› كما قال ميشال شيحا في كتابه ‹‹لبنان اليوم››.

كما لفت الدكتور رضوان السيّد إلى أنّ العروبة أو الفكرة القومية بدأت تتحول إلى أيديولوجيا على ثلاث مراحل: مرحلة الجدال بين القوميين العرب والقوميين السوريين، ثم مرحلة الجدال بين القوميين العرب والبعثيين، وأخيراً مرحلة الجدال والتحالف بين القوميين العرب والشيوعيين.

ويعتبر السيّد أنّ ثمة مراجعة لمفهوم المواطنة بصورته التقليدية التي استقر عليها تقوم بها التيارات الفكرية الغربية. إذ لم يعد التعريف التقليدي للمفهوم والذي يفيد بأن المواطنة إنما هي "صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات في إطار الدولة القومية التي يحمل جنسيتها"، لم يعد مثل هذا التعريف يستجيب للتحولات التي تمر بها المجتمعات الأوروبية اليوم ومن أهمها بروز ظاهرة التعددية الثقافية نتيجة للهجرة العالمية المتزايدة بفعل العولمة. بالإضافة إلى ذلك، هناك النمو المتسارع للمجتمع المدني العالمي بتجلياته المختلفة والذي أخذ يعيد إلى الأذهان فكرة المواطنة العالمية.

الدكتور برهان غليون شدد على "أنّ العامل الأهم في تعميق أزمة الهوية العربية لحقبة ما بعد الثورة القومية هو اخفاق الحركة القومية العربية في تحقيق حلم الدولة القومية او الدولة الأمة التي تتطابق حدودها الثقافية (الأمة) مع حدودها السياسية (الدولة)". وفي إطار موازٍ يعتبر غليون أنّ من المشاريع المطروحة ايضا على أنقاض الفكرة العروبية: الوطنية القطرية، التي تعني العودة إلى الاستثمار في القطر ودولته، اكتشاف الهوية السورية واللبنانية والعراقية والمصرية الخ، والعمل على تزويدها بمعنى ودلالة إنسانية. ويشكل هذا تطلعاً جديداً إلى المستقبل يهدف إلى بناء الامة بمفهوم المواطنية.

ونقل الدكتور مشير عون عن الفيلسوف بولس الخوري تناوله لأصل العروبة وربطه هذا الأصل بالرسالة القرآنية إذ قال: "قامت العروبة الأصلية على الرسالة القرآنية التي أرست قاعدة المساواة بين الناس. فصار الفضل في الناس لا يعود للعرق او للثروة أو للوضعية الاجتماعية أو لأي عامل انساني آخر، بل حصراً الى التقوى والسلوك الحسن. فنتج من ذلك نظام تيوقراطي، لا يماثل النظام الإكليركي المسيحي، وهو قابل للحياة وقد عاشته بالفعل جماعة المؤمنين الأولى التي تكونت حول النبي".
ولا يستغرب عون أن يأتي التفكّر العربي المسيحي والإسلامي والعلماني في العروبة متأثراً بالمناهج المعرفية التي ثبتت جدارتها في الثقافة الغربية المعاصرة. فإذا نظر المرء في الذهنية العربية وقابلياتها للإتيان بمفهوم عصري فاعل للعروبة، أدرك أنه يستنجد بمقولات الفكر النقدي الغربي في مقاربة مسائل الهوية والأمة والاجتماع والثقافة.

من جهته يجد الدكتور فالح عبد الجبار أن كتلاً واسعة من قادة التيار الإسلامي المعاصر، تنكر من جانب وجود مفاهيم أو نظم مثل القومية والدولة – الأمة، إلخ، في الإسلام، وتدعو من جانب آخر إلى بناء «الأمة الإسلامية» التي ينبغي أن ترتكز في معمارها على الدين لا الإثنية أو غيرها من المحددات والنظم الثقافية؛ أو تقول إن مثل هذه الأمة كانت قائمة في الماضي، وأنها توشك على الانبعاث في القريب العاجل. وبذا نجد أنهم لا ينبذون السرمدية المتخيلة للقومية والأمة بما هي عليه، بل ينبذون أزلية صنف معين من القومية والأمة يقوم على الإثنية لا العقيدة الدينية.

ويلفت كذلك إلى ما جاء على لسان الدكتور قسطنطين زريق من أن ‹‹الرابطة القومية ارتكزت بالدرجة الأولى على التراث، وفي التراث الإسلامي الماضي لم يكن ثمة تمييز واضح بين الرابطتين والولاءين›› … إلى أن قام بعض المفكرين في البلاد العربية وأخذوا ينظرون إلى هذه القضية في ضوء التطورات الجديدة، وانه على الرغم من التوافق بين القومية والدين في بعض الوجوه ثمة ايضاً اختلافات››.

ويرى الباحث والمفكّر فايز قزي أنّ هذا المستوى من التراجع والانقسام الذي أصاب الوضع العربي ينبهنا الى أن "العرب وقد تجاوزوا في تراجعهم الحالة القطرية بلغوا مرحلة الإقرار النهائي بنهاية الوحدة القومية". وبرأيه "أنّ هذه الصورة المتشائمة يريد "الجهاديون الجدد" إيهامنا بأنها بداية العد التصاعدي لاستعادة بناء الأمة الإسلامية. وأن "الأحزاب" و"الإمارات" الإسلامية أو الولايات التي تلوح في أفق وهم بداية العد التصاعدي ما هي فعلاً إلا انتقال شامل من المرحلة القومية التي تخلى عنها المخضرمون إلى المرحلة الإسلامية التي يقودها المتشددون الإسلاميون الجدد".

 

كما سبقت الاشارة، سأل المؤتمر "أي عروبة في القرن الواحد والعشرين؟". وتطلّع في بيانه الختامي "إلى تجديد فكرة العروبة أصلاً، بروح نقدية لرؤى الماضي، وأحوال الحاضر، تطلعاً الى تصورات مستقبلية". وهذا ما ذهب إليه المؤتمرون في خلاصات مداخلاتهم.

العروبة عقلانية، تتطلع إلى المستقبل بحسب الفيلسوف بولس الخوري الذي يضيف "ولا ريب أن العرب في حاجة الى تخطي تجاربهم للقضاء على القبلية والفردانية... هذا يفرض أن يُقبل العرب على المدنية الحديثة". فمستقبل العروبة مرتبط بحركة التفاعل مع الحداثة. هذا ما ركّز عليه الدكتور مشير عون.

الدكتور رغيد الصلح الذي رأى أنّ "التطلع إلى مستقبل العروبة وإلى العروبة في القرن الواحد والعشرين يتناقض على سكة مستقيمة مع موجة الآرابوفوبيا التي تنتشر في أصقاع كثيرة من العالم"، يلفت إلى أنّ "فكرة العروبة عاشت زمناً طويلاً لأنها كانت تتجدد، وتتأقلم مع المتغيرات".

فيما يحذر الدكتور محمد حلمي عبد الوهاب من أنّه "مالم تُضمّن الديمقراطية والمساواة والكرامة وغيرها من الحريات السياسية للعرب كافة، بغض النظر عن أصولهم الدينية أو العرقية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو المذهبية، فإن مشكلة الأقليات ستستحيل على الحل". ولعل ذلك هو ما دفع د. رضوان السيد لأن يؤكد جازماً بأن "مشكلة الأقليات ليست في الحقيقة إلا مشكلة الديمقراطية التي يشتاق إليها جميع المواطنين. ومن ثم، فنحن بحاجة ماسة إلى عروبة جديدة خالية من القمع، عروبة تضع الديمقراطية في قمة جدول أعمالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الآنية والمستقبلية".

ولا يعتقد الدكتور برهان غليون أن "العروبة ستفقد قيمتها، سواء تحقق اتحاد عربي أم لم يتحقق. ولن يؤدي انحسار الطبعة العروبية القومية منها او انحلالها إلى ضياع العروبة كانتماء ومركز استثمار للمستقبل أيضاً في القرن الحادي والعشرين. بل ربما كان العكس هو الصحيح. فبمقدار ما تنحسر ذكريات الفترة القومية التي ارتبطت بالإخفاق والإحباط والانحطاط السياسي والاخلاقي في فترة لاحقة، من المخيلة العربية، سوف يعود مفهوم العروبة من جديد ليشكل مرتكزاً لإعادة بناء الثقافة والهوية وربما الخريطة الجيوسياسية للمنطقة".

وأعرب عن اعتقاده بأنّ "العروبة ستشكّل "نقطة التراجع الأخيرة والحتمية للإسلاموية، عندما تصمم على الانخراط الفعلي في معركة عصرها، والحفاظ على نفوذها وسلطتها. ومن خلال العروبة وحدها يمكن لها إعادة تجديد ايديولوجيتها وبث روح العصر فيها، بما في ذلك تمثل منطق احترام حقوق الإنسان والحريات الشخصية والاعتقادية. من دون قاع العروبة، ستبقى استثمارات الإسلاميويين وتضحياتهم من دون قرار، وستكون جهودهم كمن يزرع في الفراغ".

أما الايديولوجية القُطْرية، فليس لها، بنظر غليون، أمل كبير في النمو لأنها "لا ترتبط بأي ثقافة كونية وأخلاقية سياسية. فقد قطعت الإمبريالية، في المرحلة الأولى، ثم العولمة، في مرحلة ثانية، الطريق على تكوين ثقافات وطنية حية ونشيطة مستقلة عن الثقافة العربية الإسلامية التاريخية في الدول التي نالت الاستقلال. فلم تنشأ في أي قطر ثقافة وطنية متميزة ومستقلة، أو بسماكة كافية حتى تحقق القطيعة مع الثقافة العربية التاريخية والشاملة. أما التغريب، فلا يشكل خياراً وطنياً بأي حال إذ أول ما سيصطدم به أصحاب هذا الخيار رفض الغرب الاعتراف بهم، وإصراره على معاملتهم كعرب أو كغرباء، سوف يكتشف أصحاب هذا الخيار العروبة كخندق تراجع أخير".
وبذلك يخلص غليون إلى أنّ "العروبة كانتماء رئيس وغالب لم تقل كلمتها الأخيرة في المجتمعات العربية. وهذا ما يفسر حرص الجميع على عدم المساس بها، حتى بين أولئك الذين اختاروا ان يتجاهلوها أو يبنوا رصيدهم السياسي والثقافي والأخلاقي بعيداً منها كالدين والقُطْرية".

في مداخلته، رأى الدكتور محمّد كشلي أنّه "يمكن للنموذج اللبناني عبر وحدته الداخلية وخصوصيته الوطنية أن يكون مصدر تفكير جديد لمستقبل العروبة على صعيد العلاقات العربية ـ العربية مهما اختلفت أوضاعها ومصالحها وتكويناتها الذاتية". فالعروبة الديمقراطية الجديدة، بحسب الكشلي، "لا بد أن تعترف بمضمون أساس لتطبيقها على أرض الواقع المعقد للعالم العربي وهو العمل على اتحادات عربية بالتكامل السياسي والتوحد المتنوع بالحفاظ على الكيانات الخاصة، بالاتحادات العربية على الصعيد الاقتصادي وصولاً إلى السوق العربية المشتركة، والاتحاد العربي، على الطريقة الأوروبية".

أما المحاضر فايز قزي فقد سأل في مداخلته: "هل يجب التسليم باستحالة التجارب والقفز إلى تقليد التجربة الصهيونية العنصرية واعتماد الجهاد الديني الشامل أم الاستسلام والقبول بواقع الأصولية الاسلامية، أم تكرار المحاولات ورفض الاستسلام لليأس أمام صعود التيارات الدينية فنعيد اختراع عروبة المستقبل؟".

في نهاية ملخّصنا الذي لا يوفي مؤتمرًا بهذا الحجم والعطاء حقّه سوى بالاضاءة على القليل مما قيل في محاضراته ومداخلاته لا بدّ من الإشارة إلى توافق المؤتمرين على مسألة أساسيّة بشأن المفهوم الجديد للعروبة: "لن يكون لها قيامة اليوم إلا عبر نشر الديمقراطيّة في مختلف الدول العربيّة". وهم يعيدون ذلك إلى أنّ شعوب الدول العربيّة وليس أنظمتها الحاكمة، وتماماً على عكس الدول الاوروبيّة كما يؤكد الدكتور غسّان العزي، تحلم بالوحدة. لذا فإنّ انتشار الديمقراطيّة في هذه الدول سيسمح لهذه الشعوب بإيصال حكّام يحقّقون أمانيها الوحدويّة... شعوب مدعوة بحسب الاستاذ قزي إلى "عدم مصادرة مستقبل شبابنا الذين يعبرون مع خليل حاوي الجسر خفاقاً من مستنقع الشرق الى الشرق الجديد ليكونوا جيلاً عريقاً...

حتى لا يتكرر تفريس الأهواز وتتريك الاسكندرون وصهينة فلسطين".

The Arab Spring a decade on

 السبت 16 كانون الثاني 2021 - 7:47 م

The Arab Spring a decade on Ten years ago, in mid-January 2011, Tunisians pushed President Zine e… تتمة »

عدد الزيارات: 54,052,653

عدد الزوار: 1,647,029

المتواجدون الآن: 49