الجميع منقسمون في العراق... الصدر والمالكي يخوضان معركة إقصاء...

تاريخ الإضافة الثلاثاء 4 تشرين الأول 2022 - 5:02 ص    عدد الزيارات 356    التعليقات 0

        

الجميع منقسمون في العراق... الصدر والمالكي يخوضان معركة إقصاء...

المصدر: بغداد - النهار العربي.... حسين جرادي...

تبدو المنطقة الخضراء في بغداد أكثر الأماكن هدوءاً في أي وقت تدخلها، باستثناء – طبعاً – حين يجتاحها المتظاهرون. والهدوء الذي تبدو عليه شوارعها الفسيحة الملأى برجال القوات الأمنية المدجّجين بالسلاح، أمام الآليات العسكرية وداخلها وخلفها، لا يعكس تماماً ما تكون عليه الأمور داخل تلك المباني المترامية خلف الأشجار، والتي تضجّ ساعة تلو الأخرى بأسرار السياسيين الغارقين في خلافاتهم ومخططاتهم لتسجيل النقاط، كلّ ضدّ خصومه المتغيّرين بدورهم.

دوّى صوت انفجار قرابة الثالثة والنصف عصر الأربعاء الماضي قريباً من مبنى البرلمان، وسُمع بوضوح في فندق الرشيد المجاور والمحصّن بإجراءات أمنية محكمة. ركض عدد من رجال الأمن، وبعضهم أجانب يعملون مع شركات خاصة، إلى الحديقة لاستطلاع المكان المحتمل لسقوط الصاروخ. كان واحداً من ثلاثة سقطت في محيط البرلمان والفندق القريبين إلى نصب الجندي المجهول، تزامناً مع انعقاد جلسة لمجلس النواب، توقّع كثيرون في الليلة السابقة ألّا تُعقَد.

في الليلة السابقة تلك، الثلثاء – الأربعاء، نامت بغداد على ألف إشاعة. البرلمان مدعوّ إلى الانعقاد ظهراً وإحدى مهماته التصويت على استقالة رئيسه محمد الحلبوسي، الذي طرحها بشكل مفاجئ ضمن جدول أعمال الجلسة المزمعة. كانت مناورة ملحوظة من الزعيم السنّي الشاب، وكان الوحيد في العراق الذي يقول إنها ليست مناورة. فهو صار قبل ساعات ركناً من تحالفِ أضدادٍ أعلن باسم "ائتلاف إدارة الدولة"، يضمّ جميع القادة الغاضبين، بعضهم من البعض الآخر، باستثناء الغاضب الأكبر، السيد مقتدى الصدر.

كانت رسائل الحلبوسي من خطوته متعددة الاتجاهات، وإن كان هدفها النهائي تثبيت موقعه. فحلفاء الضرورة الجدد في "ائتلاف إدارة الدولة" لطالما لوّحوا بإقالته حين كان في المقلب الآخر، وكال كثيرون منهم له اتهامات لا حصر لها. ولأنّ أحداً لا يثق بأحد في الدوّامة العراقية المفتوحة، طلب الحلبوسي من البرلمان بحلّته الجديدة، بلا الصدريين، أن يقولوا بوضوح، وبالتصويت الرسمي، إنهم ينتخبونه رئيساً للبرلمان. وأمام الصدر، يمكن رئيس البرلمان القول إنه تقدّم باستقالته ورُفضت.

من "الثلاثي" إلى "إدارة الدولة"

الصدر والحلبوسي وزعيم "الحزب الديموقراطي الكردستاني" مسعود البارزاني هم أركان "التحالف الثلاثي" الذي لم يعمّر طويلاً. كان يُفترَض لهذه التحالف أن يشكّل حكومة تأخرت منذ انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) 2021، لكنّ "الإطار التنسيقي" الذي يضمّ قوى شيعية قريبة لإيران، وبالتعاون مع حلفاء سنّة وأكراد، أفشل ذلك. استياء الصدر من تعطيل مسعاه إلى "حكومة أغلبية وطنية" بعدما فاز تياره في الانتخابات، دفعه إلى سحب نوابه الـ 73 من البرلمان، في حزيران (يونيو) الماضي، فآلت الأغلبية بفعل بدلائهم إلى خصومه. أغضبت خطوة الصدر ركنَي "التحالف الثلاثي" الآخرين، الحلبوسي والبارزاني، فقبلا الانضمام إلى "ائتلاف إدارة الدولة" بعد تعهّدات مكتوبة من خصوم الأمس في "الإطار التنسيقي" في شأن ملفات عدة منها النفط والنازحون. انفضّا عن حليفهما مقتدى الصدر، مع الحرص على عدم إغضابه. لكنه غضب. ومساء الأثنين الماضي، 26 أيلول (سبتمبر)، عقب مضيّ الحلبوسي في الدعوة إلى عقد جلسة الأربعاء، أرسل إليه الصدر رسالة فحواها: "لقد أصبحتَ عدوّي"، وفق مصدر تحدث إلى "النهار العربي" في بغداد طالباً عدم كشف هويته.

انخرطت المسؤولة الأممية جينين بلاسخارت منذ الأثنين الماضي، عقب إعلان الحلبوسي "استقالته"، في جهود حثيثة لتهدئة الصدر ومحاولة إرجاء جلسة الأربعاء. سرَت ليل الثلثاء أنباء عن عزم رئيسة بعثة الأمم المتحدة الذهاب إلى الحنّانة في النجف، مقرّ زعيم "التيار الصدري"، صباح الأربعاء، حاملة تطمينات من الحلبوسي وزعيم تحالف "الفتح" هادي العامري ("الإطار التنسيقي") والبارزاني (عبر وزير الخارجية فؤاد حسين). ووفق أحد المصادر، كان أحد عناوين التطمينات السعي إلى إعادة النواب الصدريين المستقيلين إلى البرلمان، بتوفير فتوى دستورية تطعن بآلية استقالتهم ثم بآلية تثبيت بدلائهم. مصدر آخر قال إن الصدر لم يبدِ اهتماماً بإعادة نوابه، ولا سيما بعد الثمن الدموي الباهظ الذي دفعه أنصاره في "ثورة عاشوراء" داخل المنطقة الخضراء في آخر آب (أغسطس) الماضي.

الزيارة لم تتمّ، لأنّ بلاسخارت كانت ستحمل تطمينات لا ضمانات.

عُقدَت جلسة البرلمان الأربعاء. وفي الساعة الثانية بعد الظهر رُفضت استقالة الحلبوسي وجدّد مجلس النواب الثقة به. كانت ابتسامة الرئيس المثبّت مزدوجة بعد ذلك حين انتُخب محسن المندلاوي (مستقل) نائباً أول لرئيس مجلس النواب، إذ استعادت ذاكرة الحلبوسي في تلك اللحظات طيف النائب الأول المستقيل حاكم الزاملي، القيادي القويّ في "التيار الصدري"، الذي نغّص عليه رئاسته مراراً. أمّا الصواريخ التي سقطت عقب ذلك قرب البرلمان، فيرجح من تحدثنا إليهم أنها كانت رسالة احتجاج من أحد الفصائل على عدم الأخذ بمرشحه لمنصب النائب الأول.

هواجس الحرب

الذين لم يفاجئهم انعقاد جلسة البرلمان وعدم إرجائها، يفسّرون "سماح" الصدر بها على النحو الآتي، وفق مصدر سياسي: "لا مانع لدى زعيم التيار الصدري في تسيير مجلس النواب أعماله العادية ذات العلاقة بمصالح المواطنين، لئلا يُحسب عليه تعطيل الأعمال التشريعية الضرورية. أما إذا ذهب "ائتلاف إدارة الدولة" بعيداً في اتجاه الدعوة إلى جلسة لانتخاب رئيس للجمهورية، تمهيداً لتكليف مرشح "الإطار التنسيقي" محمد شياع السوداني بتشكيل الحكومة، حينها سيكون للصدر حديث آخر".

وثمة من يقول: "حينها ستقع الحرب".

يعزو كثيرون في بغداد جزءاً رئيسياً من الأزمة القائمة إلى خصومة استحالت عداوة بين زعيمين: مقتدى الصدر ونوري المالكي، القائد الفعلي لـ"الإطار التنسيقي"، رئيس الوزراء الأسبق، والحليف القوي لإيران في العراق. يقول مطّلعون على أجواء النفور بين الرجلين إن أسبابه تتجاوز حملة "صولة الفرسان" التي شنّها المالكي في ولايته الأولى رئيساً للوزراء ربيع عام 2008 على "جيش المهدي" التابع لـ"التيار الصدري"، وأوقعت مئات القتلى في صفوفه. بل يمتد النفور إلى مرحلة الولاية الثانية والخلافات من داخل مفاصل الدولة على مكامن النفوذ والسيطرة، في ظل تبادل الاتهامات بين الطرفين بالفساد واستغلال موارد الدولة، وصولاً إلى "تسجيلات المالكي" التي توّجت مسيرة العداء بالنسبة إلى الصدر.

لم يعد أيّ منهما يرغب في شراكة هشّة، لكنّ كثيرين حول المالكي والصدر يرون ذلك نذير شؤم، ولا يريدون لهذه الحرب أن تندلع.

كلاهما يرى الآن أنه حان وقت الخلاص سياسياً من الآخر.

الصدر ينطلق في ذلك من نتائج الانتخابات التي منحت تياره فوزاً كبيراً، فقرر التشبّث بخيار حكومة الأغلبية رافضاً العودة إلى الحكومات التوافقية التي يراها وبالاً على البلاد، ولا سيما أن خصمه يطرح مرشحاً لرئاسة الوزراء يراه الصدر لصيقاً بالمالكي وسيكون تحت سطوته.

والمالكي يرى أن إصرار الصدر على إقصائه شخصياً من أي تسوية فرصة لإظهار زعيم "التيار" صانعاً للمشاكل والقلاقل، وأنه يسعى إلى الإمساك بالقرار الشيعي منفرداً، وهي نظرته إليه منذ زمن ولايتيه على رأس الحكومة، وبالتالي فإنّ السير بخيار تشكيل حكومة بلا الصدريين أمر مرحّب به من المالكي، وكذلك من حليفه في "الإطار التنسيقي" زعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، فيما لا يلقى هذا الخيار ترحيباً من العامري ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي.

ولا يعكس ذلك سوى حقيقة أن الجميع منقسمون في العراق. الانقسام الشيعي جوهره الصراع على السلطة، والانقسام الكردي الصراع على النفوذ داخل إقليم كردستان، والانقسام السنّي الصراع على المصالح بصرف النظر عن التحالفات السياسية.

"الإطار التنسيقي" منقسم حيال خيار الذهاب إلى النهاية بالتصعيد ضدّ الصدر وصولاً إلى إقصائه من الحكومة بعدما أقصى نفسه من البرلمان. مؤيدو هذا الاتجاه، المالكي والخزعلي وآخرون، يرونها فرصة لاستعادة النفوذ في دوائر "الدولة العميقة" التي أرساها المالكي ونجح الصدر في زعزعتها بعد خروج صاحب الولايتين. ويرون كذلك أن تمكين الصدر من السيطرة على تشكيل حكومة تقصي المالكي يعني تفريطاً بـ"المكاسب" التي حققتها الشيعية السياسية في مواجهة غرمائها، إذ ليس خافياً أن معارضة "الإطار التنسيقي" الحازمة لـ"التحالف الثلاثي" كانت تقوم بشكل رئيسي على أن الغالبية فيه ليست للشيعة، بل للسنّة العرب والأكراد.

أما معارضو هذا الاتجاه، العامري والعبادي وآخرون، فيرفعون شعار تجنيب البلاد المزيد من الدماء والعمل لتسوية تبقي الجميع في دائرة السلطة، وبالتالي الحفاظ على النظام بصيغته القائمة. لا يُخفى أن ثمة حسابات مرتبطة بغياب الودّ تدريجاً بين شخصيات كلّ من الطرفين داخل "الإطار"، في حين يبدو زعيم "تيار الحكمة" عمار الحكيم في منطقة وسط، تارة تقرّبه خطوة إلى الصقور، وسرعان ما تذهب به أخرى إلى الحمائم.

انقسامات صدرية

و"التيار الصدري" بدوره منقسم، رغم الهالة المسيطرة لزعيمه والتي تجعله في النهاية صاحب القرار الأخير. لكنّ فيه شخصيات تتشدّد في وجوب إقصاء المالكي، ولا سيما أن هذا ما تعهد به الصدر مراراً في تغريداته عن "المجرّب لا يجرّب"، العبارة الشهيرة للمرجعية الشيعية. ويتمسك المتشددون حول الصدر برفض أي وساطات لتأمين عودة النواب الصدريين. أما الأكثر مرونة بين رجالاته فيرتأون التجاوب مع المبادرات، ولا سيما إن حظيت برعاية أممية، تجنّباً لتحميل "التيار" عبء استمرار الانسداد السياسي إلى ما لا نهاية، علماً أن هؤلاء ليسوا من مؤيدي خطوة استقالة النواب الصدريين أساساً.

...وكردية

والحزبان الكرديان كذلك منقسمان.

فللوصول إلى تسمية شخصية شيعية لتشكيل الحكومة، لا بدّ من المرور ببوابة رئاسة الجمهورية المنوطة بالأكراد. يتمسك "الاتحاد الوطني الكردستاني" بمرشحه الرئيس الحالي برهم صالح، في حين أعلن "الحزب الديموقراطي الكردستاني" ترشيح ريبر أحمد. المعلومات الأخيرة المتوافرة في بغداد تفيد بأن مسعود البارزاني يرفض بشكل قاطع استمرار برهم صالح في منصبه الرئاسي. وإذ يبدو ذلك انفتاحاً على خيار ترشيح "الاتحاد" بديلاً منه، تُطرح تساؤلات عن الثمن المقابل الذي يريده البارزاني من بقاء رئاسة الجمهورية في يد خصمه الكردي، ورئاسة الوزراء في يد فريق شيعي لم يأمن أحدهما للآخر حتى في أفضل مراحل علاقاتهما. ومن الخيارات المطروحة كذلك في شأن رئاسة الجمهورية تقديم الحزبين الكرديين مرشّح تسوية هو عبد اللطيف رشيد.

أما القوى السنّية فانقسامها واتفاقها لم يكونا يوماً بسبب خلافات جوهرية على مشاريع سياسية، بمقدار ما كانت المصالح هي ما يحدّد اتجاهاتها. ويرى مصدر سياسي متابع لهذا الملف أن القادة السنّة وجدوا أنفسهم بعد 2003 في خضمّ نظام سياسي طاحن لا يترك لهم مجالاً إلا الانخراط في شروطه لتحصيل مكاسب. فقد جرّبوا المقاطعة وكانت تكلفتها باهظة، ثمّ جاءت فترة الانخراط في النظام السياسي لكنها أدّت إلى الصدام مع عهد المالكي وكانت الظروف التي أدّت إلى سيطرة "داعش" في 2014 على المحافظات الغربية. بعدها دخلت خلافات قياداتهم مراحل متقدمة من التسقيط المتبادل إلى درجة لم يعد "النظام الشيعي" وحده السبب في مشاكل ما يصطلح على تعريفه بـ"المكوّن السنّي" على غرار "المكوّنين" الشيعي والكردي.

والتشرينيون منقسمون...

على أعتاب الذكرى الثالثة لـ"انتفاضة تشرين"، لم تكن أجواء ما يعرف بالأحزاب والقوى التشرينية على ما يرام. إقالات واستقالات في حركة "امتداد"، اتهامات بـ"خيانة دم الشهداء" وأخرى بـ"الانتفاع من الثورة" في أوساط قوى أخرى. نزل المتظاهرون السبت إلى الشوارع واشتبكوا مع القوى الأمنية مؤكدين شعارات رفاقهم الذين قضوا قبل ثلاثة أعوام تحت لافتة "نريد وطن". أثقلت الأعوام الأخيرة كاهل كثير من الناشطين بين من استُهدف وقُتل ومن استُهدف ونجا ومن استُهدف وهاجر. وبقي كثيرون في دوامة الجدال بين من يرى أن النضال مطلوب من داخل المؤسسات ولا سيما بعدما نجح تشرينيون في الوصول إلى قبة البرلمان نواباً، وبين من يرى ذلك شهادة براءة للنظام السياسي الذي يتهمونه بقتل 600 شاب عراقي خلال تشرين الأول (أكتوبر) 2019.

حسابات إيرانية... وإيران كذلك منقسمة في العراق.

وفقاً لمصادر إيرانية غير رسمية في بغداد، ثمة وجهتا نظر حيال الدور الإيراني في العراق بعد غياب الجنرال قاسم سليماني عن الساحة. الأولى تقرّ بأنّ هذا الدور تأثّر جزئياً لجهة القدرة على تطويع العلاقات الشخصية في إنجاز تسويات، وهو ما ليس متوافراً لاسماعيل قآني، خليفة سليماني في قيادة "فيلق القدس" في "الحرس الثوري الإيراني"، رغم زياراته المتعددة للعراق، لكن ذلك لا يعني ترك الأمور بلا محاولات ضغط لتجنّب الاقتتال الشيعي – الشيعي الذي قد يلقي بآثاره على إيران ذاتها.

ووجهة النظر الأخرى تقرّ بأن جهات عراقية محسوبة على إيران بدأت فعلاً تتمرد على توصياتها، بما دفع جهات إيرانية للضغط في طهران لترك القوى الشيعية العراقية تواجه مشاكلها بنفسها حتى لو أدّى ذلك إلى القتال في ما بينها، ولا سيما بعدما بدأت الأوضاع داخل إيران تزداد تعقيداً في ظل قضية مهسا أميني وتوسّع الاحتجاجات. ويدعو أصحاب هذا التوجه إلى التركيز في التعامل مع العراق على اتهامه بالتقصير في مواجهة الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة في إقليم كردستان العراق، والتي يتهمها النظام الإيراني بالإعداد لـ"عمليات تخريبية" داخل إيران، والتحريض لإسقاط النظام، وبالتالي وجوب استمرار الضغط العسكري على العراق بقصف مناطقه الشمالية.

هل انتهت حظوظ الولاية الثانية؟

بين هذه التناقضات كلّها يراقب مصطفى الكاظمي الوضع، ويستخدم أيسر الإمكانات المتاحة: "الحوار الوطني"، وهو يستعد للدعوة إلى جولة ثالثة منه بعد اثنتين، الأولى في 17 آب (أغسطس) والثانية في 5 أيلول (سبتمبر)، بغياب "التيار الصدري". أبعدَ تشكيلُ "ائتلاف إدارة الدولة" نوعاً ما خيار الولاية الثانية لرئيس الوزراء العراقي، لكنّ أوساطه لا ترى أن الأمور حُسمت. لا يزال ثمة رهان على استمرار الكاظمي لولاية ثانية للأسباب ذاتها التي أوصلته إلى الأولى: إجراء انتخابات مبكرة في ظل انقسام سياسي حاد. يستند مؤيدو استمراره إلى تجربة الانتخابات الأخيرة التي لم تُصبها شوائب انتخابات 2018 الكارثية، وإلى أرقام اقتصادية مشجعة، وعلاقات عربية ودولية داعمة له، حتى أن قيس الخزعلي شنّ قبل أيام هجوماً عنيفاً على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متهماً إياه بالاتصال بشخصيات عراقية قيادية لحضّها على دعم بقاء الكاظمي لولاية ثانية، ومطالباً إياه بالاعتذار إلى العراقيين قائلاً إن فرنسا تلعب دوراً مبالغاً به في العراق، لا يتناسب وتاريخها فيه. السفير الفرنسي في بغداد إيريك شيفالييه رفض التعليق على هجوم الخزعلي بعدما سأله كاتب هذا المقال عن موقفه حياله، في ندوة خلال "ملتقى الرافدين" الذي تحدث فيه الخزعلي.

أمّا الموقف الأميركي فيتمسّك بالدعوات المعتادة إلى الإصلاح من ضمن النظام، مع الحضّ على "الحوار البناء والشامل" من أجل "تعزيز الوحدة الوطنية وجعل النظام السياسي يعمل بشكل أفضل لكل العراقيين" عبر "تشكيل حكومة تستجيب لاحتياجات الناس"، وفق بيان للسفارة الأميركية في ذكرى تظاهرات تشرين.

وأضاف البيان: "في النهاية، هذا شأن عراقي. وكيفية الخروج من هذا المأزق السياسي متروكة للعراقيين فقط. لكن كأصدقاء، نحث جميع الأطراف العراقية على احترام مؤسسات الدولة والسماح لها بالعمل بشكل سلمي وفعال وإصلاح النظام بحيث يكون مسؤولاً مسؤولية كاملة أمام الشعب العراقي". وهذا الموقف يعدّه منتقدوه، ولا سيما من ناشطي "تشرين"، دعماً للنظام بصيغته الحالية.

مصدر عراقي رفيع في بغداد تحدّث إلى "النهار العربي" عن مخاوف جدية في حال إصرار طرفي النزاع الشيعيين على موقفيهما. فمعارك المنطقة الخضراء في آب المنصرم لا تزال ماثلة للعيان، وقد سقط ضحيتها أكثر من 50 قتيلاً ومئات الجرحى. يتوقع المصدر أن يُشعل ذهاب "ائتلاف إدارة الدولة" نحو تشكيل حكومة بلا الصدريين – في حال حصوله - فتيلَ معركة جديدة تكون أقسى من السابقة وتثير انقساماً غير معهود في المجتمع الشيعي العراقي، دون أن تقتصر المواجهة على بغداد. لكنّه يرجّح أن ذلك لن يكون بحجم حرب شيعية – شيعية يكثر الحديث في شأنها، بل قد تستمر المعارك والمناوشات أياماً قليلة، يتمّ بعدها العودة إلى مرحلة تشبه في ظروفها ما كانت عليه الأمور أيام حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، فيُشكّل "ْإدارة الدولة" حكومة لا تصمد طويلاً أمام موجة تظاهرات جديدة على نمط "تشرين".

وللحؤول دون هذا السيناريو المكلف، يرى المصدر الرفيع وجوب إقناع المتشددين في كلا الطرفين بالتوصل إلى تسوية تعجّل إجراء انتخابات مبكرة جديدة، وعدم الذهاب في اتجاه خطوات قد تفجّر الوضع بشكل كبير.

من يمكنه أداء هذا الدور؟

صار معروفاً في العراق أن المرجعية الشيعية في النجف هي من أدّى الدور الأبرز في وقف المعارك الأخيرة في نهاية آب، وعليها يبني دعاة التسوية أملهم في منع الانزلاق مجدداً إلى السيناريو الأسوأ. المرجعية الشيعية الممثلة بآية الله السيد علي السيستاني لا تزال على موقفها الرافض لاستقبال السياسيين العراقيين، ويرجّح متخصصون في شؤونها ألا تنخرط بشكل مباشر في الأزمة الراهنة، وتكتفي بالتدخل الحاسم من خلف الأضواء في حال سارت الأمور نحو الهاوية، وهو ما فعلته تحديداً بعد معارك بغداد في نهاية آب. وإلى أن يتم تبيان ما ستؤول إليه الأمور، تفيد معلومات بأن ثمة خطوتين محتملتان قريباً:

الأولى تظاهرات متوقعة لـ"التيار الصدري" يثبت من خلالها الصدر أن الشارع معه وهو الأقوى.

والأخرى تظاهرات للتشرينيين في 25 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، في ذكرى الموجة الثانية لتظاهرات 2019، ويُتوقّع لها أن تكون أكثر حشداً وتنظيماً. إلى ذلك الحين سيبقى مئات الجنود العراقيين مستنفَرين عند بوابات الدخول إلى المنطقة الخضراء وفي نقاطها المفصلية. قوات من الحرس الخاص ومكافحة الإرهاب ومكافحة الشغب وغيرها، تصطف بضباطها وأفرادها المنهَكين عند جوانب الجسور وأمام مداخل المؤسسات الرسمية وبيوت القادة، في انتظار العاصفة الآتية. 

Turning the Pretoria Deal into Lasting Peace in Ethiopia...

 السبت 26 تشرين الثاني 2022 - 5:16 م

....Turning the Pretoria Deal into Lasting Peace in Ethiopia..... Ethiopia’s federal government a… تتمة »

عدد الزيارات: 110,013,984

عدد الزوار: 3,729,177

المتواجدون الآن: 67