التحاور مع دمشق؟ دروس التجربة الفرنسية

تاريخ الإضافة السبت 31 كانون الثاني 2009 - 12:05 م    عدد الزيارات 721    التعليقات 0

        

كيف سيتم التحاور مع دمشق؟ يطرح هذا السؤال في الوقت الذي تعكف فيه الإدارة الأمريكية القادمة على دراسة خيارتها حيال الموضوع، و في الضاهر فإن أي تقارب بين الولايات المتحدة و سوريا إضافة إلى معاهدة سورية إسرائيلية سوف تغير معطيات المنطقة بصورة جوهرية، و في هذا السياق فإن التجربة الفرنسية تقدم دروسا هامة تستححق التفكير و التأمل. إنها تجربة التزمت بدفع الحوار و لكنها بذات الوقت مستعدة لقطعه، وهي تجربة خلاقة في مقاربتها التي تحددت ضمن إطار معروف و واضح، كما تميزت فرنسا في هذه التجربة عبر تلمس الفرص غير المرئية عندما تصبح مهياة و جاهزة.
بعد فترة من القطيعة و المواجهة التي وصفت بالشديدة بين باريس و دمشق، فإن التلاقي بين الطرفين بدا غير مؤكد بل صعبا للغاية على الرغم من قدوم رئيس فرنسي غير نموذجي و مستعد للحوار إضافة إلى كونه متلهف للتمايز عن إرث سلفه كما انه يفضل البراغماتية عن الإيديولوجيا. إن التجربة الفرنسية مع سورية تميزت بكونها انتقلت من موقع إلى آخر أي من طرفي نقيض و لم تخضع لمخطط مسبق و محكم بل سلكت حافة الهاوية بمعنى إبداء مرونة عالية و بذات الوقت إعادة فحص دائمة لكل خطوة و تميزت بفترات اتصال و تواصل كثيفة كما بانقطاع عميق و جذري.
و في الوقت الذي تبحث فيه فرنسا في ارتدادات ما يحدث في غزة على مجمل الصراع العربي الاسرائيلي و السيادة اللبنانية أو مكافحة الارهاب و أيضا ما يتعلق بالملف النووي الإيراني فإن مقاربتها تسلك الطريق دائما و تظل في كثير من الحالات غير محددة المعالم. و بنظر الولايات المتحدة لم تكن هذه المنهجية صالحة أو فعالة إلا إذا أضهرت بالملموس عن المسائل التي يمكن أن تكون فيها شريكا ذو مصداقية و عنصر استقرار في المنطقة.
و ستشكل هذه الحالة إحدى التحديات في الأسابيع و الأشهر القادمة، و خلال هذه الفترة تستطيع كل من دمشق و باريس بلورة الخطوط العريضة لتطبيع العلاقات على الأقل في ثلاثة ملفات هامة: ففي لبنان يكمن التحدي الرئيسي في تقليص كافة الأخطار التي يمكن ان تعود بالأوضاع إلى المواجهة من جديد و ذلك عبرالاستجابة الواقعية للمطالب الأكثر شرعية للأغلبية الحالية في الحكومة اللبنانية، كمسألة ترسيم الحدود بين سوريا و لبنان، مراجعة الاتفاقيات البينية الموقعة أيام الهيمنة السورية على لبنان و القبول بمبدأ الوساطة الدولية فيما يتعلق بالمفقودين اللبنانيين في السجون السورية.
و في العراق يمكن لفرنسا ان تعتمد على شبكة قوية من العلاقات بنتها سوريا، و يمكن لفرنسا أن تقوم بدور الكشاف لإدارة أوباما باتجاه الانفتاح و التحاور مع جزء مهم و ذي تمثيل واسع للعرب السنة، و بصورة خاصة تلك الأوساط التي لاتزال خارج العملية السياسية و خارج ظاهرة الميليشيات القبلية أوالصحوات. إن دور الوساطة الذي يمكن أن تضطلع به فرنسا في هذا الموضوع يمكن أن تساهم في إطلاق تعاون بين واشنطن و دمشق الذي سوف لن ينحصر بالتاكيد حول الفكرة الوهمية ل"إغلاق" الحدود السورية-العراقية.
الملف الثالث و الأخير يتمحور حول المسألة الفلسطينية. إذ أن الصراع الدائر حاليا في غزة يوفر لباريس فرصة لتفحص جاهزية دمشق لممارسة تأثير إيجابي على حركة حماس، ضمن سياق الوصول إلى وقف عملي لإطلاق النار، لقبول حل عادل و قابل للحياة مع حركة فتح أو الموافقة على خطة السلام العربية إذا كان ذلك آخر عقبة أمام حكومة وحدة وطنية. لذلك يجب على فرنسا أن تتبنى مقاربة أوروبية تتكامل مع الجهود الامريكية و لا تكون بديلا عنها، مقاربة تبحث في السبل الممكنة و الشروط الضرورية للتحاور مع الحركة الإسلامية.
تلك هي نجاحات و حدود التجربة الفرنسية، المتميزة بالحيوية و أحيانا بالحدسية و في بعض الحالات تتصف بالتناقض، و مع ذلك فهي تجربة غنية مليئة بالدروس للإدارة الامريكية.
 في البداية و بعد مرحلة طويلة من العلاقات المقطوعة، يصبح من الضروري- أو هكذا يفترض- الانتظار امام مرحلة من المراقبة المتبادلة و فحص إمكانيات و فرص إعادة بناء علاقات الثقة، و بعد ذلك و حتى تتهيأ الظروف لنجاح الحوار يجب أن توضع أهداف واضحة و ثابتة و ليس عبر قائمة من التمنيات المتقلبة. بالنسبة لباريس كان الهدف واضحا و تمثل بصورة خاصة بانتخاب رئيس توافقي في لبنان، وهو هدف تم تحديده عبر اختيار ميشال سليمان رئيسا توافقيا.
 كما يجب، و بصورة موازية، أن يكون هناك قدر من الصبر في مرحلة التفاوض بقدر التحرك بالسرعة اللازمة حين تبرز الفرصة المناسبة، إن التسرع الذي صبغ التحرك الفرنسي عام 2007 عندما أطلق الرئيس ساركوزي حزمة سياسية شاملة و على كل الصعد، فإنها ف ي أحسن الحالات لم تكن مفيدة و أما في أسوئها فإنها شجعت دمشق على زيادة التصلب في مطالبها إضافة أن ذلك مكنها من ربح الوقت. و بالمقابل عندما سعت فرنسا إلى مكافأة سورية على أولى إشاراتها فإنها أكدت مصداقيتها و حملت دمشق على الانخراط في العملية بصورة أكثر تقدما. إضافة إلى ذلك يجب عدم التردد في قطع الحوار إذا كانت الأحداث تبرر ذلك و لكن يجب ان يترافق ذلك مع الابقاء على خطوط اتصال مفتوحة و ذلك للتحرك بسرعة عندما تتوافر من جديد شروط الانفتاح. إن الادارة الامريكية القادمة يمكنها أن تستلهم من مقاربة حيث كل تقدم تتم مكافأته و كل تراجع يتعرض للعقاب.

للاطلاع على الدراسة

The Arab Spring a decade on

 السبت 16 كانون الثاني 2021 - 7:47 م

The Arab Spring a decade on Ten years ago, in mid-January 2011, Tunisians pushed President Zine e… تتمة »

عدد الزيارات: 54,051,944

عدد الزوار: 1,647,025

المتواجدون الآن: 51