أميركا في 2019: إجراءات عزل تاريخية وقرارات أشعلت صراعات في البيت الأبيض..

تاريخ الإضافة الثلاثاء 31 كانون الأول 2019 - 5:40 ص    عدد الزيارات 233    التعليقات 0

        

أميركا في 2019: إجراءات عزل تاريخية وقرارات أشعلت صراعات في البيت الأبيض..

ترمب يُعدّ لمعركة انتخابية ساخنة... ويعوّل على تبرئته في «محاكمة الشيوخ»..

الشرق الاوسط...واشنطن: رنا أبتر... كان عام 2019 حافلاً بأحداث سوف يذكرها التاريخ، واجهت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحديات قلّما واجهتها إدارات أميركية في السابق. وأصبح ترمب خلالها الرئيس الثالث فقط في التاريخ الأميركي الذي يعزله مجلس النواب. فشخصية ترمب مختلفة للغاية عن شخصيات سياسية تقليدية اعتادت عليها واشنطن وعرفتها. شخصية تصادمت مع الديمقراطيين وتحدّتهم ليصل الأمر بهم إلى محاولة خلعه من مقعد الرئاسة. شخصية تحدّت زعماء الدول الحليفة وواجهتهم من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وصولاً إلى رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو. هذه الشخصية تحدّت الأعراف والتقاليد، واعتمدت على سياسة التواصل عبر «تويتر»، والإعلان عن أهم القرارات في السياسة الأميركية داخلياً وخارجياً عبر تغريدات. أبلغ ترمب من خلال تغريداته الأميركيين والعالم بسحب القوات الأميركية من سوريا، وبإلغاء الضربة العسكرية على إيران، وبمنع رئيسة مجلس النواب من السفر بسبب الإغلاق الحكومي، وباستقالة أو إقالة مسؤولين في الإدارة. ناهيك عن تغريداته اليومية التي حملت وابلاً من الانتقادات للمحقق الخاص روبرت مولر، وللديمقراطيين، وإجراءات عزله. ومما لا شك فيه أن تداعيات السياسات المذكورة ستمتد إلى العام المقبل، وتؤثر مباشرة على نتيجة الانتخابات الرئاسية والتشريعية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، في حلبة صراع مزدحمة بمرشحين ديمقراطيين ورئيس حالي هو الثالث الذي يصادق مجلس النواب على عزله في تاريخ الولايات المتحدة.

الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة

في الأول من يناير (كانون الثاني) 2019، استيقظ الأميركيون على وقع الإغلاق الحكومي الثالث في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لم يعرفوا حينها أنه سيكون الإغلاق الأطول في تاريخ الولايات المتحدة. فقد بدأ الإغلاق الجزئي في الثاني والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) 2018 مع بدء عملية شد الحبال بين البيت الأبيض والكونغرس، بعد فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس النواب. السبب: ملف الهجرة غير الشرعية وبناء حائط مع المكسيك. ففي حين دفع الديمقراطيون باتجاه تمويل المرافق الحكومية من دون شروط، أصر البيت الأبيض على إضافة تمويل الحائط. ومع مطلع العام الجديد وتسلم نانسي بيلوسي مطرقة الرئاسة في مجلس النواب، بدا أن الوضع يتدهور أكثر فأكثر وتبددت الآمال بالتوصل إلى اتفاق.

قصة خطاب حالة الاتحاد

علاقة ترمب ببيلوسي علاقة يصفها الكثيرون في واشنطن بالمضطربة في أفضل أيامها، ولعل أبرز مثال على ذلك قصة خطاب حال الاتحاد. فهذا التقليد المرسخ في العلاقة بين الكونغرس والبيت الأبيض شهد أكبر أزمة في تاريخه: بيلوسي سحبت الدعوة التي سبق وأن وجّهتها لترمب لإلقاء خطاب حال الاتحاد السنوي في التاسع والعشرين من يناير، بسبب الإغلاق الحكومي. فردّ عليها ترمب من خلال إلغاء زيارتها الرسمية إلى مصر وأفغانستان وبلجيكا. واستمرت عملية شد الحبال هذه إلى أن تم التوصل إلى اتفاق لفتح المرافق الحكومية بعد خمسة وثلاثين يوماً من إغلاقها. لكن بيلوسي لم تخرج من الصورة، حرفياً. فبعد فتح المرافق الحكومية أبوابها، ألقى ترمب خطاب حال الاتحاد في الخامس من فبراير (شباط)، ووراءه مباشرة جلست رئيسة المجلس، لتصبح صورتها وهي تصفق بسخرية للرئيس الصورة الأشهر تلك الليلة. ويتحدث مدير مكتب صحيفة «بوليتيكو»، جون بريسناهن، عن المراحل المتعدّدة التي مرت بها علاقة ترمب ببيلوسي. ويقول: «لقد بدأت بتغطية الكونغرس في أوائل عام 1990، وعلاقة ترمب ببيلوسي هي أكثر علاقة مشحونة ومتوترة تجمع بين رئيس أميركي ورئيس مجلس نواب. إن العلاقة تدهورت بشكل دراماتيكي منذ تسلم بيلوسي مطرقة رئاسة في المجلس، وهما بالكاد يتحدثان مع بعضهما بعضاً اليوم. وفي كل مرة يتحدثان فيها، تحصل مواجهة كبيرة ويغادر أحدهما قاعة الاجتماع. هذا أمر غير مسبوق».

جيمس ماتيس وسوريا

دخل ترمب العام الجديد من دون وزير دفاع في إدارته. فجايمس ماتيس قدّم استقالته بعد خلافات عميقة بين الرجلين بسبب قرار ترمب سحب القوات الأميركية من سوريا، ودراسة سحب القوات من أفغانستان. وجاءت استقالة الجنرال المتقاعد بعد يوم من تصريحات مفاجئة للرئيس الأميركي يعلن فيها عن انسحاب القوات الأميركية من سوريا والفوز على تنظيم «داعش» الإرهابي. تصريحات ترمب هزت وزارتي الدفاع والخارجية؛ إذ تزامنت مع تكرار مسؤولين في الوزارتين لتصريحات مفادها أن القتال ضد التنظيم في سوريا لم ينته بعد.

الموضوع الآخر الذي دفع بماتيس إلى اتخاذ قراره بالاستقالة هو طلب ترمب من البنتاغون العمل على استراتيجية لسحب عدد من القوات الأميركية من أفغانستان، على الرغم من معارضة وزير دفاعه. غياب ماتيس هز الأوساط السياسية في واشنطن، خاصة في الكونغرس، حيث يتمتّع الرجل بسمعة طيبة ويحظى بثقة المشرعين من الحزبين، وقد عادلت هذه الصدمة التي تلقاها المشرعون لدى استقالة ماتيس صدمة سماعهم بنية ترمب الانسحاب من سوريا. ولعلّ خير دليل على هذا تصريح أقرب حلفاء ترمب في الكونغرس، زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل الذي قال حينها: «لقد أحزنني خبر استقالة ماتيس، وأنا مستاء ومضطرب من أنه قدّم استقالته بسبب خلافات عميقة مع الرئيس متعلقة بمظاهر أساسية للدور القيادي العالمي الذي تؤديه الولايات المتحدة».

دان كوتس وروسيا

وجه آخر استاء أعضاء الكونغرس من مغادرته الإدارة هو دان كوتس، مدير الاستخبارات الوطنية. كوتس السياسي المخضرم الذي خدم في مجلسي الشيوخ والنواب وعُيّن سفيراً للولايات المتحدة في ألمانيا أيام جورج بوش الابن، كان مستاءً من موقف الإدارة حيال روسيا. وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن كوتس قرّر تقديم استقالته لأسباب متعلقة بمحاولات الإدارة المتكررة للتخفيف من حدة الانتقادات لروسيا بسبب تدخلها في الانتخابات الأميركية.

جون كيلي و«الناتو»

استقالة أخرى هزت الإدارة هي استقالة جون كيلي، كبير موظفي البيت الأبيض ووزير الأمن القومي السابق. ويقول داعمو كيلي، إن وجوده في البيت الأبيض ساعد في ملفات عدة، أبرزها إقناع ترمب بعدم سحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية، وإبقاء عضوية الولايات المتحدة في حلف شمالي الأطلسي.

كيرستن نيلسن وجدل الهجرة

استقالة جون كيلي حوّلت الأنظار إلى خليفته في منصبه السابق، وزيرة الأمن القومي كيرستن نيلسن. فنيلسن واجهت أحد أكثر الملفات حماوة في واشنطن: ملف الهجرة غير الشرعية، وقد أدت سياسة فصل الأطفال عن أهاليهم على الحدود الأميركية - المكسيكية إلى موجة من الانتقادات الديمقراطية لتعاطي نيلسن مع الملف. وعندما احتدم النقاش في الإدارة الأميركية لمحاولة إصلاح سياسة الهجرة غير الشرعية، أعلن الرئيس الأميركي عن نيته اعتماد سياسة أكثر صرامة، فقدّمت وزيرة الأمن القومي هي الأخرى استقالتها.

جون بولتون وإيران

لم تتوقف موجة الاستقالات عند نيلسن، ولعل الاستقالة الأكثر دراماتيكية حتى الساعة هي استقالة مستشار الأمن القومي جون بولتون. علاقة ترمب ببولتون، وهو من صقور الجمهوريين، كانت متوترة على مدى السبعة عشر شهراً التي أمضاها في منصبه. ووصلت إلى درجة الانفجار لدى مغادرة بولتون، فقد غرد ترمب بأنه طلب من بولتون الاستقالة، في حين أصر بولتون على أنه قرر تقديم استقالته بنفسه. ولعل السبب الأبرز الذي أدّى إلى استقالة بولتون أو إقالته، هو محاولاته الحثيثة عرقلة مساعي ترمب للتوقيع على اتفاق سلام مع حركة «طالبان» في كامب ديفيد. وقد غيّر ترمب رأيه في اللحظة الأخيرة وألغى الاجتماع بعد أن تبنت «طالبان» انفجار سيارة مفخخة في كابول أودى بحياة جندي أميركي. واتهم ترمب بولتون بتسريب أخبار الاجتماع في كامب ديفيد لإفشاله. وواجه الرئيس الأميركي انتقادات كثيرة من قبل حزبه والديمقراطيين، خاصة أن اللقاء كان سيتزامن مع ذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول). ويتحدث ماثيو برودسكي الباحث في مجموعة الدراسات الأمنية في واشنطن عن هذه الاستقالات المتتالية في الإدارة الأميركية وتأثيرها على البيت الأبيض: «إن أي استقالة تؤثر بطريقة مختلفة على كل حزب. عندما أصبح ترمب رئيساً، قال الديمقراطيون إن من حوله سيشكلون درعاً لحماية البلاد، وسوف يحرصون على ألا يتخذ قرارات متشددة. الديمقراطيون وثقوا بماتيس كثيراً، وفقدوا صوابهم عندما غادر. أما الجمهوريون من الصقور مثلي، فاعتبروا مغادرة بولتون أمراً محزناً لأنه كان يركز كصقر على تهديدات مثل إيران وكوريا الشمالية». تأثير الصقور كبولتون كاد أن يُترجم في يوليو (تموز) 2019 عندما أسقطت إيران طائرة أميركية من دون طيار فوق مضيق هرمز. قال ترمب حينها، إن إيران «ارتكبت خطأً كبيراً»، وقرّر الرد عبر شن ضربة عسكرية. غير أنه تراجع في اللحظة الأخيرة، مفاجئاً جنرالاته وحلفائه. وبرر هذا القرار في تغريدة قال فيها: «أوقفت الغارة قبل 10 دقائق من موعد تنفيذها؛ لأن الرد لا يتناسب مع إسقاط طائرة من دون طيار». وقال ترمب إنه ألغى الضربات عندما قيل له إن 150 شخصاً سيذهبون ضحايا لها. الديمقراطيون تنفسوا الصعداء لدى إلغاء الضربة. وقالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، إن الولايات المتحدة ليست لديها رغبة في الحرب مع إيران، في حين وصف نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن استراتيجية ترمب في إيران بأنها كارثية. أما صقور الجمهوريين فقد خاب أملهم من قرار ترمب، موقف فسّره ماثيو برودسكي الذي عمل مستشاراً في الخارجية الأميركية للملف الإيراني: «أعتقد أن الولايات المتحدة كان يجب أن تضرب إيران، فالضعف يؤدي إلى مزيد من الأفعال الاستفزازية من قبل أعدائنا... إن النظام الإيراني يحاول التلاعب بأوروبا والولايات المتحدة. وفي نهاية المطاف، على الأرجح أن تستمر أوروبا باسترضاء إيران، وعلى الولايات المتحدة وضع خط أحمر والالتزام به».

مولر وحملة الاعتقالات

في حين تشابكت الاضطرابات على صعيد السياسة الخارجية، كان ترمب يواجه فيضاً من الهجمات الداخلية، فطرده لمدير الـ«إف بي آي» جايمس كومي كانت له تداعيات كبيرة، تمثلت بقرار وزارة العدل حينها تعيين المحقق الخاص روبرت مولر للنظر في احتمال وجود تواطؤ بين حملة ترمب الانتخابية وروسيا. تحقيق وصفه ترمب مراراً وتكراراً بـ«حملة مطاردة الساحرات». مولر وبعد تحقيق استمر قرابة العامين، أصدر تقريره النهائي في أبريل (نيسان) من عام 2019. وقد أدت تحقيقاته إلى إدانة 34 شخصاً، منهم مدير حملة ترمب السابق بول مانافورت، ومستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، ومحامي ترمب السابق مايكل كوهين، وغيرهم. وعلى الرغم من أن التقرير بخلاصته برأ ترمب من أي تواطؤ مباشر مع الروس، فإنه لم يحسم موضوع عرقلته للعدالة. وقد قال مولر حينها للكونغرس: «ليست لدينا الثقة الكافية لنقول بعد التحقيق إن الرئيس لم يقم بأي عرقلة للعدالة». وترك مولر الباب مفتوحاً أمام الكونغرس للنظر في هذه النقطة على وجه التحديد. لكن رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي لم تر حينها وجود أدلة كافية لفتح باب التحقيق، إلى أن ظهرت شكوى المُبلغ في فضيحة أوكرانيا وانقلبت كل المعطيات. ويشرح جون برسناهن، مدير مكتب «بوليتيكو» في الكونغرس، كيف تغيرت حسابات الديمقراطيين: «عندما انكشفت فضيحة أوكرانيا، تزايد الدعم الديمقراطي لعزل الرئيس، لكن هذا لم يبدأ من الصفر. فقد كان هناك عدد لا بأس به من الديمقراطيين الذين أرادوا عزل ترمب بعد تقرير مولر. اتصال ترمب الشهير بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جرى في الخامس والعشرين من يوليو بعد يوم واحد من إدلاء مولر بإفادته أمام الكونغرس».

المصادقة التاريخية على العزل

في الرابع والعشرين من سبتمبر 2019، أعلنت نانسي بيلوسي عن بدء التحقيق في عزل الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليصبح الرئيس الرابع في تاريخ الولايات المتحدة الذي يواجه إجراءات العزل. سبقه كل من أندرو جونسون في عام 1868، وريتشارد نيكسون في عام 1974، الذي استقال قبل مباشرة إجراءات العزل ضده، وبيل كلينتون في عام 1998. بيلوسي ترددت كثيراً قبل اتخاذ القرار، لكن اتصال الخامس والعشرين من يوليو الشهير بين ترمب والرئيس الأوكراني زيلينسكي كان كافياً لإقناعها بالمضي قدماً. فخلال الاتصال، طلب ترمب من زيلينسكي فتح تحقيق بشركة «بوريسما» الأوكرانية. وقال ترمب، بحسب النص الذي نشره البيت الأبيض: «هناك حديث عن نجل بايدن وعن أن بايدن أوقف التحقيق بالشركة، ويريد أشخاص كثر أن يعرفوا المزيد عن هذا الموضوع؛ لذلك فإن أي شيء تستطيع أن تفعله في هذا الخصوص مع النائب العام سيكون رائعاً». وكان ترمب يشير إلى هنتر بايدن، الذي يتمتع بمقعد في مجلس إدارة شركة «بوريسما». وثارت ثائرة الديمقراطيين؛ فهم رأوا أن الاتصال يثبت أن ترمب جمّد المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا للضغط على زيلينسكي في سبيل الإعلان عن إجراء تحقيق بخصم سياسي. في حين نفى ترمب والجمهوريون هذه الاتهامات، وقالوا إن الرئيس الأميركي كان يتحدث عن الفساد في أوكرانيا بشكل عام، وإنه جمّد المساعدات لهذا السبب قبل الإفراج عنها. وبدأ مسلسل إجراءات العزل عبر عقد جلسات استماع مغلقة ومفتوحة، تم استدعاء أكثر من 17 شاهداً خلالها. شهود من المقربين لترمب ومسؤولين حاليين وسابقين في الإدارة الأميركية، منهم من لبّى دعوة الكونغرس، ومنهم من رفضها احتراماً لرغبة البيت الأبيض. في مساء الثامن عشر من ديسمبر (كانون الأول)، صادق مجلس النواب على عزل الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة. وهي المرة الثالثة فقط في التاريخ الأميركي التي يصوت فيها مجلس النواب لعزل رئيس أميركي حالي. فقد صوّت المجلس لعزل أندرو جونسون وبيل كلينتون. ومع انتقال إجراءات العزل إلى مجلس الشيوخ، تبقى النتيجة شبه محسومة لصالح الرئيس. فالجمهوريون يسيطرون على المجلس المسؤول عن محاكمة الرئيس، وبيده القرار الأخير لخلعه عن الرئاسة. الأمر المستحيل نسبياً كون القرار بحاجة إلى ثلثي الأصوات، ليصبح مصير ترمب مشابهاً إلى حد كبير لمصير الرئيسين السابقين أندرو جونسون وبيل كلينتون. فقد صوّت مجلس النواب لعزل جونسون وكلينتون، لكنّ مجلس الشيوخ لم ينجح في إدانتيهما، فأكملا رئاستيهما حتى نهاية عهديهما. ويشرح جون برسناهن الفرق بين إجراءات عزل كلينتون ونيكسون من جهة، وترمب من جهة أخرى: «هناك فرق كبير في إجراءات عزل كلينتون ونيكسون وترمب؛ فنيكسون وكلينتون كانا في ولايتهما الثانية عند بدء إجراءات عزلهما ولم يكن متوقعاً أن يخوضا معركة رئاسية. ترمب مرشح لولاية ثانية، وعلى الجمهوريين التضامن معه وإلا فسوف يدفعون الثمن في نوفمبر المقبل». وسيخوض ترمب معركة رئاسية محتدمة في نوفمبر 2020، يراها البعض بمثابة محاكمة شعبية له في حال لم يعزله مجلس الشيوخ. لكن الرئيس الأميركي مطمئن، فعندما سأله أحد الصحافيين ما إذا كان قلقاً من تأثير العزل على نتيجة الانتخابات، رد ترمب: «أبداً! أبداً! هذه خدعة كبيرة سخيفة».

سياسات واشنطن الخارجية انسحابات طوعية وتهديدات متجدّدة

الشرق الاوسط...واشنطن: إيلي يوسف... يوشك عام 2019 على الانتهاء، وما زالت ملفات كثيرة شائكة تلقي بظلالها على علاقات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحلفائه التقليديين وخصومه. علاقة واشنطن بروسيا، ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والصين، شهدت تقلبات في بعض الأحيان، واستمرارية في أحيان أخرى. فشارك ترمب احتفال أعضاء الناتو بالذكرى 70 لتأسيس الحلف في لندن ودافع عنه، في تناقض حاد مع تصريحاته في عام 2017. لكنه غادر الفعاليات مبكّراً لاستيائه على ما يبدو من «نمائم» قادة كندا وبريطانيا وفرنسا. شن حرباً تجارية على الصين وضاعف الرسوم الجمركية على صادراتها، دون المساس بعلاقة «الصداقة» التي تجمعه بنظيره الصيني شي جينبينغ الذي قد يوقع اتفاقاً تجارياً مع واشنطن في بداية 2020. أما روسيا، فاستشهد سيد البيت الأبيض بحديث رئيسها فلاديمير بوتين للدفاع عن نفسه أمام تهم مجلس النواب التي أدّت إلى عزله، وانسحب في الوقت ذاته من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى الموقعة في عهد الحرب الباردة.

«التمدد الروسي»

هيمنت العلاقات الروسية - الأميركية على جزء كبير من الدورات الإخبارية في واشنطن هذا العام. ففي الوقت الذي يعرب فيه كل من الكرملين والبيت الأبيض عن رغبتهما في تحسين العلاقات الثنائية، تحذّر أجهزة الاستخبارات الأميركية من تدخل روسي جديد في الانتخابات الرئاسية المقبلة، في حين تحذر وزارتا الخارجية والدفاع من «التمدد الروسي» في بعض المناطق التي تشهد انسحاباً أميركياً نسبياً. ويسعى أكثر من طرف إقليمي ودولي للاستثمار في «الانسحاب الأميركي الطوعي» من أزمات لم يعد التورط مجدياً فيها، على ما أعلنه ترمب مراراً وتكراراً، من سوريا إلى أفغانستان. لكن مع ازدياد الانتقادات لواشنطن واتهامها بالتخلي عن حلفائها وشركائها في المنطقة وتقليص وجودها وأنشطتها في سوريا وليبيا، الذي استغلته روسيا عبر ملء الفراغ فيها، تحركت إدارة ترمب لتطويق تداعيات هذا التمدد، كاشفة عن اتصالات مكثفة بأطراف الصراع في ليبيا لوقف القتال. وأعلن وزير الدفاع مارك إسبر الانتهاء من سحب القوات الأميركية من شمال سوريا، مع الإبقاء على 600 جندي لحماية الأكراد ومواصلة الحرب على «داعش» ومنع سقوط حقول النفط تحت سيطرته أو سيطرة النظام السوري. كما واصلت إدارة ترمب ممارسة الضغوط على حلفائها الأوروبيين لوقف اعتمادهم على الغاز الروسي، وفرضت أخيراً عقوبات على الشركات العاملة في مشروع «نورد ستريم 2»، في سياسة بدا واضحاً أن محركها اقتصادي بأبعاد سياسية للتضييق عليهم، وليس للضغط على روسيا، بعدما تحولت العلاقة مع الحلفاء إلى «صفقات»، يحددها مدى استفادة واشنطن، وليس ما يخدم موقعها الدولي كقائدة للنظام الدولي، كما يرى البعض. هكذا، كرر ترمب انتقاده لألمانيا الذي لم يستثنِ مستشارتها أنغيلا ميركل شخصياً، قائلاً إن برلين باتت رهينة لروسيا جراء اعتمادها على مصادر طاقتها، وحاثاً إياها على التفتيش عن مصادر أخرى، من بينها الولايات المتحدة. لكن ملف العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا لا يزال حتى الساعة من دون حل، خصوصاً أن فرضها جاء على خلفية عمليات استخباراتية نفذتها موسكو ضد ناشطين ومعارضين على أراضي دول أوروبية حليفة. ويخشى الآن من تجددها وزيادتها، بعد الإعلان عن مقتل معارض جورجي في ألمانيا على يد عميل روسي في بداية الشهر الحالي. كما عرضت واشنطن أخيراً مكافأة بقيمة 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى اعتقال ومحاكمة روسيين متهمين بارتكاب واحدة من أكبر الجرائم الإلكترونية في التاريخ، تقول وزارة العدل الأميركية إنهما مرتبطان بجهاز الاستخبارات الروسية (إف إس بي)، وتمكنا من الاستيلاء على أكثر من 100 مليون دولار، عبر زرعهما برمجيات خبيثة، في عشرات البلدان خصوصاً في 11 ولاية أميركية.

ترمب والناتو

ملف علاقة الولايات المتحدة بحلف الناتو قد يكون من أكثر الملفات إثارة للجدل، ويلقي الضوء على موقف سيد البيت الأبيض من التحالفات الدولية عموماً. ترمب الذي تراجع عن تهديده بالانسحاب من الحلف، شاهراً في الوقت نفسه شعار إعادة التوازن للإنفاق بين أعضائه، اعتبر في قمة الحلف الأخيرة أن ضغوطه حققت نجاحاً وتقدماً عظيماً مع قادة الناتو جعلهم يدفعون 130 مليار دولار سنوياً، ونحو 400 مليار دولار خلال 3 سنوات، دون أي تكلفة إضافية على الولايات المتحدة. يقول بول سالم، رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن، إن «ترمب، ورغم اضطراره للبقاء في الناتو بسبب علاقات أميركا العميقة جداً بالحلف وتمسك الدولة العميقة به، فإنه لا يستبعد أن يهدد بالانسحاب منه مجدداً، أو أن ينسحب فعلياً، كما فعل سابقاً الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول. وهو تمكن من الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، ومن (نافتا)، واتفاقية التبادل التجاري مع المحيط الهادئ، على اعتبار أنها لم تعد تلبي مصالح أميركا». ويضيف سالم: «لكن إذا أعيد انتخابه، فسيتمسك عندها ترمب بالقول إنه يقود مساراً أميركياً طويل الأمد، وإن وجهة نظره صحيحة، وإن التاريخ والأميركيين يدعمونه. عندها يمكن القول إن هناك احتمالاً بحصول انقلاب عميق بالنظام العالمي، وينجح ترمب في تفكيك منظومة التحالفات العالمية ومنها حلف الناتو، وندخل في مرحلة جديدة». ما يعزز هذا التحليل ليس فقط العلاقات المتأرجحة التي تجمع ترمب بقادة الحلف والتي ظهرت خلال قمته الأخيرة في لندن، بل والتعليقات التي صدرت ولا تزال عن عدد منهم في محاولة لإعادة تعريف دور الحلف ووظيفته وسياساته. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان واضحاً في دعوته إلى تغيير جدول القمة، من التركيز على المال إلى مراجعة استراتيجية الحلف، الأمر الذي رفضه ترمب. كما أن تخفيف ترمب من انتقاداته سمح لقادة الحلف بالخروج بموقف جماعي يؤكد التضامن لمواجهة تهديدات روسيا والإرهاب، والإقرار بالتحديات التي يمثلها تصاعد نفوذ الصين، وبتراجع تركيا عن موقفها المتصلب تجاه خطة الدفاع عن دول البلطيق وبولندا.

تهديد الصين

«تمثّل الصين تهديداً فريداً وهائلاً للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها الديمقراطيين»، هكذا لخّص برادلي بومان الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن العلاقات بين واشنطن وبكين. ويعتبر بومان أن إدارة الرئيس ترمب أدركت طبيعة وشدة التهديد الذي تمثله الصين، وحققت تقدماً كبيراً في إعادة بناء الجهوزية العسكرية الأميركية. ولكن هناك الكثير الذي يتعين القيام به، حيث تحتاج وزارة الدفاع إلى تمويل كافٍ وفي الوقت المناسب وبالتعاون مع الكونغرس. ويضيف بومان أن القوة العسكرية الأميركية وحدها ليست كافية، إذ تحتاج أميركا إلى حلفاء وشركاء قادرين عسكرياً ولديهم رؤية مشتركة للتهديد الذي يمثله الحزب الشيوعي الصيني. وتمثل شبكة الحلفاء الأميركية استراتيجية كبيرة ورائدة ينبغي على واشنطن رعايتها وتعزيزها. ويعتقد بومان أنّ الصين حقّقت مكاسب كبيرة في عدة مجالات من المنافسة، متجاوزة الولايات المتحدة في بعضها، وقد تكون واشنطن استيقظت متأخرة على التهديد وبدأت في تنظيم نفسها، إلّا أنه ينبغي للمرء ألا يقلل من شأن الولايات المتحدة عندما تُهدد مصالحها الأساسية. يوافق بول سالم على هذه الخلاصة ويقول إن أميركا كانت دائماً تشيد بتحالفاتها في مواجهة القوى الكبرى الأخرى، لكن مع سعي ترمب إلى تفكيكها يخشى من أن تصبح معزولة في وجه الصين وروسيا، الأمر الذي سيضعفها كثيراً. ويضيف أن تغيراً واضحاً طرأ على النظام العالمي وفي ميزان القوى العالمية، مع عودة روسيا لاعباً دولياً جريئاً وصعود الصين المستمر منذ 20 عاماً، حيث بات اقتصادها تقريباً بحجم اقتصاد أميركا.

COVID-19 and Conflict: Seven Trends to Watch

 الإثنين 30 آذار 2020 - 2:57 م

COVID-19 and Conflict: Seven Trends to Watch https://www.crisisgroup.org/global/sb4-covid-19-and-… تتمة »

عدد الزيارات: 37,088,701

عدد الزوار: 924,857

المتواجدون الآن: 0