حلم «النظام الدولي الجديد» يداعب موسكو وبكين

تاريخ الإضافة الأحد 23 أيلول 2018 - 8:48 ص    التعليقات 0

        

أكثر من «طريق حرير» روسية ـ صينية.. موسكو وبكين تواجهان سياسة العقوبات الأميركية بتقارب تجاري وعسكري..

الشرق الاوسط....موسكو: رائد جبر.. لم تقتصر أهمية القمة الروسية - الصينية التي انعقدت قبل أيام في مدينة فلاديفوستوك في أقصى الشرق الروسي على البعدين التجاري والعسكري، على خلفية القفزة الكبيرة التي حققتها علاقات البلدين في هذين المجالين خلال السنوات الأخيرة. بل إن العنوان الأبرز للقمة، خلف كل الأحاديث عن تعزيز التعاون وفتح آفاق جديدة لها، كان مواجهة سياسات واشنطن التي لعبت دوراً أساسياً، في تعزيز التقارب بين موسكو وبكين، ووضعت الطرفين أمام استحقاق «الرد المشترك» على ما وصف بأنه «تهديدات معاصرة» أطلقتها تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترمب و«استراتيجية» العقوبات والحروب التجارية مع الطرفين.
مع هذا، يظل «تحالف الأمر الواقع» - كما وصفته وسائل إعلام روسية - مستنداً بالدرجة الأولى إلى المصالح الاقتصادية المتصاعدة بين روسيا والصين، من دون أن يصل إلى مستوى التحالف العسكري، وهذا، على الرغم من أن الجانبين وجّها رسائل «عسكرية» عبر المشاركة أخيراً في أوسع مناورات حربية تجرى في روسيا منذ أربعة عقود. حملت أجواء القمة الروسية – الصينية، وما تبعها من تصريحات وتعليقات، تأكيداً من جانب موسكو وبكين على دفع مسار التقارب خياراً استراتيجياً. ولم تكد القمة تنفض حتى أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيزور بكين العام المقبل، في إشارة إلى اعتزام الطرفين مواصلة الاتصالات على أرفع مستوى.
سيشارك بوتين بناءً على دعوة من نظيره الصيني شي جينبينغ في فعاليات منتدى «حزام واحد - طريق واحد». وستكون هذه المرة الأولى التي يحضر فيها الرئيس الروسي أعمال المنتدى الذي بات يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى الصين وهو النسخة المعاصرة لـ«طريق الحرير» التاريخي، ويشتمل على دراسة وإطلاق مشروعات استراتيجية تتضمن عدداً كبيراً من البرامج الاقتصادية الدولية في آسيا، ولا سيما، في مجال النقل والبنى التحتية. بيد أن خريطة طريق تعزيز التعاون الاقتصادي التجاري تبدو أبعد من طموحات «طريق الحرير»، وهذا ما دلت إليه الاتفاقات التي رافقت تلت القمة الروسية الصينية. إذ شملت تفاهمات وعقوداً بين الشركات الروسية والصينية تتصل بتطوير التعاون التجاري والاقتصادي، وكذلك زيادة الاستثمارات المتبادلة. وفي هذا الإطار تجري دراسة 73 مشروعاً بقيمة إجمالية تزيد على 100 مليار دولار، وفقاً لبيان صدر عن صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي، على هامش فعاليات «منتدى الشرق الاقتصادي الروسي». والمشروعات المطروحة تتولى دراستها اللجنة الاستشارية التجارية المشتركة بين البلدين، وتطال مجالات الإنتاج الصناعي، والبنية التحتية، والتنقيب ومعالجة المعادن، والزراعة وغيرها.، ناهيك من سبعة مشروعات بقيمة إجمالية تصل إلى 4.6 مليار دولار نُفّذت بالفعل نتيجةً للعمل المشترك بين روسيا والصين. وقال رئيس الصندوق الروسي، كيريل ديميترييف، إنه «بفضل النمو الاقتصادي المستقر في روسيا والصين، هناك الكثير من الفرص الاستثمارية المربحة في الأسواق المحلية، لكننا نعتقد أن الصفقات الواعدة ستظهر بفضل العلاقات الثنائية». وهنا، نشير إلى أن الصين باتت خلال العامين الأخيرين أكبر شركاء روسيا التجاريين، محتلة بذلك مكان الاتحاد الأوروبي. إذ استحوذت خلال العام الماضي على 15 في المائة من تجارة روسيا الخارجية. وارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2017 بنسبة 31.5 في المائة مقارنة بعام 2016. وبلغ 87.4 مليار دولار، منها 39 مليار دولار هي صادرات روسيا إلى الصين، مقابل واردات بقيمة 48.4 مليار دولار. ويتوقع الجانبان أن يتجاوز حجم التبادل التجاري عتبة الـ100 مليار مع حلول نهاية العام الحالي، وفقاً لخطة طموحة تسعى إلى دفع التبادل بنسبة 150 في المائة خلال السنوات العشر المقبلة. في حين أعرب بوتين عن ارتياح لأن حجم التجارة الثنائية بين الدولتين يرتفع بنسبة 30 في المائة سنوياً. وحقاً، دخل التعاون مجالات جديدة خلال الفترة الأخيرة، بينها قطاع الاتصال والإنترنت، لم تكن مدرجة سابقاً على جدول أعمال التعاون الثنائي. وتوصلت مجموعة شركات روسية تنشط في مجال الاتصالات والإنترنت، إلى اتفاقية قبل أيام مع مجموعة «علي بابا» الصينية، لإنشاء شركة عملاقة للتجارة الإلكترونية تعمل في روسيا ورابطة الدول المستقلة. وأبرمت الاتفاقية بين «علي بابا» و«ميغافون»، و«مايل رو» وصندوق الاستثمارات المباشرة الروسي، وجرى التوقيع عليها على هامش «منتدى الشرق الاقتصادي» في فلاديفوستوك. ومن المفترض، استكمال الصفقة، التي تعد الأولى من نوعها في قطاع التجزئة في روسيا، خلال الربع الأول من العام المقبل. ويعد هذا مؤشراً إلى أن موسكو بدأت تنفذ عملياً سياسة تبديل شركائها في مجال التقنيات الرقمية ووسائل الاتصال لتحل الصين مكان الشركات الغربية التي انسحبت من الأسواق الروسية أو جمّدت نشاطاتها بسبب العقوبات المفروضة على موسكو.
- جهود لـ«طرد الدولار»
من جانب آخر، ثمة مقولة شعبية روسية شائعة مفادها أن «كل مزحة تخفي شيئاً من حقيقة جدية»، وقد تنطبق هذه المقولة على المزحة التي أطلقها الرئيس بوتين مع ضيفه الصيني وهو يقدم له هدية. إذ قال بوتين لشي وهو يهديه آنية مصنوعة يدوياً وتحتوي على العسل الطبيعي، إن عليه أن يدفع ثمنها بالعملة الصينية. والفكرة ذاتها لمعت في ذهن الرئيسين وهما يتبادلان المزاح؛ إذ قال الزعيم الصيني إنه لا يحمل معه في تلك اللحظة روبلات روسية ليدفع ثمن الآنية، فأجابه الرئيس الروسي سيكون عليك إذن الدفع بالعملة الصينية. لقد حمل مزاح الرئيسين إشارة مباشرة إلى النقاشات الجدية الجارية بين البلدين للتحول تدريجياً نحو التعامل بالعملات الوطنية. ويرى خبراء أن الهدف الأساسي هو الحد من تأثير التعامل بالدولار الأميركي على التبادل الاقتصادي للبلدين. ناهيك من أن هذه هي «خطوة البداية للحد من هيمنة الدولار على العالم»... كما علقت صحف قريبة من الكرملين. في هذا السياق، الرئيس بوتين قال في أعقاب المحادثات، إن «الجانبين الروسي والصيني أكدا اهتمامهما بتعزيز استخدام العملات الوطنية في الحسابات التجارية؛ ما سيؤمّن استقرار الخدمات المصرفية التي تقدم لعمليات التصدير والاستيراد، في ظل تنامي المخاطر بالأسواق العالمية». ومع أن خبراء لدى الجانبين يرون أن ثمة صعوبات كبرى ما زالت تعترض هذا السبيل، لكن اتفاق العملاقين الروسي والصيني على إطلاق الجهد في هذا الاتجاه، يعكس توجهاً جدياً لحشد تأييد واسع من جانب بلدان أخرى ترى أن هذا التطوّر بات حتمياً رغم أنه حتماً لن يكون سريعاً. والمرجح، على هذا الصعيد، تعوّل الصين وروسيا بالدرجة الأولى على حلفائهما في «منظمة شانغهاي للتعاون» وعلى بعض المجموعات الإقليمية الأخرى، وأيضاً البلدان التي تعاني كذلك من تأثيرات سياسات العقوبات الأميركية.
- تعاون عسكري دون التحالف
في الوقت نفسه، حملت المناورات الروسية الضخمة التي أجريت بالتزامن مع القمة الروسية – الصينية، وفي منطقة أقصى الشرق الروسي... على بعد كيلومترات معدودة من مكان انعقاد القمة، إشارات مهمة موجهة إلى الغرب، وخصوصاً إلى الولايات المتحدة. وفضلاً عن كون هذه المناورات الأضخم منذ أربعة عقود، وتشارك فيها للمرة الأولى أساطيل كاملة ووحدات من قطعات البر والجو والبحر، فإن العنصر المهم فيها أن الصين شاركت في المناورات بقوات عسكرية قوامها 3000 جندي معهم مئات الآليات والطائرات. هذه المشاركة كانت لها رمزية خاصة لكون منطقة المناورات قرب بحر اليابان، وتجري في أجواء توتر العلاقات مع الغرب بالنسبة إلى روسيا والصين معاً. ولقد كتبت صحيفة تابعة لوزارة الدفاع الروسية بعد انطلاق المناورات، إنه «ينبغي التفكير مرة أخرى في اتجاه التعاون الاستراتيجي الروسي - الصيني». وأشارت الصحيفة إلى أن مثل هذه التدريبات تدل على مستوى عالٍ من ثقة القيادة العسكرية والاستعداد لتقاسم التقييمات (والطرائق) فيما يتعلق بالأسلحة الاستراتيجية، وإن كانت محض دفاعية. ومن ثم، رأت أنه يمكن للصين أن تلعب دوراً إيجابياً في التأثير على الخلافات الروسية - الأميركية في مجال الحد من التسلح. وعلى سبيل المثال، خلال التعبير عن دعمها الأنظمة الاستراتيجية الحالية للحد من الأسلحة الهجومية «ستارت – 3»، والتخلص من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى. وللعلم، تعد الصين خلال السنوات الأخيرة أحد الشركاء الأساسيين لروسيا في مجال مبيعات السلاح، والصناعات المشتركة لبعض الطرازات، لكن المشاركة في مناورات على هذا المستوى يدل على رغبة مشتركة إلى نقل التعاون العسكري إلى مرحلة جديدة في إطار ما وصف بأنه مسعى مشترك لمواجهة التحديات المعاصرة. ومقابل ذلك، ما زال خبراء في روسيا يتحفظون عن إطلاق صفة «الشراكة الاستراتيجية» على العلاقات العسكرية بين موسكو وبكين، بمعنى أن الشراكة الاقتصادية لا يمكن من وجهة نظرهم أن تنسحب على مجالات عسكرية، أو أن يقوم بشكل أو بآخر تحالف عسكري استراتيجي كامل بين روسيا والصين؛ لأن لدى البلدين مشكلات جغرافية وسياسية مختلفة في أوروبا وآسيا. والمعروف، أن بكين تتبنى موقفاً حذراً تجاه الأزمة الأوكرانية، وتتعاون موسكو بما في ذلك المجالات العسكرية وفي مجالات الطاقة مع المعارضين الإقليميين للتطلعات الصينية في بحر الصين الجنوبي، ناهيك عن علاقات خاصة في المثلث الذي يشمل الهند. ويرى معلّق في صحيفة رسمية روسية، أن «الاقتصار في المناورة على صيغ التحالف، أمر خطير في الظروف الحالية؛ إذ يكفي أن تضمن كل من روسيا والصين إحداهما للأخرى (خلفية هادئة)، سواءً من الناحية الجغرافية أو ضمن المشهد العسكري السياسي العالمي... وهو ما يحصل حتى الآن». هذا المنطق يبدو قريباً من القناعة الأميركية بأن روسيا والصين ليستا قادرتين على التوصل إلى مرحلة من التحالف العسكري، وبالفعل، قال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس أخيراً، إنه ليس لدى روسيا والصين على الصعيد العسكري الكثير الذي يجمعهما على المدى الطويل. ورداً على سؤال عما إذا كان قلقا أم لا من احتمال تشكيل تحالف عسكري بين روسيا والصين على خلفية مشاركة العسكريين الصينيين في مناورات «الشرق» بروسيا، أجاب قائلاً «أعتقد أن هاتين الدولتين تعملان في إطار مصالحهما الخاصة، لكن على المدى البعيد لا أرى ما يمكن أن يوحِّدهما».
- معاً ضد «استراتيجية العقوبات»
على الرغم مما تقدم، بدا بوتين مرتاحاً بعد القمة وهو يتحدث عن مستوى التعاون مع الصين في المجالين العسكري والأمني. بل أكثر من هذا، ذهب الطرفان شوطاً بعيداً في تأكيد عزمهما على تقليص مساحات الخلاف في مسائل عدة ظلت معلقة طويلاً، مثل مسألة الاستخدام المشترك للجزر على حدود البلدين، التي كانت في السابق موضوع نزاع إقليمي. ولاحظ بوتين أنه «ليس غريباً أن يكون لدينا نزاعات حول الأراضي مع جمهورية الصين الشعبية، ولقد تفاوضنا حول هذه القضية لمدة 40 سنة، ومع ذلك، وجدنا حلولاً مقبولة وتم إنهاء هذه المشكلات بالكامل». وأضاف الرئيس الروسي «علاوة على ذلك، يمكنني القول إن ممثلي الأعمال من الصين يخرجون حتى باقتراحات للاستخدام المشترك لهذه الجزر، وبشكل كامل، ويقترحون ببساطة تفعيل الأنشطة، سواءً أنشطة البنية التحتية أو السياحة على هذه الجزر». وعموماً، يرى خبراء أن النتيجة الرئيسية للقمة أن موسكو وبكين أظهرتا بوضوح قدرتيهما على دفع العمل المشترك لزيادة المنافسة العالمية، خصوصاً في وجه الولايات المتحدة. وعليه، يبدو العنوان الاقتصادي الأبرز على طاولة البحث خلال كل اللقاءات، غير أن العلاقات بدأت تتخذ أشكالاً أبعد من تعامل الشركاء الاقتصاديين، فالرئيس الصيني دعا خلال أعمال «منتدى الشرق الاقتصادي»، للعمل على مواجهة «الممارسات الاقتصادية المعادية»، في إشارة واضحة إلى الحرب التجارية التي تخوضها بكين مع واشنطن، وروسيا تهدف من جانبها إلى إثبات أن الولايات المتحدة «عدو محتمل»، بينما تظهر الصين «حليفاً محتملاً». أما الرسالة الأهم، وفقاً للخبراء، فتفيد بأن الولايات المتحدة إذا ما تمادت في ضغوطها على الطرفين فإنهما سيزدادان تقارباً. كذلك رأى محللون أن «التوترات المتزايدة بين الصين وواشنطن رفعت، من وجهة نظر بكين، قيمة التكنولوجيا والخبرة العسكرية الروسية. أما بالنسبة لبوتين فقد جعلت العقوبات الغربية قوة الاقتصاد الصيني الهائلة أكثر جاذبية له وهو في مسعاه للعثور على حلفاء جدد». اللافت، في هذه الأثناء، أن واشنطن وجهت بعد القمة مباشرة إشارة إضافية تدخل في إطار دفع الجانبين إلى تعزيز التقارب أكثر؛ إذ فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على شركتين، إحداهما روسية والأخرى صينية بسبب دعمهما برامج كوريا الشمالية النووية والصاروخية. وذكرت وزارة الخزانة الأميركية على موقعها الإلكتروني، أن العقوبات الجديدة تستهدف شركة «فولاسيس سيلفر ستار» في روسيا و« يانبيان سيلفرستار نتوورك تكنولوجي» ومقرها الصين. وقال معلق روسي، إن هذا يشكل مؤشراً إضافياً إلى أن موسكو وبكين تريان أن التقارب في المجالات المختلفة بات محكوماً بتطورات الموقف الدولي وبسياسات واشنطن التي اتخذت منحى «التهديدات والعقوبات» ضد كل من روسيا والصين. أيضاً، ما كاد يجف حبر رزمة العقوبات الجديدة التي جمعت في استهدافها روسيا والصين حتى أطلقت واشنطن موجة عقابية جديدة طالت هذه المرة مؤسسات عسكرية في الصين بسبب إقدام بكين على شراء مقاتلات روسية من طراز «سوخوي 25»، وأنظمة صاروخية متطورة من طراز «إس400». واعتبرت واشنطن أن شراء إدارة تطوير المعدات في وزارة الدفاع الصينية الأسلحة الروسية ينتهك العقوبات الأميركية على روسيا، كما قال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية، إن الإجراء «يهدف إلى فرض كلفة على روسيا رداً على أنشطتها الخبيثة». أمام هذا الوضع يعتقد خبراء روس أن من شأن الضغوط المتزايدة من جانب واشنطن دفع كل من موسكو وبكين إلى تجاوز النقاط التي ما زالت لم تجد طريقها إلى الحل في العلاقة بين البلدين، وتعزيز نهج التقارب الذي بات يشكل «عنصر مواجهة مشتركة للتهديدات الجديدة»، وفقاً لتعبير صحيفة «روسيسكايا غازيتا» الرسمية.

حلم «النظام الدولي الجديد» يداعب موسكو وبكين

على خلفية التحدي المشترك للتوجهات الأميركية، والمواجهة المشتركة لرُزَم العقوبات المتتالية على البلدين وعلى أطراف أخرى بينها إيران، اتجهت مراكز الدراسات والبحث في روسيا إلى التركيز أكثر خلال الشهور الأخيرة على اقتراب القوتين الصينية (بذراعها الاقتصادية العملاقة) والروسية (بعضلاتها العسكرية التي عرضت أخيراً في أكثر من مناسبة) من بلورة ملامح ما يطلق عليه الجانبان النواة الأولى لنظام عالمي جديد يواجه مرحلة الاحتكار الأميركي للقرار الدولي. العدد الأكبر من الباحثين الروس يشككون بقدرة «الثنائي» القوي على حشد تأييد دولي واسع في مسار مواجهة «الهيمنة الأميركية»، خصوصاً في ظروف تؤكد أن أهداف موسكو وبكين النهائية «ليست متطابقة في مواجهتهما مع واشنطن» - وفقاً لتعليق كبير الباحثين في مدرسة الاقتصاد العليا في موسكو. مع ذلك، فإن الجهد الثنائي شهد تطوراً معيناً في هذا المسار خلال الفترة الأخيرة، وبرز من خلال تعزيز النشاط المشترك في المجموعات الإقليمية المختلفة التي ترتبط بشكل وثيق بكل من روسيا والصين مثل «مجموعة شانغهاي للتعاون»، ومجموعة التكامل الاوروآسيوي. وتضم هاتان المجموعتان خليطاً سياسياً غير متجانس في المصالح كما يبدو من النظرة الأولى، لكنه يجتمع على مواجهة تعقيدات السياسة العالمية الجديدة في ظل احتكار الولايات المتحدة القرار. غير أن نقطة الضعف الرئيسية في هذه التجمعات الإقليمية أن أهدافها متضاربة وتربط جزءاً منها علاقات وثيقة مع واشنطن؛ ما يجعلها «حليفاً مؤقتاً يمكن أن يغادر السفينة»، كما علق محلل سياسي قبل أيام في جريدة رسمية، مشيراً إلى أن بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة، التي تربطها علاقات وثيقة مع موسكو وبكين تربطها كذلك علاقات مهمة مع واشنطن؛ وهو ما يجعلها تفضل أن تمسك «العصا في المنتصف»، وينسحب الأمر ذاته على الهند وباكستان وهما عضوان أساسيان في «مجموعة شانغهاي». في مطلق الأحوال، ثمة قناعة بأن المرحلة التي تلت صعود التيار الذي يمثله الرئيس دونالد ترمب في الولايات المتحدة «تفرض تحديات وآليات للمواجهة»، لكنها لا تضع أساساً نهائياً لبناء تحالفات. إلا أن هذه اللهجة المتشائمة التي وردت في تقرير أصدرته مدرسة الاقتصاد العليا، القريبة عموماً في مزاجها إلى التيار الليبرالي الديمقراطي في أوروبا، لا تخفي حقيقة أن العلاقات بين بكين وموسكو تتجه نحو شراكة شاملة اقتصادياً وسياسياً. اقتصادياً مع استكمال تنفيذ الكثير من المشروعات العملاقة التي تم وضع الحجر الأساس لها في البلدين خلال السنوات الماضية، وسياسياً في مواجهة ضغوط مشتركة. مع هذا، تبقى هذه العلاقات «مرتبطة بتقلبات السياسة الدولية على المدى البعيد؛ لأنها تقوم أساساً على مواجهة طرف ثالث، ولا تتوافر على مقومات لدفع التحالف داخلياً لدى البلدين» وفقاً لتعليق في موقع «نيوز رو» الواسع الانتشار. ويرى هذا الموقع أن كلاً من موسكو وبكين تسعى لفتح قنوات اتصال وتسوية أزماتها مع واشنطن؛ ما يعني أن التقارب رغم أهميته الاستراتيجية ما زال يحمل عناصر براغماتية لخدمة مصالح كل طرف على حدة.

 

أهداف تونس الثورية لاتزال عالقة

 الثلاثاء 11 كانون الأول 2018 - 7:02 ص

أهداف تونس الثورية لاتزال عالقة https://carnegie-mec.org/2018/12/07/ar-pub-77901   تتمة »

عدد الزيارات: 15,855,006

عدد الزوار: 428,001

المتواجدون الآن: 0