الجزائر: الدولة عاجزة عن ضبط المساجد وعن الإحاطة بفتاوى أئمتها...

تاريخ الإضافة الأربعاء 30 أيار 2018 - 6:56 ص    التعليقات 0

        

الجزائر: الدولة عاجزة عن ضبط المساجد وعن الإحاطة بفتاوى أئمتها...

الحياة...داليا غانم يزبك ....

* هذا المقال جزء من مجموعة أبحاث عن الإسلام السياسي ينشرها مركز كارنيغي للشرق الأوسط..

في الأول من آذار (مارس) 2018، بادر وزير الشؤون الدينية والأوقاف في الجزائر، محمد عيسى، إلى دعوة الأئمة الجزائريين إلى «تبنّي تكنولوجيات جديدة وتوظيف مواقع التواصل الاجتماعي لمحاربة التطرّف، والتعصّب المذهبي، وتعزيز أركان الإسلام الحقيقية». معروفٌ هنا أن الدولة في الجزائر تمارس سيطرة واسعة ومُحكمة على الميدان الديني. فللإسلام الرسمي صوتٌ قوي عبر مؤسسات الدولة، بما في ذلك من خلال الوزراء والمفتّشين والقضاة والباحثين والأساتذة والأئمة والمرشِدين الروحيين، الذين يتحدّثون كمصادر مسؤولة وموثوقة عن موضوع الدين. كانت الانتفاضات العربية، عند انطلاقتها عام 2011، قد شهدت تصاعد موجة الأيديولوجيات العنيفة والمتطرفة في المنطقة. وحينها، ركّزت الدولة على إحكام قبضتها على الدين، وعلى تأكيد دورها كونها الجهة الوحيدة الراعية للإسلام والتي تقوم بترويجه ونشره في الجزائر، بغية التصدّي لتلك الأيديولوجيات الأكثر تطرّفاً. تسيطر مؤسسات الدولة على إدارة الممتلكات التابعة للمؤسسات الدينية والخيرية (الحبوس)، وتتولّى الإشراف على المساجد ورجال الدين، وتهتم بإدارة شؤون الزكاة والحج، وإصدار اجتهادات فقهية وفتاوى، وتطبيق بعض صيغ الشريعة الإسلامية. بيد أن تلك السلطة ليست مُطلقة، ولم يعد النهج الرسمي غير قابل للجدل. فاحتكار الدولة للدين يتعرّض إلى التحدّي من جانب أصوات ومؤسسات غير رسمية ذات توجّهات متنوّعة، في إطار معركة سياسية ضارية على خلفية مَن هي الجهة المخوَّلة الحديث عن الدين في الجزائر. دور الدين ومكانته في الحياة هما موضع خلاف في الجزائر منذ عقود. فقبل انتزاع الجزائر استقلالها من فرنسا في العام 1962 وبعد الاستقلال، خاضت الحركة الوطنية سجالاً حول ما إذا كان يجدر بالبلاد سلوك مسار علماني أم ديني. بعد الاستقلال، اعتمد القادة المسار الديني، وأصبح الإسلام دين الدولة. وعمد النظام الحاكم، وفقاً للحقبة وطبيعة جدول الأعمال، إلى استخدام الإسلام من أجل الحصول على الدعم لسياساته وإيديولوجياته، وترسيخ حكمه، وتحييد معارضيه، وصدّ مَن يرفعون التحدّي في وجهه، ومنعهم من استغلال الدين؛ وحشد الجماهير، وأخيراً، مكافحة التطرّف العنفي. غير أن تلك الجهود لم تكن بمنأى عن ردود الفعل المُعترضة، لا سيما في مطلع التسعينيات. فقد اعتبرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ولاحقاً مجموعات جهادية محلية، أن الدولة وأجهزتها طواغيت وغير قانونيين بموجب الشريعة. لكن منذ انتهاء الحرب الأهلية في البلاد، أعادت الدولة فرض سيطرتها القوية على الميدان الديني. يتجلّى احتكار الدولة للدين في نواحٍ عدّة. فهذه الأخيرة هي التي تتولّى تشييد المساجد ومنح التراخيص لها وإدارتها وتنظيمها. إنها بمثابة سلع عامة مملوكة من الحبوس (أي الأوقاف وفق التسمية المعتمدة خارج المغرب العربي). كما تُشرف الدولة على إدارة المساجد، ونزاهتها واستقلالها. بناء المساجد تتولاّه الدولة، أو أشخاص أو كيانات (أي مجتمعات المساجد) مخوَّلة من الوزارة جمع الأموال لتشييدها. وينبغي على الجهات الساعية إلى جمع التبرعات أن تُقدِّم طلباً للحصول على إذن مسبق من مديرية الحرية العامة والشؤون القانونية التابعة لوزارة الداخلية. بعد انتهاء أعمال البناء، تُحافظ الدولة على سيطرتها على عدد كبير من الجوانب الوظيفية، مثل تزويد المسجد بالأثاث وصيانته وترميمه وتنظيفه وحراسته وتجهيزه (ويشمل ذلك المؤلّفات في المكتبة). الأئمة، والمفتّشون، والقيّمون على ممتلكات الحبوس، والمرشِدات الدينيات، وخبراء التعاليم القرآنية، ووكلاء المساجد هم جميعهم موظفون في الخدمة المدنية تابعون للإدارة العامة. وتُحدّد وزارة الشؤون الدينية والأوقاف مسار التدريب الذي يخضعون إليه، ومضمونه، فيما تُنظِّم وزارة العمل رواتبهم. بعد تعيين هؤلاء الموظفين الحكوميين، تُقرّر الوزارة وسواها من الأجهزة المسؤولة عن الشؤون الدينية والتابعة للإدارة العامة، ظروف التوظيف والترقية. يتولّى المفتشون الذين تعيّنهم الدولة، الإشراف على موظّفي المساجد وتقييم أنشطتهم. وهم أيضاً مسؤولون عن ضبط الفعاليات الدينية والثقافية في المساجد، ونشاط الجمعيات والمكتبات (بما في ذلك بعض مواد القراءة، مثل القرآن، والكتب الدينية، والمناشير). ويتولّون أيضاً مراقبة ممتلكات الحبوس وإدارة إيراداتها، فضلاً عن الإشراف على العمليات المالية والإدارية للّجان المسؤولة عن بناء المساجد. وحدها المساجد الحائزة على تراخيص من الدولة تستطيع تقديم خدمات إسلامية. ووحدهم الأئمة الذين يمتلكون أذوناً من الحكومة، والذين تقوم الدولة باستخدامهم وتدريبهم، يستطيعون أن يؤمّوا المصلّين في المساجد. ويشدّد التدريب الذي تقوم به الدولة على القواعد المتعلقة بالمذهب المالكي، المستند إلى القرآن وتعاليم النبي محمد، لا سيما أساليب القياس، والمصالح المرسَلة. ويقول عيسى موضّحاً: «لا تنظر الجزائر إلى المذهب المالكي كهوية، إنما كطريقة لخدمة المجتمع». يتعرّض الأئمة غير الحائزين على أذون، إلى العقوبات، ويمكن أن يُفرَض عليهم تسديد غرامات، وقد يُحكَم عليهم بالسجن لمدّة تصل إلى ثلاث سنوات. وأخيراً، عمدت الدولة إلى تنظيم درجة الصوت ونوعه في آذان الصلاة خلال أيام الأسبوع ويوم الجمعة، لأنه اعتُبِر أن هناك إفراطاً في الحماسة في بعض الحالات، لا سيما خلال آذان الصباح. لا تُملي الدولة، وفق ما يقول عيسى، مضمون الخطب الدينية، إنما يجري تنظيمها بواسطة صيغة مضبوطة ومنهجية صارمة مستوحاة من المذهب المالكي. في الإطار عينه، أعدّت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف دليلاً من مئتَي صفحة، وقامت بتنقيح أسلوب الدعوة التربوي. بموجب قانون العقوبات، يُعاقَب الأئمة الحائزون على أذون الذين يُقدمون على أعمال «مخالفة للمهمة النبيلة للمسجد»، أو «يكون من شأنها المساس بتماسك المجتمع»، بتسديد غرامات وبالسجن حتى خمس سنوات. الهدف من هذه التنظيمات هو منع المحاضرات الوهّابية، ومكافحة التطرف العنفي، والأهم من كل ذلك، تجنّب ما حدث في التسعينيات، عندما استخدم أشخاصٌ المساجد للدعوة إلى الجهادية والعنف، واستخدمتها مجموعات جهادية أخرى بمثابة قواعد لشنّ هجماتها. تتحرّك الأجهزة الأمنية لمراقبة المساجد والمدارس القرآنية خلال مراحل حسّاسة (مثلاً المواسم الانتخابية أو بعد وقوع هجوم في الجزائر أو حتى في بلدان مجاورة)، وفي أماكن حسّاسة (مثل المواقع حيث تسود شبهات حول طبيعة المسجد المحلي أو حيث لا تزال هناك جيوبٌ للنشاط الجهادي). نظرياً، تتمتّع الدولة بسيطرة شبه تامة على هذه المؤسسات الدينية. لكن ميدانياً، تبدو الأوضاع أكثر تعقيداً. فمن الصعب ضبط 17000 مسجد ومراقبتها مراقبةً شاملة. ويزداد هذا التعقيد مع وجود مساجد خارج سلطة الدولة، وغير موالية بالضرورة للنظام. على سبيل المثال، شُيِّد عدد كبير من المساجد بطريقة فوضوية من دون موافقة الوزارة، ما يجعل من الصعب على الدولة تتبّعها وضبط مضمون الخطب والدعوة على منابرها. وفي عام 2015، عمدت الحكومة الجزائرية، كما أُفيد، إلى إغلاق 900 مسجد غير قانوني وغير معترف به، وتجري مراقبة نحو خمسة وخمسين مسجداً آخر عن كثب بسبب المخاوف الأمنية في شأن طبيعتها السلفية. تؤكّد الدولة أيضاً وجودها في المساجد، عبر دعوة القيّمين عليها إلى طرح السياسات الحكومية. وفي فترة الانتخابات، من المعهود أن يُقدم وزير الشؤون الدينية على توجيه رسائل رسمية إلى الدعاة يناشدهم فيها «توعية الجزائريين إلى المخاطر التي تُهدّد البلاد»، وتذكير المواطنين بأن «التصويت واجب»، وبأن عليهم أن «يقفوا صفاً واحداً خلف رئيس الجمهورية، بوصفه ولي الأمر». وخلال حملة الانتخابات التشريعية عام 2017، وجّهت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف رسالة إلى الأئمة تطلب منهم فيها دعوة المواطنين إلى التصويت، وإلقاء محاضرات عن «فضائل الاستقرار السياسي» خلال صلاة الجمعة.

الاجتهاد والإرشاد

إلى جانب السيطرة المباشرة على المساجد والأئمة وسواهم من موظّفي الخدمة المدنية، تقدّم الدولة التوجيهات في العديد من المجالات الأخرى. فهي تؤمّن الإرشاد حول القوانين الأسرية، وتُطبَّق صبغة من الشريعة على الأحوال الشخصية. يُشكّل قانون الأسرة الذي ينظّم الزواج، والطلاق، والميراث– من جملة أمور أخرى– مصدراً للسجال العام والخلافي لأنه يستند أساساً إلى الشريعة. تستخدم الدولة مجموعة متنوّعة من الوسائل لتقديم اجتهادات دينية، وبالتالي للسيطرة على الميدان الديني. من هذه الأدوات المجلس الإسلامي الأعلى المسؤول عن جميع المسائل المتعلقة بالإسلام، وعن تنقيح المدركات المغلوطة، والاجتهاد الإسلامي. يُعيّن الرئيس أعضاء المجلس ويشرف على عملهم. وبإمكان المجلس أيضاً إصدار الفتاوى عند الضرورة. في أيار(مايو) 2017، أُنشِئ المجلس العلمي الوطني التابع لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف– والمؤلَّف من أئمة وفقهاء وباحثين وعلماء من الولايات الثماني والأربعين في البلاد– كي يكون المؤسسة الرسمية التي تتولّى إصدار الفتاوى. تجدر الإشارة هنا إلى أن المجلس أصدر ثلاث فتاوى حتى الآن. كذلك أنشأت الوزارة بنك الفتوى، وهو عبارة عن منصّة إلكترونية تُصدر فتاوى حول مواضيع متنوّعة، من ضمنها رمضان، والصلوات، والتجارة، والطلاق، والزواج، واللباس. ومواصلةً للمساعي الهادفة إلى كبح تعدُّد الأصوات خارج سلطة وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، أعلنت الوزارة عن إنشاء هيئة للتدقيق في نسخ القرآن الكريم، والتحقق منها. والهيئة مسؤولة أيضاً عن الإشراف على الكتب الدينية الأخرى، والموافقة على عرضها وبيعها في معارض الكتب. في عام 2014، حظّرت الوزارة نحو 250 كتاباً من معارض الكتب بسبب «تبريرها للتشيُّع والتطرف والإرهاب». وبالمثل، تحدّد الدولة، من خلال الوزارة، نسب الزكاة التي يتوجّب على الناس منحها إلى مسجدهم. إذ تصدر الوزارة تعليمات إلى أئمة المساجد، بالتعاون مع لجانها الدينية، لجمع الصدقات. وفي موازاة ذلك، يمكن الحصول على أموال أخرى من العامّة عن طريق حساب مصرفي رسمي يمكن الوصول إليه من جميع المناطق، ثم تعيد الدولة توزيع المال على الأسر الفقيرة، والأرامل، والمطلقات اللواتي يربّين أطفالاً. وفي بعض الأحيان، تأخذ إعادة التوزيع هذه شكل قروض صغيرة بلا فوائد للمزارعين والشباب العاطلين عن العمل وغيرهم. كما تسيطر الدولة على عملية الحج من خلال الديوان الوطني للحج والعمرة، الذي يحدّد الإجراءات الإدارية المنهكة التي يجب على الناس المرور بها لتأدية هذه الشعائر المقدّسة، وتشارك أيضاً في اختيار وتقييم الموظفين المسؤولين عن الحج. للحفاظ على احتكارها لتفسير الدين، تبثّ الدولة برامج دينية عبر التلفزيونات والإذاعات الرسمية، وتنظّم محاضرات دينية وطنية، مثل ملتقى الفكر الإسلامي والمسابقة الدولية السنوية لتلاوة القرآن. ومع ذلك، يصعب الحفاظ على هذا الاحتكار حين يكون بمقدور الجزائريين الوصول إلى مجموعة من الدعاة، والمستشارين، والمفتين عبر القنوات الفضائية والإنترنت. ووفقاً لدراسة أجرتها شركة Interface Media في الجزائر عام 2018، فإنّ الجزائريين مهتمّون في شكل خاص بالدعاة الأجانب- وتحديداً المصريين، والسعوديين أيضاً الذين يحظون بمتابعين جزائريين أكثر من مواطنيهم أنفسهم. لكن لا تزال بعض الشخصيات الجزائرية المحليّة تحظى بشعبية على الرغم من كونها خفيفة، مثل المدعو «الشيخ شمس الدين». فعندما سألته إحدى المشاهدات عن حقّها في الطلاق بعدما اكتشفت أنّ زوجها كان متزوّجاً من تونسية ومغربية، أجابها جهاراً بأنّ زوجها «يؤمن باتحاد المغرب العربي... ويجب عليه الآن أن يتزوّج من ليبية لينجح في توحيد المغرب العربي ككل»، وهذا قبل أن يبرّر في الآونة الأخيرة اشتهاء الأطفال جنسياً (أو البيدوفيليا) عبر الإذاعة الوطنية. كما أصدر داعية آخر، هو عبدالفتاح حمداش، «فتوى» على صفحته على فايسبوك عام 2014 دعا فيها إلى قتل صحافياً اعتبره «مرتدّاً»، فحكمت عليه محكمة مدينة وهران بالسجن لمدّة ستة أشهر وبدفع غرامة مالية قدرها 400 دولار أميركي. وفي مناسبات عدّة، دعت وزارة الاتصالات القنوات التلفزيونية الخاصة إلى الامتثال لقواعدها المتعلقة بالمرجعيات والبرامج الدينية، إلا أنّ الدولة لا تستطيع، على الرغم من ترسانتها القانونية والتقنية، ضمان اعتماد الناس على الشخصيات والهيئات الرسمية لتوجيههم دينياً. هناك قطاع آخر تستخدمه الدولة للتحدّث بسلطوية عن الدين، وهو التعليم الذي تم تأميمه في المادة 66 من دستور عام 1976. ومنذ ذلك الحين، بدأ تعليم التربية الإسلامية في كلّ المدارس، وبات يتوجّب على المدارس الخاصة اتّباع مناهج دراسية تتماشى مع المعايير الوطنية، خصوصاً في ما يتعلّق بتدريس الإسلام. وفي العامين 1999 و2003، أزالت وزارة التربية الوطنية مقاطع من الكتب المدرسية التي تدعو إلى التعصّب والعنف. على الرغم من أنّ النظام شديد المركزية ويشترط موافقة وزارة التربية على الكتب، إلا أن شبكة غير رسمية يمكن من خلالها لمجموعات تعليمية ومدارس قرآنية أن تعطي دروساً لا تتوافق بالضرورة مع صيغة الدولة الرسمية للإسلام. وفي عام 2016، كان يُعتقد، وفق محمد عيسى، أنّ 139 مدرسة قرآنية تقع خارج نطاق سيطرة الدولة وإشرافها. بالإضافة إلى ذلك، تعدّ الكتيّبات الرسمية لتعليم الدين في المدارس متباينة، إذ حتى عندما تزعم الدولة أنّها تكافح السلفية، يبقى الخطاب في كتب التربية الدينية الجزائرية مخلصاً للروح السلفية. وبينما تحارب الدولة ما تراه تعصّباً، لا تدرّس كتبها المدرسية مختلف المدارس الفقهية، مثل الصوفية التي تستخدمها الدولة على نطاق واسع لمعالجة التعصّب والتطرّف العنفي. ومنذ أن أصبح عبدالعزيز بوتفليقة رئيساً للجزائر عام 1999، روّجت السلطات لصيغة أكثر تقليدية من الإسلام وشجّعت التصوّف، وتمّ تنظيم العديد من المؤتمرات لدعمها. وفي عام 2011، على سبيل المثال، وفي إطار تظاهرة «تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية»، تمّ عقد 11 ندوة وطنية ودولية في البلاد لتعزيز التصوّف. وفي العام 2016، تمّ تنظيم مؤتمر دولي صوفي في مدينة مستغانم لتعزيز التصوّف كبديل للأيديولوجيا السلفية الجهادية، إلا أنّه لا يوجد أي ذكر للتصوّف أو أي مدرسة فقهية أخرى في الكتب المدرسية التي لا تزال انتقائية وغامضة في تفسيرها للإسلام. تعمل الدولة، التي تحاول محاربة الاستخدام الأيديولوجي للدين، على تعزيز ما تريد محاربته من خلال طرح خطاب ديني أيديولوجي. ونتيجةً لذلك، يخلق التعليم الديني الرسمي أفراداً «لا يستطيعون التمييز بين الدين كإيمان وبين استخدامه الأيديولوجي»، كما شرح عالم الاجتماع جيلالي المستاري.

فتاوى

على الرغم من آليات الدولة للسيطرة، تُعتبر هذه المؤسسات عبارةً عن «بيروقراطيات ضخمة يسمح لها حجمها وتعقيدها ببعض الاستقلال الذاتي»، كما كتب الزميل غير المقيم في مؤسسة كارنيغي ناثان ج. براون في دراسة عن العالم العربي. فالمؤسسات الدينية الرسمية متعدّدة الأوجه، ولديها في بعض الأحيان أجندات متعارضة. مثال جيّد على هذا التعقيد، هو فشل الدولة في تعيين مفتي للجمهورية، وهو أعلى مسؤول فيها عن الشريعة الإسلامية، نتيجة للمعارك المتواصلة والأجندات المتباينة بين المجلس الإسلامي الأعلى، ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف، ورابطة العلماء التي كان لها دور سياسي وديني حاسم عندما كانت الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي ولا زال لديها تأثير مهم في المجال الديني. وقد فتح عدم قدرة هذه الجهات على تعيين «شخصية مُجمع عليها» الباب أمام تكاثر أصوات العلماء غير الرسميين، وبالتالي الفتاوى. ونتيجة لذلك، يتم التصدّي للفتاوى المرّخصة من قبل الدولة بأخرى «مستوردة» من خارج الجزائر أو يصدرها «مشايخ» أصبحوا مشاهير محليين، على الرغم من افتقارهم للمؤهلات والمعارف، الأمر الذي تسبّب في نشاز الأصوات وكذلك التعصّب. مثال جيّد على ذلك، هو الجدل الدائر حول القروض الحكومية للشباب من خلال «الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب». إذ استنكر الأئمة سيئي السمعة الذين عيّنوا أنفسهم بأنفسهم ويظهرون على شاشات التلفزيون، كشمس الدين وغيره، قرار الدولة بتزويد الشباب بالقروض، وشجبوا هذه الخطوة باعتبارها غير شرعية لأنّه يمكن تصنيفها على أنّها ربا. على الرغم من الجهود التي تبذلها الدولة للحفاظ على سيطرتها التامة على الدين في الجزائر، إلا أنّ الأصوات الرسمية ليست الوحيدة. إذ يواجه الإسلام التابع للدولة منافسة شديدة من الأفراد والمؤسسات غير الرسمية ذات التوجّهات المتنوّعة والتي تزداد شعبية. يكاد يكون من المستحيل على الدولة الجزائرية تحقيق السيطرة الشاملة على المساجد والرابطات الدينية، إذ أنّ المؤسسات نفسها مماحكة وعصيّة على الانقياد. وبينما تستطيع الدولة تقديم تفسيرات وتوجيهات فقهية لكبح الأصوات الأخرى وفرض وجهة نظرها الخاصة، من المستحيل التأكد من أنّ الجمهور سيستمع إلى الهيئات الرسمية وموظفيها. وتبدو الجهود التي تبذلها الدولة لاستخدام الصوفية كنموذج لإسلام سليم ولمعالجة التطرّف العنفي غير مجدية. فوفقاً لاستطلاع أجرته جامعتا «الجزائر» و «بنغامتون» في عام 2011 لتقييم وجهة نظر الشباب حول التصوّف والسياسة الحكومية تجاهه، رأى 63 في المئة أنّ التصوّف بدعة، فيما اعتبره 54 في المئة ظلامية، و39 في المئة تعصّباً. علاوةً على ذلك، دفع تعزيز الحكومة للتصوّف الناس إلى الإدراك أنّ هذه المؤسسات الدينية مجرد أبواق للنظام. وأشار الاستطلاع نفسه إلى أنه حتى إذا كان 63 في المئة من الشباب يربطون التصوّف بالسلام و50 في المئة بالتسامح، «ثمّة حالة من انعدام ثقة عام كبير بهذا الزواج المفاجئ بينه وبين الدولة، إذ يعتقد العديد من المُستطلعة آراؤهم أنّ الأخيرة تدعم التصوّف فقط في محاولة استغلالية لإضفاء الشرعية على حكمها». إضافةً إلى ذلك، فإنّ كل محاولات الدولة هذه للحفاظ على سيطرتها لا تُحيّد أو تُغيّب التفاعلات الداخلية السلبية القوية. في هذا السياق، يُظهر استطلاع أجري عام 2011 وتقارير أخرى أنّ الشباب الجزائري- كغيره من الشباب العربي- يشعر بخيبة الأمل وفقدان الثقة في مؤسساته الدينية وفي قدرة الدولة على الإنجاز. صحيح أنّ خطاب الكراهية الديني يمكن أن يلعب دوراً في التطرّف العنفي، إلاّ أن الصحيح أيضاً أنّ دوافع التطرّف العنفي ليست دينية وحسب. وبالتالي، فإنّ السيطرة على المساجد والتحكّم بالخطاب الفقهي، وتشجيع تقاليد دينية أكثر تسامحاً، وتدريب رجال دين جزائريين مؤهلين، ليست سوى أدوات للحدّ من الأصوات الراديكالية ومكافحة التطرّف. وحتى إذا بقي التطرّف لغزاً بلا إجابة، فمن الممكن أن نقول إنّه ما دام الناس في جميع أنحاء العالم يعانون من الاغتراب الاجتماعي، والتهميش السياسي، وعدم المساواة الاقتصادية، ونقص الفرص، والقمع، والعنف العشوائي، فإنّ بعضهم سيذعن إلى إغراء التطرّف العنفي.

 

Yemen Conflict Alert: Last Chance to Prevent a Destructive Hodeida Battle

 الأحد 24 حزيران 2018 - 7:55 ص

Yemen Conflict Alert: Last Chance to Prevent a Destructive Hodeida Battle   https://www.crisis… تتمة »

عدد الزيارات: 11,419,738

عدد الزوار: 313,689

المتواجدون الآن: 20