حلقات من تاريخ سياسي وعسكري ظرفي أفضى إلى «وعد» بلفور..

تاريخ الإضافة الأربعاء 8 تشرين الثاني 2017 - 7:00 ص    عدد الزيارات 232    التعليقات 0

        

حلقات من تاريخ سياسي وعسكري ظرفي أفضى إلى «وعد» بلفور..

الحياة...* هنري لورنس.....  أستاذ كرسي تاريخ الشرق الأوسط العربي في معهد (كوليج) فرنسا عن «مسألة فلسطين»، ج1 1799-1922، مكتبة فايار 1999، إعداد منال نحاس

يندرج إعلان أو بيان بلفور في تسلسل حوادث حمل المسؤولين الفرنسيين والبريطانيين على احتساب عامل يهودي في توجيه هذه الحوادث، وفي تغيير موازين القوى، والوجه الأول والأبرز من هذا التسلسل هو غلبة أفكار معادية للسامية تعظم دور قطبين متناقضين هما كتلة اليهود الأميركيين (ونسبتهم إلى الرأسمالية و»طغمتها») وكتلة اليهود الروس (ونسبتها إلى الحركة الثورية المدمرة). ويضاف إلى القطبين اعتبار الصهيونية، في الأوساط الديبلوماسية الفرنسية والبريطانية، رافداً من روافد القومية الجرمانية (الألمانية)، وملاحظة قوة النازع التوراتي في البروتستانتية الأنغلو- ساكسونية وحملها تحقق النبوءات على محمل الجد. وفي 1917-1918، ساهمت الويلسونية الأميركية، ودعوتها إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، في الوعد بـ «ربيع شعوب شرقي» يجمع العرب والأرمن واليهود والكرد في إطار مشترك يشيد على أنقاض السلطنة العثمانية، ويقر بمصالح القوة البريطانية. وفي 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1914، عشية إعلان السلطنة العثمانية دخولها الحرب، ألقى رئيس الوزراء البريطاني، لورد آسكويث، خطبة حمل فيها السلطنة المسؤولية عن أفولها ونهايتها في أوروبا وآسيا. وبناء على هذا الموقف طالب زعيمان من زعماء الحركة الصهيونية، رانغويل ووايزمان، بإنشاء فلسطين بريطانية مشرعة الأبواب في وجه الهجرة اليهودية، من غير أن تلقى المطالبة صدى في دوائر القرار البريطانية. وتلقف نداءَ الزعيمين سياسي بريطاني، ليبرالي ويهودي، هيربرت صمويل، هو أول يهودي بريطاني يتولى حقيبة وزارية من غير أن يعتنق المسيحية. ونوّه مع زميليه في الحكومة، لويد جورج وغراي، بالمنفعة التي يعود بها على بريطانيا إنشاء دولة يهودية في فلسطين. وصاغت مذكرة عنوانها «مستقبل فلسطين» في أوائل 1915، ما انتهت إليه هذه المداولات من خلاصات، وتولى صمويل نقلها إلى الحكومة. وجاء فيها أن عودة 12 مليون يهودي إلى أرضهم التاريخية من شأنها أن ترسخ السيطرة البريطانية على موقع جغرافي واستراتيجي بارز من غير أن يلحق إجحافاً بحقوق الغالبية العربية. فإنشاء الدولة الجديدة يقتضي زمناً مديداً قد يمتد قروناً. والخطوة الأولى على الطريق هذه هي ضم بريطانيا فلسطين إلى ممتلكاتها، وفتح بابي الهجرة والاستيطان اليهوديين تمهيداً لبلورة غالبية يهودية تتمتع تدريجاً بحكم ذاتي. وتخلص المذكرة إلى رفض تدويل فلسطين، وإبطال دسائس ومؤامرات لا تحصى وتحاك في سبيل التدويل. وتبطل، في الوقت نفسه، محاولة فرنسا الاستيلاء على الأراضي المقدسة. وأغفلت الحكومة البريطانية طوال 1915، غداة خروج صمويل منها، مسألة العامل اليهودي. وشغل السياسيين أمر السياسة الروسية. وتحالفت منظمتان يهوديتان، واحدة بريطانية والأخرى فرنسية، على التنديد بالسياسة الروسية المعادية لليهود والسعي في رعاية اليهود الروس. وسعى حلف المنظمتين في التنسيق بين السياستين الفرنسية والبريطانية، وفي استمالة «السوريين»، وهم مسيحيون مشرقيون، إلى إنشاء سورية الكبرى في رعاية فرنسية. وفي بعض المراحل أبدى إدمون دي روتشيلد تأييده الفكرة وعزمه على تمويلها. ونفى المسؤولون الروس تهمتهم باضطهاد اليهود، وردّوا بتهمة يهود روسيا بخدمة ألمانيا والتجسس لحسابها. وبلغت المسؤولين البريطانيين والفرنسيين أنباء مقلقة عن ميل اليهود الأميركيين إلى المحور الألماني نكاية بالسياسة الروسية، فقررت الديبلوماسية الفرنسية مقارعة هذه الميول في الولايات المتحدة نفسها. وأوفدت نعوم سلوش، الكاتب الفرنسي المختصّ في شؤون اليهود السفارديم، إلى الولايات المتحدة. وكتب في تقرير عن بعثته أن الميول الألمانية في أوساط اليهود الأميركيين ملموسة وظاهرة. وعرض مطلبين يتصدران مطالب هذه الأوساط: إقرار روسيا بالمساواة بين اليهود فيها وفي رومانيا والشرق، وإقرارها بحقوق اليهود التاريخية في فلسطين. ولاحظ أن المطلب الأخير لم يبق وقفاً على المنخرطين في الحركة الصهيونية وشاع في صفوف معظم يهود أميركا. وتوقع نعوم سلوش أن يرجع الاشتراكيون الأمميون ورجال المال المعارضون طلب الإقرار بحقوق تاريخية، عن معارضتهم تلافياً لخسارة الناخبين اليهود. ورأى الموفد الفرنسي أن تعيين لويس برانديس (برانديز)، القاضي الأميركي اليهودي، في المحكمة العليا بواشنطن قرينة أخرى على تعاظم نفوذ الجمهور اليهودي في السياسة الأميركية. وارتدت السياسة الروسية، واضطهادها اليهود في روسيا وممتلكاتها في شرق أوروبا وآسيا الوسطى، نفوراً من حلفائها في غرب أوروبا وتعاطفاً مع أعدائهم، وفي مقدمهم ألمانيا. وتولى برانديس، ومعه مصرفي نافذ هو جاكوب شيفن، مفاوضة الموفد الفرنسي، فاقترحا على فرنسا وبريطانيا تبني قضية اليهود في فلسطين، وضمان حرية معتقدهم وتدريسهم بلغتهم ومزاولتهم عاداتهم، وحمل روسيا على كبح اضطهادها رعاياها اليهود، لقاء مساندة يهود أميركا الحلفاء والكفاح في سبيل خوض الولايات المتحدة الحرب الأوروبية في صف فرنسا وبريطانيا. وحين اقترح صحافي بريطاني يهودي وغير صهيوني، لوسيان وولف، على فرنسا وبريطانيا، في مذكرة كتبها في آذار (مارس) 1916، التعهد بتيسير الاستيطان اليهودي في فلسطين والهجرة إليها «في حدود معقولة»، ردّت فرنسا الاقتراح الذي بلغها من طريق وزير الخارجية البريطاني، غراي. وكان هذا دمج في المذكرة بنوداً صهيونية مثل رفض تدويل الإشراف على الأماكن المقدسة. وأوفدت بريطانيا وفرنسا إلى روسيا ديبلوماسيين ندبتهما الدولتان إلى مفاوضة الحليف «الشرقي» على المسألة اليهودية، هما مارك سايكس وجورج بيكو، «صاحبا» الاتفاق الذائع الصيت. واقترح سايكس على المفاوضين الروس الموافقة على إنشاء هيئة تتولى رعاية الإعمار/ الاستعمار اليهودي في فلسطين، ولقاء هذه الهيئة تتعهد الحركة الصهيونية بذل وسعها في سبيل انتصار الحلفاء. ويجر هذا تهدئة المطالب اليهودية في روسيا. وإذا كان الرد بالرفض توقع سايكس مناهضة «الكتلة اليهودية الكبيرة» وعداءها. وفاوض جورج بيكو المسؤولين الروس على خطته المشتركة مع صنوه البريطاني، فبارك المسؤولون الروس الاتفاق وأقروه. واشترطوا على المفاوض الفرنسي الاعتراف للمؤسسات والهيئات الأرثوذكسية العاملة في الأراضي المقدسة بإقامة شعائرها من غير قيد، والمحافظة على حقوقها المكتسبة. وتعهدوا ألا يتحفظوا عن دخول المعمرين الإسرائيليين البلاد الفلسطينية. واضطلع حاييم وايزمان- عضو قيادة المنظمة الصهيونية البارز، وعالم الكيمياء الذي صنّع 9.6 في المئة من مادة الأسيتون المتفجرة، والمهاجر في شرق أوروبا إلى لندن، وصاحب «الصهيونية المركبة»- بدور راجح، منذ 1914، في إعلان بلفور. فسعى منذ أوائل الحرب في خدمة البرنامج الصهيوني الاحتياجات البريطانية خدمة تامة ولا تردد فيها. وأيده في مسعاه هذا «أستاذه» أحاد هعام وسوكولوف، الوجه الصهيوني البارز. وحصل، في كانون الأول (ديسمبر) 1914، على مقابلة رئيس الوزراء المحافظ السابق، بلفور، والوزير في حكومة الحرب التي يترأسها أسكويث، وكان بلفور صديقاً لكوزيما فاغنر، أرملة الموسيقي الألماني الكبير وداعية العداء «الثقافي» للسامية اليهودية. فاحتج وايزمان لدور اليهود الألمان في إعلاء مكانة ألمانيا واستماتتهم في خدمتها. ولخص «مأساتهم» بإنكار الجمهور اليهودي يهوديتهم وإنكار الجمهور الألماني يهوديتهم. وخلص من هذا إلى أن نشوء أمة يهودية في فلسطين، بموارد يهودية وعلى سنن يهودية، حريّ به أن يقر اليهود «قانون أحوال» خاص بهم، ويساويهم بالأمم الأخرى. وأبلغ وايزمان إدمون دي روتشيلد بمحادثته بلفور. فحذره روتشيلد من معارضة الكاثوليك توطين اليهود في فلسطين، وقوّى اقتناعه بالتعويل على بريطانيا. وتبنى سايكس حين عودته من روسيا المعتقد الصهيوني. وانقطعت الاتصالات بين الفرنسيين والبريطانيين. وانقسمت الحركة الصهيونية في بريطانيا بين وايزمان، داعية قومية يهودية مستقلة، وبين وولف، المتخوف من مترتبات هذه القومية على اليهود المندمجين في دول أوروبية والحائزين في هذه الحال، إذا بلغ المشروع الصهيوني غايته، على جنسيتين مختلفتين. ورأى وولف أنه من غير الجائز أن يتمتع اليهود المقهورون في أوروبا على مكانة امتياز ترفعهم فوق سكان فلسطين العرب. وطوال سنة 1916، نظّم فريق من اليهود وغير اليهود في مانشستر حملة دعت الرأي العام إلى تأييد ضم فلسطين إلى الممتلكات البريطانية، وإنشاء دولة يهودية ترعاها بريطانيا. واضطلعت صحيفة «مانشستر غارديان» النافذة بدور لسان الحملة، وصاحب الصحيفة، سكوت، هو صديق لويد جورج. وخلص لويد جورج من معركتي فردان والسوم على الأرض الفرنسية إلى استحالة انتزاع نصر عسكري على الجبهة الغربية، على خلاف الحال على جبهة الشرق، وفي فلسطين على الخصوص. لكن العمل على بلوغ هذه الغاية عبث في عبث إذا كان مصير فلسطين التدويل في إطار شرق أدنى تسيطر عليه فرنسا، على ما انتهى إليه اتفاق المفاوضين سايكس وبيكو. فعلى هذا ينبغي التملص من بنود الاتفاق وضم فلسطين إلى الإمبراطورية، ومقايضتها بالتنازل عن سورية إلى فرنسا. ونسفت سياسة ويلسون ومبادئه هذه السياسة الديبلوماسية السرية. واتفق هذا مع سعي الديبلوماسية البريطانية في تعديل بنود اتفاق سايكس وبيكو. فأطلق اسما المفاوضين القانونين عليه، وحلا محل اسمي الوزيرين: كامبون (الفرنسي) وغراي (البريطاني). وأبلغ بلفور، وهو خلف غراي على وزارة الخارجية، ويلسون بمضمون الاتفاق في آذار (مارس) 1917. وفي أواخر 1916، وجواباً عن سؤال الخارجية البريطانية عمّن يمثل مصالح اليهود، وايزمان أم وولف، صاغ فريق الأول رسالة نصت على رغبتهم في الاعتراف لهم بوطن (حرفياً: «بؤرة وطنية») يهودي في فلسطين يتمتعون فيه بكامل الحقوق الوطنية والسياسية والمدنية، على أن تمنح شركة يهودية الحق الحصري في تولي تنمية فلسطين، ويقر بالعبرية لغة رسمية في الولاية اليهودية. وتدور المناقشة التاريخية على هوية صاحب المبادرة إلى (صوغ) إعلان بلفور: هل هو وايزمان أم حاجة البريطانيين، مطلع 1917، إلى محاور صهيوني يتذرعون به إلى ضم فلسطين، وإبطال بنود سايكس وبيكو التي تفضي إلى التدويل وغلبة فرنسا؟ والحادثة الحاسمة هي ترؤس لويد جورج الوزارة، وقراره الاستيلاء على فلسطين. وحين التقى سايكس وايزمان أول مرة، بهَر مندوب المؤتمر الصهيوني الديبلوماسي. وفي اللقاء الموسّع التالي، وهو جمع قادة الصف الأول الصهيوني إلى سايكس، ندّد القادة بخطة تقاسم فرنسا وبريطانيا السيطرة على فلسطين. وكانوا يجهلون مضمون الاتفاق الثنائي (ما عدا صمويل الذي حال توزيره، وواجب التحفظ، دون إفشائه ما يعلم). وأقلق سايكس تبنّي فريق مانشستر مشروع فلسطين كبرى تمتد إلى صيدا شمالاً وتشمل منطقة دمشق وحوران وضفة الأردن الشرقية إلى ما وراء سكة حديد الحجاز. فهو كان يرجح إنشاء حركة كبيرة ركنها التعاون بين اليهود والعرب والأرمن على أنقاض السلطنة العثمانية، وترجح كفة الامبراطورية البريطانية وتراعي مصالح فرنسا. وطلب سايكس إلى سوكولوف التوفيق بين البرنامج اليهودي وبين مصالح الجماعات السياسية والدينية المحلية. فقلص فريق مانشستر طموحه الإقليمي إلى ثلث المساحة التي كان يتطلع إلى السيطرة عليها. وأقر المندوب الصهيوني، سوكولوف، والمفوض البريطاني، سايكس، صيغة اتفاق أخيرة: ينبغي أن تتولى السلطة على فلسطين دولة كبرى، وترعى أقصى حد من استقلال السكان اليهود الذاتي، وتشرّع أبواب الهجرة والاستيطان من غير قيد. وفي 4 حزيران (يونيو) 1917، أبلغ وزير الخارجية الفرنسي بول كامبون الموفد سوكولوف خطياً تعهد دولته المساهمة في «انبعاث... (هوية) قومية يهودية على تلك الأرض التي طُرد منها شعب إسرائيل قبل قرون كثيرة». وتعهد سوكولوف، لقاء الالتزام الفرنسي السبّاق (سبق التزام بريطانيا)، مساهمة يهود روسيا في إبقاء روسيا في الحرب. وكانت الولايات المتحدة أعلنت في أواخر نيسان (أبريل) 1917، دخولها الحرب على ألمانيا «شريكة» للحلفاء وليس «حليفة». فرجح ثقل يهودها، ورجح الدور العسكري البريطاني في طرد العثمانيين. وفي 2 تشرين الثاني (نوفمبر)، أذاع بلفور بيانه.

Decentralization in Tunisia: Empowering Towns, Engaging People

 الجمعة 18 أيار 2018 - 8:47 ص

  Decentralization in Tunisia: Empowering Towns, Engaging People https://carnegieendowment.org… تتمة »

عدد الزيارات: 10,803,560

عدد الزوار: 290,116

المتواجدون الآن: 4