«السماء لا تمطر سيارات مسروقة ولا مخدرات على البلدة».. فمن أين تصل؟

تاريخ الإضافة الإثنين 7 حزيران 2010 - 8:54 ص    عدد الزيارات 714    التعليقات 0

        

«السماء لا تمطر سيارات مسروقة ولا مخدرات على البلدة».. فمن أين تصل؟
 

بريتال «المطلوبة»: لا مظلة رسمية وإنمائية.. ولا حتى طائفية

 

مدرسة بريتال الرسمية «شكراً كوريا» (م. ع. م)
 
في شوارع بريتال الداخلية  
 

 

 
سعدى علوه
يعرفونها في بلدة بريتال بـ«الثكلى». هي امرأة «تعصب» رأسها بشال أسود فوق منديلها، وتقضي جزءاً كبيراً من نهاراتها ولياليها عند مصطبة الدار، تنوح بصوت يرتفع حيناً، ويذوي في معظم الأحيان.
تبكي ولدها الذي قتل خلال إحدى المداهمات الأمنية «الاستعراضية»- كما تسميها - قبل سنوات، ولا تنفكّ تردد أن «فيشته» الأمنية «كشفت أن عقاب أكبر تهمة وجهت إليه، ما كان يتجاوز السجن لفترة ستة أشهر».
«مطلوب.. ومن بريتال»، صفة يعتبرها الغرباء عن البلدة، إن في البقاع أو في العاصمة والمناطق الأخرى، «بديهية»، حتى أن البعض يسأل عن مدى إمكانية دخول أي شخص إلى بريتال.. وخروجه منها سالماً. والسلامة هنا تعني تحديداً «الممتلكات»، وخصوصاً السيارات منها، وما تحتويه.
بتلك «الوصمة المعممة»، حسمت بريتال هوية العهد البلدي الثالث الموالي للشيخ صبحي الطفيلي إثر فوز اللوائح المدعومة منه في انتخابات 1998 و2004 و2010، بعدما انكفأ «حزب الله» عن تشكيل لوائح منافسة في الاستحقاقات الثلاثة.
يرد أنصار «حزب الله» انكفاءه عن المنافسة في بريتال إلى «رغبة عليا بتجنيب البلدة معارك انتخابية» من جهة، وعدم «اللحاق» بالشيخ صبحي إلى بلدته من جهة أخرى، فيما يؤكد أنصار الأخير «أن الحزب لا يمكنه أخذ البلدية حتى لو حاول ذلك». وما بين الاثنين، يطبق الحصار على بريتال.
بغض النظر عن الأسباب، يشعر أهالي البلدة، المناصرون منهم لـ«حزب الله» والموالون من بينهم للشيخ صبحي الطفيلي، وأولئك الذين تعبوا من الجهتين، أن بريتال، قد تكون البلدة الشيعية الوحيدة في طول لبنان وعرضه، التي تفتقر لمظلة، في بلد المظلات الطائفية بعناوين السياسة، و«لذا يسهل اتهامها واستهدافها من جهة، وإغفال حقوقها الإنمائية من جهة ثانية»، كما يرون.
على خلفية «عري» بريتال السياسي والإنمائي وبالتالي ألأمني، تفتح البلدة قصص أهلها الذين يعترفون أنه «إن لم يكن المرء محمياً، كبرت أغلاطه وتضخمّت».
يعرف الصغير والكبير في بريتال «الغريب» الداخل إلى «الضيعة» التي توسعت حتى أضحت جغرافياً وديموغرافياً، بحجم مدينة.
عند يسار الطريق - المدخل ويمينه، يلعب أولادها تحت الشمس وبالتراب كما سائر أطفال القرى الفقيرة. يقولون إنهم يتجنبون دوماً لعبة «عسكر وحرامية»، لأنهم يخافون من «سيرة» العسكر ويتوجّسون من أي «سيارة عسكرية» تنعطف نحو منازلهم.
تحفل ذاكرة بعضهم بمشاهد المداهمات الأمنية و«بطشها» خلال العهد الماضي، والتي أريد لها أن تكون رسائل في صندوق بريد «لبيّس».
و«العسكر»، في مخليّة أولاد بريتال، تشمل القوى الأمنية من «فهود» ووحدات خاصة وغيرها، ممن نفذوا في البلدة عمليات أسموها «نوعية»، قاربت في أدائها المشاهد السينمائية لأفلام الحركة الأميركية، وكل ذلك أمام عدسات آلات التصوير الإعلامية.
لا أحد ينكر في بريتال أن «صيت» البلدة «لبيّس» مع وجود عدد من شبانها المطلوبين بقضايا ترويج وتجارة مخدرات، وسرقة سيارات، وبإيواء أخرى مسروقة والاتجار بها. اعتراف يتبعه الأهالي بـ«قرائن ودلالات» تستدعي الإمعان في التحقيق وتحميل المسؤوليات.
تبدأ القرائن من أنه لا يجوز تعميم صفة «الطفار» على بلدة يربو عديد سكانها على الثلاثين ألف نسمة، وتنتهي، وهو الأهم، بـ«أن السماء لا تمطر كوكايين ولا سيارات مسروقة على بريتال»، فمن أين تأتي؟ ومن المسؤول؟
يسألون أين تكون القوى الأمنية عندما تصل شحنات الكوكايين والمخدرات المهربة إلى المرافئ والمطارات وتأخذ طريقها عبر كبار التجار إلى زواريب ودكاكين صغار المروّجين، أو عندما تعبر السيارات المسروقة الحواجز المنتشرة من بيروت إلى الجبل مروراً بضهر البيدر والبقاع وزحلة، لينتهي بعضها في بريتال.
وتبقى القرينة الأساس في بريتال نفسها.. البلدة المتروكة بأهلها، كما شقيقاتها الفقيرات في البقاع، من دون مرافق تربوية فاعلة، وبلا مرافق خدماتية أو صحية. لا يجرؤ أحد طبعا عن الوصول بالحديث إلى أعجوبة «تأمين فرص العمل». «نحن لا نطلب «سمكاً» منة من أحد.. فليعلمونا الصيد»، يقول لسان حال الأهالي.
يكفي أن ملف تعويضات البلدة عن منازلها ومؤسساتها التي دمرت وخسائرها في عدوان تموز 2006 ما زال في أدراج أصحاب الشأن، وتبقى المنازل المكومة فوق بعضها بعضاً لتشهد بذلك.
بريتال الإنماء
عند مدخل بريتال، مبنى حديث بلافتة تعرّف عنه: «مدرسة بريتال الرسمية» ذيلت بعبارة «شكراً كوريا».
على امتداد سنوات، كانت المدرسة الرسمية عبارة عن ثلاث غرف كان الأهالي قد بنوها بأموالهم الخاصة، وجعلوا يزيدونها الغرفة وراء الأخرى مع مرور الزمن. وحدها كوريا مدت يد العون لتلامذة بريتال الذين يزيد عددهم عن ستة آلاف تلميذ، ما بين ابتدائي وتكميلي وثانوي، وبنت لهم في أعقاب حرب تمّوز، ما يمكن وصفه بـ«المدرسة» فعلياً.
من المبنى المدرسي الرابض بالقرب من «القصر البلدي» عند مدخل البلدة تبدأ حفر الطريق الضيقة صعوداً نحو منازل إسمنتية تحولت مصاطبها إلى أرصفة في بلدة نسيت كيف يكون تعبيد الطرقات.
أما الكماليات فهي في بريتال تطال حتى موسم الكرز. تُصَفُ الحبات الحمراء في صناديق «التصدير» إلى خارج البلدة، وغالباً ما تبقى «ممنوعة» و«عزيزة» على أصحابها وأطفالهم، لمصلحة بيعها في فترة «رأس السعر».
و«رأس سعر» ثمار الكرز والمشمش التي تزرعها بريتال هو ما يبقي العديد من عائلاتها قادرة على إطعام أولادها «لاحقين ناكل فواكه لمّا بترخص الأسعار».
هكذا يتمسك المزارعون فيها بمحاصيل القمح والشعير وسائر الحبوب على قلة مردودها، ليتمكنوا من سداد ديون الدكاكين السنوي الذي يتركز على شراء الخبز والملح والسكر والأرز والزيت، ومعها ما يؤمن كفاف العيش المتواضع. «عيش» يمكن له أن يكون «أكثر كرماً» لو تطلعت الدولة إلى مساعدة الناس عبر فرز أراضي البلدة بداية لرفع قيمتها العقارية، واستصلاح الزراعي منها.
تمتد البلدة على مساحات واسعة لا ينقصها سوى الرعاية والإرشاد لاستثمار خصوبة أراضيها، وسواعد أهلها.
اسأل أهالي بريتال عن صحتهم، عن نسبة المضمونين من بينهم، وعن المسافة الفاصلة بينهم وبين أقرب مركز صحي جدي يمكنهم أن ينتقلوا إليه في حال الطوارئ. وقبلها، دقق في قدراتهم المالية على دفع بدل معاينات أطباء الاختصاص والأدوية. وإذا كان بعض الموالين لحزب الله في البلدة يقولون إن مستوصف الهيئة الصحية يؤمن دوامات لأطباء اختصاص، فإن في مقابلهم من يقول بقلة التقديمات، خصوصاً على صعيد العلاج ومستلزماته، في مقابل شلل مستوصف الإنعاش الاجتماعي.
لا تسأل في بريتال عن شبكة المياه المهترئة والقاصرة عن الوصول إلى منازل البلدة التي توسعت دونها، ولا الصرف الصحي الذي يأخذ بالمخلفات الآسنة لثلاثين ألف نسمة إلى الحفر الصحية وبعض آبار القعر المفقود ومنه إلى المياه الجوفية.
يطالب أبو غالب، وهو فعالية معروفة في بريتال، بتعريف أبناء البلدة على الدولة، و«ليس على المداهمات ووجهها الأمني فقط « الذي يشكل هاجسهم، مشيراً إلى أن «إنماء بريتال وأخذها إلى الدولة هو العلاج الشافي، والوحيد».
يقول أبو غالب «حبذا لو تقطع يد كل السارقين، وليبدأوا من كبارهم»، مطالباً الدولة بالاعتراف «ولو لمرة واحدة أنها «من صيَّر هذا الشاب حرامي، وذاك مروج مخدرات».
وعلى طاولة صغيرة في صالون منزله، يضع قاسم محمد طليس، الذي يعرف عن نفسه بأنه الناطق الرسمي بإسم لجنة العفو العام، «دستة» أوراق» تؤكد المظلومية الواقعة على أبناء المنطقة ككل، ومن ضمنها بريتال»، مشيراً إلى «وجود حوالى 35 ألف مطلوب، وبتهم مختلفة ومتفاوتة في المنطقة».
يقول طليس، الذي يسعى مع اللجنة لتسوية الملف الأمني للمنطقة، أن المشكلة تبدأ من «مخالفة أصول المحاكمات الجزائية، ومن بلاغات البحث والتحري التي ينظم القانون كيفية تمديدها وتوقيفها»، مشيراً إلى أنها مع أبناء بريتال «تتحول إلى بلاغ بحثٍ وتحرٍّ مدى الحياة، وهذا مخالف للقانون ويؤدي إلى عدم جدية في تبيان الحقائق».
ويلفت طليس إلى أنه من أصل 1400 مذكرة توقيف صادرة بحق شباب في المنطقة «هناك 1300 ناتجة عن بلاغ بحث وتحر مؤقت تحول إلى دائم، وإلى سبب لإصدار عشرات مذكرات التوقيف بحق المعني به».
ويرد طليس الكثير من بلاغات البحث والتحري، وحتى مذكرات التوقيف، إلى «تشابه في الأسماء حيناً، وإلى «إخباريات» غير محقة من قبل مخبر حيناً آخر»، وإلى أسباب كيدية وعائلية وطائفية في أحيان كثيرة»، من دون أن يغفل «أن هناك مطلوبين حقيقيين بقضايا سرقات واتجار بالمخدرات فعلياً، ولكن ليس كل الناس».
ويقول طليس «إن قصص بعض الشبان بدأت ببلاغ بحثٍ وتحرٍّ لسبب قد يكون تافهاً»، ومع عدم قدرة المعني على تعيين محام، وتجنبه الذهاب إلى التحقيق تخوفاً من اتهامه بملفات كبيرة، «تكبر أعداد المطلوبين وتبدأ كرة إلقاء التهم عليهم في كل ما يحدث لكونهم فارين من وجه العدالة، وجلدهم لبيّس».
ويطالب طليس بـ«إعطاء الشباب فرصة عبر منحهم عفواً عاماً مشروطاً بعدم تكرار ارتكاب أي تجاوزات والانخراط السلمي في الحياة، خصوصاً أن سجوننا ليست مدارس تعيد بناء شخصية المتهم، لا بل هو يخرج منها بخبرة مضاعفة في عالم التجاوزات على اختلاف أشكالها».
تعويضات عدوان تموز 2006
يشير الحاج زهير صالح إلى أن هناك حوالى 58 وحدة سكنية تضررت نتيجة قصف بريتال خلال عدوان تموز 2006، وأن الدولة لم تعوض بقرش واحد على اصحابها.
دفع حزب الله بدل إيواء ودفعت بلدية «بوردو» الفرنسية، توأم بريتال، مساعدات عينية للمؤسسات التجارية (12 مؤسسة)، ولم تدفع الدولة أي شيء «رغم أن خسائر الضيعة طالت السيارات والحيوانات أيضا»، وفق صالح.
بالقرب من منزلها في حي الجامع الذي «أطاح به صاروخ انشطاري بوزن ثلاثة أطنان ونصف الطن»، تقول كهيلة مظلوم، أرملة الشهيد حسين مظلوم الذي توفي متأثراً بجراحه من إصابته خلال العدوان، أنها تعيش مع بناتها الخمس «من الأجاويد».
في محيط منزل كهيلة الذي بنته «بمساعدة شقيقتها وصهرها وابن خالتها وأهل الضيعة، والباقي بالدين»، ما زال الحي «على الأرض» فيما أعيد بناء المسجد.
بدأ المتضررون من العدوان بالاستدانة وبإعادة بناء بيوتهم على أساس الوعد بالدفع «وما زلنا على الوعد يا كمون»، ليغمزوا من زاوية «تعرية» البلدة سياسياً وعدم احتسابها على طرف معين، «شفنا شو صار بمناطق أخرى»، يقولون، ليضعوا اللوم على نواب المنطقة الذين «قامت قيامتهم عند تخفيض موازنة مجلس الجنوب، بينما لا يتذكروننا حتى في صلواتهم».
بريتال نفسها، نالت حصتها من العدوان لأنها «بلدة المقاومة والشهداء». قدمت بريتال 55 شهيداً مقاوماً في الجنوب، ولها تاريخها في الثورات ضد الأتراك والفرنسيين، وليست «بلدة طفار ومطلوبين».
في بريتال، تدور أحاديث الولاءات هنا وهناك، يقولون إنهم يصوتون لحزب الله ولحركة أمل في الانتخابات النيابية فـ«البلد يسير على العصب وعلى التفاف كل طائفة حول من يمثلها، ولكننا في الإنماء نحن صفر على الشمال، ليس في بريتال فقط، وإنما في البقاع كله».
ورداً على إهمال بريتال، يسرد رئيس بلديتها (لثلاث ولايات متتالية) عباس زكي إسماعيل تاريخ البلدة مع الأتراك والفرنسيين والإسرائيليين، ووقوفها مع الإمام موسى الصدر في السبعينيات ومع نشأة حزب الله في الثمانينيات، مفصلاً في معارضتها للنظام السياسي الطائفي اللبناني، ليقول «إن الجميع يعاقب بريتال لأنها تعرف كيف تقول لا، ولأن أهلها لا يسكتون عن الظلم والغلط».
ويرى إسماعيل أن المطلوب «تشويه بريتال ووصف أهلها بمجموعة حرامية وخارجين على القانون»، متهماً بذلك «كل من يعتبر أن البلدة ليست له». يقول إسماعيل إن في بريتال شوائب ومخالفات «مثلها مثل أي بلدة أخرى، ولكنها الوحيدة التي تخلت عنها دولتها وطائفتها معاً».
سعدى علوه

...Finland’s NATO Application, Western Policy in Ukraine and the War’s Global Fallout...

 الإثنين 27 حزيران 2022 - 8:02 م

...Finland’s NATO Application, Western Policy in Ukraine and the War’s Global Fallout... This wee… تتمة »

عدد الزيارات: 96,132,584

عدد الزوار: 3,558,685

المتواجدون الآن: 69