اليمن.. جبهة أمريكية جديدة لمواجهة القاعدة

تاريخ الإضافة الجمعة 15 كانون الثاني 2010 - 6:39 ص    عدد الزيارات 513    التعليقات 0

        

العدد 241، 8 يناير 2010
اليمن.. جبهة أمريكية جديدة لمواجهة القاعدة

 

 

تقرير واشنطن – محمد عبد الله يونس

 

"أصبحت الأوضاع في اليمن خطرًا على الأمن العالمي" هذه هي خلاصة تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في 4 من يناير 2010 تعقيبًا على ارتباط تنظيم القاعدة في اليمن بحادثة طائرة نورث ويست الأمريكية، حيث تلقى النيجيري عمر فاروق عبد المطلب - المتهم بمحاولة تفجير طائرة كانت متجهة لمدينة ديترويت بولاية ميتشجان – تدريبه على يد عناصر "تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية" المتمركزة في اليمن، وهو ما وضع اليمن على خريطة الحرب الأمريكية على الإرهاب التي تمددت في الآونة الأخيرة لتشمل كلاًّ من أفغانستان وباكستان والعراق والصومال وأخيرًا اليمن .

وعلى الرغم من إخفاق عمر فاروق في تنفيذ العملية الإرهابية فإن التداعيات التي صاحبت الحادث لم يكن من الممكن تجاوزها على مختلف المستويات، لاسيما لوجود إخفاق استخباراتي واضح أقر به الرئيس أوباما ومستشاره لمكافحة الإرهاب جون برينان John O. Brennan. وتواكب ذلك مع تصاعد الدعم الأمريكي لجهود مكافحة الإرهاب في اليمن، وبروز تساؤلات حول إمكانية إرسال قوات أمريكية لليمن لمحاربة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وخاصة في ظل الجدل حول كيفية مواجهة تهديداته للمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وامتداد نشاطه الإرهابي ليطول الأراضي الأمريكية.

الإرهاب وأزمات التنمية الاقتصادية

لا يُعد تواجد نشاط القاعدة أحد مستجدات الأوضاع الداخلية المتردية في اليمن، فلقد ارتبط اسم رجل الدين المتطرف أنور العولقي المختبئ في اليمن بحادثة فورت هود في 5 من نوفمبر 2009 التي أطلق خلالها الميجور الفلسطيني الأصل نضال مالك حسن النار على عدد من العسكريين الأمريكيين في قاعدة عسكرية جنوب ولاية تكساس ما أدى إلى مقتل 13 شخصًا وإصابة 42 آخرين، حيث أشار جون برينان مستشار الرئيس الأميركي باراك أوباما لشئون مكافحة الإرهاب إلى أن العولقي الذي يعيش حاليًا في اليمن كان على اتصال بنضال مالك قبيل قيامه بتنفيذ العملية الإرهابية.

وفي السياق ذاته كانت القوات الأمريكية قد استهدفت مواقع تنظيم القاعدة في اليمن في هجمات جوية تم تنفيذها في 17 و24 من ديسمبر الماضي بالتنسيق مع الحكومة اليمنية، كما يتواجد في معتقل جوانتانامو ما يقرب من 90 معتقلاً من أصل يمني يشتبه في ارتباطهم بصورة أو بأخرى بتنظيم القاعدة .

ولقد ارتبط تصاعد نشاط تنظيم القاعدة بعدة عوامل أهمها تردي الأوضاع الأمنية في اليمن على مدار السنوات الماضية نتيجة احتدام الصراع بين الحوثيين من جانب والحكومة اليمنية من جانب آخر وتجدد النزاعات الانفصالية في جنوب اليمن. وتردي الأوضاع الاقتصادية في اليمن، حيث لا يتجاوز متوسط دخل الفرد 2500 دولار سنويًا، ولم يتجاوز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 2008 حوالي 3.2 %، ووصلت معدلات البطالة إلى حوالي 35 % في العام ذاته بالتوازي مع معاناة حوالي 50% من السكان من مستويات معيشة متدنية.

وتوفر العوامل سالفة الذكر بيئة ملائمة لتنظيم القاعدة لاستقطاب كوادر جديدة خاصة مع تصاعد سخط أبناء القبائل اليمنية على النظام الحاكم لتدني مستويات المعيشة وانتشار الفساد. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن اليمن قد أضحى يحتل المرتبة الثامنة عشر في مؤشر الدول الفاشلة Failed States Index لعام 2009 وهو المؤشر الإحصائي الذي تصدره دورية الفورين بوليسي (Foreign Policy) الأمريكية بشكل سنوي. ورصد المؤشر تردي الأوضاع السياسية والأمنية في اليمن من خلال الإشارة لتقدم اليمن من المرتبة الحادية والعشرين إلى المرتبة الثامنة عشرة بين عامي 2008 و2009 من حيث مستوى إخفاق الدولة في التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية .

بؤرة تمركز استراتيجية للقاعدة

وعلى المستوى الإقليمي تعتبر اليمن منطقة جيواستراتيجية بالنسبة لنشاط تنظيم القاعدة في منطقة الشرق الأوسط، بالنظر إلى كونه نقطة اتصال جغرافية بين شبه الجزيرة العربية والخليج العربي والقرن الإفريقي، كما يمثل اليمن نقطة تقاطع لممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي وهي ممرات ترتادها الناقلات النفطية والسفن التجارية والحربية وهو ما جعلها هدفًا لأنشطة القرصنة البحرية على مدار الفترة الماضية. وبالنسبة لتنظيم القاعدة فإن هذا الموقع يحقق عدة أهداف أهمها الربط اللوجيستي بين اليمن وحركة شباب المجاهدين الصومالية من جانب والخلايا الإرهابية على الحدود السعودية اليمنية التي تراجعت لتتمركز داخل اليمن تحت وطأة الحصار الأمني الذي مارسته المملكة العربية السعودية من جانب آخر .

وعلى مستوى آخر فإن إطلال اليمن على خليج عدن يجعل بإمكان القاعدة استهداف الحركة الملاحية ذات الأهمية الاستراتيجية للولايات المتحدة. كما يمكن الإفادة من اليمن كقاعدة انطلاق لتنفيذ هجمات تستهدف المصالح الأمريكية في منطقة الخليج العربي أو تستهدف التواجد العسكري الأمريكي في العراق .

وفي هذا الصدد أشار تيد دان Ted Dagne خبير شئون القرن الإفريقي بهيئة أبحاث الكونجرس Congressional Research Service إلى أن الصلة بين تنظيم القاعدة في اليمن وحركة شباب المجاهدين الصومالية مؤكدة نظرًا لتشاركهم في الأيديولوجية والمعتقدات الخاصة بالعداء للغرب منوهًا إلى أن التقارب الجغرافي بين الدولتين جعل التنسيق فيما بينهما ممكنًا لتحقق الأهداف المشتركة، كما أنه لا يستبعد وجود علاقة بين التنظيمين سالفي الذكر وبعض عمليات القرصنة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن .

جبهة قتال أمريكية جديدة

لم يكن من الممكن في ظل ما سلفت الإشارة إليه من تهديدات جدية للمصالح الأمريكية أن تتغافل إدارة الرئيس أوباما عن مواجهة تنظيم القاعدة في اليمن، إلا أن الخلاف كان حول آليات مواجهة تنظيم القاعدة ودرجة الانخراط الأمريكي في العمليات العسكرية التي تشنها القوات اليمنية ضد التنظيم، إذ لم يكن الدعم الأمريكي للحكومة اليمنية في مواجهتها لتنظيم القاعدة محل خلاف، حيث بعث الرئيس أوباما برسالة لنظيره اليمني علي عبد الله صالح حملها وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس حول التزام أوباما بمضاعفة المساعدات الأمنية الأمريكية البالغة 70 مليون دولار بالإضافة إلى زيادة المساعدات التنموية لليمن خلال السنوات الثلاث المقبلة لتصل إلى 120 مليون دولار. وتواكب ذلك مع إعلان الولايات المتحدة وبريطانيا عزمهما تمويل تدشين وحدة شرطة متخصصة لمكافحة الإرهاب في اليمن ودعم الولايات المتحدة لمقترح بريطاني بعقد مؤتمر دولي حول اليمن بنهاية شهر يناير الجاري.

بيد أن الإدارة الأمريكية واجهت انتقادات لعدم قيامها بشن هجمات مباشرة على تنظيم القاعدة، حيث دعا السيناتور الأمريكي جوزيف ليبرمان Joseph Lieberman، رئيس لجنة الأمن الداخلي والشئون الحكومية بمجلس الشيوخ Senate Homeland Security and Governmental Affairs Committee إلى قيام الإدارة الأمريكية بشن هجوم وقائي ضد تنظيم القاعدة في اليمن، وهو ما أيده السيناتور أرلين سبيكتورArlen Specter قائلاً: "إن اليمن أصبح الآن في قلب المعركة ضد الإرهاب.. وأصبح لدينا وجود متنامٍ ويجب أن يكون لنا هذا الوجود سواء بقوات العمليات الخاصة أو عناصر مخابرات أو قوات صاعقة".

ونوه ليبرمان إلى أن شن هجوم وقائي على القاعدة في اليمن سوف يؤدي لإضعاف التنظيم في الصومال والعراق والسعودية في آن واحد، وفي المقابل نفى مستشار الرئيس الأميركي باراك أوباما لمكافحة الإرهاب جون برينن إمكانية قيام الإدارة باتخاذ الإجراءات سالفة الذكر منوهًا في حديثه لشبكة فوكس نيوز الإخبارية إلى أن الولايات المتحدة لن تفتح جبهة جديدة ضد القاعدة في اليمن ولن ترسل قوات عسكرية إليه وإن الإدارة الأمريكية ستكتفي بتقديم الدعم المالي والعسكري للقوات اليمنية لمكافحة التنظيم .

التدخل العسكري خيار مؤجل

ويبدو أن التدخل العسكري المباشر في اليمن أمرٌ مستبعدٌ وفق ما أشارت إليه افتتاحية صحيفة نيويورك تايمزNew York Times في 31 من ديسمبر الماضي بالنظر إلى العقبات التي تعترض نشر قوات عسكرية أمريكية في اليمن والتي تشمل رفض الحكومة اليمنية لذلك الإجراء وتهديدات تنظيم القاعدة باستهداف المصالح الأمريكية وإعلان قادة حركة شباب المجاهدين استعدادها لمساندة عناصر القاعدة في اليمن في مواجهة الهجمات الأمريكية وهو ما يعني ضمنًا تحويل اليمن إلى ساحة قتال دولية على غرار أفغانستان والعراق، بما سيؤثر سلبًا على الأمن مع امتداد هجمات القاعدة لدولٍ مجاورة خاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي .

إلا أن ذلك لا يمنع تواجدًا عسكريًّا محدودًا لأغراض التدريب والتنسيق العسكري أو تنفيذ هجمات جوية متتالية تستهدف مواقع تدريب ومخازن للأسلحة تابعة للقاعدة في اليمن وذلك بالتنسيق مع الحكومة اليمنية، فعلى الرغم من تأكيد براين ويتمان المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية على سيادة اليمن فإنه أضاف قائلاً: "إن التواجد العسكري الأمريكي في اليمن محدود ويتركز على التدريب ...أستطيع أن أصف ذلك الوجود بأنه متواضع نسبيًّا، ولكنني لن أخوض في التفاصيل". مؤكدًا أن التعاون بين الدولتين يركز على تبادل المعلومات الاستخباراتية وتوفير التدريب والتمويل لبناء قدرات القوات اليمنية في مكافحة الإرهاب.

ولا تؤيد الإدارة الأمريكية التركيز على العمليات العسكرية دون التنمية الاقتصادية باعتبار ذلك أحد أهم العوامل التي أدت لحالة عدم الاستقرار التي تجتاح اليمن حاليًا، حيث أشارت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلا أن الأوضاع في اليمن لا يمكن معالجتها بالهجمات العسكرية أو الدبلوماسية فحسب وإنما تتطلب دولية لتحقيق طفرة في مستوى التنمية الاقتصادية في اليمن عبر تقديم مساعدات تنموية منتظمة منوهة إلى أن الولايات المتحدة لن تتمكن من هزيمة تنظيم القاعدة طالما فقد الشباب في اليمن الأمل في الارتقاء بمستوى معيشتهم وهو ما أيده وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس بقوله: إن التنمية المدنية تخفف العبء العسكري عن كاهل وزارة الدفاع وتسهم في تقويض سيطرة تنظيم القاعدة على مناطق شاسعة في الدول الفقيرة .

ولم تتوان إدارة أوباما في مواجهة التهديدات سالفة الذكر عن إعادة تقييم سياستها لإغلاق معتقل جوانتانامو، حيث أعلن الناطق باسم البيت الأبيض روبرت جيبس في 5 من يناير أن الولايات المتحدة لن تنقل أيًّا من معتقلي جوانتانامو إلى اليمن في الوقت الحاضر لعدم وجود ضمانات وهو الإجراء الذي حظي بتأييد أعضاء مجلس الشيوخ على رأسهم جوزيف ليبرمان وجون ماكين وليندسي جراهام لعدم استقرار الأوضاع السياسية والأمنية في اليمن وخاصة في ظل تواجد 90 يمنيًا من إجمالي 215 معتقل في جوانتانامو، وهو عدد كبير من المعتقلين لا يمكن للقدرات الأمنية في اليمن السيطرة عليه وفق رؤية الإدارة الأمريكية لاسيما في ضوء ما أشار تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون حول أن نسبة العائدين لصفوف القاعدة ممن يتم إطلاق سراحهم من جوانتانامو تجاوزت 14% حتى نهاية عام 2008.

والسؤال المطروح بقوة، هل تكفل الإجراءات سالفة الذكر لإدارة أوباما تحقيق أهدافها في اليمن؟ وإلى أي مدى يمكن لليمن تجاوز حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني؟ وهما تساؤلان وثيقا الصلة بقدرة الحكومة اليمنية على تحقيق توافق عام حول أهمية الحرب على الإرهاب من خلال تعزيز المشاركة المجتمعية ومحاربة الفساد ودفع جهود التنمية قدمًا.

 
 
 

 

مساران للهيمنة: الشركات العسكرية في تركيا ومصر

 الجمعة 5 حزيران 2020 - 8:57 ص

مساران للهيمنة: الشركات العسكرية في تركيا ومصر https://carnegie-mec.org/2020/06/03/ar-pub-81872 … تتمة »

عدد الزيارات: 40,333,172

عدد الزوار: 1,121,283

المتواجدون الآن: 32