يجب أن تكون اليد العليا للدبلوماسية في الصراع بين إسرائيل وحزب الله..

تاريخ الإضافة الجمعة 5 كانون الثاني 2024 - 7:08 ص    عدد الزيارات 515    التعليقات 0

        

يجب أن تكون اليد العليا للدبلوماسية في الصراع بين إسرائيل وحزب الله..

حتى الآن، تجنب حزب الله وإسرائيل حدوث تصعيد كارثي على الحدود الإسرائيلية–اللبنانية في الوقت الذي تستعر فيه حرب غزة. لكن ثمة مشاكل في قادم الأيام. ولذلك فإن وساطة بقيادة غربية تبقى السبيل الأفضل لاستعادة الأمن على الحدود...

مجموعة الازمات الدولية..

لقد دشنت أحدث جولة من الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني مرحلة جديدة في المواجهة القائمة منذ وقت طويل بين إسرائيل وحزب الله، الميليشيا الشيعية القوية التي أصبحت حزباً في لبنان. على مدى سبعة عشر عاماً، ساعد الردع المتبادل في المحافظة على هدوء حذر، لكن منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، أثارت نيران الصواريخ وهجمات المسيّرات اليومية عبر الحدود شبح حرب شاملة. وبصرف النظر عما إذا تمكن الجانبان من تفادي حدوث تصعيد على المدى القريب، فإن المشاكل لا بد قادمة؛ فقد أوضحت إسرائيل بجلاء أنها بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر على المجتمعات المحيطة بقطاع غزة، لن تتحمل وجود حزب الله على حدودها الشمالية. لقد دفع تبادل النيران حتى الآن إسرائيل إلى إخلاء نحو 100,000 من سكان المنطقة الشمالية، الأمر الذي فرض ضغطاً شعبياً كبيراً على الحكومة لاتخاذ خطوات تمكنهم من العودة بأمان.

على هذه الخلفية، يطالب القادة الإسرائيليون بإنفاذ قرار مجلس الأمن الدولي 1701 الذي بإنهائه الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2006، طالب الجهات الكيانات المسلحة غير الخاضعة لسلطة الدولة، مثل الميليشيا الشيعية، بالبقاء بعيدة عن الحدود. لكن بتهديد إسرائيل بالقيام بعمل عسكري أحادي، فإنها تزيد مخاطر حدوث تصعيد متسارع قد يكون من الصعب السيطرة عليه، ويمكن أن يترك مناطق في جنوب لبنان وشمال إسرائيل في حالة من الدمار، وكل ذلك دون أن يحقق درجة أكبر من الأمن للإسرائيليين الذين يسكنون المنطقة تمكنهم من استئناف حياة طبيعية. يستكشف دبلوماسيون غربيون مبادرات يمكن أن تخفف حدة التوترات وتتيح المجال للطرفين لاستعادة الأمن على الحدود. تستحق هذه المبادرات التطوير، لكنها تبقى في الوقت نفسه طموحة جداً ومن غير المرجح أن تكتسب زخماً إلى أن يتوصل طرفا الصراع في قطاع غزة إلى وقفٍ عاجل لإطلاق النار.

الصراع بعد الهدوء

دخل حزب الله في الصراع بعد 24 ساعة من مجزرة حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر، بقصفه لموقع إسرائيلي في مزارع شبعا، وهي منطقة صغيرة تحتلها إسرائيل تدَّعي كل من لبنان وسورية الحق فيها. على مدى الأسابيع القليلة الأولى، انتشر القتال من مزارع شبعا إلى منطقة أوسع – لكن لا تزال محصورة – من الأرض على عمق 5 كم على طرفي الحدود. اتسع نطاق وشدة الأعمال القتالية تدريجياً وصولاً إلى منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، وازداد حدة بعد “الهدنة الإنسانية” التي دامت ثمانية أيام في قطاع غزة، التي التُزم بها أيضاً على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، وانتهت في 1 كانون الأول/ديسمبر.

في حين صعَّد حزب الله هجماته، فإنها أقل بكثير مما يمتلك الحزب القدرة على فعله، الأمر الذي يشير إلى أنه منخرط في عمليات تهدف إلى تحقيق التوازن. فمن جهة، يبدو أنه استنتج أنه لا يستطيع أن يقف على الحياد تماماً، بالنظر إلى أن الدفاع عن فلسطين ودعم حلفائه في ”محور المقاومة" – وهي مجموعة من الدول والميليشيات المدعومة من طهران، بما فيها حماس - عنصران رئيسيان في موقفه الأيديولوجي والاستراتيجي. ومن جهة أخرى، يبدو أن حزب الله، وأيضاً إيران التي تقدم له الرعاية والإمداد، حريص على المحافظة على الأصول العسكرية التي اكتسبها – والتي تشكل عنصراً محورياً في إستراتيجية إيران الدفاعية ضد عدوان إسرائيلي – بدلاً من حرقها على محراب إنقاذ حماس. (يذكر أن حماس لم تُبلغ حزب الله ولا طهران مسبقاً بعمليتها.) إضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة حذرت الجهات الفاعلة في الشرق الأوسط صراحة من مهاجمة إسرائيل؛ فأرسلت مجموعتين ضاربتين مرافقتين لحاملتي طائرات إلى المنطقة مباشرة بعد هجمات حماس، في إشارة إلى إيران وحلفائها مفادها أنهم إذا دخلوا الحرب إلى جانب حماس، قد ينتهي الأمر بهم في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. وطهران ليست معنية بمثل هذه المواجهة. أما بالنسبة لحزب الله، فإنه قدم دعماً أقل من كامل لحماس، على أساس أنه يقوم بواجبه اتجاه المحور بتثبيت القوات الإسرائيلية في الشمال.

لقد أنهت المواجهة الراهنة مرحلة من الهدوء النسبي استمرت من آب/أغسطس 2006 حتى تشرين الأول/أكتوبر 2023.

لقد أنهت المواجهة الراهنة مرحلة من الهدوء النسبي استمرت من آب/أغسطس 2006 حتى تشرين الأول/أكتوبر 2023. وخلال ذلك الوقت، انخرط الجانبان في مناوشات متفرقة، أوجدا من خلالها “قواعد لعبة” غير مكتوبة ما دام يتم الالتزام بها، من شأنها أن تمنع حدوث تصعيد كبير من قبل أي من الجانبين. الأمر الأكثر أهمية، هو أن حزب الله وإسرائيل أرادا حصر القتال بمزارع شبعا البعيدة وغير المأهولة وجوارها، ومن ثم تقليص مخاطر وقوع ضحايا مدنيين، ومعايرة نيرانهما للمحافظة على الصراع ضمن حدود مقبولة.

لكن مرحلة الهدوء شهدت مناورات يهدف كل طرف فيها إلى تحسين مواقعه. فقد تجاوز حزب الله الفرضية الرئيسية للقرار 1701 التي تنص على عدم وجود كيانات مسلحة غير تابعة للدولة اللبنانية جنوب نهر الليطاني، الذي يمر تقريباً بموازاة الحدود على مسافة تتراوح بين 5 كم و35 كم إلى شمالها. وحتى قبل هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، كان وجود حزب الله في المناطق الحدودية قد أصبح صارخاً، وتسارعت وتيرة المناوشات. كما زادت إسرائيل أيضاً من حصتها من الانتهاكات للقرار 1701 من خلال استمرار انتهاكها للمجال الجوي اللبناني واستمرار احتلال أراضٍ لبنانية في الجزء الشمالي من الغجر، وهي قرية حدودية يقع نصفها الجنوبي داخل مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل.

رغم ذلك، تمتع السكان على جانبي الحدود طوال القسط الأكبر من السبعة عشر عاماً التي انتهت في تشرين الأول/أكتوبر، بدرجة من الاستقرار لم يعرفوها منذ أطلقت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات عبر الحدود على إسرائيل من لبنان في مطلع سبعينيات القرن العشرين. وحتى في منتصف عام 2023، فإن إستراتيجيين إسرائيليين التقتهم مجموعة الأزمات أظهروا ثقة كبيرة بأن إسرائيل كانت قد تمكنت من ردع حزب الله عن إحداث اضطراب كبير. لكن بعضهم عبَّر عن قلقه من أن المسألة مسألة وقت فقط قبل أن تشعر إسرائيل بأنها مجبرة على القيام بفعل استباقي لتدمير جزء من ترسانة حزب الله المتنامية من الأسلحة المتقدمة.

إذا انتهى الصراع في قطاع غزة، قد يوقف حزب الله هجماته عبر الحدود، كما فعل خلال “الهدنة” بين إسرائيل وحماس في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر. من منظور الحزب، وأيضاً من منظور إيران، فإن نهاية حرب غزة ستلغي منطق دعم حماس من خلال فتح جبهة إضافية. لكن حزب الله لا يظهر ميلاً إلى إعادة ضبط الوضع الراهن عبر الالتزام بالقرار 1701، وهو بالتحديد ما تصر عليه إسرائيل.

كيف ترى إسرائيل خياراتها: “1701 أو 07/10

منذ 10 تشرين الأول/أكتوبر، تعرضت إسرائيل إلى تحوّل جذري في الكيفية التي تنظر بها إلى جوارها؛ إذ بات سياسيون إسرائيليون، وأيضاً السكان المهجَّرون من المناطق الحدودية وكثير غيرهم يعيشون إلى الجنوب، يصفون قرب مقاتلي حزب الله من الحدود بأنه تهديد مميت أكثر من تهديد حماس في قطاع غزة. في أيار/مايو، أقامت وحدة الرضوان في حزب الله، قوات النخبة لديه، استعراضاً عسكرياً – شمل غارات وهمية عبر الحدود – كانت بمثابة إعلان عن تحضيرات لهجوم محتمل على إسرائيل يستخدم تكتيكات باتت الآن تثير الهلع بالنظر إلى شبهها بتلك التي استعملتها حماس في تشرين الأول/أكتوبر. لقد أحدث القلق واسع الانتشار من حدوث توغل فعلي ضغوطاً شعبية مكثفة على حكومة رئيس الوزراء المحاصر بنيامين نتنياهو لتعزيز قدرة إسرائيل على منع هجمات عبر الحدود من لبنان في أقرب فرصة ممكنة.

لقد أشارت إسرائيل إلى أنه في حال فشل الجهود الدبلوماسية لتأمين التزام حزب الله بالقرار 1701 – أي سحب قواته من المناطق الواقعة إلى جنوب الليطاني كما ينص القرار – فإنها ستعتمد على جيشها لتسوية القضية. إضافة للإشارة إلى نص القرار، بررت إسرائيل مطالبها بالمجادلة بأنه دون وجود منطقة أمنية عازلة في جنوب لبنان، لن تتمكن من منع توغلات مفاجئة عبر حدودها الشمالية. في النقاش العلني، تبلور هذا الخيار على شكل شعار: “إما 1701 [إبعاد حزب الله عن الحدود] أو 07/10 [أي كارثة مشابهة تنتظر الوقوع]“. لقد أشار مسؤولون إسرائيليون إلى أنه يمكن لدول مثل فرنسا تمتلك قنوات اتصال مع حزب الله أن تثير هذه النقطة مع الأشخاص الذين تتحدث إليهم في الحزب.

يرفض [حزب الله] الانخراط في حديث حول ترتيبات أمنية مستقبلية في الجنوب ما دامت حرب غزة مستمرة.

لكن مثل تلك الجهود، ولا سيما التي قام بها مبعوثون فرنسيون، أخفقت حتى الآن في إقناع حزب الله بالالتزام بأحكام القرار 1701 أو، إذا لم يحقق ذلك، الانسحاب عدة كيلومترات عن الحدود. رسمياً، يرفض الحزب الانخراط في حديث حول ترتيبات أمنية مستقبلية في الجنوب ما دامت حرب غزة مستمرة. وفي المجالس الخاصة، يستبعد الأشخاص المشاركون في المحادثات، والذين تربطهم علاقات بحزب الله، أي ترتيب من شأنه فعلياً أن يحد من وصول حزب الله إلى الحدود، ما لم يكن الجيش الإسرائيلي مستعداً للقبول بقيود مماثلة. وكما قال مسؤول لبناني رفيع سابق لمجموعة الأزمات: “عملياً، ألغيَ القرار 1701”. قد يدفع استمرار رفض حزب الله الالتزام بمتطلب الانسحاب في القرار 1701 صُناع القرار الإسرائيليين إلى الاستنتاج بأن العمل العسكري المكثف هو الخيار الوحيد المتاح لتوفير الأمن على الحدود.

في حين أن مجلس الأمن قد يكون، من الناحية النظرية، المكان الذي يعالَج فيه تفكك وإلغاء أحد قراراته، فإن من غير المرجح، من الناحية العملية، أن يؤدي المجلس تلك الوظيفة. يستبعد دبلوماسيون في نيويورك تعديل القرار 1701 ليمنح سلطات إنفاذه لقوات اليونيفيل، وهي قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وقوامها 10,000 رجل، الموجودة في جنوب لبنان، وغير المخوَّلة الآن باستعمال القوة لإنجاز مهمتها. من جهة، فإن الصين وروسيا تعارضان بشدة فكرة تغيير مهمة اليونيفيل، المكلَّفة بمساعدة الحكومة اللبنانية. في آب/أغسطس، وخلال أحدث تصويت سنوي على تجديد تفويض اليونيفيل، امتنعتا عن التصويت اعتراضاً على نص تدَّعيان أنه ينتهك السيادة اللبنانية بالتأكيد على حرية حركة اليونيفيل. ومن ثم فإن أي مشروع قرار يهدف إلى منح اليونيفيل قوة قسرية سيواجَه باستعمالهما للفيتو.

من جهة أخرى، حتى لو كان من الممكن التفويض بمثل ذلك التغيير، فإن لا الدولة اللبنانية ولا اليونيفيل قوية بما يكفي لفرض إرادتها على حزب الله. رغم أن لبنان ملزم بالقرار 1701، ورغم أن حزب الله حزب سياسي لبناني، فإن الحزب يرفض إخضاع قراراته في السياسة الخارجية لسلطة الدولة. ولا تستطيع الدولة أن تفرض عليه فعل ذلك، حتى بنشر القوات المسلحة اللبنانية، بالنظر إلى أن مقاتلي حزب الله – يدعي الحزب أنه لديه 100,000 مقاتل – يتلقون أوامرهم من قيادة الحزب فقط. كما يتمتع الحزب أيضاً بتمثيل كبير في المؤسسات السياسية في البلاد. أما بالنسبة لليونيفيل، فإن الدبلوماسيون الذين يمثلون الدول التي تسهم بقوات فيها يعلمون أن منحها دوراً لإنفاذ القرار سيعرض جنود دولهم لخطر كبير.

ولذلك يقول بعض المسؤولين الإسرائيليين إن السيناريو الأكثر ترجيحاً، على الأقل على المدى القريب، يتمثل في توسيع العمليات التي تقوم بها إسرائيل أصلاً. وبموجب هذا السيناريو، تستمر إسرائيل في الدفع من خلال القنوات الدبلوماسية من أجل الالتزام بالقرار 1701، حتى في الوقت الذي تمارس فيه ضغوطاً عسكرية لكي توضح ثمن الهدوء بالنسبة لها، أي انسحاب حزب الله إلى مسافة مقبولة عن الحدود. وسيكون القتال على النمط الذي ظهر منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، أي ضربات على أصول حزب الله في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني تظل تحت عتبة التصعيد الكبير، وذلك بهدف تقليص القدرات العسكرية للحزب إلى درجة تمنعه من أن يشكل تهديداً.

يعبر أنصار هذا النهج عن الثقة بأنه خلال القتال الدائر على مدى الشهرين الماضيين، دمرت إسرائيل معظم البنية التحتية التي كان حزب الله قد بناها في جنوب لبنان استعداداً لتوغلاته، مثل أبراج المراقبة ومواقع القيادة. وبالنظر إلى أن الحزب كان موجوداً على الحدود لأغراض عملية أصلاً قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، فإنهم يجادلون بأنه حالما يتوقف القتال، سيصبح الوضع الأمني أفضل بكثير مما كان من قبل وسيتراجع خطر التوغلات. ويشير هذا، من وجهة نظرهم، إلى أن الهجمات التي تهدف إلى منع حزب الله من إعادة البناء من خلال ضربات دقيقة لبنيته التحتية التشغيلية يمكن أن تظل محدودة بما يكفي لتجنب حدوث رد تصعيدي كبير. سيشبه هذا النهج ”الحملة بين الحربين" – أي العمليات ذات الشدة المنخفضة والسرية غالباً التي قامت بها إسرائيل لمنع ترسيخ الوجود العسكري الإيراني في سورية.

من غير الواضح متى ستجعل الحملة الحالية شمال إسرائيل آمناً بما يكفي لعودة المهجرين إلى منازلهم.

لكن في حين قد يبدو الاستمرار على نفس المنوال المسار البديهي لإسرائيل، فإن ذلك قد لا ينجح ببساطة. المشكلة الرئيسية هي أنه من غير الواضح متى ستجعل الحملة الحالية شمال إسرائيل آمناً بما يكفي لعودة المهجرين إلى منازلهم، هذا إذا كانت ستنجح في ذلك أصلاً. في الواقع، يمكن أن تُحدث أثراً عكسياً. وهناك سابقة لوجود منطقة غير مأهولة على الحدود بين لبنان وإسرائيل. فبين عامي 1978 و2000، احتلت إسرائيل جنوب لبنان على خلفية غزوها في عامي 1978 و1982 الذي كان يهدف إلى إخراج المقاتلين الفلسطينيين من البلاد. في منتصف وأواخر تسعينيات القرن العشرين، عندما احتدم القتال في “المنطقة الأمنية” التي احتفظ بها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان بمساعدة ميليشيا لبنانية وكيلة، كان حزب الله يمطر شمال إسرائيل بالصواريخ بشكل يوقف الحياة اليومية.

ومن ثم، إذا كان الماضي مؤشراً، فإن التمديد غير المحدود لنهج إسرائيل الراهن قد يؤدي في النهاية ليس إلى السماح بعودة السكان، بل إلى جعل شمال إسرائيل منطقة لا يمكن العيش فيها. في الواقع، فإن التداعيات يمكن أن تكون أكثر حدة هذه المرة، بالنظر إلى أن حزب الله قد بنى ترسانة أقوى مما كان لديه قبل عقدين من الزمن. في هذه الأثناء، يشعر منتقدو مثل هذه الحملة بالقلق من أنها ستتيح لحزب الله لا محالة البقاء منتشراً قرب الحدود وإعادة بناء بنيته التحتية، ولو بإيقاع أبطأ مما كان يحصِّن مواقعه قبل الحرب. من غير المرجح أن يكون أياً من هذا مقبولاً لأولئك الذين هُجِّروا من شمال إسرائيل، والذين يجادل بعضهم بأن المنطقة الحدودية قد أصبحت بفعل الأمر الواقع ”منطقة أمنية" – أي منطقة لا يمكن العيش فيها تشكل شريطاً بين حزب الله وباقي البلاد. ويشير هذا إلى أن الضغط الشعبي سيتنامى كي تقوم الحكومة الإسرائيلية بفعل عسكري أكثر عدوانية، وبالتالي أكثر ميلاً إلى التصعيد.

إذا قررت إسرائيل التصعيد عسكرياً، ستكون المخاطر مرعبة فعلاً. من المؤكد أن غزواً برياً إسرائيلياً يسعى إلى تأسيس منطقة عازلة في جنوب لبنان – أو حملة قصف تحاول إقامة منطقة لا يمكن لمقاتلي حزب الله العيش فيها - سيحدث أضراراً مروعة على المجتمعات المدنية التي تحتضن المقاتلين. ويمكن أن تدفع إلى رد فعل يخرج عن نطاق السيطرة. سيكون مثل هذا الصراع كارثياً على لبنان، الذي يعاني من آثار أزمة اقتصادية كارثية أيضاً مستمرة منذ أربع سنوات، والآن تجد الحكومة اللبنانية صعوبة أصلاً في التعامل مع وجود أكثر من 50,000 مهجَّر مدني من الجنوب. في هذه الأثناء، ستسبب صواريخ ومسيّرات حزب الله أضراراً كبيرة في إسرائيل. هذا إضافة إلى أن تهديداً خطيراً لبقاء حزب الله يمكن أن يدفع إيران وحلفاءها إلى التقدم للدفاع عنه، الأمر الذي سيشعل حرباً إقليمية قد تجرّ إليها الولايات المتحدة. بالنظر إلى قلقها حيال هذا الاحتمال، تؤدي واشنطن وظيفة كبح مهمة، حيث تشير تقارير إخبارية إلى أن كبار مسؤوليها حذروا نظراءهم الإسرائيليين كي يتجنبوا تصعيداً واسع النطاق في لبنان. وقد تحاول الاستمرار في القيام بهذا الدور، على الأقل لمنع جرِّ الولايات المتحدة إلى صراع أوسع.

البحث عن مخرج

يقر الدبلوماسيون الغربيون المعنيون بملف الحدود بصعوبة العثور على حل سياسي يمكن أن يحقق المطالب الأمنية لإسرائيل. ما دامت الحرب في غزة مستمرة، من الصعب رؤية حزب الله يتراجع عن موقفه الراهن، ناهيك عن الانخراط في محادثات بشأن الترتيبات الأمنية. لكن حتى عندما ينتهي ذلك الصراع، من المرجح أن يحجم الحزب عن التعبير عن التزامات رسمية، حتى من خلال وسطاء، إلى دولة لا يعترف بها أصلاً. ولا تمتلك الحكومة اللبنانية القدرة على التعهد بمثل هذه الالتزامات نيابة عن حزب الله، ناهيك عن ضمانها.

حتى عندما يتوقف القتال في غزة، ستجعل هذه العوامل من الصعب على الطرفين إيجاد طريقة للعودة إلى الهدوء النسبي الذي كان سائداً بين عامي 2006 و2023، إذ إن “قواعد اللعبة” التي كانت سائدة عندها تبلورت بمرور الوقت. صحيح أنها بدأت بصدور القرار1701 لكنها كانت في الواقع تستند إلى تفاهمات ضمنية كان لحزب الله وإسرائيل مصلحة في التمسك بها. استغرق تطوير تلك التفاهمات سنوات من الاشتباكات المتقطعة وفترات الهدوء. لكن مع انهيار ذلك الإطار تقريباً – ومع إصرار إسرائيل على ضمانة أمنية مُحكمة لا يبدي حزب الله استعداداً لتقديمها – لا يبدو أن ثمة أساساً لإعادة بناء ذلك الإطار أو استبداله.

على هذه الخلفية، تستكشف الجهات الفاعلة الخارجية إمكانية وجود طرق لتشجيع درجة أكبر من الالتزام بالقرار 1701 دون مواجهة مقاومة مباشرة من حزب الله. ويأتي على رأس القائمة تقديم دعم إضافي للقوات المسلحة اللبنانية، التي تأثرت كثيراً بالانهيار المالي في لبنان وما تلاه من انخفاض قيمة العملة الذي جعل رواتب الدولة لا قيمة لها تقريباً. كما لاحظنا، من غير الواقعي توقُّع أن تقوم القوات المسلحة اللبنانية بليّ ذراع حزب الله؛ إذ إن من شأن مثل تلك المحاولة على الأرجح أن تتسبب في تفككها أو حتى في قيام حرب أهلية. لكن انتشاراً أكبر للقوات المسلحة اللبنانية سيجعل وجود حزب الله أقل بروزاً ويعزز وجود الدولة اللبنانية، وكلاهما شرطان أساسان لأي ترتيب أمني مستقبلي. في الوقت نفسه، كان لحزب الله دائماً علاقات جيدة مع الجيش اللبناني، ومن ثم فإنه قد لا يعترض على توسيع وجود القوات المسلحة اللبنانية في الجنوب، بحيث يمكن تصوير ذلك على أنه تعزيز للسيادة اللبنانية في المنطقة. كما يمكن لدوريات مشتركة من القوات المسلحة اللبنانية واليونيفيل، كما أوصى مجلس الأمن في آب/أغسطس، عندما جدد تفويض اليونيفيل، أن يسمح أيضاً لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة باستعادة مصداقيتها بين سكان الجنوب. حتى وقت قريب، أعيقت عمليات اليونيفيل بسبب شكوك السكان بأنها تنقل معلومات إلى إسرائيل – وقد شجع حزب الله انعدام الثقة هذا في الماضي.

طرحت دول غربية فكرة إطلاق مباحثات بشأن ترسيم الحدود الإسرائيلية–اللبنانية.

اقتراحات أخرى لا تركز على القرار 1701 بقدر ما تركز على إيجاد مناخ دبلوماسي أفضل بشكل عام. على سبيل المثال، طرحت دول غربية فكرة إطلاق مباحثات بشأن ترسيم الحدود الإسرائيلية–اللبنانية وتسوية بعض النزاعات الثلاثة عشر على المنطقة المحاذية للخط الأزرق، المجاورة للحدود التي رسمتها الأمم المتحدة في عام 2000. لا يوجد علاقات دبلوماسية بين إسرائيل ولبنان، لكن يمكن للمحادثات أن تتبع الصيغة التي استُعملت في الاتفاقية التاريخية بشأن الحدود البحرية في عام 2022، التي اعتمدت على الدبلوماسية المكوكية التي قام بها وسيط أميركي. بدلاً من محاولة التوصل إلى اتفاق محدد بشأن الترتيبات الأمنية، تتمثل الفكرة في تغيير الموضوع كله؛ أي تشجيع الطرفين على تحويل التركيز بعيداً عن منطق المواجهة العسكرية وباتجاه منطق الانخراط الدبلوماسي عبر إطلاق مثل هذه المحادثات. على حد تعبير أحد الدبلوماسيين: “حالما يصبح لديك عملية يبدو أنها تتجه باتجاه ما، يصبح الإغراء أقل للبحث عن حل في ميدان المعركة“.

لا يمكن لهذه الجهود أن تثمر واقعياً إلى أن يُفرض وقف دائم لإطلاق النار في غزة من أجل إزالة دوافع الموجة الأخيرة من النشاط العسكري لحزب الله؛ وحتى عندها، تبدو هذه الجهود طموحة جداً وتستحق الاهتمام لكن يصعب الرهان عليها. وإلى أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، سيكون من المهم على نحو خاص أن يقوم أولئك الذين يتمتعون بنفوذ على الطرفين بمنعهما من السقوط عن حافة الهاوية. ينبغي على طهران وحزب الله أن يعيا أن اللعب على حافة الهاوية في هذه الظروف له مخاطر كبيرة جداً؛ إذ إن من شأن صاروخ يضل طريقه ويقتل عدداً كبيراً من المدنيين أن يشعل حريقاً لا يمكن إخماده. أما بالنسبة لإسرائيل ورعاتها في واشنطن، إذا كانوا يرغبون بإيجاد خيار لعودة الإسرائيليين المهجرين على نحو آمن إلى بيوتهم، يتعين عليهم أن يفعلوا ما في وسعهم لتفادي التصعيد والمحافظة على إمكانية إيجاد حل سياسي في المستقبل. من حق إسرائيل أن تعمل على تحقيق الأمن لمواطنيها، ومن الواضح أنها لن تقبل واقعاً يظل فيه عشرات الآلاف من سكانها مهجرين إلى ما لا نهاية. لكن محاولات فرض نظام أمني أحادي على جنوب لبنان – كذاك المفروض في الضفة الغربية المحتلة والآن في قطاع غزة، حيث يكون التهديد أقل – من غير المرجح أن تحل مشاكل أي طرف ومن شبه المؤكد أن تصب الزيت على نار حريق خطير أصلاً.

..What is Behind Kenya’s Protest Movement?...

 الإثنين 8 تموز 2024 - 5:33 ص

..What is Behind Kenya’s Protest Movement?... Kenyan police have killed dozens of protesters sinc… تتمة »

عدد الزيارات: 163,944,885

عدد الزوار: 7,360,015

المتواجدون الآن: 103