هل تتجه مصر نحو الانهيار؟...

تاريخ الإضافة الجمعة 12 أيار 2023 - 7:00 ص    عدد الزيارات 600    التعليقات 0

        

هل تتجه مصر نحو الانهيار؟...

معهد واشنطن...بواسطة ديفيد شينكر

Also published in "ناشيونال إنتريست"

عن المؤلفين: ديفيد شينكر هو زميل "زميل أقدم في برنامج توب" ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن.

مقالات وشهادة: تُوصف مصر بأنها "أكبر من أن تفشل"، ولكن من المحتمل أن يستمر التدهور وسط تصاعد الديون، وارتفاع معدلات التضخم، وتأخر سحب الاستثمارات العسكرية.

في أواخر شباط/فبراير، نظمت "غرفة التجارة الأمريكية" في مصر حفلاً فاخراً تخلله دفق لا ينضب من النبيذ في البهو المهيب في "المتحف المصري الكبير" الجديد، وبوفيه مليء بأصناف السوشي، وعازف قيثارة يعزف موسيقى هادئة. ولكن على الرغم من هذه الأجواء الاحتفالية، إلا أن رجال الأعمال المصريين الذين قابلتُهم كانوا يائسين، فقد كان قادة القطاع هؤلاء في مزاج سيئ لأن الاقتصاد المصري يسقط سقوطاً حراً.

لقد بدأ التراجع الشديد الذي تشهده البلاد حالياً منذ حوالي عشر سنوات، وذلك عندما شرعت القاهرة في فورة إنفاق غير مستدام واستدانت الأموال لإسرافها على الأسلحة والمشاريع العملاقة والبنية التحتية. ومما زاد الطين بلة، توسع دور الجيش في الاقتصاد بشكل كبير خلال هذه الفترة، فضيّق الخناق على القطاع الخاص وأعاق الاستثمار الأجنبي المباشر. ولا بد من أن يثير المسار الهبوطي في أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان بال واشنطن بدرجة كبيرة.

إنه لمستنقع عميق. فمنذ انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في عام 2014، ازداد دين الدولة الخارجي بأكثر من ثلاثة أضعاف لتصل قيمته إلى أكثر من 160 مليار دولار. وسيتم هذا العام تخصيص نسبة 45 في المائة من ميزانية مصر لخدمة الدين القومي. وفي الوقت نفسه، وصلت نسبة التضخم إلى ما يقارب 30 في المائة، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية خلال العام الماضي بنسبة تفوق 60 في المائة.

ويقيناً أن السيسي ليس وحده المسؤول عن هذا التدهور. فقد زاد وباء "كوفيد-19" والحرب في أوكرانيا من إرهاق الاقتصاد المصري، فتضرر القطاع السياحي - 12 في المائة من "الناتج المحلي الإجمالي" - وارتفعت أسعار السلع الأساسية، وخاصة القمح. وفي هذا الإطار، قدمت المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة في العام الماضي مبلغ 22 مليار دولار بشكل استثمارات وودائع في "البنك المركزي" لتغطية العجز الحكومي المتكرر وتحقيق استقرار الوضع المالي في القاهرة. ولكن كما حدث سابقاً في عمليات الإنقاذ الخليجية، لم ينجح الدعم في إيقاف الأزمة.

وواجه السيسي منعطفاً هاماً، حيث وقّع في كانون الأول/ديسمبر على برنامج آخر من برامج "صندوق النقد الدولي"، في اتفاق ينص على تسليم مبلغ 3 مليارات دولار نقداً ومبلغ 14 مليار دولار إضافي محتمل في شكل استثمار وتمويل إقليميين ودوليين مقابل التزام مصر بتعويم العملة وتقليص دور الجيش في الاقتصاد. ووفقاً لذلك، تم تعويم الجنيه المصري وانخفضت قيمته بنسبة 50 في المائة حتى الآن، إلا أن السيسي لم ينفذ بعد تعهده بالحدّ من سيطرة الجيش على ما تقدر نسبته بحوالي 30 إلى 40 في المائة من الاقتصاد.

تجدر الإشارة إلى أن تدفق رأس المال الخليجي مرهون بسحب الاستثمارات العسكرية من الاقتصاد. وتحقيقاً لهذه الغاية، نشرت الحكومة في شباط/فبراير قائمة بنحو 32 شركة مملوكة للجيش سيتم بيعها. ولكن سرعان ما تلاشت التقييمات الأولية الإيجابية لهذه المبادرة إذ تبين أن أسهم الأقلية وحدها كانت معروضة للبيع. وعلى الرغم من أن بعض الأصول المعروضة قد تكون مغرية، إلّا أنه من غير المرجح أن يندفع المستثمرون الخليجيون إلى الاستثمار في مصالح غير مسيطرة في شركات مملوكة للدولة والتي تعمل بشكل ملتبس وربما مبالغ في تقييمها.

وعلى غرار دول الخليج الغنية بالنفط، يشك "صندوق النقد الدولي" أيضاً في التزام السيسي بتحييد الجيش فعلياً عن الاقتصاد المصري. فبعد أن كانت المراجعة الأولى في إطار البرنامج الممتد على أربع سنوات مقررة في 15 آذار/مارس، قام "صندوق النقد الدولي" بإرجاء التقييم، وصرف دفعات القرض أيضاً، إلى حين تحرز القاهرة تقدماً في مسألة الخصخصة.

ومن الممكن تفهم تحفظ السيسي على هذا الإجراء الإصلاحي، فهو ضابط سابق ويعتمد نظامه بشكل كبير على دعم الجيش المستمر، ولكن خياراته محدودة. ففي كانون الثاني/يناير الماضي، أوضحت السعودية - الممول الأخير للقاهرة - أن أيام المنح غير المشروطة والودائع الهائلة الخالية من القيود في "البنك المركزي المصري" قد ولت، وبالتالي، لن تتدفق رؤوس الأموال الخليجية إلى مصر إلا بوجود عائد على الاستثمار.

وبالفعل، تدين مصر لـ "صندوق النقد الدولي" بمبلغ قدره 23 مليار دولار، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الدولة ستفي في النهاية بالتزاماتها المرهقة تجاه "الصندوق". وليس ثمة ما يشير على أي حال إلى أن القاهرة تعمل على تغيير نهجها في الإنفاق. وللعلم، أصدرت مصر في شباط/فبراير ما يسمى بالصكوك بقيمة 1.5 مليار دولار، وهي سندات تبلغ نسبة فائدتها 11 في المائة. وتهدف الصكوك إلى تمكين الدولة من سداد ديونها على صعيد سندات "اليوروبوند"، التي بلغت نسبة فائدتها 5.57 في المائة فقط. ولذلك حتى في الوقت الذي تقترض فيه مصر من "صندوق النقد الدولي"، فإنها تراكم المزيد من الديون وتقترض المزيد من الأموال بأسعار فائدة أعلى لسداد التزامات مستحقة.

وفي غضون ذلك، يعيش المواطن المصري العادي معاناة. فوسط الارتفاع الكبير في معدلات التضخم، يواجه حوالي ثلث السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر - يكسبون أقل من 3.80 دولاراً في اليوم - المزيد من الصعوبات في تغطية نفقاتهم، كما تضررت الطبقة الوسطى بشدة أيضاً. ومنذ أن تولى السيسي السلطة، فقد الجنيه المصري نسبة 80 في المائة تقريباً من قيمته - 50 في المائة وحده خلال العام الماضي - مما أدى فعلياً إلى القضاء على مدخرات الحياة. وارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية مثل الخبز والأرز واللحوم، وأدت الضغوط على احتياطيات العملات الأجنبية إلى زيادة التكلفة ومحدودية توافر بعض الأدوية. وفي الوقت نفسه، يزداد انتقال أثرياء مصر إلى المجتمعات والمجمعات المغلقة في ضواحي القاهرة، وفقاً للروايات المتناقلة على الأقل.

وفي النهاية، قد يلين السيسي ويقوم بتبني إصلاحات "صندوق النقد الدولي" وإيقاف تدهور مصر. ولكن يصعب تخيل تغير الوضع نحو الأفضل من دون تصحيح حقيقي للمسار. وفي حال استمرار الأزمة، ستخفف على ما يبدو التجربة المريرة لثورة عام 2011 من انتشار الاحتجاجات على نطاق واسع. ومع ذلك، فقد تزداد الأمور سوءاً وقد تشهد مصر احتجاجات عفوية عرضية وارتفاع معدل الجريمة وازدياد هروب رؤوس الأموال وزيادة القمع، مما يدفع بالمصريين إلى الهجرة، سواء بشكل قانوني أو غير قانوني، عن طريق القوارب إلى أوروبا، على غرار ما يحدث في تونس ولبنان.

ومن جهة أخرى، يبدو أن إدارة بايدن مدركة للمشكلة التي تواجهها مصر، وإن لم تكن مشكلة ملحة جداً. ففي مؤتمر صحفي مشترك عُقد في كانون الثاني/يناير الماضي، وصف وزير الخارجية الأمريكي، أنطوني بلينكين، الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها مصر بأنها "تحد"، على خلاف نظيره المصري الذي وصف الوضع بأنه أزمة. وفي هذه الأثناء، تعزو واشنطن الأزمة المالية إلى "العاصفة الكاملة" التي أحدثها فيروس "كوفيد -19" والحرب في أوكرانيا - باعتبارها عوامل خارجية وليست داخلية على غرار السياسات الاقتصادية غير الحكيمة في مصر. فقد مرّ أكثر من شهر على تأجيل "صندوق النقد الدولي" لمراجعة برنامجه، إلا أن واشنطن لم تعلق علناً على تحفظ مصر على الوفاء بالتزاماتها لـ "صندوق النقد الدولي".

وتُوصف مصر التي يبلغ عدد سكانها حوالي 110 ملايين نسمة بأنها "أكبر من أن تفشل". ولكن في ظل التردد الحاصل لإخراج الجيش من الاقتصاد وغياب شبكة الأمان المالية الخليجية التقليدية، فمن الممكن حدوث مزيد من التدهور. وفي حين أن التطورات في مصر لا تثير قلق واشنطن بعد، إلى أنها تشكل مصدر قلق متزايد بالنسبة للمصريين. وعلى الرغم من التشدد الذي يمارسه النظام مع المعارضة، إلّا أن عدد من المصريين الذين التقيت بهم في زيارتي الأخيرة إلى مصر أعربوا عن حنين مفاجئ إلى الأيام الخوالي للرئيس السابق حسني مبارك.

 

تقييم سياسة ملكية الدولة في مصر: بين التحديات والمقتضيات....

مركز كارنيغي...يزيد صايغ...

https://carnegie-mec.org/2023/05/08/ar-pub-89685

ملخّص: خلال العام الماضي، أعلنت الحكومة المصرية عن إطلاق عدة مبادرات اقتصادية طموحة، لكن عليها التصدّي لجملةٍ من التحديات الكبرى كي تتمكّن فعليًا من تنفيذ هذه التغييرات.

يزيد صايغ

يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، تركّز أبحاثه على الأدوار السياسية والاقتصادية المقارَنة للقوات المسلحة العربية، والتداعيات التي تخلّفها الحرب على الدول والمجتمعات، والجوانب السياسية لعملية إعادة البناء وتحوّل قطاع الأمن وفي المراحل الانتقالية التي تشهدها الدول العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج الأنظمة السلطوية.

بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا على إطلاق الحكومة المصرية برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيّف الهيكلي في العام 1991، الذي كان يُفترض به خصخصة عددٍ كبيرٍ من الشركات المملوكة للدولة في مصر، لا تزال الحكومة تتدخّل في الاقتصاد على نطاق واسع جدًّا من خلال القوانين والتنظيمات التي تسنّها، إلى درجة أنها تحدّد عمليًا مستوى الإنتاج وتركيبته في الكثير من القطاعات الاقتصادية، ومن ضمنها تلك التي يملك غالبيتها القطاع الخاص. وفي العام 2020، أعادت الدراسة التشخيصية للقطاع الخاص في مصر، الصادرة عن مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي، التأكيد على "أن وجود شركات مملوكة للدولة في جميع القطاعات تقريبًا يغذي هذا التصور حول النشاط واسع النطاق للدولة بل والمفرط في التوسع، في حين أن كثرة القوانين الحاكمة وأُطر الملكية التي تعمل بموجبها تلك الشركات تجعل من التعرف عليها أمرًا صعبًا ومعقدًا". وفي العام 2021، دعا صندوق النقد الدولي مصر إلى "تحقيق مركزية ملكية الدولة في كيان واحد"، والخروج من باقي الاقتصاد. يُضاف إلى ذلك أن الأزمة المالية والاقتصادية الحادة التي عصفت بمصر في أوائل العام 2022 أدّت إلى تسليط الضوء على هذه القضايا بشكل غير مسبوق.

وأتى ردّ الدولة من خلال إعلان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أيار/مايو 2022 أن الحكومة تخطّط لإعادة ترسيم دور و"حدود الدولة في الاقتصاد الوطني" بهدف تعزيز دور القطاع الخاص. وتلا ذلك إصدارها في حزيران/يونيو المسودّة الأولى لوثيقة سياسة ملكية الدولة التي تضمّنت خطة الحكومة من أجل "تخارج" الدولة كليًّا من عشرات القطاعات الاقتصادية، وتقليص دورها في بضع عشرات من القطاعات، وزيادة دورها في المقابل في قطاعات أخرى. وأجرت الحكومة أيضًا مباحثات مع القطاع الخاص وغيره من الجهات لإصدار الصيغة النهائية من وثيقة سياسة ملكية الدولة، التي وافق عليها مجلس الوزراء في 30 تشرين الثاني/نوفمبر، ثم صادق عليها رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي في 29 كانون الأول/ديسمبر. يُشار إلى أن الإعلان الأولي عن مسودّة وثيقة سياسة ملكية الدولة قد تزامن مع المحادثات التي كانت تجريها الحكومة مع صندوق النقد الدولي بشأن حصولها على قرض جديد من الصندوق، هو الرابع الذي تحصل عليه مصر منذ العام 2016، ما يشير إلى أن الإعلان عن السياسة الجديدة كان هدفه، جزئيًا على الأقل، تحسين العلاقات العامة. لكن حتى لو طُبِّقت فقط بعض بنود هذا الإطار السياساتي الجديد بالشكل المناسب، فسيشكّل ذلك خطوة أولى على مسار فتح الاقتصاد السياسي المصري على نطاق أوسع، ما يعزّز آفاق إحداث المزيد من التغيير التحوّلي. لكن التوجّه الفعلي لسياسة ملكية الدولة وتأثيرها لا يزالان موضع شك. ويشي واقع أنها ليست سوى واحد من بين أطر سياساتية اقتصادية عدة أعلنت عنها الحكومة خلال فترة لا تتعدّى العشرة أشهر، بالافتقار إلى الاتساق السياساتي، وربما إلى الالتزام أيضًا. تُعدّ مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية أهمّ هذه المبادرات الإطارية، وقد سلّمتها الحكومة إلى صندوق النقد الدولي في 30 تشرين الثاني/نوفمبر في إطار الاتفاق الذي توصّلت إليه مصر مع الصندوق بشأن حصولها على قرض جديد. وفيما صادقت المذكرة على سياسة ملكية الدولة باعتبارها "المقياس الهيكلي" للإنجاز، فهي وعدت في الواقع بإجراء إصلاحات أوسع نطاقًا بكثير ترتبط بالإدارة الاقتصادية والمالية العامة. والإيجابي في الموضوع أن الخروج عن سياسة ملكية الدولة سيلغيها بصفتها إطارًا سياسيًا. وعلى العكس، فإن التقيّد بسياسة ملكية الدولة من شأنه أن يلغي فعليًا المذكرة. لكن مجرّد إصدار الاستراتيجيات الرسمية قد يكون هو الهدف في حدّ ذاته، بدل أن تكون الغاية ضمان انسجامها واتّساقها معًا. فقد سبق أن التزمت الحكومة ببرنامج يرمي إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية بموجب اتفاق مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تشرين الأول/أكتوبر 2021، أي قبل أشهر من صياغة سياسة ملكية الدولة، وقبل سنة فقط من تسليم مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية إلى صندوق النقد الدولي.

وعلى نحو مماثل، تم تقديم إعلان مدبولي في شباط/فبراير 2023 عن خطة الحكومة بيع حصص في اثنتين وثلاثين شركة مملوكة للدولة إلى مستثمرين في القطاع الخاص على أنه يندرج في إطار تطبيق سياسة ملكية الدولة، لكنه حاد عنها في مسألة أساسية واحدة على الأقل. ففيما تبنّت سياسة ملكية الدولة صندوق مصر السيادي باعتباره الإطار المفضّل لديها لجذب الاستثمارات الخاصة إلى الاقتصاد المصري، أعلن مدبولي من جهته أن طرح الأسهم سيجري من خلال البورصة المصرية أو في إطار مفاوضات ثنائية مع مستثمرين استراتيجيين. وكما أشار الصحافيان في موقع "مدى مصر"، أحمد بكر وريهام السعدني، لا تُحدث قائمة الشركات المطروحة حصصها للبيع تغييرًا ملحوظًا، بل تضفي "تعديلات طفيفة على قائمة الشركات والأصول نفسها التي كانت الدولة تحاول عرضها للاستثمار الخارجي خلال السنوات الخمس الأخيرة". وفي ذلك إشارة إلى محاولة الحكومة الفاترة بدءًا من العام 2018 طرح ثلاث وعشرين شركة مملوكة للدولة للخصخصة الجزئية، لكنها أخفقت كليًا تقريبًا في ذلك. وخلال الأسابيع التي أعقبت تاريخ إعلان بيع الحصص في شباط/فبراير 2023، عمدت الحكومة، بشكل غير مدروس على ما يبدو، إلى إضافة حفنة جديدة من الشركات إلى القائمة التي ستُطرح حصصها للبيع، وحدّدت مهلة غير واقعية، تبلغ سنة واحدة لإتمام عمليات البيع. وتعزّز هذه العوامل مجتمعةً الانطباع بوجود حالة من الارتباك على مستوى السياسات وافتقار الحكومة إلى استراتيجية حقيقية أو إرادة سياسية كفيلة بالوقوف في وجه جماعات المصالح الراسخة التي عطّلت عمليات الخصخصة السابقة. تنطبق المشاكل المرتبطة بالمصداقية أيضًا على وثيقة سياسة ملكية الدولة في حدّ ذاتها. فبعد أن أعلنت الحكومة عن إطلاق مشاورات – وشرعت فيها بالفعل – في أعقاب إصدار مسودّة هذه الوثيقة في حزيران/يونيو 2022، غابت هذه المبادرة بالكامل عن التداول العلني. ولم يظهر أي دليل يُذكر على إجراء تحضيرات سياسية في أوساط المجموعات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية – سواء أكانت قطاع الأعمال أو العمّال أو موظّفي الدولة – لتأييد إحداث التغييرات المنشودة بمثل هذا الحجم والاتساع. وقد صوّرت الحكومة المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته في أواخر تشرين الأول/أكتوبر على أنه يختتم مشاوراتها بشأن مسودّة سياسة ملكية الدولة، لكنها في الواقع كانت تبذل قصارى جهدها للاستجابة إلى تعليق عابر أدلى به السيسي ومفاده أنه يريد أن تكون للدولة كلمتها في الشؤون الاقتصادية. وفي نهاية الأمر، لم يجرِ سوى القليل من النقاش حول سياسة ملكية الدولة في هذا المؤتمر الذي دامت فعالياته ثلاثة أيام، وتخلّلته بدلًا من ذلك مداخلات طويلة من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. تظهر المقارنة التفصيلية للمسودتَين الأولى والنهائية من وثيقة سياسة ملكية الدولة أن جوهر ما تضمّنته، أي الإطار السياساتي العام وآلياته المطروحة، لا يزال نفسه، ما عدا بعض التعديلات التحريرية الصغيرة التي أُدخلت على النص. واقتصرت التغييرات المهمة على إعادة تصنيف بعض القطاعات والأنشطة الاقتصادية: أي من تلك التي ستتخارج منها الدولة كليًا لصالح القطاع الخاص، إلى تلك التي ستتخارج منها جزئيًا، أو تلك التي ستحافظ فيها على دورها، أو العكس. وانحصرت أهمية هذه التغييرات المحدّدة في ما تكشفه عن جماعات المصالح الاقتصادية التي مارست ضغوطًا لإدخال تلك التغييرات، وعمّا اعتبره معدّو الوثيقة مسموحًا أم لا. لكن الأهم أن القسم الذي يتطرّق إلى مبرّرات الإبقاء على ملكية الدولة وتدخّلها في مختلف أجزاء الاقتصاد – أو حتى زيادتهما – لم يتغيّر البتة.

وأخيرًا، يتعيّن على الحكومة المصرية التصدّي لجملةٍ من التحديات الكبرى إذا أرادت أن يُكتب النجاح لسياسة ملكية الدولة. ولكن من المستبعد حدوث ذلك. فكما تظهر المقالات التي يضمّها هذا الملفّ بين دفّتيه، تُعدّ سُبل تمويل هذه السياسة مُبهمة وموضع شك. قد يكون بيع الحصص في الشركات المملوكة للدولة والمدرّة للربح الوسيلة الوحيدة أمام الحكومة لتأمين رأس المال الذي تشتدّ الحاجة إليه، لكن ذلك من شأنه أن يحرمها من بعض العائدات المضمونة. يُشار إلى أن انحياز إدارة السيسي المفرط نحو القطاعات غير القابلة للتداول (أي غير السلعية وغير القابلة للتصدير) قد قوّض على نحو أكبر زيادة الإنتاجية والرِبحية في القطاعات القابلة للتداول، وساهم في تعميق الشرخ بين حاجة البلاد إلى رأس المال الاستثماري وقدرة الاقتصاد على توليده. وقد أعاقت بالفعل التأجيلات والانسحابات مسار المفاوضات مع "المستثمرين الاستراتيجيين" من بين شركاء مصر وحلفائها في الخليج. أخيرًا وليس آخرًا، غالب الظن أن اتّباع استراتيجية منقسمة تُطبَّق على الهيئات المدنية المملوكة للدولة فحسب، فيما تمنح إعفاءات للهيئات العسكري، وتمنح إعفاءات للهيئات العسكرية (سواء بحكم القانون أو بحكم الواقع)، سيحول دون تعزيز دور القطاع الخاص، وهو ما تزعم سياسة ملكية الدولة أنها تسعى إلى تحقيقه. بغضّ النظر عن العيوب والتناقضات الجوهرية التي تنطوي عليها وثيقة سياسة ملكية الدولة، فهي لا تبدو كافية أساسًا لحلّ الأزمة التي تتخبّط فيها مصر، إذ إن المشكلة الحقيقية ترتبط بالنية والمصداقية. فالسؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: إلى أي مدى تملك الحكومة المصرية فعليًا الإرادة لتطبيق بنود مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية، أو بالأحرى، وهذا ليس أقلّ مدعاةً للقلق، ما مدى قدرتها على ذلك، في مواجهة أفرقاء نافذين سياسيًا ومترسّخين في مواقعهم، ومن ضمنهم رئيس الجمهورية والمؤسسة العسكرية الناشطة اقتصاديًا؟

ابحاث مرتبطة...

الاستثمار في مستقبل مصر أم بيع الأصول الوطنية؟... روبرت سبرينغبورغ

https://carnegie-mec.org/2023/05/08/ar-pub-89685

 

هل مصر أكبر من أن تفشل أم أكبر من أن تُنقذ؟... إسحاق ديوان

https://carnegie-mec.org/2023/05/08/ar-pub-89662

 

مشكلة الاقتصاد المصري في حشد القطاع الخاص وليس مزاحمته... عمرو عادلي

https://carnegie-mec.org/2023/05/08/ar-pub-89663

 

الاستثمار الخليجي في مصر: إرساء التوازن بين الحاجات المتبادلة...حفصة حلاوة

https://carnegie-mec.org/2023/05/08/ar-pub-89684

 

سياسة ملكية الدولة والاقتصاد العسكري في مصر: فجوة عصيّة على الرأب... يزيد صايغ

https://carnegie-mec.org/2023/05/08/ar-pub-89661

ملف الصراع بين ايران..واسرائيل..

 الخميس 18 نيسان 2024 - 5:05 ص

مجموعة السبع تتعهد بالتعاون في مواجهة إيران وروسيا .. الحرة / وكالات – واشنطن.. الاجتماع يأتي بعد… تتمة »

عدد الزيارات: 153,644,447

عدد الزوار: 6,906,219

المتواجدون الآن: 99