نظام الحكم في إيران على إيقاع عقارب الساعة

تاريخ الإضافة الإثنين 29 آب 2016 - 5:05 ص    عدد الزيارات 575    التعليقات 0

        

 

نظام الحكم في إيران على إيقاع عقارب الساعة
المستقبل..مراد مراد
لو دامت السلطة لغيرك ما وصلت اليك. هذا هو القول الذي ينبغي لأي نظام حاكم في العالم وضعه دائما في الحسبان. وفي ايران تحديدا هناك العديد من المؤشرات التي تدل على تسارع حركة عقارب الساعة باتجاه اعلان انتهاء صلاحية النظام الحالي الذي ولد عام 1979 من رحم الثورة الاسلامية. الملالي يدركون هذا الامر جيدا مع تزايد الضغوط الخارجية واتمام ادارتهم معظم السياسات التي انسجمت في بعض المراحل مع عرابي النظام السياسي العالمي، وفي مقدمها زعزعة استقرار الدول العربية لغايات عدة منها بيع الدول الكبرى اسلحتها، واثارة حروب مذهبية وتصدير الافكار الجهادية وتوليد الارهاب بقناع اسلامي.

وما اشبه الامس باليوم، ففي سبعينات القرن المنصرم، كان روح الله الخميني يدير من منفاه في باريس الثورة الاسلامية داخل ايران، وفي مطلع عام 1979 غادر الشاه طهران في اجازة خرج فيها من البلاد ولم يعد، بل عاد المنفي الخميني مكانه ليصبح الحاكم الفعلي لايران، معلنا نجاح الثورة وبداية عصر الجمهورية الاسلامية. واليوم تقود رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الايرانية مريم رجوي من منفاها في باريس الجماعات المعارضة للنظام الاسلامي ولا احد يعرف بالتحديد مدى قدرة المعارضين على احداث ثورة، معتبرة في الداخل الايراني او مدى التنسيق بين معارضة المنفى ومعارضة الداخل، او اذا كانت هناك قنوات اتصال بين المعارضين والشق الناعم في النظام الاسلامي المتمثل بسياسيين مثل الرئيس الحالي حسن روحاني والرئيسين السابقين محمد خاتمي واكبر هاشمي رفسنجاني.

وقد درس النظام الحالي تحت اشراف المرشد الاعلى علي خامنئي التاريخ الايراني جيدا، ويعي كوادره تماما ان خطر زوال حكمهم قد ينبع من الداخل وليس عبر حملة عسكرية لتغيير الانظمة تفرض على البلاد من الخارج، خاصة مع ادراك الغرب ان اي هجوم عسكري ضد ايران سيوحد الشعب خلف حكامه الحاليين. ولهذا عززت الاجهزة الامنية المؤتمرة من خامنئي قبضتها على شبكات الاتصالات والقت القبض على المعارضين السياسيين والجواسيس الغربيين المحتملين في محاولة لمنح حكمها مزيدا من الاستمرارية وتمديد مدة صلاحيته.

وتقدم «المستقبل» في هذا التقرير جولة سريعة على بعض النقاط الحاسمة في التاريخ المعاصر لإيران مع التركيز على حقيقة يمتاز فيها هذا البلد تتمثل بسرعة تغير المشهد السياسي فيه خلال مدة زمنية قصيرة، فبين عام وآخر قد تبدل ايران رداءها من لون الى لون آخر معاكس تماما لسابقه.

دولة ايران العلية

اقامت اسرة قاجار ذات الاصول التركية «دولة ايران العلية» ابتداء من العام 1785 على انقاض بقايا مملكة السلالة الزندية بعدما اطاح القاجار بحكم آخر ملك زندي لطف علي خان. وتمكن القاجاريون من بسط نفوذهم على كامل الاراضي الايرانية بين عامي 1794 و1795. واستعادوا مساحات واسعة من القوقاز كانت تابعة للامبراطورية الفارسية في السابق.

مؤسس الدولة العلية كان محمد خان قاجار الذي وضع نصب عينيه التأسيس لأسرة ملكية جديدة والاطاحة بأسرة زند وتوحيد الايرانيين بغض النظر عن اصولهم العرقية. ولم يدخر جهدا في ذلك حتى عبر اراقة الدماء، اذا انه يعتبر احد اكثر القادة العسكريين قسوة في القرن الثامن عشر. فقد دمر المدن والقرى التي ابت الخضوع لحكمه ومشروعه السياسي وارتكب مجازر جماعية عدة. وكان جيشه مكونا في معظمه من العبيد من اصول جورجية وتركمانية. بعبارة اخرى كان بروزه والقاجار على مسرح السلطة في ايران والمنطقة يرتكز على استغلاله نقمة المضطهدين والعبيد وتجنيدهم لصالح مشروعه. ونصب محمد خان قاجار رسميا شاها على ايران في عام 1796 لكنه بالكاد اكمل عاما في الحكم اذ تم اغتياله في الشوشة في اقليم قره باخ في العام 1797، وخلفه في الحكم ابن اخيه فتح علي شاه قاجار.

واهتم القاجاريون بالعلوم والفنون لكنهم لم يتمكنوا من صد اطماع الامبراطوريتين الروسية والبريطانية. وخاض جيشهم حروبا عدة ضد الجيش الروسي في القرن التاسع عشر لكنها كانت دائما تنتهي لصالح الروس الذين استولوا على الاغلبية الساحقة من اراضي القوقاز ما ادى الى هجرة واسعة للعديد من مسلمي تلك المنطقة الى ايران. وفقد القاجار جنوب القوقاز وداغستان وارمينيا واذربيجان لصالح الامبراطورية الروسية.

ومع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر، توالت سلسلة الاغتيالات التي سببها الصراع الداخلي الايراني على العرش، وازداد نفوذ روسيا وبريطانيا داخل ايران وقررت الامبراطوريتان تقاسم دوائر النفوذ داخل الدولة الايرانية المتهالكة فكان الشمال من حصة روسيا والجنوب والغرب من حصة بريطانيا. ومع اندلاع الحرب العالمية الاولى اعلنت السلطات الايرانية ان بلادها تقف على الحياد، لكنها كانت عاجزة ميدانيا على فرض هذا القرار خاصة مع وجود النفوذ الروسي في الشمال ومناطق الارمن والآشوريين، وهذا ما دفع بالعثمانيين الى اجتياح مساحات واسعة من الاراضي الايرانية وارتكاب مجازر ضد الارمن والاشوريين الذين وقفوا في صف روسيا ابان الحرب.

دولة ايران الامبريالية

آخر حاكم من القاجار كان احمد شاه قاجار الذي ورث الكرسي وهو في عمر 11 عاما. لكن حكمه لم يكن ليستمر في ظل سيطرة الجيوش الروسية والبريطانية والعثمانية على المناطق الايرانية. وعقب انتهاء الحرب العالمية الاولى، قام قائد لواء القوزاق الفارسي رضا خان في شباط عام 1921 بإنقلاب عسكري واستولى على الحكم ونفى احمد قاجار من البلاد واقصى اسرة القاجار تماما عن مقادير الحكم واعاد دعائم الاثنية الفارسية مزيلا آثار اي اثنية اخرى للهوية الايرانية. واعلن رضا نفسه في اواخر عام 1925 شاها جديدا لايران تحت اسم رضا شاه بهلوي مؤسسا بذلك عهد البهلوية وما يعرف بدولة ايران الامبريالية.

وفي عام 1935 شدد رضا بهلوي على السفارات الاجنبية استخدام اسم «دولة ايران الامبريالية» كإسم رسمي للبلاد. وخوفا من النفوذ البريطاني والروسي المستمر منذ عقود، حاول الشاه تقليص حجم الاعتماد على الخبرات الصناعية البريطانية والروسية واصبح يحاول التقرب اكثر من المانيا وفرنسا ودول اوروبية اخرى. رغم ذلك كانت بريطانيا تسيطر على مقدرات ايران النفطية عبر شركة النفط الانغلو-ايرانية. وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية، اعلن رضا بهلوي ايران دولة محايدة، لكن تقربه المتزايد من المانيا وفرنسا اللتين كانتا تخوضان الحرب ضد بريطانيا دفع الاخيرة الى اتهام الالمان الموجودين في ايران بالتجسس لصالح النازيين ومحاولة قطع الموارد النفطية البريطانية من ايران. وهذا ما سبب مشاكل جمة للشاه خاصة بعدما رفض طلبا بريطانيا رسميا بطرد الالمان من البلاد. وانتهى الخلاف بين رضا بهلوي ولندن بأن تنحى عن السلطة في ايلول عام 1941 لنجله محمد رضا بهلوي.

وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وتقاسم الحلفاء النفوذ حول العالم، ظهر خصم سياسي للشاه الجديد على الساحة هو القومي محمد مصدق الذي فرضه المجلس الايراني رئيسا للوزراء في عام 1951، وكان مصدق يعمل على تاميم قطاع النفط وجعله ايرانيا صرفا ما ادى الى اصطدامه بمحمد رضا بهلوي الذي كان يخشى عقوبات غربية قد تفرض على ايران في حال تأميم النفط. وخاف الشاه على نفسه من الاغتيال ففر الى الخارج ولم يعد الى بلاده الا بعدما قامت اجهزة الاستخبارات الاميركية والبريطانية في آب عام 1953 بعملية انقلاب عسكري على مصدق قادها الجنرال في الجيش الايراني فضل الله زاهدي. وبحسب المؤرخين يعتبر مصدق الوجه الحضاري العلماني المطور لإيران، اما تقاسم شركات النفط الاميركية والبريطانية مقدرات النفط الايراني عقب الانقلاب ضده واعادة الشاه الى السلطة فتعتبر المولد الرئيسي لمشاعر الكراهية التي يكنها الايرانيون حتى اليوم للاميركيين والبريطانيين وقد نجح الاسلاميون في استغلالها لانجاح ثورتهم في السبعينات والاطاحة بحكم الشاه.

الجمهورية الاسلامية الايرانية

نجح روح الله الخميني عبر كتاباته وافكاره من منفاه في احداث ثورة اسلامية في ايران، من خلال بنائه شبكة واسعة من الاتصالات مع مجموعات مؤيدة له في جميع مفاصل الدولة من الجيش الى الحكومة مرورا بالقضاء. وروج الاسلاميون للثورة باستقطاب التأييد الشعبي من خلال الاضاءة على مكامن الفساد في عهد الشاه وكيفية تسليم الاخير مقدرات ايران للدول الغربية مثيرين نقمة القوميين والشيوعيين واليساريين الايرانيين ضد الراسمالية العالمية مع اضفاء نكهة دينية مميزة لطبخة الثورة مذاقها ينبع من كتابات الخميني وحلم ولاية الفقيه وتحرير القدس من الكيان الصهيوني اسرائيل ربيبة واشنطن في المنطقة.

ورغم ان الثورة بدأت تظهر بشكل واضح في الشارع الايراني منذ تشرين الاول عام 1977 الا ان التحضير لها في الخفاء بدأ منذ اواخر الستينات. فالتركيبة المعقدة للايرانيين الناقمين على الشاه لم تسمح للاسلاميين بتسريع وتيرة ثورتهم، فقد كان عليهم التحضير جيدا للاطاحة لاحقا بشركائهم الثوريين وخاصة الشيوعيين واليساريين الذين يختلفون معهم ايديولوجيا بشكل تام. ولم تكن اقبية استخبارات بعض الدول الغربية بالبعيدة عن المخطط الاسلامي، وهذا كان تحصيلا حاصلا بسبب وجود الخميني الاب الروحي للثورة في العاصمة الفرنسية باريس وسهولة التواصل معه حول ملامح ايران ما بعد الثورة.

ويعتبر العام 1978 العام الذهبي للثورة التي تحولت الى حركة شعبية جارفة محدثة تظاهرات ضخمة في شتى انحاء ايران ضد الشاه وادارته، خاصة في الفترة بين صيف ذلك العام ونهايته. وقد ارهبت الكثافة الشعبية الواضحة لهذا التحرك الشاه وعائلته فقرر في كانون الثاني عام 1979 مغادرة البلاد الى المنفى متنقلا بين عدة بلدان بحجة الاستشفاء، وبعدما قام الثوار بمواجهة عسكرية مع الوية الجيش الموالية للشاه في شباط 1979 دعت الحكومة الخميني للعودة من باريس. فعاد الاب الروحي للثورة الى ايران (التي كان غادرها في الستينات)، واستقبله ملايين الايرانيين بحفاوة في نيسان، ثم اعلنه مجلس البلاد مرشدا اعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية في كانون الاول 1979.

ومع بروز احتجاجات من اليساريين حول هيكل الحكم والدستور الجديد وابدائهم جهلهم (عند بداية الثورة) بالمشروع الاسلامي الصرف الذي يريد الخميني تطبيقه عبر ولاية الفقيه، لم يتردد الخميني وكوادر نظامه باعتقال هؤلاء وقمعهم وطردهم من البلاد. ودخل النظام في حرب مع نظام صدام حسين في العراق، واستمر الخميني على مدار الثمانينات باصدار فتاوى تبيح استهداف المعارضين السياسيين. وتبقى ابشع مجزرة ارتكبتها «فرق الموت» التابعة له صيف 1988 بحق السجناء من جماعة «مجاهدي خلق» الذي عذبوا وقتل نحو 30 الفا منهم في سجون النظام الايراني.

وتقوم ولاية الفقية على تصدير افكار الثورة الاسلامية الى جميع الدول الاسلامية في الشرق الاوسط وجوار ايران. وتتخذ من موضوع تحرير القدس حجة اساسية لحشد التأييد. وما لبثت ايران ان نشرت رجال الدين في المنطقة ليروجوا افكارها، وفجأة بدأت الاحزاب الدينية التابعة لها تظهر على الساحة مرتدية رداء المقاومة الاسلامية ضد اسرائيل والمصالح الغربية. ووجدت ايران في الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 ارضية مناسبة لإبراز عضلاتها، فظهرت في بيروت حركة الجهاد الاسلامي التي تحولت لاحقا الى ما يعرف اليوم بـ«حزب الله«.

وبعد الغزو الاميركي البريطاني للعراق، وجدت ايران تحت مرشدها علي خامنئي الفرصة امامها سانحة لتوسيع دائرة نفوذها لتشمل مناطق اخرى في العالم العربي مستندة على السمعة الجيدة التي جناها «حزب الله« عقب الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان. فأنشات جماعات واحزابا في العراق تأتمر بأمرها ودعمت الجماعات الارهابية لبث الفوضى التي تساعدها على فرض اجندتها وتغيير الديموغرافية السكانية بما يتناسب ومشروع ولاية الفقيه.

ايران خامنئي لم تخف رغباتها التوسعية وطموحاتها النووية العسكرية، واظهرت عداوة واضحة لدول الخليج العربي واثارت القلاقل في اليمن والبحرين. وهي اليوم تعتبر الى حد بعيد اللاعب الرئيسي في المشهد السياسي سواء في لبنان او سوريا او العراق. وقد استغلت رغبة الغرب في ابعادها سلميا عن السلاح النووي لكي تحمي مصالحها في المنطقة التي تعصف بها الثورات وترسخ نفوذها بسبب الفوضى الحاصلة.

لكن المليارات التي صرفتها ايران ولا تزال تصرفها على حروبها لا سيما في سوريا واليمن بدأت تسبب للنظام الاسلامي المتاعب الداخلية بسبب الازمة الاقتصادية التي يزيد من حدتها غضب الطبيعة وازدياد نسبة الجفاف والتصحر في الاراضي الزراعية الايرانية. وتقف الجمهورية الاسلامية اليوم على مفترق طرق خطير سيكون من الصعب عليها فيه اختيار الطريق الصحيح الا في حال كانت على استعداد لتقليص حدة عداوتها مع جيرانها والتضحية ببعض التحالفات والتخلص من مليشيات انشأتها ولم يعد وجودها يخدم مصالح ولاية الفقيه اقله على المدى المنظور.

نظام خامنئي يدرك جيدا ان عهد الرئيس الاميركي اللين باراك اوباما شارف على النهاية، وان الرئيس المقبل في البيت الابيض مهما كانت اجندته فلا يمكن ان تستمر بالودية نفسها مع ايران. كما ان بشار الأسد لا يمكن تحت اي ظروف ان يستمر على المدى الطويل رئيسا لسوريا، لذا يقوم النظام الايراني قبيل انتخابات الرئاسة العام المقبل بمراجعة شاملة لموقعه على الساحتين الداخلية والاقليمية. وهو يدرك جيدا ان الخطر لا يأتيه فقط من الخارج بل ايضا من الداخل، ولهذا يحاول بشتى الطرق اقفال جميع الفتحات التي يمكن ان يتسرب منها مخطط داخلي للاطاحة بولاية الفقيه شبيه بالمخطط الذي اعده الاسلاميون انفسهم ضد حكم الشاه عندما استلموا زمام السلطة اواخر سبعينات القرن المنصرم.

ابطال سيناريو السلطة الجديد موجودون. فهناك مريم رجوي رئيسة المعارضة (المعروفة باسم المجلس الوطني للمقاومة الايرانية) موجودة مثلما كان الخميني سابقا في منفى في باريس، وحتما هناك معارضون في الداخل لا يستسيغون ولاية الفقيه وسياساتها. والثورة الخضراء التي اندلعت العام 2009 ولم يدعمها اوباما، قد تعود للاندلاع في اي وقت مع دعم هذه المرة من الرئيس الاميركي الجديد. فهل خامنئي على استعداد للتضحية بحزب الله مثلا او بالحوثيين في اليمن من اجل الحفاظ على حلم ولاية الفقيه حيا خلال المرحلة المقبلة. عقارب الساعة ستجيب حتما عن هذا السؤال عاجلا ام آجلا.
 

How to Defuse Tensions in the Eastern Mediterranean

 السبت 26 أيلول 2020 - 5:22 ص

How to Defuse Tensions in the Eastern Mediterranean https://www.crisisgroup.org/europe-central-as… تتمة »

عدد الزيارات: 46,202,309

عدد الزوار: 1,362,319

المتواجدون الآن: 38