فلسطينيو لبنان – الجزء الأوّل

تاريخ الإضافة الثلاثاء 29 حزيران 2010 - 1:37 م    عدد الزيارات 809    التعليقات 0

        

فلسطينيو لبنان – الجزء الأوّل

محمد بركات، الثلاثاء 29 حزيران 2010
 
 

... لا يوجد إجماع على أيّ شيء يخصّ الفلسطينيين في لبنان. حتى أعدادهم لا إجماع على رقم موحّد لها. ففي حين تقول الأنوروا إنّ المسجّلين لديها يزيدون عن 400 ألف، ويقدّرهم بعض "الخائفين" من لعنة الديمغرافيا بنحو نصف مليون، يؤكّد الخبراء الميدانيين أن المقيمين منهم في لبنان لا يزيد عن نصفهم، ويتوزّع الباقون على الدول العربية ودول الإغتراب الأميركي والأوروبي.

لكنّ الحديث عن فلسطيني لبنان لا يكفي أن يكون على مستوى التعليقات والسياسين. فعلى الباحث عن بعض الحقائق أن يدخل إلى المخيمات ويتحدث مع أهلها، لينقل ما أمكن من صورهم الحقيقية.. وبالطبع ليس بالضرورة أن تكون الصور هذه مأساوية ودرامية، على ما دأبت وسال الإعلام المتعاطفة أن تفعل مع الفلسطينيين، ظنا منها أنّها بذلك تساعدهم، حتى حوّلت صورتهم النمطية في أذهان العالم أجمع إلى صورة متسوّلين أو أطفال يلعبون فوق مجاري الصرف الصحي أو منكوشي الشعر ومنعوفي الملبس.



الحاج عبد المجيد العلي كان أنهى عامه الثاني عشر يوم النكبة في العام 1948. هو الذي ولد في أيام الإنتفاضة الفلسطينية الكبرى في العام 1936. يروي الحاج عبد بالتفاصيل كيف خرج مع أخوته ووالده ووالدته وأعمامه وزوجاتهم وأولادهم من قريتهم الكويكات، بعد مجزرة دير ياسين الشهيرة: "هذه المناظر الرهيبة أرعبت النساء والأطفال ففكر أهل القرية بإخراجهم من القرية وبقاء الرجال للدفاع عنها أمام الهجمة الصهيونية. فانتقلنا إلى كفرياصيف المسيحية ثم إلى قرية أبو سنان الدرزية وتعرضت القرية لهجومين قبل الهجوم النهائي بالمدافع والدبابات والسيارات المصفحة، مقابل البارودة وجفت الصيد".

من أبو سنان توجهت العائلة إلى قرية العباسية اللبنانية، وبدلا من يومين أو أسبوع، مكثت العائلة هناك سبعة أعوام كاملة: "في العباسية، بعد انتظار الجيوش العربية، وبعد مرور عام كامل، صرفنا كل ما أتينا به من بلادنا، وصرنا على شفير الإفلاس والعوز، فقررنا العمل في الزراعة كبارا وصغارا ونساء وفتيات".

هكذا عمل الجميع في الزراعة، وكانت المدرسة الوحيدة في المنطقة تضمّ صفوفا تتوقف عن الإبتدائي الثالث، وبعد سبع سنوات توجهت العائلة إلى بيروت: "في العام 1955 جئنا إلى مخيم برج البراجنة. أنا تعلمت مهنة الدهان وزاولتها حتى العام 1968، حين توظفت في الأنوروا لـ20 عاما. وفتحت روضة ومازلت أدير شؤونها حتى اليوم".

في العام 1977 دخل الحاج عبد بجواز سفر ديبلوماسي إلى القدس، بناء على دعوة من أحد أقربائه، وزار قريته الكويكات، وعاد منها بـ"حجر ومنكوش"، بدلا من المفاتيح التقليدية التي يحملها فلسطينيو العام 1948 حتى يومنا هذا. مفاتيح لم يتسنّ للعائلة اصطحابها معها أثناء الهرب: "مشينا إلى ما كان بيتنا. كان كلّ شيء تحت الركام، ورحت أنظر إلى بيوت الجيران وأعددهم واحدا واحدا. وفي تلك اللحظة تناولت حجرا صغيرا من حجارة البيت وسرارة كان البنّاء يضع مثيلاتها بين الحجارة الصغيرة ليسند بها الحجر الكبير. وعثرنا على هذا المنكوش الذي كان يعمل به أهلنا في الأرض".

كما لو أنّه يتحدّث عن ذاكرته حين يتحدث عن "السرارة"، التي تسند الحجارة الكبيرة. فذاكرته، و"السرارة" هذه، ستسندان بعضهما بعضا من العام 1977 حتى اليوم. وهو جاء بالسرارة والمنكوش كأن ليثبت أنّ تلك الأرض أرضه.

هناك طلب منه ابن خالته، الذي لم يهرب من القرية كما فعلت عائلة الحاج، أن يبقى في فلسطين. عرض عليه الجنسية الاسرائيلية في مقابل الموافقة على "محازبة" نائب في الكنيست الاسرائيلي. ومحازبته أي التصويت له، طوال العمر، في الانتخابات النيابية.

رفض الحاج، ليس فقط لأنّه لا يريد أن يكون "موظفا" لدى الاسرائيليين، بل لأنّه بذلك لن يرى أخوته وأعمامه طوال عمره، لأنّهم سيظلّون في لبنان. وقرّر أنّه لا يريد العودة من دون أهله. فالأرض في النهاية أهل، والأهل أرض أقرب بالنسبة لمهجّر.

واليوم، بعد 63 عاما من النكبة، يعيش الحاج عبد المجيد في الذكريات. مهمته في المخيم هي أن يروي ويروي ويروي. يروي للأطفال في الروضة التي يديرها كيف تبدو فلسطين، تلك التي سيرونها على الانترنت لاحقا، وفي وسائل الإعلام فقط.  ويروي للعجائز أيضا. ويكتب ما يتذكره في عدد من الكتب التي نشرها حتى اليوم، أهمها كتاب مفصّل عن قريته "الكويكات". 

كأنّه يحوّل الماضي إلى كلمات قادرة على السفر والعودة. العودة التي لم يستطع إليها سبيلا ... حتى الآن، ينجزها بالكلمات.



الدكتور محمود العلي، الباحث في الشؤون الفلسطينية – اللبنانية، والخبير في ملف اللاجئين في لبنان منذ أكثر من عشرين عاما، يقول إنّ "موجة النزوح الكبيرة بدأت داخليا وخارجيا بين شباط 1948 ونيسان وما بعد أيار من العام نفسه. وبدأت موجات النزوح إلى لبنان بعد إعلان دولة إسرائيل في 15 أيار 1948. أتى إلى لبنان ما يقارب 130 ألف لاجىء، معظمهم بقوا في الفترات الأولى في مناطق قريبة من الحدود الفلسطينية اللبنانية بانتظار حسم الجيوش العربية للمعركة. الأمر الذي لم يحصل حتى اليوم، ما أدى إلى أن يبدأ هؤلاء بالبحث عن لقمة العيش والاستقرار، فأخذوا ينتقلون إلى مناطق أخرى بعيدا عن الحدود، وبدأت المخيمات بالتشكّل".

هؤلاء الـ130 ألفا صاروا، بحسب الأونروا، أكثر من 400 ألف اليوم، لكنّ الباحث في الشؤون الفلسطينية، الخبير الفلسطيني صقر أبو فخر، والناشط والإداري في سفارة دولة فلسطين في لبنان إدوار كتّورة، يؤكدان أنّ عدد المقيمين لا يتجاوز نصف هذا الرقم، والباقون توزّعوا على المهاجر العربية والأوروبية والأميركية.

وقد مرّت المخيمات في ثلاث حقبات، الأولى قماشية، مع الخيم العادية واستمرت حتى منتصف الخمسينات، والثانية مع الباطون وألواح الزينكو في العام 1956، والثالثة بعد العام 1976، مع وصول الثوار وثورتهم الفلسطينية إلى لبنان، مع المال الذي بنى البيوت والسلاح الذي حماها. والحقبة الثالثة مستمرّة الى اليوم، مع تحوّل البيوت التي بنيت في نهاية الستينات وبداية السبعينات إلى مبان يصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من ثماني طبقات.



نكبة العام 1948 ليست الوحيدة التي هجرت الفلسطينيين. ثمة نكبات عديدة وهجرات وتهجيرات متعددة نقلت الفلسطينيين من ناحية الى أخرى داخل لبنان ومن منطقة إلى أخرى في بيروت. فتشكّلت تجمعات سكنية فلسطينية خارج المخيمات.

أيمن حسين هو واحد من سكان التجمع الموجود في منطقة بئر حسن، جنوبي بيروت وغربي الضاحية الجنوبية: "هذا التجمع موجود هنا من منتصف الخمسينات".
ويستفيض في الشرح: "كان أهالي القرى السبع يسكنونه، ثم سكنه بعض الذين تهجروا من مخيم تل الزعتر في السبعينات، ونحن، أنا وأخوتي وأعمامي منهم، جئنا هربا من التصفيات".

ويتابع أيمن: "هذا بعد العام 1976. ثم أتى إليه بعض الذين تهجروا من الجنوب بعد الاجتياح الاسرئيلي في العام 1982، بعدما تدمرت مخيمات بكاملها، مثل مخيم النبطية".

التجمع الذي يقع على الطرف الجنوبي للعاصمة يضمّ آلاف اللبنانيين النازحين من الأطراف، الجنوب والبقاع وبعلبك، سنة وشيعة، بينهم أقلّ من ألف فلسطيني، ونحو ألفين من أهالي القرى السبع، الحاصلين على الجنسية اللبنانية. والأرض التي بنى عليها الفلسطينيون واللبنانيون هذه المنازل معظمها مشاعات للدولة، وبعضها تعود ملكيتها للبنانيين.

الحاج محمود حمزة يقيم في التجمع منذ العام 1978: "لم يبق أحد في مخيم الرشيدية بعد اجتياح العام 1978، فجئت إلى هنا ووزعت أولادي على بيوت أخوتي. ثم اشتريت هذا المنزل الذي كان لا يزيد عن غرفتين. أخذته وأسسته ووسّعته".

وعن المنزل الواسع المؤلف من طبقتين، نسأل الحاج عما إذا كان شرعيا، فينظر طويلا في عيني محدّثه، ويجيب بسؤال: "وهل أنا شرعي؟"، ويكمل: "حين تصير القضية شرعية، ابقى اسألني هالسؤال".



التجمعات الفلسطينية خارج المخيمات في لبنان تزيد عن العشرين. وعدد سكانها يقلّ عن أربعين ألفا، بحسب تقديرات ودراسات غير دقيقة. نصف هذه التجمعات في منطقة صور، وهناك ثلاثة مواقع في صيدا، وأربعة بين صيدا وبيروت، وأربعة في بيروت، فضلا عن ثلاثة مواقع في كل من البقاع الأوسط وبعلبك وطرابلس.

العجوز حسين عبد منصورة يقيم في التجمع منذ أربعين عاما: "أنا هنا منذ العام 1968، جئت من مخيم برج البراجنة، حيث أهل قريتي الفلسطينية ترشيحا، وهناك الكثير من أهالي تلّ الزعتر وجسر الباشا سكنوا هذه المنطقة حين كانت القوة 17، التابعة لفتح، ترابض قريبا من هنا".

هكذا، فإنّ أكثر من عشرين حزام بؤس فلسطيني، غير المخيمات، تلفّ لبنان. لكنّها تبدو أكثر هدوءا من المخيمات. والثابت فيها أن لا أسلحة، لا مسلّحين يقفون على المداخل، والكلمة هنا للقوى الأمنية والحزبية اللبنانية. حتى أن الشاب الذي رافقنا في الجولة استأذن من مكتب حركة "أمل" قبل بدء الجولة: "لا بدّ من الإستئذان وإلا سنقع في القيل والقال"، مبرّرًا ضرورة الإذن.

آمال كبيرة: مستقبل الإنفراج الإيراني–السعودي...

 الثلاثاء 18 حزيران 2024 - 8:17 ص

آمال كبيرة: مستقبل الإنفراج الإيراني–السعودي... مجموعات الازمات الدولية..طهران/ الرياض/واشنطن/برو… تتمة »

عدد الزيارات: 161,455,426

عدد الزوار: 7,200,075

المتواجدون الآن: 151