القطاع الخاص هو العمود الفقري للتحوّل الوطني في السعودية صورة تقريبية لاقتصاد ما بعد الريعية..

تاريخ الإضافة الثلاثاء 30 تموز 2019 - 8:50 م    التعليقات 0

        

القطاع الخاص هو العمود الفقري للتحوّل الوطني في السعودية صورة تقريبية لاقتصاد ما بعد الريعية..

إيلاف من دبي: ساره الشمالي...رسم الأكاديمي المتخصص في الاقتصاد ستيفن هيرتوغ صورة معيارية تقريبية للاقتصاد السعودي بعد التحوّل إلى اقتصاد غير ريعي، أي بعد تنويعه مصادر دخله، وتخلّيه عن الاعتماد الكامل على المداخيل النفطية. في دراسة بعنوان "كيف سيكون شكل الاقتصاد السعودية في المرحلة ما بعد الريعية؟"، يقول ستيفن هيرتوغ، الأكاديمي في كلية لندن للعلوم الاقتصادية، إن معظم منتجي النفط في جنوب الكرة الأرضية اعتمدوا خططًا لتنويع اقتصاداتهم، بعيدًا عن الإنتاج الهيدروكربوني، منذ بداية إنتاج النفط؛ ومن نجحوا في تجاوز الاعتماد على النفط، وهم قلة، يعتمدون الاقتصاد الريعي في المستوى المتوسط، مثل ماليزيا، مع إيرادات ريعية سنوية للفرد تقدر بمئات الدولارات. لا تزال الدول ذات الريع المرتفع، مثل دول مجلس التعاون الخليجي أو ليبيا أو بروناي أو غينيا الإستوائية، حيث يبلغ نصيب الفرد آلافًا عدة من الدولارات، تعتمد بشكل كبير على المداخيل النفطية، على الرغم من عقود صرفتها في رسم خطط التنويع. دراسة هيرتوغ هذه فصلٌ في بحث مطوّل، موسوم "سياسات الدول الريعية في الخليج العربي"، أجراه "مشروع للعلوم السياسية في الشرق الأوسط" (Project on Middle East Political Science) التابع لكلية إليوت للشؤون الدولية في العاصمة الأميركية واشنطن.

المطلوب نمو القطاع الخاص

يسأل هيرتوغ: لماذا يصعب التنويع بعد اعتماد الاقتصاد على النفط؟ برأيه، يشير الباحثون إلى تفسيرات عدة، بينها العوامل الاقتصادية مثل المرض الهولندي [العلاقة الظاهرة بين ازدهار التنمية الاقتصادية بسبب وفرة الموارد الطبيعية وانخفاض قطاع الصناعات التحويلية أو الزراعية] والأثر السلبي لتقلب الإيرادات، إضافة إلى عوامل سياسية عديدة مثل البحث عن الريع على مستوى النخبة وجودة المؤسسات في الدول الغنية بالنفط. تُطبق هذه التفسيرات بدرجات متفاوتة على الاقتصادات المختلفة، لكن سجل التنويع الاقتصادي ضعيف بشكل عام. للمساعدة في فكّ هذا اللغز، يشير هيرتوغ في دراسته إلى عقبة تقف في وجه التنويع الاقتصادي يتم التغاضي عنها: إنه النطاق الهائل للتغيير الاقتصادي اللازم للانتقال من الاقتصاد النفطي ذي الدخل المرتفع إلى اقتصاد ما بعد النفط. لكن، ما الذي يعنيه الانتقال إلى اقتصاد ما بعد النفط في الحالة السعودية، أي الدولة الريعية الأهم في الشرق الأوسط؟ لدعم النظام المالي العادي غير النفطي وسوق العمل العادية غير النفطية، سيحتاج القطاع الخاص السعودي إجراء تغييرات جذرية كي يحقق النمو بشكل كبير، إذا كان سيدعم مستوى الإنفاق الحكومي الحالي من خلال ضرائب محلية غير نفطية، وذلك في أثناء التعامل مع ما للضرائب من آثار انكماشية وتضخمية. بحسب هيرتوغ، يجب أن ينمو التوظيف الخاص للسعوديين بعامل أربعة أو أكثر حتى تشبه سوق العمل في المملكة مثيلتها في الاقتصادات غير النفطية. إن الطريق إلى هذا الاقتصاد غير النفطي، في أحسن الأحوال، طويل للغاية، ويقاس بالأجيال بدلًا من العقود.

اعتماد الاقتصاد على الدولة

على الرغم من أن حجم القطاع الخاص السعودي نما بشكل ملحوظ منذ سبعينيات القرن الماضي، فإن الاقتصاد السعودي لا يزال يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الإنفاق الحكومي، الذي يُموَّل إلى حد كبير من دخل النفط. حتى بعد الإصلاحات المالية الكبيرة بين عامي 2015 و2017، شكلت الضرائب والرسوم المتكررة أكثر من 10 في المئة من إجمالي الإنفاق الحكومي في عام 2017. تستمر الحكومة في حساب حوالى ثلثي العمالة من المواطنين السعوديين، وهي نسبة أعلى كثيرًا من نسبة 10 إلى 20 في المئة في معظم البلدان الأخرى. تشكل الرواتب نحو 50 في المئة من إجمالي الإنفاق الحكومي السعودي، مقارنة بنسبة نموذجية تراوح بين 20 و30 في المئة في باقي دول العالم. إن رواتب أقلية السعوديين العاملين في القطاع الخاص أقل منها في الحكومة. ونظرًا إلى أن معظم دخل العمال الأجانب الذين يسيطرون على القطاع الخاص يحوّل إلى خارج المملكة، فإن الطلب على الأسر في الاقتصاد الخاص يعتمد على إنفاق موظفي الحكومة، وبالتالي تغذيه الحكومة بشكل غير مباشر. شهدت المملكة تدابير تكيف اقتصادي مهمة منذ عام 2015، بما في ذلك قمع الفساد وخفض النفقات الرأسمالية الحكومية. عندما أصاب التعديل المالي الأسر، إذ أتى على شكل تخفيض في المخصصات لموظفي القطاع العام، تم وقف العمل بهذا التعديل بعد أشهر قليلة. ورافق التقديم الأخير لضريبة القيمة المضافة وارتفاع أسعار الطاقة تدابير تعويض سخية للأسر السعودية. ومن بنود الميزانية الرئيسة، زاد الإنفاق على الرواتب بشكل أسرع في عام 2017، ومن المقرر أن يتم الأمر نفسه في عام 2018.

دور القطاع الخاص

القطاع الخاص في المملكة يعتمد بدرجة كبيرة على الدولة، سواء بشكل غير مباشر من خلال الإنفاق الاستهلاكي لموظفي الحكومة، أو بشكل مباشر من خلال العقود والمدخلات المدعومة. بقيت نسبة الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الخاص إلى الإنفاق الحكومي في معدل ثابت للدولة بنحو 1.2-1.3 منذ التسعينيات، ما يعني أن النشاط الاقتصادي الخاص يسير في أعقاب الإنفاق الحكومي. إن نسبة الاستهلاك الحكومي إلى الاستهلاك الخاص في السعودية أعلى بثلاثة أضعاف من المتوسط الدولي، وتنتج الدولة الكثير من الاستهلاك الخاص بطريقة غير مباشرة. يقول هيرتوغ في دراسته إن على القطاع الخاص أن يمضي بعيدًا لإيجاد اقتصاد يحركه الطلب الخاص القائم على الاكتفاء الذاتي، وليس الإنفاق الحكومي الممول من الريع. لكن إلى أي مدى؟ تتمثل إحدى طرائق الإجابة عن هذا السؤال في تقدير ما يجب أن يبدو عليه القطاع الخاص السعودي للحفاظ على نظام غير ريعي بحجم مماثل للاقتصاد الريعي الحالي. ينظر هيرتوغ في جانبين رئيسيين للاقتصاد غير الريعي: القدرة على تمويل عمليات الدولة من خلال الضرائب المحلية بدلًا من واردات الريوع الخارجية، وقدرة القطاع الخاص على أن يكون المزود الرئيس لعمالة المواطنين. يمكن فهم هذين الأمرين على أنهما يمثلان الحد الأدنى من المعايير لاقتصاد ما بعد الريع، ويعكسان الهياكل الاقتصادية في جميع الاقتصادات غير الريعية في العالم (غير الشيوعية).

الضرائب على القطاع الخاص

في الاقتصادات غير الريعية، تموّل الدولة القسم الأكبر من إنفاقها من الضرائب المحلية المستمدة من نشاط الاقتصاد الخاص. يمكن فرض هذه الضرائب على الأرباح أو العمالة أو الاستهلاك، ويتحملها أصحاب رؤوس الأموال أو العمال أو المستهلكون. لكن، يؤكد هيرتوغ على ضرورة توليد دخل يكفي لدفع هذه الضرائب في الاقتصاد الخاص (ما لم تفرض الدولة الضرائب نفسها). وبرأيه، على افتراض أن المملكة ترغب في الحفاظ على المستوى الحالي لنشاط الدولة، فهذا سيدفعها إلى فرض المزيد من الضرائب على القطاع الخاص للحفاظ على مستويات الإنفاق الحكومي الحالية. بلغ الإنفاق الحكومي السعودي 926 مليار ريال سعودي في عام 2017، وبلغ الإنفاق المخطط لعام 2018 نحو 978 مليار ريال سعودي، في حين بلغ الدخل من الضرائب والرسوم المتكررة في عام 2017 أقل من 100 مليار ريال سعودي. ستقع على الضرائب مسؤولية سد فجوة تبلغ نحو 900 مليار ريال سعودي (أي نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي السعودي) لتمويل عمليات الدولة المخطط تنفيذها في عام 2018. يسأل هيرتوغ عن مدى تحمل القطاع الخاص هذا العبء، ويقول: "نستخدم مستويات الضرائب التي تفرضها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتوفير المعايير المطلوبة. يبلغ متوسط نسبة الضريبة على الناتج المحلي الإجمالي في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 34 في المئة، والأدنى هو 23 في المئة (أيرلندا) والأعلى هو 45 في المئة (الدانمرك). تبلغ نسبة الضريبة على الناتج المحلي الإجمالي الحالي في السعودية حوالى أربعة في المئة". عمليًا، نظرًا إلى ضعف توليد الطلب الخاص، والاعتماد القوي على التحفيز الحكومي، تؤدي زيادة الضرائب إلى تقلص كبير في القطاع الخاص السعودي، وفقًا لما قاله هيرتوغ.

توسع مروحة التوظيف

في الاقتصادات غير النفطية، يتم إحداث معظم فرص العمل في القطاع الخاص. يسأل هيرتوغ: كم عدد الوظائف التي يجب أن يوفرها القطاع الخاص السعودي كي تتلاقى هيكليات سوق العمل المحلية مع هيكليات سوق العمل الخاصة بالدول غير النفطية؟. عند تقدير عدد الوظائف في القطاع الخاص التي تحتاجها المملكة لبلوغ مستويات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، السيناريو الأول يقوم على بقاء مستويات التوظيف الإجمالية للسعوديين ثابتة. في هذه الحالة، سيحتاج القطاع الخاص السعودي 2.27 مليون وظيفة تنتقل من القطاع العام، أي بمعدل نمو قدره 120 في المئة في الجانب الخاص من الافتصاد. بمعدل نمو سنوي مركب قدره خمسة في المئة للوظائف السعودية الخاصة، سيستغرق الإنتقال 16 عامًا؛ وبمعدل نمو ثلاثة في المئة، يستغرق الانتقال 27 عامًا. من حيث المبدأ، سيسمح انكماش العمالة الحكومية بتخفيض الإنفاق الحكومي، وبالتالي تقليل العبء المالي على القطاع الخاص المقدّر في القسم السابق. ومن شأن خفض الإنفاق أن يقلل أيضًا من الطلب الخاص الذي تتسبب فيه الحكومة. هذا بدوره يصعب خلق نمو وفرص عمل في القطاع الخاص.

معيار نظري

يرجّح هيرتوغ أن يتوسع النمو المستقبلي للسكان السعوديين في سن العمل بنحو خمسة ملايين سعودي خلال عشرين عامًا مقبلة. إن استيعاب هذا الجيل الجديد بمتوسط نسبة التوظيف في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية سوف يستلزم توفير حوالى 3.65 مليون وظيفة إضافية، منها 2.88 مليون وظيفة يحتاجها القطاع الخاص. ولا يمكن أن يتحمل هذا التوسع إلا قطاع خاص أكبر كثيرًا.

عند مستويات الأجور الحالية (المنخفضة) في القطاع الخاص السعودي، رواتب 7.96 مليون سعودي في القطاع الخاص ستستحوذ على أكثر من 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الذي يولده القطاع الخاص، مقارنة بالنسبة الحالية البالغة 17 في المئة.

ويخلص هيرتوغ في نهاية دراسته إلى أن هدفه ليس التنبؤ بما سيكون عليه الاقتصاد السعودي بعد تنويع مصادره والامتناع عن الاعتماد على الموارد النفطية، بل خلق معيار نظري للمسألة برمتها، فتجاوز الاعتماد على المواد الهيدروكربونية طموح مشروع، لكن ينبغي عدم التقليل من شأن التغيير الهيكلي المطلوب في بنية أي اقتصاد يُراد منه الانتقال إلى ما بعد المرحلة الريعية.

أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن موقع "مشروع للعلوم السياسية في الشرق الأوسط". الأصل منشور على الرابط:

https://pomeps.org/what-would-the-saudi-economy-have-to-look-like-to-be-post-rentier

البحث "سياسات الدول الريعية في الخليج العربي" كاملًا منشور على الرابط:

https://pomeps.org/wp-content/uploads/2019/02/POMEPS_Studies_33.pdf

 

Seven Opportunities for the UN in 2019-2020

 الأحد 15 أيلول 2019 - 7:53 ص

Seven Opportunities for the UN in 2019-2020 https://www.crisisgroup.org/global/002-seven-opportun… تتمة »

عدد الزيارات: 28,467,021

عدد الزوار: 687,707

المتواجدون الآن: 0