الموازنة والبند الذي يحوطه صمت الفريقين: الفوائد على الدين

تاريخ الإضافة الإثنين 21 حزيران 2010 - 6:43 ص    عدد الزيارات 513    التعليقات 0

        

الموازنة والبند الذي يحوطه صمت الفريقين: الفوائد على الدين
بقلم توفيق كسبار

ننزل دوماً إلى الجحيم بخطى صغيرة
 

بودلير
 


علت الضجة الإعلامية اخيراً حول موازنة الحكومة للسنة 2010، ومن المؤسف أن التناحر حولها من قبل الفريقين الرئيسين في الحكومة، فريقي 8 و14 آذار، لم يتطرق إلى ما كان يجب التطرق إليه وهو حقيقة الأزمة المالية - النقدية التي نتوجه إليها بثبات منذ سنوات. لذلك، تهدف هذه المقالة إلى إظهار معالم تلك الأزمة لكي يتمكن المواطن من معرفة ما لا يقوله أو يتجاهله المسؤولون عن وضعنا المالي والنقدي المتأزم.
لكي نفهم طبيعة الأزمة المالية-النقدية المتصاعدة وديناميتها علينا النظر إلى عنصرين مترابطين: العجز المالي، والفوائد على الدين الحكومي ودين مصرف لبنان معاً.
فلنبدأ بالعجز السنوي في مالية الحكومة، وهو الذي يحدد مسار ارتفاع مديونية الحكومة. أولاً، إن العجز في مشروع موازنة 2010 هو 4.7 مليارات دولار وليس 4.0 مليارات دولار كما يقول مشروع الموازنة(1). ولا يتبيّن بوضوح في مشروع الموازنة كيفية التوصل إلى العجز المقدّر. إلا أنه يبدو أن عدم احتساب المبلغ الإضافي (0.7 مليار دولار) يستند إلى توقع عدم إنفاقه من الاعتمادات الملحوظة، وهذه طريقة بالتأكيد غير اعتيادية ولا تتلاءم مع منهجية تحضير الموازنات المعتمدة عادة.
 ثانياً، إن العجز المالي الحقيقي يتجاوز حتى الـ 4.7 مليارات دولار بمقدار الخسارة السنوية لمصرف لبنان، وذلك حسب المنهجية الدولية المتبعة التي توجب إضافة عجز المصرف المركزي، في حال نشوئه، إلى عجز موازنة الحكومة. ونقدّر هذا العجز في 2010 بحوالى مليار دولار على الأقل، ما يجعل العجز الفعلي لعام 2010 حوالى 5.7 مليارات دولار!
ما هي أهم أسباب العجز المالي؟ الفوائد على الدين والنفقات على الرواتب والأجور تمثل أكثر من ثلثي مجمل النفقات منذ التسعينات من القرن الماضي، وهذا التركيز على النفقات غير المنتجة إلى تعاظم ولا يمكن الاستمرار به بدون عواقب. فلقد خصص مشروع موازنة 2010 مبلغ 4 مليارات دولار كلفة فوائد (44% من الإيرادات، ومن الأنسب أن نقوّم هذه البنود نسبة إلى الإيرادات) و3.4 مليارات دولار للرواتب والأجور وملحقاتها، والبندان يمثلان 82% من مجمل الإيرادات. وإذا أضفنا الدعم لمؤسسة كهرباء لبنان تصبح كلفة العناصر الثلاثة تمثل 99% من مجمل الإيرادات. إذن، الواقع هو أن الموازنة، بنفقاتها، أصبحت محددة سلفاً، ولا مجال كبيراً للتحرك في السياسة المالية. هنا تكمن القصة كلها، خصوصاً بالنسبة للفوائد على الدين، وبالأخص على الدين بالليرة، والتي يمكن التحكم بها بالرغم مما يقال في هذا الشأن.
والمشكلة في كلفة الفوائد ليست حجمها فحسب بل كونها مرجحة أيضاً إلى التصاعد بشكل قوي ولسنوات عديدة، ما يجعلها تطغى بشكل متزايد على الإيرادات والنفقات. والسبب يعود إلى أننا نعيش عالمياً حالة نسب فوائد متدنية جداً قلّ مثيلها تاريخياً. فعلى سبيل المثال، تبلغ حالياً نسبة فائدة الـ LIBOR(2) المقياس على الدولار لـ 3 أشهر 0.50% سنوياً فقط، وقد كانت 0.25% في شباط الماضي، وهذا يعني أن الاتجاه المرجح  للفوائد عالمياً، وفي لبنان أيضاً، هو صعوداً وبالأخص إذا تكرست استعادة النمو الاقتصادي في البلدان المتطورة، علماً أن منحى الفوائد على الدولار والليرة في لبنان يتبع منحى هذه الفوائد العالمية. أي إن كلا حجم الدين الحكومي ونسبة الفوائد عليه ذاهبان إلى تصاعد. ما الخطة الرسمية إزاء هذا الواقع والذي من المتوقع أن يدفع بكلفة الفوائد صعوداً بقوة ولسنوات عديدة؟
لماذا لا يذكر أحد من المسؤولين مسألة الفوائد على الدين أو يتعرض لها، وكأن هذا الموضوع بقرة مقدسة، في حين أنها في أساس المشكلة ويجب أن تكون محور السياسة الاقتصادية منذ الآن؟ والأمر نفسه يطاول الرواتب والأجور في القطاع العام، فهي بقرة مقدسة أخرى لا يجوز الكلام عنها لأنها في صلب تكريس السلطة والمحاصصة السياسية. لقد كانت نسبة العاملين في القطاع العام قبيل الحرب عام 1975 تراوح بين 8 و9 % من مجمل العاملين في لبنان، أما الآن فقد أصبحت حوالى 14%.
قلنا إن الأزمة مالية ونقدية معاً، وذلك لأهمية عنصر الفوائد في تحديد مسار الدين الحكومي. إلا أن العنصر النقدي يأتي أيضاً من سياسة الفوائد المتبعة من قبل مصرف لبنان التي أدت، كما أشرنا أعلاه، إلى خسائر كبيرة في عملياته لا تزال سارية منذ عام 2002 على الأقل.
إن السبب الرئيس لخسائر مصرف لبنان يعود إلى أن الفوائد التي يدفعها على إلتزاماته (وغالبيتها بالعملات الأجنبية ولمصلحة المصارف المحلية) أعلى بكثير من الفوائد التي يجنيها من توظيف تلك الودائع في الأسواق الدولية. إلا أنه، ومنذ العام الماضي، بدأت تلك الفوائد التي يدفعها مصرف لبنان للمصارف على شهادات الايداع بالليرة لديه تكتسب الأهمية الأولى في النفقات، ونسبة تلك الفائدة بقيت مرتفعة لسنوات وكانت حوالى 9.5% في أول اربعة أشهر من هذا العام. لذلك لا عجب أن تؤدي فوائد كهذه إلى قفزة كبيرة في حجم هذه الشهادات لدى مصرف لبنان، التي ارتفعت مما يعادل 3 مليارات دولار في آخر 2007 إلى أكثر من 16 مليار دولار في آخر نيسان 2010. ومن المتوقع أن يدفع مصرف لبنان أكثر من 1.5 مليار دولار في عام 2010 كفوائد على شهادات الإيداع بالليرة فقط.
هل نسبة الفوائد التي تدفعها الحكومة ومصرف لبنان مرتفعة، وهنا لب المسألة؟ بالتأكيد. فالهامش الذي يدفعه مصرف لبنان على شهادات الإيداع بالليرة لديه، نسبة إلى فائدة الـ LIBOR المقياس على الدولار لـ 12 شهرا، بقيت أكثر من 8% منذ عام 2008. ومعدل الهامش الذي تدفعه الحكومة على السندات بالليرة خلال الفترة نفسها هي أكثر من 7%. إن أي خبير بالأسواق المالية يعرف أن هذه هوامش فوائد مرتفعة جداً تتطلب إيضاحات مفصّلة غير تكرار عبارة "للدفاع عن الليرة".
ولا تنتهي مسألة الفوائد وكلفة الدين هنا. فقد كان باستطاعة الحكومة الامتناع عن الاستدانة، أقلّه بالليرة، في العامين الماضيين مع ما كان سيتبع هذا الامتناع من انخفاض حاد في نسبة الفائدة وفي كلفة الاستدانة التي تدفعها الحكومة أو مصرف لبنان. والسبب بسيط، فلدى الحكومة أموال طائلة في حساباتها الدائنة. وعلى سبيل المثال، كانت هذه توازي 7 مليارات دولار في آخر عام 2009، ما كان يكفي لسد مجموع عجز الموازنة لعامي 2008 و2009 والذي بلغ أقل من 6 مليارات دولار خلال العامين. لقد بقي حجم الأموال المتوافرة لدى الحكومة يرتفع في الوقت الذي كانت تستمر بالاستدانة، خصوصاً بشكل سندات خزينة بالليرة. بمعنى آخر، لماذا كانت الحكومة تستدين، وبفوائد مرتفعة، في حين أنها لم تكن بحاجة إلى الاستدانة؟
والفرصة لتوفير نسبة كبيرة من كلفة الفوائد لا تزال متاحة. فالمبالغ التي بحوزة الحكومة بشكل حساباتها الدائنة لا تزال مرتفعة جداً إذ بلغ معدلها أكثر من 7.4 مليارات دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام. إن هذه المبالغ بالتأكيد أكثر من كافية لتمويل عجز الموازنة للعام 2010، كما أن استعمال هذه المبالغ يؤدي حكماً إلى هبوط حاد في نسبة الفوائد التي تدفعها الحكومة ومصرف لبنان أيضاً، وهذا هو الموضوع الأساس. فلماذا لا يحدث هذا الأمر؟
هناك خطة للإصلاح الاقتصادي تستند أساساً إلى الورقة الرسمية المقدمة لمؤتمر "باريس-3". والمفارقة الكبرى في هذه الورقة أنها خلصت إلى أنه حتى لو نُفذت كل الإصلاحات المرسومة، من زيادة في الضرائب وخصخصات عديدة في القطاع العام وإصلاحات أخرى، فإن الدين الحكومي سوف يبقى على مستوى مرتفع. وإذا اعتمدنا وأجرينا تحديثاً لأرقام الورقة فإن حساباتها تقول بأن تنفيذ كل الإصلاحات سوف يؤدي إلى تدني نسبة الدين تقريباً إلى 120% فقط من الناتج المحلي. أي إن الورقة الرسمية تعترف بأن تطبيق حزمة كل الاصلاحات المرسومة بعناية لن تكون كافية لضبط الدين الحكومي على منحى مقبول وانحداري لسنوات عديدة.
هل المسؤولون مدركون لهذا الأمر المحبط، وهل من الممكن معالجة هذا الواقع؟ طبعاً، فلا شيء مستحيل في السياسة الاقتصادية، إنما يجب إدراك جوهر المشكلة أولاً، وعلى الأخص طابعها النقدي الأهم المتمثل بنسب الفوائد المرتفعة، ومن ثم اعتماد سياسات محددة وتطبيقها. إلا أن مسألة تحديد هذه السياسات تقع خارج إطار هذا المقال.
إن المعني الأول والرئيس في هذا الواقع المتأزم هو المواطن اللبناني، فهو الذي سوف يدفع ثمن أي انفلاش للأزمة. والثمن قد يكون كبيراً ولسنوات. ولكن من الذي يتكلم الآن بإسم هذا المواطن ويدافع عن مصالحه؟

(1) احتسبنا العجز على الشكل التقليدي التالي: 3.8 مليارات دولار اميركي عجز موازنة + 0.9 مليار دولار عجز خزينة = 4.7 مليارات دولار. مبدئياً، يجب إضافة 0.3 مليار دولار إلى العجز كنفقات إضافية من قروض ميسرة من خارج الموازنة والخزينة، إلا أن هذه النفقات الإضافية حدث أن قابلها مبلغ مواز بـ 0.3 مليار دولار لتسديد أصل قرض خارجي، وهذا المبلغ يجب خفضه من النفقات إذ لا يجوز منهجياً إدخاله في صلب الموازنة كما فعل المشروع.
 (2) LIBOR (London Interbank Offered Rate) هي نسبة فائدة ألاقتراض ما بين المصارف في سوق لندن الدولية، وتعتبر هذه الفائدة مقياساً أو حداً أدنى للفوائد على الدولار.
 


(خبير اقتصادي)

Defusing Ethiopia’s Latest Perilous Crisis

 الإثنين 6 تموز 2020 - 3:25 م

Defusing Ethiopia’s Latest Perilous Crisis https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/ethiopi… تتمة »

عدد الزيارات: 41,895,566

عدد الزوار: 1,185,850

المتواجدون الآن: 36