أزمة دبي تكشف المزيد من العثرات أمام الصكوك الإسلامية

تاريخ الإضافة الإثنين 22 شباط 2010 - 4:53 ص    عدد الزيارات 512    التعليقات 0

        

أزمة دبي تكشف المزيد من العثرات أمام الصكوك الإسلامية
بقلم توفيق شنبور

المتتبع لاحداث دبي لا يستطيع الا ان يشيد بحكمة حكام امارة أبو ظبي بتقديم الدعم المادي لامارة دبي، ولو في آخر لحظة وبغض النظر عن اي اعتبار، من اجل دفع مستحقات صكوك "نخيل" لعام 2009، فهذا الدعم انقذ امارة دبي وشركتين تابعتين لها هما، "دبي العالمية" و"نخيل"، من امرين في منتهى الاهمية:
الامر الاول: براثن خطة كانت قد بدأت باعدادها شركة كيو في تي فايننشال QVT، المتخصصة في إدارة صناديق التحوط وصاحبة الخبرة في قيادة الافلاسات الصعبة من اجل اقتناص الارباح الضخمة، تعاونها في ذلك المؤسسة القانونية الانكليزية Ashurst من اجل رفع نسبة تملك QVT من صكوك "نخيل" وزيادة نسبة المعارضين لإعادة هيكلة ديون الاخيرة، توصلا لان تتعدى هذه النسبة الـ 25 % من مجموع اصحاب الصكوك، وذلك بقصد ارغام "نخيل" على اعلان تعثرها، الأمر الذي يمهد الطريق لاقتناص QVT الأصول الثمينة لكل من "نخيل" و"دبي العالمية" بثمن زهيد، وهي التي تقدرقيمتها باكثر من 100 مليار دولار مكونة من عقارات دولية ومشاريع ترفيه وسياحة وغيره...
 الامرالثاني: وهو الاهم، وصمة تسجيل دبي وشركاتها الحكومية حادثة أول وأضخم حالة تعثر تشهدها الصناعة المالية الإسلامية الناشئة. فمن المعروف ان الامارات تأتي في المركز الثاني في حجم اصدار الصكوك بعد ماليزيا بنسبة 35,6% للاولى و36,9% للثانية من المجموع العام للصكوك المصدرة، وهي تجهد لتبوؤ موقع محوري في مجال الصيرفة الاسلامية.

 

1- ما هي الصكوك الاسلامية؟
 

الصكوك الاسلامية هي أدوات تمويل تم تطويرها من قبل المعنيين بالعمل المالي الاسلامي لتكون بديلا من أدوات الدين التقليدية (السندات) التي تمثل ديناً في ذمة الشركة المصدرة لها ويتم إطفاؤها في تواريخ إستحقاقها بالقيمة الإسمية للسند، ويستحق اصحابها فائدة متفقاً عليها مسبقا منسوبة إلى القيمة الاسمية للسند بصرف النظر عن نتائج أعمال الشركة. أما الصكوك الاسلامية فهي إثبات نصيب في ملكية مشاعة، والعائد عليها مرتبط بالأصول المكونة لهذه الملكية وبالعقد الشرعي الذي يحكم العلاقة بين المصدر وحملة الصكوك، ويكون إطفاؤها، بقيمتها السوقية، أو بالقيمة التي يتفق عليها في حينه، أو بالقيمة العادلة.
ويتفق الصك مع السهم في تمثيله حصة شائعة في رأسمال الشركة في موجوداتها من الأعيان والمنافع والحقوق، ثم في ما تؤول إليه هذه الموجودات من نقود أو ديون وغيره. ويختلف عنه في ان صاحب السهم يختص بعدد من الحقوق اهمها ما يتعلق بادارة الشركة.
ويستخلص من تعريف مجمع الفقه الاسلامي، المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، والمنعقد في في إمارة الشارقة ما بين 26 و30 نيسان 2009 وتعريف هيئة المراجعة للمؤسسات المالية الاسلامية للصكوك الإسلامية الخصائص التالية للصكوك:
- انها وثائق أو شهادات مالية متساوية القيمة.
- تمثل حصصاً شائعة في ملكية حقيقية لموجودات قائمة فعلاً أو سيتم إنشاؤها من حصيلة الاكتتاب (أعيان أو منافع أو حقوق أو خليط من الأعيان والمنافع والنقود والديون) وتصدر باسماء من يكتتبون بها وفق عقد شرعي وتأخذ أحكامه.
- تشترك في استحقاق الربح والخسارة بنسبة محددة تقاس عادة بقدر الحصة التي يمثلها الصك، كما تشترك في تحمل الأعباء والتبعات المترتبة على ملكية الاصول الممثلة في الصك، سواء كانت الأعباء مصاريف استثمارية أو هبوطاً في القيمة، أو مصروفات الصيانة، أو اشتراكات التأمين. وعلى العموم تحمل مخاطر الاستثمار كاملة.
- لا يجوز حصول صاحب الصك على نسبة محددة مسبقاً من القيمة الاسمية للصك أو على مبلغ مقطوع.
- لا يجوز تقديم الضمان على الاستثمار من قبل المدير (المضارب أو الوكيل أو الشريك المدير) وينحصر ضمان هؤلاء لقيمة الصك بالتعدي أو التقصير أو مخالفة شروط المضاربة، أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار.
- ولا يجوز تعهد مدير الصكوك بإقراض اصحاب الصكوك، أو بالتبرع عند نقص الربح الفعلي عن الربح المتوقع، وله - بعد ظهور نتيجة الاستثمار - أن يتبرع بالفرق، أو أن يقرضه، وما يصير عرفاً يعتبر كالتعهد.
- كما لا يجوز إطفاء الصكوك بقيمتها الاسمية بل يكون الإطفاء بقيمتها السوقية أو بالقيمة التي يتفق عليها عند الإطفاء.
- ويجب الانتباه عند تداول الصكوك الى مكونات الموجودات بحيث تختلف الاحكام التي ترعى التداول في ما اذا كانت هذه المكونات نقودا اوديونا او اعيانا ومنافع بصورة غالبة. وفي جميع الأحوال يتعين تسجيل التداول أصولياً في سجلات الجهة المصدرة.

 

2- الاسباب التي ادت الى التوسع
في اصدار الصكوك في السنوات الماضية
 

نما التعامل بالصكوك الاسلامية، بانوعها المتنوعة المناسبة للاستثمار المتوسط والطويل الأجل: صكوك الشركة، والمضاربة، والمزارعة والمساقاة والمغارسة، والإجارة، والإجارة المنتهية بالتمليك، والسلم، والاستصناع وغيرها... بشكل سريع في مناطق عديدة من العالم خصوصا في السنوات الماضية، لا سيما الاخيرتين منها، وذلك لاسباب عديدة اهمها التالي:
- شح السيولة في المصارف التقليدية بفعل الأزمة المالية العالمية.
- عدم ارتباط هذه الصكوك بالفائدة المحرمة شرعا وهذا امر يهم:
* المستثمرين الذين يودون توظيف اموالهم وفقا لما تنص عليه الشريعة مع امكان استردادها عند الحاجة بالتسييل في الاسواق.
* المستثمرين الهاربين من الهياكل والادوات المالية المرتبطة بالفائدة بعد انهيار هذه الهياكل والادوات خلال أزمة الرهن العقاري الأميركية في نهاية عام 2008.
- تدني عامل المخاطرة في التوظيف فيها لاستنادها، ولو نظريا، على اصول وليس على ذمم.
- توفيرها الإمكان النظري لتحقيق عوائد من الارباح تزيد معدلاتها على معدلات الفوائد في السندات التقليدية.
- تلبيتها احتياجات تمويل اقل كلفة من السندات لتنفيذ مشاريع ضخمة وعملاقة او ذات معدل مخاطرة مرتفع.
- تلبيتها احتياجات الشركات المتعثرة أو المهددة بالتعثر للتمويل، وهذا ما فعلته الشركتان الاماراتيتان "نخيل" و" ليمتلس العالمية" للعقارات حيث طرحا اكبر اصدارين للصكوك الإسلامية في العالم، وقد سبقتهما في ذلك "شركة سعد للتجارة والمقاولات والخدمات المالية" التابعة لمجموعة سعد السعودية.
- تلبية احتياجات الحكومات والهيئات العامة في الحصول على تمويل لا يقع ضمن دائرة الضمان الحكومي العام مثل General obligation bonds (GOs) بل تبقى الصكوك الممثلة للتمويل الذي وفرته مرتبطة بالمشروع الذي تم الانفاق عليه.
- تقديم أسلوب جيد في تشكيلة الأدوات المالية الإسلامية وتوسيع قاعدة سوق الأوراق المالية وإدارة سيولة المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية.
- تقديم اداة جديدة للسياسة النقدية في تعاطيها مع الصيرفة الاسلامية ولاندماج اقتصادات البلاد الإسلامية في ما بينها.
- طرح نهج جديد في ادارة التمويل على اساس المخاطرة والمشاركة لا على اساس سعر الفائدة وتقديم نهج مختلف في ادارة الممتلكات الوقفية.
- توفير اداة للمصارف يمكنها من دعم رؤوس اموالها من الشريحة الثانية Tire 2(وفقا لتصنيفات لجنة بازل Debt/Equity ) واول من ولج هذا التوجه في منطقة الشرق الاوسط "البنك السعودي الهولندي" الذي قام اخيراً بأول إصدار للصكوك بقيمة 193 مليون دولار وطرحها للاكتتاب العام حيث بلغت قيمة الطلبات المسجلة 800 مليون دولار اي اكثر من اربعة اضعاف المبلغ المطلوب، أتت من مؤسسات حكومية، وشركات تأمين، وصناديق استثمار، وصناديق أسواق المال، إلى جانب مؤسسات مالية أخرى. وقد اعلن البنك انه سيخصص المبالغ التي تلقاها من الصكوك المصدرة في محفظته الاستثمارية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.
- توفير فرصة للمصارف الاسلامية لتوسيع دائرة نشاطاتها من خلال ممارسة عمليات الصكوك.
- توفير اداة للتوزيع العادل للثروة، لإنها تمكّن جميع المستثمرين من الانتفاع بالربح الحقيقي الناتج من المشروع بنسبة عادلة، مما يوسع من دائرة انتشار الثروة على نطاق أوسع.

 

3- الواقع الحالي للصكوك الاسلامية
 

تراجعت إصدارات الصكوك في العالم في العام 2009 بنسبة 20 % مقارنة بالعام 2008 بسبب الانكماش الذي خلّفته الازمة المالية العالمية. اما إصدارات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من الصكوك فقد سجلت انخفاضا نسبته 12 % في الربع الأخير من عام 2009 مقارنة بالربع الثالث بسبب تصريحات احد كبار الفقهاء عن عدم توافق قسم كبير من الصكوك المصدرة مع الشريعة الاسلامية.
وقد تصدّرت ماليزيا ثم الامارات فالسعودية لائحة الأطراف المصدِرة للصكوك وتلتها إندونيسيا والبحرين وتضم اللائحة ايضا الولايات المتحدة الاميركية ومؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي. هذا ويتبوأ قطاع المؤسسات الحكومية إصدارات الصكوك، بينما تصدرت العملة الماليزية العملات الأخرى لمدة من الوقت قبل عودة الدولار الأميركي إلى المرتبة الاولى في لائحة العملات التي تصدر بها الصكوك.

 

4- الانتكاسة الاولى التي شابت انطلاقة الصكوك:
 

في ورقة عمل قدمها اخيراً تحت عنوان "الصكوك وتطبيقاتها المعاصرة" للدورة التاسعة عشرة لمجمع الفقه الإسلامي التي انعقدت في الشارقة ما بين 26 - 30 نيسان 2009 اطلق الشيخ محمد تقي عثماني، نائب رئيس جامعة دار العلوم في كراتشي ورئيس المجلس الشرعي في هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، تحذيرا شكل الانتكاسة الاولى لصناعة الصكوك وأدى الى تراجع كبير في اصدارها. فقد نبه الشيخ عثماني في تحذيره الى ان حوالى 85% من الصكوك المتداولة، يطلق عليها بغير حق وصف المتوافقة مع الشريعة الاسلامية، إذ ان مصدروها قاموا بتضمينها خاصتين اساسيتين توجد في السندات بهدف جعلها قابلة الرواج والمنافسة في الاسواق الإسلامية والتقليدية على السواء. وهاتان الخاصيتان هما:
(1) التوزيع الدوري على اصحاب الصكوك وربطه بشكل او بآخر باسعار الفائدة.
(2) ضمان استرداد اصحاب الصكوك رأس مالهم بتعهد المصدر إعادة شراء الصكوك بحسب قيمتهاالاسمية عند إطفاء الصكوك في نهاية مدتها. وهو ما يضمن أن أية مخاطر حول السداد يظل يتحملها المصدر.
واحدث مثال عن الصكوك التي اشار اليها الشيخ عثماني تلك المصدرة اخيراً من قبل البنك السعودي الهولندي، فقد تضمنت وثيقتها بأنها لمدة 10 سنوات، ويمكن استردادها من قبل المصدر بعد انقضاء 5 سنوات، ويحصل المستثمرون فيها على عائد يقدر بقيمة الـ"سايبور" - سعر الإقراض بين المصارف السعودية - إضافة إلى 1.9% سنويا.
وقد اوصى الشيخ في ورقته تصحيحا للانحرافات الحاصلة بالتالي:
- ضرورة توزيع عوائد المشروع على اصحاب الصكوك بالغة ما بلغت بعد حسم المصروفات. ولئن كان هناك حافز للمدير فليكن على أساس الربح المتوقع من العمليات، وليس على أساس سعر الفائدة.
- عدم جواز التزام المدير تقديم قرض (حسن) عند نقص الربح الفعليّ من الربح المتوقع.
- عدم جواز تعهد المدير، سواء كان مضاربا، أو شريكا، أو وكيلا للاستثمار بشراء الأصول بقيمتها الاسمية. بل يجب أن يكون الشراء على أساس صافي قيمة الأصول، أو بثمن يُتفق عليه عند الشراء.
وتوصية الشيخ عثماني الاخيرة كان قد تبناها قرار صدر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية اوصى الهيئات الشرعية بدراسة الوقائع بشكل عملي، وعدم الاكتفاء بإصدار فتوى بجواز هيكلة الصكوك، وبوجوب تدقيق العقود والوثائق ذات الصلة ومراقبة طريقة تطبيقها والتأكد من أن العملية تلتزم في جميع مراحلها بالمتطلبات والضوابط الشرعية، وذلك بعد انتشارممارسات غير شرعية عديدة في إصدار الصكوك وتداولها، مثل زيادة نسبة الديون بشكل مرتفع في مكونات الصك وتملك أصول صكوك الإجارة بشكل صوري الخ...
5. العثرات المستجدة الثلاث التي كشفت عنها ازمة دبي المالية ؟
العثرة الاولى: ضبابية حقوق اصحاب الصكوك
رأى البعض ان حقوق اصحاب الصكوك تأتي بعد حقوق اصحاب السندات في الإفلاس والتعثر باعتبارهم مالكين وليسوا بدائنين وذلك وفقا للمبادىء القانونية العامة، وايضا تعريف كل من مجمع الفقه الاسلامي وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية للصكوك والمدلول القانوني لهذا التعريف.
وهذا الرأي أفاد شركة نخيل الاماراتية إذ ساعدها بعد انتشار خبر امكان تعثرها في الضغط على اصحاب الصكوك قبل بداية التفاوض من أجل إعادة جدولة ديونها، فإما أن يقبل هؤلاء بالعرض المقدم ولو كان مجحفا لمصالحهم لأن صورتهم القانونية حسب العقد القانوني الذي يربطهم بالشركة هي انهم ليسوا بدائنين بل ملاك ولا حق لهم إلا ببيع ملكيتهم (اي صكوكهم او حصتهم المشاعة) لمن يرغب في شرائها، هذا ان وجدوا، كما لا يستطيعون تصفية أملاك الشركة والخروج من المشروع لأن هذا الأمر متروك لجمعية المساهمين حسب العقد الأساسي للشركة وهم سيُعاملون اي اصحاب الصكوك على كل حال كالمساهمين عند التصفية ولن تُعطى حقوقهم إلا بعد سداد جميع ديون دائني الشركة. وكل ذلك يعني أن الاشارة في عقد الصكوك الى ان وصف مشاركتهم بالملكية المشاعة للمشروع هو من قبيل الحماية لهم هو امرغير دقيق تماما لا بل يتضمن، باجتهاد معين، الغبن المنهي عنه شرعا والذي يمكن التأسيس عليه لامور كثيرة.
في المقابل رأى فريق آخر أن الصكوك هي في حقيقتها ديون وليست ملكية مما يعني ان حقوق اصحابها تبقى محفوظة مثل حقوق اصحاب السندات ويجب أن تسدد مستحقاتهم في كل حال قبل حقوق المساهمين وحجتهم في ذلك التالي:
1- أن الشركات المتمولة بالصكوك تحتسب جميع قيمة موجودات المشاريع المرتبطة بالصكوك ضمن موجوداتها دون اية اشارة الى أن هناك شريكا فيها هم اصحاب الصكوك.
2- أن الدفاتر المحاسبية لهذه الشركات تصنف اصحاب الصكوك بأنهم دائنون بمبالغ ثابتة لا تتغير بتغير قيمة الأصل المرتبطة به صكوكهم والمسجل في موجودات الشركة. وملكيتهم هي ملكية اسمية لعدم ارتفاع قيمتها أو انخفاضها بارتفاع قيمة المشروع الحقيقية أو انخفاضها فلا أثر لها في الربح، فيجب أن تكون كذلك في الخسارة، وصكوكهم قد تكون "مستندة" إلى أصول ولكن ذلك لا يعني أنها "مدعومة" بأصول محددة وهي، اي الصكوك، تشبه في خصائصها والمخاطر المحيطة بها السندات غير المضمونة للشركات، لذا فإن وضعهم الحقيقي هو كالدائنين اصحاب السندات الاخيرة.
جدير بالذكر ان اشكالية الوضع القانوني لاصحاب الصكوك وحقوقهم هي موضع تقويم قضائي في الولايات المتحدة الاميركية بعد أن تقدمت شركة الطاقة الأميركية "ايست كاميرون" بطلب لإشهار إفلاسها في شهر تشرين الاول من عام 2008، والامور في انتظار قرار القضاء بخصوص مصير اصحاب الصكوك التي اصدرتها الشركة بضمان ايرادات النفط. ورغبة المستثمرين هي في أن يصنف القضاء صكوكهم باعتبارها ديونا وليست أسهما مما يعطيهم الأولوية في الحصول على حقوقهم قبل المساهمين وتزداد فرصهم في استرداد أموالهم.
النقاش في حقوق اصحاب الصكوك عند تعثر المصدر دفع المعنيين بصناعة هذه الصكوك الى تقديم عدد من الاقتراحات اهمها التالية:
- مطالبة شركات التكافل إيجاد منتج تأميني يقدم تعويضاً ولو جزئياً لاصحاب الصكوك عند تعثر المصدرين على غرار المشتقات المالية المسماة Credit Default Swaps والتي توفر الحماية لاصحاب السندات التقليدية. والافكار المطروحة هنا عديدة منها:
* تأسيس تقليص مخاطر الصكوك على مبدأ التكافل على ان تدفع رسوم التكافل من قبل اصحاب الصكوك، باعتبار أنهم هم الطرف المؤمَّن عليه.
* تكليف شركات التكافل تقديم التأمين لأصحاب الصكوك، فتقوم بتقديم الدفعات السنوية الاسمية إلى اصحاب الصكوك، في حال هبطت هذه الدفعات دون مبلغ معين يتم الاتفاق عليه.
- اعتبار دفعات التأمين الإسلامي جزءاً من سعر المساهمة في إصدار الصكوك، أو شراؤها بصورة مستقلة.
- مطالبة جهات الإصدارالاشتراك في برنامج تأمين على الصكوك، وتُحَمَّل التكلفة على جهة الإصدار...
وقد رد على هذا الاقتراح بالتالي:
- أن المنتج التكافلي لن يكون قادرا على تقديم الضمان الكافي لبعض إصدارات الصكوك الضخمة التي يتعدى رأسمالها حتى شركة التكافل نفسها.
- ان هناك بعض التحفظات الشرعية عن استخدام التكافل في الصكوك، وجواز أو عدم جواز فرض رسوم مقابل الضمانة على العوائد.
- شراء عقد تأمين بحيث يتم تحويل خطر التعثر في السداد ونقله من صاحب الصك (المستثمر) إلى بائع عقد التأمين (مصرف أو شركة تأمين ). وصاحب الصك الذي يشتري عقد التأمين يحق له الحصول على القيمة الاسمية للصك من الجهة التي باعها عقد التأمين، وذلك في حالة تعثر الشركة المصدرة للسند عن دفع التزاماتها المالية لاصحاب الصكوك.
الرد على هذا الاقتراح كان التالي:
* أن هذه العقود هي التي ساهمت في اطاحة المجموعة الاميركية للتأمين AIG. وذلك عندما فشلت (كشركة ضامنة) في تغطية قيمة السندات والديون المتعثرة إبان أزمة الائتمان العالمية.
* ان هناك اجماعاً فقهياً في مخالفة عقود مبادلة المخاطرالأحكام الشرعية
- اصدار الصكوك مستقبلا بشكل اسهم تفضيلية يقدم لاصحابها ضمان قدر من الربح أو تقديمهم عند التصفية على المساهمين.
الرد على هذا الاقتراح هو ايضا عدم شرعيته بصريح نص قرار مجمع الفقه الاسلامي رقم 37 عام 1992 التالي نصه: لا يجوز إصدار أسهم ممتازة، لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال أو ضمان قدر من الربح أو تقديمها عند التصفية، أو عند توزيع الأرباح.
- اصدار الصكوك بشكل سندات مشاركة titres participatifs كتلك التي انشأتها الحكومة الفرنسية برئاسة السيد جاك دولور Jacques Delors في بداية الثمانينات كأداة تمويل طويلة الاجل للشركات التي تم تأميمها وذلك من خلال تعزيز الاموال الخاصة لهذه الشركات بدلا من اللجوء الى الاستدانة التي بدت متعذرة لهذه الشركات آنذاك كمظهر من مظاهر الرفض والعرقلة من قبل عدد من المراكز المالية المناهضة لعمليات التأميم. ويشير القانون الفرنسي المنشىء لهذه السندات الى انها قابلة للتداول ولا تمنح اصحابها اي حق في ادارة الشركة ولا تردّ قيمتها الاسمية الا بعد مدة يتم الاتفاق عليها لا تقل عن السبع سنوات، وعند تصفية الشركة بعد تلبية جميع الدائنين. وتنتج هذه السندات عائداً قسم منه ثابت على صورة فائدة (ليس واردا بالطبع وجوده في الصكوك الاسلامية المقترح انشاؤها على غرار سندات المشاركة الفرنسية) وقسم متحرك حسب نتيجة الاستثمار لا يزيد عن 40% من المبلغ الاساسي للسند. هذا ويتضمن القانون الفرنسي تفصيلات اضافية بخصوص اصدار سندات المشاركة مثل وجوب تحرير وثائقها ونشراتها باللغة الفرنسية، وبيان الوضع النظامي والمركز المالي للمصدر، ونشر تطور نشاطه المالي وتحديد ضمانات السندات عند وجودها وامور تفصيلية اخرى تنص عليها انظمة سلطة الاسواق المالية l\'Autorité des marchés financiers.
الرد على هذا الاقتراح كان تضمنه أمرين لا تقر بهما الشريعة: الفائدة وعدم جواز تقديم الشريك المدير اي ضمان على الاستثمار.
- تضمين وثائق الصكوك المصدرة احكاما تلزم مصدريها بضمانات متنوعة مثل إعادة الشراء أو بيع الأصول التي ترتكز عليها توطئة للتخارج المبكر أو تعزيز الأخيرة بأصول جديدة.
الرد على هذه الافكار كان ايضا بانها لا تستقيم مع مبدأ اساسي في الشريعة الاسلامية هو عدم شرعية تقديم المدين الضمان للدائن وللشريك ضد الخسارة.
عدم توصل النقاش في موضوع ضمان مصالح اصحاب الصكوك عند تعثر المصدر الى نتيجة حاسمة دفع المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات (أيسك) التابعة لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية، الى دراسة فكرة تعديل انظمة عملها الحالية التي تركز على ضمان الهيئات السيادية، على نحو يمكنها من إنشاء صندوق يوفر الضمان المطلوب لاصحاب الصكوك المتداولة في الدول الإسلامية الأعضاء عند تعثر مصدري هذه الصكوك من الهيئات الخاصة. وهذا الامر يساعد المؤسسات على تسويق إصداراتها في الأسواق الأولية وتداولها في الأسواق الثانوية ويلبي حاجة المصارف للسيطرة على مخاطر السيولة ويطلق الصكوك كأداة تمويل لمشاريع التنمية خصوصا في الدول والشركات التي يمنعها تصنيفها من ولوج اسواق المال.
العثرة الثانية: ازدواجية الاحكام التي ترعى اصدار الصكوك وتنفيذ القرارات القضائية الصادرة بالنزاعات المتعلقة بها.
تتضمن وثائق عدد كبير من الصكوك المصدرة نصا يقضي بتوافقها مع الشريعة الاسلامية وبخضوعها في الوقت ذاته لقانون البلد الذي تقرر تنظيمها فيه او تسويقها منه، وهو غالبا القانون الإنكليزي، كما هو الامر بالنسبة لصكوك نخيل. وهذا الواقع يثير اشكاليات عدة مثل: ما الحل عند وجود تعارض بين الشريعة والقانون في مسألة ما تخص الصك ؟ وهل يحق للقاضي الاجنبي بناء احكامه على اعتبارات تقتضيها الشريعة؟ وما المقصود بالشريعة الاسلامية على وجه التحديد بالنسبة للقاضي الاجنبي؟ ان المستثمرين مضطرون في جميع الاحوال للذهاب إلى محاكم محلية حتى ولو حكم قاض اجنبي لمصلحتهم والمشكلة هنا غياب الاتفاقات الخاصة بتنفيذ الاحكام القضائية الاجنبية بين الدول التي ينتشر فيها التعامل بالصكوك والدول التي يمكن ان تصدر فيها هذه الاحكام.
صكوك نخيل أثارت اشكاليات اضافية منها: امكان الزام الطرف الذي يريد الإدعاء قضائيا على كيان تديره او تملكه الحكومة بإذن من الحكومة نفسها؟ امكان تطبيق اي أحكام قضائية قد تصدر وتتعلق بممتلكات تعود إلى الحكومة (أو الأسرة الحاكمة) كالحجز او نزع الملكية وتحويلها الى اجانب والبيع في المزاد العلني؟

العثرة الثالثة: سقوط الفكرة القائلة ان العمليات المنظمة وفقا للاصول الشرعية هي بالضرورة عمليات مربحة على الدوام.
 فقد أثبتت أزمة دبي المالية الامرين التاليين:
-1 أن المؤسسات التي لا تتعامل بالفائدة او تتعامل بهيكليات مالية موافق عليها من قبل هيئاتها الشرعية شأنها كتلك التي تتعامل بالفائدة وبهيكليات مالية مرتبطة بالفائدة، عرضة للركود الاقتصادي ولعمليات التصحيح خصوصا عندما يكون هناك نوع من التركيز والاستثمار المفرط في قطاع معين (وهو القطاع ذاته اي العقار في السندات الاميركية والصكوك الاسلامية لدبي).
فالسبب الحقيقي وراء عجز نخيل عن خدمة ديونها لم يكن عائداً إلى أن هذه الديون كانت على شكل صكوك، وإنما لأنها كانت قائمة على فقاعة العقارات وتتعلق بمشاريع فرعونية مشكوك في جدواها الاقتصادية والنتيجة ذاتها كانت ستحصل لو أن صكوك نخيل كانت ايضا على شكل سندات تقليدية.
من هنا استنتج البعض ان موضوع الفائدة قد لا يكون وحده السبيل الصحيح لطرح خصوصية الاسلام في حل المشكلات الاقتصادية. وهذا الامر ينطبق على التسميات التي تعتمد ومنها المصرف الاسلامي وغيره... بل يتعين اسناد النظرية الاقتصادية الاسلامية الى ركائز اعم واشمل وهذا ما يلمح اليه باستمرار عدد من اصحاب العقول النيرة ومنهم عدد من المستشرقين.

-2 ان المخاطر واسبابها كانت، في وجه من الوجوه، واحدة في السندات الربوية التي تعثرت في الولايات المتحدة والصكوك الإسلامية المصدرة من الشركات التابعة لامارة دبي، وتتلخص في التدخل الحكومي لتوسيع دائرة التمويل والانحراف في عمليات تقويم المخاطر وعدم قدرة المدين على الدفع في الحالتين بعد انفجار الفقاعة خلافا للتوقعات.
ففي الولايات المتحدة كان هناك تدخل حكومي ضغط، لاسباب انتخابية، على المصارف لتوفير التمويل الرخيص لأصحاب الملاءات الضعيفة لشراء بيوت لا يمكنهم الحصول عليها وهذا التدخل حصل في دبي بشكل مختلف من طريق إنشاء شركات حكومية توحي بأنها مدعومة من الحكومة الامر الذي وفر لها سبل الحصول على المال الرخيص لمشاريع عقارية عملاقة بما في ذلك من خلال تضخيم سوق الصكوك الاسلامية.
وفي الحالتين كان هناك انحراف في عملية تقويم المخاطر من قبل وكالات التقويم: فبالنسبة للسندات الاميركية عدم فهمها لحقيقة المخاطر المرتبطة بعناصر متغيرة، وعدم اهتمامها بمتابعة تقويم العوارض واخطار السوق، واهمالها مخاطر السيولة ومخاطر العدوى كما اهمالها تقويمات الفئات المتنوعة لسندات التسنيد وسقوطها في مستنقع تضارب المصالح حيث كان لها دور في قرار الاقراض وفي تسويق سنداته؛ وبالنسبة للصكوك الاسلامية حصل التقويم ليس على اساس مخاطرها بل على أساس صدقية مصدّر الصكوك والجهات "الداعمة" دون تمحيص في أن "دعم" هذه الجهات لا يعني بالضرورة "تقديم الضمان" بالمفهوم القانوني حسب تعبير المسؤولين في امارة دبي!.
لقد عرضت احدى الدراسات الاجنبية لعوامل الضعف في تقويم مخاطر العمليات والادوات المنفذة او المصدرة وفقا للشريعة فعددت عناوينها كالتالي:
- غياب ثقافة المخاطربسبب غياب او ضعف الروادع التنظيمة وتدابير المراقبة بشكل عام.
- تركزها على قطاعي العقار والتشييد الخاضعين للتقلبات.
- ضعف اداء الهيئات الشرعية في ابداء الرأي بشأن بعض الهيكليات وتركيزها على المستلزمات الشرعية التقليدية.
- عدم وجود اطمئنان قانوني بسبب غياب التشريعات التي يتطلبها اعتماد الشريعة وغياب السوابق القضائية في حل النزاعات الخاصة بالعمليات والادوات المنفذة او المصدرة وفقا للشريعة.
-     عدم اعتماد نماذج عمل للادوات المالية المستعملة لإدارة السيولة.
-     الخلاف الفقهي، الحاد احيانا، بشأن ادوات ادارة المخاطر( فقهاء المذهب المالكي السائد في جنوبي آسيا يقبلون هذه الادوات بشكل عام بعكس فقهاء المذاهب الاخرى الذين يتحفظون عنها).

6. ما هي الدروس والعبرالمستفادة من عثرات الصكوك الاسلامية لدبي؟
خطأ الماضي هو، بالنسبة للرجل العاقل، استاذ المستقبل، هكذا تقول الحكمة المعروفة. وعليه فان المطلوب من كل المعنيين بصناعة الصيرفة الاسلامية، وعلى الاخص صناعة الصكوك، المبادرة الى وضع "خريطة طريق" تقدم الحلول التي تحفظها من الانتكاسات.
والموضوع في غاية الاهمية بالنسبة للبنان، ليس فقط لان تجهزه باطار ملائم للتعامل بالصكوك يعزز بنيته الفتية الخاصة بالعمل المالي الاسلامي وقدرته التنافسية، بل لانه يوفر ايضا وسائل نجاح برامج تمويل مشاريع عامة تتهيأ السلطات السياسية لاطلاقها  لو قامت بتضمينها خيارات تسمح للمواطنين وللمستثمرين بالمشاركة في هذه البرامج، من خلال الاكتتاب بصكوك قد تصدرها بقيمة الاموال التي تحتاجها هذه المشاريع. وهو امر لجأ اليه العديد من الدول تداركا منها في الوقوع في فخ المديوينية العامة مثل الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وتركيا ومصر والاردن. والاخير قرن عملية اصدار الصكوك بتشجيعات متنوعة مثل تقرير اعفاءات ضريبية على عائداتها وكفالة الحكومة تسديد قيمة الصكوك الاسمية الواجب اطفاؤها في المواعيد المقررة مع اعتبار المبالغ المدفوعة من الحكومة قرضا ممنوحا للمشروع بدون فائدة مستحق الوفاء فور الاطفاء الكامل للصكوك (قانون سندات المقارضة الاردني لسنة 1981).
و"خريطة الطريق" المطلوبة ينبغي ان ترتكز، على سن تشريع خاص بالصكوك يحقق الكفاءة القانونية والاقتصادية والصدقية الشرعية ويمكّن المستثمرين في هذه الصكوك من التعرف بوضوح على حقوقهم وسبل الدفاع عنها امام القضاء. وهذا ما خلصت اليه توصيات مجمع الفقه المنعقد في نيسان من العام الماضي بخصوص الصكوك. لانه من غير المعقول ان تفتقد صناعتها الفتية التي تقدر بمليارات الدولارات قاعدة قانونية مناسبة تحكمها.
والتشريع العتيد المطلوب يجب ان يتضمن على الاقل التالي:
-1 ضرورة التقيد بأحكام مجمع الفقه الاسلامي ذات الصلة بالصكوك عند اصدار الاخيرة وتداولها.
-2 توضيح مضمون الملكية الشائعة بين اصحاب الصكوك ومصدر هذه الصكوك، وبالتالي المركز القانوني لاصحاب الصكوك بالنسبة لمساهمي المصدر ودائنيه، وتوضيح اصول تسديد الالتزامات والديون المستحقة تحت التصفية وتراتبيتها (يمكن التفكير هنا بالترتيب الذي يعدده القانون المصري بخصوص تصفية المصارف الاسلامية والذي ينطلق من حقوق المصفي فالموظفين فالمودعين في حسابات الائتمان فالدائنين من اصحاب الودائع لغير غايات الاستثمار او للمشاركة في الأرباح الناجمة عن هذا الاستثمار فحقوق المودعين في حسابات الاستثمار المشترك انتهاء بحقوق المساهمين).
-3 الضمان الشرعي لاصحاب الصكوك والذي يمكن ان يكون على اساس تكافلي قد تساهم فيه الدولة او هيئات معنية مثل المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات (أيسك) التابعة لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية وغيرها. مع الاشارة الى وجود توجهات خاصة في هذا المضمار مثل قرار مجلس البحوث في كلية الازهر الذي يجيز ضمان الوكيل بالاستثمار للمخاطر وفقهاء المذهب المالكي الذين يؤيدون إنشاء ادوات تحوط ضد المخاطر وغيرهم...
-4 البيانات والامور التي يتعين تضمينها في وثائق الصكوك، على الأخص تلك التي تحفظ مصالح وحقوق اصحاب هذه الصكوك (يمكن التفكير هنا بالاحكام ذات الصلة الواردة في قانون جاك دولور عن الـ titres participatifs ).

 

Defusing Ethiopia’s Latest Perilous Crisis

 الإثنين 6 تموز 2020 - 3:25 م

Defusing Ethiopia’s Latest Perilous Crisis https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/ethiopi… تتمة »

عدد الزيارات: 41,893,170

عدد الزوار: 1,185,722

المتواجدون الآن: 40