عام 2014... أميركا وشرق أوسط جديدان؟

تاريخ الإضافة السبت 4 كانون الثاني 2014 - 7:53 ص    عدد الزيارات 278    التعليقات 0

        

 

 عام 2014... أميركا وشرق أوسط جديدان؟
غازي دحمان
تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة من السيولة الجغرافية والديموغرافية، بالتوازي، أو كنتيجة لمتغيرات في السياسة الدولية، وفي مواقع واستراتيجيات بعض القوى الدولية، حيث تتجه هذه القوى إلى إعادة تموضعها في سياق التأثير والفعل العالمي.
وعلى الرغم من كثرة الحديث عن هبوط القيمة الاستراتيجية للشرق الأوسط في ميزان القوى العالمي، في محاولة إسباغ الصدقية على فرضية الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط، إما نتيجة ظهور مواقع تحتوي على فرص اقتصادية واستثمارية ذات قيمة مردودية أكبر، أو لظهور مناطق منتجة للنفط والغاز، على ما تذهب إليه الكثير من التحليلات، إلا أن ذلك يبقى أمرا مشكوكا في صدقيته وقدرته على تفسير هذه الظاهرة لارتكاز أغلب مؤشراته على البعد الاقتصادي في تفسيرها لفرضية الانسحاب وتربط هذا الأمر بالأزمة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة الأميركية، دون إيلاء الأهمية لبقية العناصر التي تتشكل منها استراتيجيات الدول.
اما عن النظرية التي تقول بأن الولايات المتحدة بصدد تصميم صفقة تاريخية تتخلى بموجبها عن الشرق الأوسط لقوى ثانية بوصفه صار مقلبا خاسراً بمنطق حساب الجدوى لتتفرغ تالياً إلى ما يفيد اقتصادها ويخفف عنها أعباء لا طائل من ورائها، وكل ذلك مقابل السماح لها بالخروج الآمن إلى تلك المناطق الجديدة، فتبدو هذه النظرية متهافتة، فمن هي القوة العظمى التي يمكن أن ترث النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط وأين يمكن العثور عليها في قائمة الدول القوية؟ ذلك أن روسيا تفتقر إلى السند العسكري والتاريخي والجاذبية الثقافية، والصين تفتقر إلى الرغبة والقدرة في آن معاً، وأوروبا ليست قوة يحسب لها حساب.
التفسير الاقرب لهذه الظاهرة ينطوي على بعد استراتيجي جغرافي، يمكن وصفه بمحاولة إعادة الهيكلية الاستراتيجية ولكن وفق معطيات وشروط الحظة الراهنة واستحقاقاتها، وهي عملية كلاسيكية في الاستراتيجية الدولية، وإنما يجري إعادة إنتاجها وعصرنتها، فالقضية ترتبط ارتباطا وثيقاً بطاقة الدول وتوجهاتها ومزاج نخبها، ثم تطبيق ذلك وترجمته على الواقع الجغرافي العالمي، بمعنى إعادة تطويع الجغرافيا وتشكيلها بطريقة اكثر جدوى وقابلية لخدمة مصالح الدول ولكي تتمتع بالمرونة الكافية واللازمة لإنجاز التسويات مع بعض الأطراف الإقليمية والدولية. حصل ذلك عشية مؤتمر برلين الذي أعاد صياغة أفريقيا ليصار إلى تجهيزها لجغرافية قابلة للقسمة على أكثر من طرف، وعقب الحرب العالمية الأولى ومؤتمر سان ريمو الذي أعاد تشكيل المنطقة العربية ونقلها من كتلة واحدة تحت الحكم العثماني التركي إلى قطاعات متعددة تتوافق حدودها مع خطوط النفوذ البريطاني الفرنسي اليهودي الإسرائيلي لاحقاً، وفي كل هذه المرات كان الامر يحصل نتيجة تطورات الحركة الرأسمالية العالمية وحاجتها لعنصري الموارد والأسواق، إضافة لظهور متغيرات في سلم القوى العالمي وهيكلية القوى.
اليوم يبدو قوس المتغيرات قد اكتمل، بل أن الولايات المتحدة تواجه هذه المتغيرات دفعة واحدة، وهي أمام خيارين، إما أن تفرز استراتيجية قادرة على استيعاب هذه المتغيرات عبر تكتيكات سياسية مرحلية، وإما أن تتصلب في استراتيجية الهيمنة وبالتالي تستنزفها حالة الاشتباك العالمي على عدة مستويات، والواضح ان النخبة الأميركية تميل إلى التعاطي البراغماتي مع هذه التطورات، بمعنى الميل إلى إيجاد تسوية معينة، ترتكز على قاعدة تخفيف درجة الانخراط التدخلي وفق النمط الذي كان يجري به والانتقال إلى نمط أكثر جدوى ورشداً يجعل ميزان الربح مائلاً لصالح الطرف الأميركي ويبعده عن المغارم التي طالما تسببت بها الاندفاعات اللاواقعية وغير المحسوبة في ظل سيادة شعارات دمقرطة المنطقة وحقوق الإنسان. ولكن كيف إجراء هذه النقلة والشرق الأوسط مازال هو نفسه بتشكيلاته وأطره السياسية ومنظوماته الثقافية وبناه الإجتماعية وخرائطه الجغرافية؟.
التصور الأقرب للوقائع الجيوإستراتيجية أننا أمام نمط استراتيجي أميركي جديد يقوم على إعادة صياغة وتشكيل الشرق الأوسط بطريقة جديدة، وليس الانسحاب منه، هذه الاستراتيجية الجديدة تقوم على نقيض استراتيجية أميركية دامت طوال نصف قرن ارتكزت على مبادئ معينة للحفاظ على هندسة ومعمار الشرق الأوسط القديم بأنظمته السياسية والاجتماعية وحدوده وضبط صراعاته وتفاعلاته وهو الأمر الذي كلفها أثماناً باهظة، هذه السياسة انتهت اليوم، لكن مصالح أميركا باقية في أكثر من موضع وهي ليست في طور التخلي عنها أو تركها للخصوم والحلفاء يديرونها بالطريقة التي يريدون فالمنطقة بعرف واشنطن ومنظورها في السياسة الدولية هي استثمار أميركي خالص، حتى إيران نفسها تدخل ضمن هذه الخريطة الاستثمارية، اليوم يمكن القول ان الاستثمار بالعقوبات على طهران بدأ يأتي أكله حيث تستعد واشنطن لابتلاع هذا الصيد الثمين بالموارد والأسواق وإلا ترك إيران تذوي تحت العقوبات الاقتصادية التي بدأت تفترسها.
في إطار هذه الاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه الشرق الأوسط يجري تطبيق سياسة ترك المنطقة تتشكل من جديد، وهذا الأمر ليس وليد اللحظة بل جرى الحديث عنه والتنظير له منذ بداية القرن فيما سمي في حينه "الشرق الأوسط الجديد" أو "الفوضى الخلاقة"، وهي وإن بدت بالنسبة لقاطني الشرق الأوسط على أنها سياسة تآمريه فهي بالنسبة للسياسة الأميركية ليست سوى نمط أو طريقة لتسهيل التعاطي مع منطقة جغرافية معقدة تنطوي على واقع سياسي واجتماعي أكثر تعقيداً، تستهلك الكثير من الإمكانيات والموارد، في حين بمكن إيجاد طرق جديدة لترشيد هذه العملية وتحقيق الجدوى منها بحيث تحقق مصالح واشنطن وليس بالضرورة أن تراعي مصالح سكان المنطقة أو قسم منهم.
آليات هذه الاستراتيجية الجديدة، قد تكون السماح للتعبيرات المختلفة، اجتماعيا وأيديولوجياً، وتطبيقاتها الحركية بالظهور، على شكل كيانات جديدة، حزبية أو دولتيه، مثل ظهور الإخوان المسلمين كقوة فاعلة في المنطقة أو حتى ظهور كيانات سياسية على أسس عرقية وطائفية، وفق هذا التصور يصبح الشرق الأوسط مجموعة قوى ضعيفة لا هم لها سوى بيع مواردها في سبيل الإيفاء بمتطلبات الكيانات الجديدة، إضافة إلى تحقيق هذه الكيانات درجة معينة من الانسجام ضمن تراكيبها السياسية والاجتماعية وهو ما يقلل من درجة العداء لأميركا تحت ذريعة تأييدها للانظمة السياسية وعدائها لبعض المكونات في المنطقة. لكننا سكان الشرق الأوسط يجب أن ننتبه لحقيقة مهمة وهي أن المنطقة كلها وبدون استثناء، من مراكش حتى القوقاز، تقع على خط هذه التعبيرات البازغة والمحتملة، بما فيها كيانات قد تعتبر نفسها خارج هذا الاحتمال، مثل تركيا وإيران وروسيا نفسها.
 
 
 

المرصد الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا — أبريل/نيسان 2024..

 الأحد 28 نيسان 2024 - 12:35 م

المرصد الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا — أبريل/نيسان 2024.. حول التقرير.. ملخصات التقرير … تتمة »

عدد الزيارات: 154,718,858

عدد الزوار: 6,962,680

المتواجدون الآن: 61