عن الجنرال ومخيم البارد والفلسطينيين في لبنان

تاريخ الإضافة الأربعاء 9 أيلول 2009 - 12:34 م    عدد الزيارات 250    التعليقات 0

        

فتحي كليب
«لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا/ فالظلم آخره يأتيك بالندم». وقيل أيضا ان أكثر الناس احساسا بالظلم هو من عايش مراراته، لكن هل يمكن لمن عاش ظلامة ان يكون سببا في ظلم الآخرين؟ الحياة اليومية تحفل بعشرات القصص التي تؤكد امكانية ان يكون المرء ظالما ومظلوما في الآن ذاته.
ينقل عن العماد ميشال عون تأثره الشديد بموجة التهجير التي تعرض لها الشعب الفلسطيني العام 1948، وهو اليوم احد الذين يتألمون لاستمرار معاناة اللاجئين الفلسطينيين ومحنتهم. وهذا أمر ليس بغريب على من عايش مرارة النفي لمدة خمسة عشر عاما. والعكس صحيح ايضا، فالفلسطينيون، في اوقات سابقة، تعاطفوا مع محنة الجنرال، وحين عاد إلى لبنان بقيت فئة كبيرة من فلسطينيي لبنان على تعاطفها، ادراكا منهم لمعنى اللجوء والتهجير اولا، وللمواقف السياسية التي اتخذها الجنرال عون من القضية الفلسطينية وقناعته بأن الخطر على لبنان وعلى المسيحيين في المنطقة يكمن في المشروع الصهيوني.
الصورة اليوم تبدو مختلفة، سواء لدى الجنرال او لدى الفلسطينيين. صحيح أن مواقف العماد عون من القضية الفلسطينية ربما لم تتغير، لكن مواقفه الحادة من فلسطينيي لبنان تجعل الكثير من الفلسطينيين واللبنانيين قبلهم يطرحون علامات استفهام حول هذا الانفصام في الموقف. ولعل السؤال الذي يتردد على السنة الكثيرين هو حول اسباب هذه المواقف التي فاقت في حدتها كل التوقعات. وهنا لا بد لنا من توضيح بعض المفاهيم: شكل هذا العنوان محور الصراع الداخلي منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وما زال احدى النقاط الخلافية حول موقع لبنان ودوره في الصراع العربي ـ الاسرائيلي. والمفارقة ان حملات التجني ضد الفلسطينيين في لبنان تأتي من قبل الطرف الذي يتبرع الدفاع عن العروبة، بحيث يصبح مفهوم العروبة مفصلا على مقاس هذا التيار السياسي او ذاك. هذا ما توصل اليه النائب وليد جنبلاط بمواقفه النقدية لقوى 14 آذار، ولعل بعض قوى المعارضة أحوج ما تكون الى مثل هذه المراجعة.
تختلف الظروف لكن الهدف واحد: يُقتل الفلسطيني وتمارس بحقه كل صنوف القهر البشري. هم قتلوا سابقا في الكويت وفي ليبيا واليوم يقتلون في العراق، يجوبون الأرض إلى البرازيل وتشيلي وغيرها، بحثا عن مأوى لهم هربا من أشقاء عرب. وفي لبنان حورب الفلسطيني وارتكبت بحقه أبشع المجازر تحت ستار «القومية اللبنانية»، وهناك من اعتقد أن هناك شعبا زائدا ولا بد من التخلص منه ولو بقوة السلاح، ودائما للحفاظ على الكيانية اللبنانية في وجه التوطين الفلسطيني.. وحين فشلت مؤامرات تهجير الفلسطينيين في منافي الأرض، كانت الاستراتيجية البديلة بتكديسهم داخل مخيمات لا تصلح للحياة الآدمية، يمنع عنها الماء والهواء. وكل ذلك تحت يافطة العناوين ذاتها. وهنا تصح مقولة الراحل شفيق الحوت: «مع فلسطين وضد الفلسطينيين».
التوطين..... لهذا المفهوم معنى واحد. هو استبدال الوطن بوطن آخر بديل. ومعادلة التوطين تفترض نظريا موافقة البلد المضيف، وهذا ما يرفضه لبنان. كما تفترض قبول اللاجئ الفلسطيني بتخليه عن حق العودة، وهذا ما يرفضه جميع الفلسطينيين. وما دام الطرفان، يرفضان التوطين، ويتمسكان بحق العودة، فإن خطر التوطين يفقد الكثير من تأثيره ويتحول الى مجرد مشاريع وسيناريوهات.
إذا كانت الأمور كذلك، فأين تكمن المشكلة؟ هي في طريقة تعاطي البعض مع ما يحدث من تطورات خاصة بقضية اللاجئين. فبعضهم يتحدث عن مشروع تفصيلي ومتكامل، مشيرا إلى اتفاقية جنيف ـ البحر الميت، وبعضهم الآخر يرسم سيناريوهات، مقسما الفلسطينيين في لبنان بين عسكر ومثقفين واغنياء وفقراء، سارحا في خياله بأن اسرائيل قد ترفض اعادة العسكر والفقراء، وبالتالي سيجبر لبنان على قبولهم. وثالثهم يساهم متبرعا في اختيار الدول التي قد تقبل بالفلسطينيين بعد مغادرتهم لبنان. وتمتد طاحونة الخيال لتقدم مشاريع متكاملة وجاهزة للاستعمال بحيث يبدو للسامع والمشاهد بان قضية اللاجئين قد انتهت او شارفت على الانتهاء.... صحيح ان الطرفين اللبناني والفلسطيني يرفضان التوطين، لكن الصحيح ايضا ان كلاهما يرفض التوطين على طريقته. فبعض القوى اللبنانية ترفض التوطين انطلاقا من عدم قدرة لبنان على تحمل هذا العدد الكبير من اللاجئين على ارضه وبما يؤثر على التركيبة اللبنانية شديدة الحساسية. والاساس في مواقف هذه القوى انها لا تمانع في توطين الفلسطينيين من حيث المبدأ، شرط ان لا يكون خارج لبنان. فيما وجهة النظر الفلسطينية تقول ان رفض التوطين يجب ان يقترن أولا بالتأكيد على حق العودة وفقا للقرار 194، ورفض أي حل توطيني سواء في لبنان او في أي مكان في العالم. وان أي حديث عن رفض التوطين خارج اطار حق العودة يصبح مجرد كلام للاستهلاك الداخلي.
إعمار مخيم نهر البارد.... منذ بداية أزمة مخيم نهر البارد، أبدى الفلسطينيون كل تعاون مع الحكومة والجيش اللبناني فأدانوا مجموعة «فتح الإسلام» ورفعوا الغطاء السياسي والشعبي عنها. وإذا كانت لدى الجنرال عون حساسية معينة لناحية استشهاد عدد كبير من افراد الجيش اللبناني، فقد عبر الفلسطينيون بمختلف انتماءاتهم عن تعاطفهم مع ذوي الشهداء واعتبروا ان شهداء الجيش هم شهداء الشعب الفلسطيني، ولا زالت تربطهم بالجيش علاقات وطيدة. وعبرت المؤسسة العسكرية عن هذا الموقف حين اعتبرت ان معركة نهر البارد هي معركة اللبنانيين والفلسطينيين في مواجهة الارهاب الذي استهدف الطرفين معا..
رغم وضوح هذه الحقيقة، فقد حاول الجنرال عون، منذ اليوم الاول لانتهاء العمليات العسكرية ان يزج بأزمة مخيم نهر البارد في السجالات الداخلية، وأعلن رفضه اعادة اعمار مخيم نهر البارد، بذريعة عدم سعي الدولة لاعادة المهجرين اللبنانيين الى الجبل. وفي هذا خلط متعمد ومقصود بين اعمار القرى اللبنانية التي تعتبر شأنا داخليا لبنانيا خضع ويخضع للتجاذبات الداخلية على طرفي الموالاة والمعارضة، وبين مخيم دمر نتيجة أزمة لا علاقة للفلسطينيين بها. والأهم من ذلك ان رئيس وزراء «كل لبنان» تعهد بشكل علني اعادة اعمار المخيم من جديد.. أضف الى ذلك تصدي كتلة التغيير والاصلاح لحملة اعمار مخيم البارد، من خلال مراجعة الطعن التي تقدمت به الكتلة امام مجلس شورى الدولة. وهل يدرك اصحاب هذه المراجعة ان حملتهم هذه تعني القطع الكامل مع الحالة الفلسطينية في لبنان؟ لذلك لم يكن مستغربا ان تطلق الهتافات المعادية من مسيرات نظمت في العديد من المخيمات تضامنا مع مخيم نهر البارد واعماره، خاصة بعد ان تردد في المخيمات ان بعض نواب كتلة الجنرال سينفذون اعتصاما بالقرب او داخل مخيم البارد كتأكيد على موقفهم الرافض لاعمار المخيم، وما هو النصر الذي قد يحققه الجنرال ببقاء اربعين الف مهجر خارج منازلهم؟ وما هو سر صمت حلفاء الجنرال في المعارضة، ورغم ادراك الفلسطينيين لحساسية الموقف حين دمر المخيم، لكن ما ليس مبررا ان تبقى المعارضة على صمتها حيال الجنرال وحملته ضد اعمار مخيم البارد.

مساران للهيمنة: الشركات العسكرية في تركيا ومصر

 الجمعة 5 حزيران 2020 - 8:57 ص

مساران للهيمنة: الشركات العسكرية في تركيا ومصر https://carnegie-mec.org/2020/06/03/ar-pub-81872 … تتمة »

عدد الزيارات: 40,335,731

عدد الزوار: 1,121,502

المتواجدون الآن: 37