هـــــــــذا يــــــــــوم للتاريـــــــــخ

تاريخ الإضافة الأربعاء 21 كانون الثاني 2009 - 11:20 ص    عدد الزيارات 303    التعليقات 0

        

الدكتور فيليب سالم 

هذا اليوم هو يومٌ للتاريخ. في هذا اليوم يتسلم السلطة، وللمرة الاولى في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية، رجلّ اسود ذو جذور افريقية واسلامية. وهذا المساء، وبعد الاحتفالات التقليدية، يدخل هذا الرجل البيت الابيض ويصير القائد الجديد للبلاد، وتالياً القائد الجديد للعالم الحر بأسره. على كتفي هذا الرجل تقع مسؤولية الارتقاء بأميركا من دولة تؤمن بقوة القوة الى دولة تؤمن بقوة العقل والحوار، من دولة تؤمن بأنها وحدها يحق لها الحياة، الى دولة تؤمن بان لا حياة لها دون حياة الآخرين. ونأمل أن يعرف هذا الرجل ان قيادة العالم الحر تتطلب رؤية جديدة خلاقة، والكثير من الشجاعة والانتصار على الذات. انها تتطلب الإيمان بقدسية الإنسان وقدسية العدالة.
لم يكن مجيء هذا الرجل انتصاراً للديموقراطية بقدر ما كان انتصاراً للرؤية التي تحدد ماهية اميركا. هذه الرؤية التي تؤمن بالحرية وأهمية الفرد والتي تجعل المجتمع الاميركي مجتمعا ديناميكياً يتغير ويتجدد ويتكون كل يوم. في هذه الرؤية يقاس الانسان على حقيقته وعلى قدرته على الانتاج والعطاء، ولا يقاس بأصله وفصله، أو بانتمائه الى دين أو جماعة أو قبيلة ما، كما هو الحال في الشرق. لذلك تمكن رجل، ابوه افريقي مسلم، من ان يقفز فوق الحواجز الاجتماعية التقليدية ويصير رئيساً للجمهورية. ولم يعد مستحيلاً ان يأتي يوم يصل فيه الى رئاسة الجمهورية رجل أو امرأة ذَويْ جذور عربية. وفي هذه الرؤية أيضا أن الانسان يتعلم ويتغير ويتجدد ويرتفع كل يوم. لذلك فالتجربة الاميركية هي في حالة دائمة من التكوين، في حالة دائمة من الحركة الى الأمام، الى المستقبل. انها تجربة فريدة ترفض أن تكون أسيرة الماضي، وتصر دائما على أن تكون مشدودة الى المستقبل. هذا، على عكس التجربة في الشرق حيث الماضي يحاول دائما اغتيال المستقبل. في التجربة الاميركية، كل شيء ممكن، وليس من شيء مستحيل. كل يوم فرصة جديدة. وان قدرة العقل الإنساني والإبداع لا يحدهما الا مخيلة الإنسان. هذا لا يعني فقط أن أميركا قادرة على التغيير، وعلى صنع نفسها كل يوم، بل يعني ان التغيير هو من ماهية الفكرة التي هي اميركا. ولذلك تمكن باراك أوباما وفي مدة زمنية لا تتجاوز السنة ونصف السنة من تغيير أميركا، ومن جعل شعار "التغيير" قوة هائلة تصل به الى الرئاسة. وهنا نود ان نسأل: لماذا نحن العرب وفي مدة زمنية تتجاوز الستين سنة لم نتمكن من إحداث أي تغيير في اميركا وسياستها في الشرق الاوسط؟ الجواب عن هذا السؤال هو انه بدل ان نثمر الوقت في اقناع أميركا، الدولة والشعب، بحقوقنا وبعدالة القضية الفلسطينية، أمضينا هذه السنين نثمر بالغضب والعنف والشعارات. ان الاعتقاد السائد في الشرق العربي ان اميركا لا تتغير هو خطأ كبير. والاعتقاد الثاني أن سياسة أميركا في الشرق لا يمكن تغييرها لان اللوبي اليهودي لا يقهر، هو خطأ أكبر. وهناك اعتقاد أكبر من الخطأ، انه خطيئة. وهو أن اميركا هي رأي واحد، مجتمع واحد، شعب واحد، وان هذا الشعب بكليته ضد العرب. والحقيقة هي ان في الولايات المتحدة الاميركية الألوف من المواطنين والمفكرين والمثقفين والسياسيين الذين يدعمون قضايانا ويشاركون في آلامنا، ولكن بدل ان ندعم هؤلاء الاميركيين ونسوق أفكارهم في المجتمع الاميركي ذاته، اضعنا الوقت في توجيه التهم والشتائم الى المجتمع الاميركي كله. وها نحن نأمل اليوم ان يكون العرب قد اقتنعوا بأنهم قادرون، اذا حزموا وأرادوا، على تغيير السياسة الاميركية. ونأمل ايضا أن يعتبر العرب مجيء الرئيس الجديد فرصة جديدة للعودة عن اخطائهم والتوبة عن خطاياهم. ولكي نتمكن من الافادة من هذه الفرصة، يجب ان نتعرف الى الرجل وأن نتلمس المعالم الجديدة لسياسته. هذا ما نعتقده معالم هذه السياسة:
اولا: على عكس ادارة الرئيس بوش التي تؤمن بأن القوة العسكرية هي الآلية الفضلى لحل النزاعات في العالم، تؤمن هذه الادارة بقوة الديبلوماسية وقوة الحوار والمفاوضات. الا ان هذا لا يعني اطلاقا انها لن تلجأ الى القوة العسكرية. ولكن من المؤكد أن استعمال هذه القوة سيكون في أسفل سلم الخيارات عندها. وكذلك على عكس ادارة بوش، تؤمن الادارة الجديدة بان حل النزاعات في العالم ليس ممكناً الا بالعمل والتعاون مع الدول الاخرى في العالم، وبالاخص مع الدول التي لا تعتبر حليفة للغرب، كروسيا والصين. ففي عهد الرئيس اوباما ستنتقل اميركا من عهد التفرد بزعامة العالم الى عهد التعاون مع المجتمع الدولي. ان هذا الرئيس يعرف انه لن يتمكن من قيادة العالم الحر إن لم يتمكن من العمل مع العالم كله ومن أجل العالم كله.
ثانيا: سيكون المحور الاساسي لاهتمام الرئيس وادارته وبالأخص في النصف الاول من ولايته الأزمة المالية. أما المحور الثاني فهو الحرب على الارهاب. وفي هذا المضمار يختلف الرئيس أوباما جذريا عن الرئيس بوش. فالرئيس بوش كان يعتبر العراق ساحة الحرب ضد الارهاب، أما أوباما فأنه يعتبر أن ساحة الحرب هذه هي افغانستان. ذلك ان الذين اقدموا على العمليات الارهابية في 9/11 جاؤوا من هناك وليس من العراق. لذلك سنرى انحساراً للوجود العسكري الاميركي في العراق وازدياداً لهذا الحضور في افغانستان. ولكن يخطئ من يظن ان أوباما سيشن حرباً في افغانستان كالحرب في العراق. ففي اعتقادنا ان الحرب في افغانستان ستكون حرباً ديبلوماسية واقتصادية اكثر منها عسكرية، فالرجل لا يؤمن بالقوة العسكرية كما يؤمن بقوة الديبلوماسية.
ثالثا: من دون أي شك سيكون الشرق الاوسط المحور الثالث. هذا الشرق الأوسط الممتد من تركيا الى اسرائيل، الى العالم العربي الى ايران. هذا الشرق الاوسط الذي ينوء بالأزمات المتراكمة من القضية الفلسطينية الى الصراع العربي – الاسرائيلي الى القضية اللبنانية الى العراق الى سوريا والى الملف النووي في ايران. وتعرف هذه الادارة ما لم تعرفه ادارة بوش، وهو انه ليس في الامكان حل هذه الازمات في الشرق العربي من دون الحل مع ايران. وتعرف ايضا ان الحل مع ايران لن يكون الا من خلال آلية المفاوضات المكثفة، والحوار العميق، والديبلوماسية الذكية المدعومة بالعقوبات الاقتصادية وكذلك تعرف هذه الادارة شيئاً آخر لم تعرفه الادارة السابقة، وهو ان الديبلوماسية ان لم تكن مدعومة من المجتمع الدولي ككل فلن تصل الى الاهداف المنشودة. لذلك سيعمل الرئيس الجديد جاهداً لاغراء روسيا والصين بالتعاون معه في حل هذه المشكلة. والرئيس الجديد يعرف جيداً ان التعاون مع روسيا والصين ليس ضرورياً لحل النزاع مع ايران فحسب، بل ايضاً لحل القضية المحورية في الشرق العربي وهي القضية الفلسطينية.
رابعا: بينما تحتل الأزمة بين الغرب وايران المرتبة الاولى من اهتمام أوباما في الشرق الاوسط، تحتل القضية الفلسطينية المرتبة الثانية. والهدف المعلن لهذه الادارة هو الهدف ذاته للرئيس بوش وهو انشاء دولتين. دولة اسرائيلية ودولة فلسطينية تعيشان جنبا الى جنب. الا أننا نأمل من الرئيس الجديد ان يتعلم من اخطاء الادارات السابقة والعقبات التي كانت سبباً في فشل كل المحاولات لحل هذه القضية في السنوات الستين الاخيرة. من هذه العقبات أن اميركا كانت ولا تزال تريد الحل حلاً اميركياً وترفض اشراك المجتمع الدولي. أما العقبة الثانية، فهي ان أميركا لم تكن وسيطاً عادلاً في هذا النزاع. والعقبة الثالثة، هي ان الاسرائيليين والفلسطينيين لن يتمكنوا وحدهم من الوصول الى حل نهائي. للوصول الى هذا الحل، على المجتمع الدولي، بعد أن يكون الطرفان قد استهلكا قدرتهما على المفاوضات، أن يتدخل ويفرض حلاً ما دون ذلك لن يكون هناك حل.
خامسا: وماذا عن لبنان؟ كان لبنان، بحد ذاته، على سلم الأولويات في ادارة الرئيس بوش. هذا لن يكون في ادارة الرئيس أوباما. هذه الادارة تنظر الى الأزمة اللبنانية على انها نتيجة للنزاعات الاقليمية. وسينصب الاهتمام على عملية فك الارتباط بين ايران وسوريا واغراء سوريا باحتضانها من الغرب وذلك من خلال المفاوضات المباشرة مع اسرائيل. ألا أن هذه الادارة ستدعم ولا شك الديموقراطية في لبنان، وستدعم لبنان السيد الحر المستقل. وأهم من ذلك أن هذه الادارة ستكون حاضرة للحوار مع اللبنانيين، ولكن يبقى على اللبنانيين أن يتقنوا فن الحوار معها. وعلى عكس معظم الادارات التي سبقتها، فهذه الادارة مستعدة لصنع سياسات جديدة نتيجة للحوار. فهل نحن حاضرون للحوار؟ ولكي نكون حاضرين للحوار يحب ان نعرف ماذا نريد. ويجب أن يكون موقفنا من لبنان واحداً. هذا ليتكلم لبنان بصوت واحد. أما آن الآوان لجميع اولئك الذين ذهبوا الى خارج الحدود أرضنا لتسلق النفوذ والسلطة على حساب الوطن وكرامته، أن يعودوا؟ بل أن يتوبوا؟ أما أن لهم أن يعودوا الى البيت، الى لبنان، الى لبناننا. وحده لبنان من دول العالم كلها يبقى هكذا مصلوباً. وحده لبنان من دول العالم كله أبناؤه صلبوه...
... وهل "ستغفر لهم يا أبتاه؟    

لبنان: تقصير في التحقيق المحلّي في انفجار المرفأ

 الخميس 22 تشرين الأول 2020 - 8:07 م

لبنان: تقصير في التحقيق المحلّي في انفجار المرفأ https://www.hrw.org/ar/news/2020/10/22/376795 تتمة »

عدد الزيارات: 47,893,976

عدد الزوار: 1,426,740

المتواجدون الآن: 54