العدوان على غزة: عناصر تأجيج الإجمـاع الإسرائيلي

تاريخ الإضافة السبت 17 كانون الثاني 2009 - 1:12 م    عدد الزيارات 241    التعليقات 0

        

أنطوان شلحت - عكا     
(باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- "مدار")

ثمـة أمور عديدة تحظى بـ"إجماع إسرائيلي قومي" في ما يتعلق بالعدوان المستمر على غزة، وتشكل عناصر تأجيجه في الوقت نفسه، في مقدمهـا أن فهم المراحل العسكرية المتدرجة لهذا العدوان يبقى مرهونًا، على الاكثر، بعدد الضحايا التي تسقط في صفوف الإسرائيليين. وفي هذا الشأن أشار كبير المعلقين السياسيين في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، ناحـوم برنيـاع، إلى واقع أن إسرائيل تكبدّت، حتى اليوم الثامن عشر على بدء العدوان، الموافق في 13 كانون الثاني 2009، ثلاثة عشر قتيلاً، تسعة منهم جنود وأربعة مدنيون، من دون أن يذكر عدد الجرحى، وأنه في إمكان المجتمع الإسرائيلي، إذا ما استمرت الحال على هذا المنوال، أن يتعايش مع هذا العدد وأن لا يخرج لمناهضة العدوان على نطاق واسع.
وقد يكون هذا هو السبب الرئيسي وراء القرار الإسرائيلي القاضي بعدم التوغل إلى مراكز مدن القطاع، إلى الآن، وإن كانت الحجة الرسمية المعلنة هي "إعطاء الفرصة للجهود الديبلوماسية المصرية".
غير أن معلق الشؤون الأمنية في صحيفة "هآرتس"، أميـر أورن، رأى أن "التلكؤ" في التصديق على مرحلة التوغل إلى مراكز المدن عائد، أساسًا، إلى حرج الزمن السياسي الراهن. وقد أدت به رؤيته هذه إلى اعتبار التهديدات الإسرائيلية بتوسيع نطاق العملية العسكرية البرية غير جادّة بتاتًا، إذا ما تمّ الأخذ في الحسبان أنها تأتي قبل أسبوع واحد من أداء الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوبامـا اليمين الدستورية، وقبل أربعة أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية العامة، التي ستجري في 10 شباط المقبل.
لا يعني هذا الكلام أن هناك نيات إسرائيلية للتخفيف من وطأة العدوان وما يرافقه من أعمال قتل وتدمير، منذ أول أيامـه. بل إن هناك نيـّات، وخصوصًا لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهـود أولمرت، تقضي بتصعيد وطأته من أجل الوصول إلى "نقطة حسم" في مقابل "حماس" حتى من دون احتلال القطاع كله.
عند هذا الحدّ تجدر الإشارة إلى أن موقف أولمرت هذا يحظى بدعم القيادة العسكرية الإسرائيلية، التي تطالب بعدم الاعتماد على أي جهة أخرى، وتقصد مصر تحديدًا، وبالذات في ما يتعلق بمنع عمليات تهريب أسلحة إلى القطاع عبر الأنفاق المحفورة تحت محور فيلادلفي، والذي بات على ما يبدو الهدف الأبعد للعدوان، وتؤكد أن "في إمكان إسرائيل أن تعتمد على جيشها فقط" في هذا الشأن.
لكـن على صلة بموضوع العلاقة الطردية بين استمرار العدوان على غزة وعدم تململ الرأي العام الإسرائيلي جراء ذلك وهيمنة الإجماع شبه المطلق على مواقفه، لا بُدّ من ملاحظة ما يلي:
- عمدت إسرائيل إلى فرض تعتيم إعلامي صارم على مجريات العدوان، من أجل تحقيق هدف مركزي يتمثل في استمرار التأييد الشعبي الإسرائيلي له، إلى حين اتخاذ قرار بوقفه. وقد ظلت الاحتجاجات الشعبية عليه منحصرة بالفلسطينيين في الداخل وبقوى يهودية قليلة تنضوي تحت تيار اليسار الراديكالي، المحدود التأثير أصلاً. في حين أن أداء حركة "السلام الآن" الإسرائيلية المناهضة للاحتلال والاستيطان بقي قاصرًا، على غرار أدائها في أثناء حرب لبنان الثانية في 2006، إذ أنها لم تخرج عن صمتها وتأييدها غير المباشر للعدوان إلا يوم 10 كانون الثاني 2009، بواسطة المبادرة إلى تظاهرة أقيمت في تل أبيب
 تحت شعار "التحذير من الغوص في المستنقع الغزي". 
ويبدو أن هذه الحركة، التي سبق أن كانت وراء إخراج مئات الآلاف إلى التظاهرة التاريخية في "ميدان ملوك إسرائيل" في تل أبيب في 1982، احتجاجا على مجزرة صبرا وشاتيلا، لم تكن رسمية وممأسسة أكثر مما هي عليه في الوقت الحالي خلال فترة حكومة أولمرت. وتكـاد أجندتها السياسية أن تكون جزءًا من الإجماع. وربمـا يحيل هذا الأداء إلى الجوهر الحقيقي لهذه الحركة، التي انهمكت أساسًا ولا تزال في إبراز ثمن الحرب وفوائد السلام فحسب، لا في إشهار الموقف المبدئي المعارض للاحتلال وللسيطرة على شعب آخر.
 يعاني حزبا "العمل" و"ميريتس" من عملية انحسار وأفول (الأول شريك في التحالف الحكومي ويترأسه وزير الدفاع، إيهود باراك، الذي يعتبر "المهندس الرئيسي" للعدوان على غزة، والثاني في المعارضة الخجولة).  وقد كفّ هذان الحزبـان، منذ وقت بعيد، عن كونهما من أحزاب "اليسار" الواضح والجليّ، على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.  فهما يصطفان الآن في المركز السياسي للخريطة الحزبية، مع ميل واضح إلى يمين الوسط. وإذا كان الحزبان في الماضي - البعيد جداً - قد انتميا إلى ما يمكن وصفه بـ "المعسكر الاشتراكي- الديموقراطي المعتدل"، فإن هذا المعسكر، وعقب ضعف هذين الحزبين، بات الآن أقرب إلى الاندثار من الخريطة السياسية في إسرائيل تمامًا.
وفي رأي البروفسور غابي شيفر، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس، فإن التواري التدريجي للاتجاه الاشتراكي -  الديموقراطي في إسرائيل مرتبط أولاً وقبل أي أمر بالتغييرات الجذرية التي طرأت على المفاهيم والمواقف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للحزبين، وبالأخص مواقف زعمائهما الذين تبنّى معظمهم وجهات نظر ومواقف يمينية جداً من الناحية السياسية، ومواقف ليبرالية جديدة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية.  وفي ضوء الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة حاول عدد من رؤساء الحزبين في الواقع تخفيف حدة النزعة الليبرالية الجديدة التي وسمتهم حتى الفترة الأخيرة، لكن توجههم الأساسي لم يشهد أي تغيير.  فمجرد استعدادهم للانخراط في ائتلاف مع حزب "كاديما"، الذي يعتبر حزب وسط يمين واضحا، وتحدثهم على إمكان توحيد حزبي "كاديما" و"العمل" في حال تعرضهما لخسارة ملموسة في الانتخابات المقبلة، إنما يدل على التوجه الايديولوجي، على الأقل لدى حزب "العمل".
 في واقع الأمر تعيد الأجواء الإسرائيلية الراهنة سيرورة توحّد خطاب المركز السياسي في إسرائيل الممثل بحزبي "الليكود" و"العمل"، في أعقاب اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000.
وفي حينه عزا البعض توحّد خطاب المركز السياسي إلى الوصف الإسرائيلي المشوّه لما حدث في قمة "كامب ديفيد"، خلال صيف 2000، ولعملية السلام الإسرائيلية- الفلسطينية برمتها، لا سيما منذ صعود بنيامين نتنياهو إلى سدة الحكم في إسرائيل في سنة 1996. وبموجب هذا الخطاب فإنه بسبب "خيانة" الفلسطينيين لمبدأ السلام لم يبق أمام إسرائيل سوى محاولة حل المشكلة (مشكلة النزاع) عن طريق القوة. وبالروحية البراغماتية نفسها، التي وسمت حزب "مباي" التاريخي، فإنه لم يتم التعبير عن هذا الموقف بشكل مباشر، بل تم التظاهر (الكاذب) بوجود استعداد للانخراط في أي جهد أو مسعى يهدف إلى حل النزاع بالطرق الدبلوماسية، غير أن السياسة الإسرائيلية حرصت على أن تصوّر القوة، من الناحية العملية، باعتبارها الطريق الأفضل لإنهاء النزاع.

What Prospects for a Ceasefire in Libya

 الأحد 19 كانون الثاني 2020 - 7:31 ص

What Prospects for a Ceasefire in Libya https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/nort… تتمة »

عدد الزيارات: 33,560,692

عدد الزوار: 834,972

المتواجدون الآن: 0