فلسطين هي المدخل

تاريخ الإضافة الإثنين 22 كانون الأول 2008 - 3:28 م    عدد الزيارات 221    التعليقات 0

        

كلوفيس مقصود

مع نهاية سنة 2008، يميل البعض الى مراجعة الاحداث ومحاولة التكهن بما قد يحصل. لكن الاحداث تتسارع في شكل مذهل، بما يعطل الى حد كبير القدرة على الاستيعاب والتحليل.
ثم عندما تكون هناك قضية مصيرية بالنسبة الى العرب كفلسطين معقدة ومربكة، كما هي الآن، اضافة الى طبيعة "المعالجة" التي تتبعها في هذا الموضوع المركزي بالنسبة الى مستقبل العرب انفسهم، فان ما نشاهده من تفكك وتبعثر في المواقف العربية وضآلة الجدية وتدني الوعي المطلوب لحقائق ما ينطوي عليه التحدي الاسرائيلي لكل الاقطار العربية، لا لمصائرهم فحسب بل لكرامتهم وما تنطوي عليه الكرامة من حقوق، يمكننا الجزم بأن حال الأمة ليس على ما يرام، وحال الشعب الفلسطيني يدعونا الى التحريض الحاسم تسهيلا لاستقامة ثقافة المقاومة واستعادة الوحدة الوطنية، والتحريض على استرجاع وعي الامة لاسترجاع بوصلتها ووعي الاقطار العربية ان صناعة مستقبلها رهن باتخاذ الخطوة الاولى نحو التنسيق الملزم في مواقفها.


• • •

ان ما يدفعني الى هذا الاستنتاج هو ما يحدث في الوطن العربي الكبير خصوصاً لجهة تعامله مع القضية الفلسطينية، وهذا ما يجب ان يدفعنا جميعاً الى مصارحة مع انفسنا حتى لا نبقى في حالة ادمان التزوير والاقتراب من اليأس او الانفجارات العبثية التي كادت تستنزف ثرواتنا البشرية ونضالاتنا وحقوقنا القومية والانسانية. لقد اصبح هذا الوصف للحالة العربية يجتر نفسه، وكأن التذكير به دون صياغة ناجعة للخروج من الحالة السائدة والمحبطة بات دافعاً لليأس والاستقالة من الأمل.


• • •

لنبدأ مما نحن عليه الآن، فقبل يومين اعلنت المقاومة في قطاع غزة نهاية اتفاق "التهدئة". ماذا تعني "التهدئة" التي تقرر أن تنتهي؟ اي تهدئة كانت موجودة؟ هل تخلت اسرائيل عن إحكام حصارها على قطاع غزة منذ نجاح حماس في الانتخابات التي شجعت الولايات المتحدة عليها تسويقاً "لديموقراطية" جاءت نتائجها مغايرة لتوقعاتها، فما كان من ادارة بوش الا ان دفعت التحريض بدورها على عزل "حماس" وتشجيع اسرائيل على إحكام حصارها حتى يؤدي هذا الحصار الى التمرد على شرعية النتائج وعلى الترخيص لاسرائيل حتى تقوم بالاجراءات التي أمعنت في ترسيخ الحصار وسجن اعضاء المجلس التشريعي، وغيرها من الاغتيالات التي قامت بها؟ صحيح ان ممارسة "سلطة" ادارية مع الالقاب السيادية التي تتلبس بها، أدت الى جعل المقاومة في الاراضي المحتلة ملتبسة، ضعيفة الاداء، متقطعة في انجازاتها وأحياناً غامضة في أهدافها، وبعض أجزائها محصورة فاعليته في قسم من فلسطين المحتلة، تعبيراً عن تناقض في استراتيجية كيفية "مقاومة" الاحتلال. وصار التصرف العام يوحي أن هناك "فلسطينين"، واحدة محصورة بـ"غزة" والاخرى بـ"الضفة"، واحدة تقاوم بـ"التفاوض" والثانية تقاوم وتحكم في الوقت نفسه. واذا كانت منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني فإن غياب فئة مهمة من هذا الشعب أدى الى التشكيك في شرعيتها، مما أفضى الى انقسام في مستوى اعتراف الحكومات العربية بها. وهذا بدوره أدى الى فقدان امكان نجاح "السلطة الوطنية" في محادثاتها المسماة خطأ "مفاوضات"، وبدوره أدى الى تغييب مستوى الاحتضان العربي الذي يبقي لمقاومة الاحتلال ضرورتها ونجاعة استراتيجيتها.


•••

كان قرار مجلس الأمن الذي شرعن اتفاق أنابوليس أحد افرازات الانفصام القائم عربياً وفلسطينياً، مما يضاعف صعوبة ايجاد حل عادل للمصير الفلسطيني، لكون هذا القرار جعل أنابوليس "مرجعية مقبولة" لخريطة طريق لا نعرف - وقد لا نعرف - الى ماذا ستؤول.
أما الادعاء أن هذا القرار كما يسوق بعض المسؤولين العرب، ارجع القضية الفلسطينية الى اطار مجلس الأمن، فإما هو دليل جهل - وهذا مستبعد - وأما تجاهل لحقيقة أسباب دفعه اميركياً للتبني، لكونه ارثاً للرئيس بوش عجز عن تحقيقه، فتم تعويض العجز "بتعجيز" مجلس الأمن ان يستمر في صيرورة فلسطين دولة مستقلة على الجزء المحتل من فلسطين التاريخية. أما المضحك المبكي في هذه المسرحية فكان في الحملة الاعلامية التي تمثلت في الاعلانات التي وضعت في الصحف الاسرائيلية، التي نشرت المبادرة العربية "لاقناع" الرأي العام الاسرائيلي بقبولها. ولست أدري من هي الجهة التي اعتقدت ان هذه "الصرعة" من شأنها أن تؤدي الى فشل كل المحادثات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية منذ اتفاقات أوسلو الى الآن. هذه "العبقرية الاعلامية" التي تمادت في التذاكي، ترجمت المبادرة الى العبرية ونشرت لافتات اعلانية كبيرة في الشوارع والاماكن العامة، ولكن مع اسقاط حق العودة للاجئين، مع أن البند ذكر في الصحف كما أورد مراسل جريدة "القدس" زهير اندراوس. لكن هل هذا معقول، او مقبول؟ صحيح ان القمة جعلت المبادرة وبنودها صيغة نهائية للحل، بينما قبلت ادارة بوش واسرائيل ذكرها كإحدى "الوثائق" للحد الادنى المقبول عربياً. تصوروا لو ان اسرائيل لجأت الى مثل هذه الاعلانات او اللافتات في فلسطين المحتلة او في دول عربية، حتى المطبِّعة منها. ومع شدة اعتراضنا على نمط تعامل السلطة الفلسطينية في "المفاوضات" والتراخي في تأكيد الثوابت القومية في القضية الفلسطينية، لا نصدق انها وصلت الى هذا المستوى من التذاكي بعد تجاربها المرة مع الوفود الاميركية والصفاقة الاسرائيلية الممعنة في الاستيطان والتهديد والقتل والتهويد وحصار غزة.


***

ان القمة العربية المنوي عقدها في اذار 2009 عليها ان تقوم بمراجعة جذرية لسياساتها خصوصاً في ما يتعلق بالقضية المركزية فلسطين، وتأخذ في الاعتبار اسباب التعثر في ايجاد الحد الأدنى لحقوق الشعب الفلسطيني ومواجهة الاسباب لمعالجتها مباشرة، خصوصاً ان الادارة الاميركية الجديدة، وان بقيت متحيزة لاسرائيل فلن تكون بالضرورة متبنية اهدافها وتجاوزاتها الفاقعة للشرعية الدولية، لان الكثير من قواعدها الشعبية والانتخابية منفتحة على الحوار، شرط ان يكون الخطاب العربي تعبيراً عن ارادة عربية جامعة. كما على القمة ان تستعيد صدقية التزاماتها المعلنة، وان يترافق هذا مع حملة ديبلوماسية واعلامية لوقف المماطلة والتسويف بغرض تعطيل حق فلسطين في دولة سيدة وحقوق الانسان لشعب فلسطين.
يبقى امام القمة العربية فرصة لمزيد من التعرف الى فيض الجماهير الذي اختزلته نتالي ابو شقرا الناشطة اللبنانية التي قررت البقاء في غزة، ليس مجرد تضامن مع اهلها في عذاباتهم، بل تعبير عن شعور بالمسؤولية القومية والانسانية والتي اذا اتيحت لها فرصة للمساهمة فإن في استطاعتها تمكين قرارات القمة من الانتقال الى حيز الفعل.
وهكذا يتاح للعرب استرجاع البوصلة، ويتاح للجماهير عودة الانتماء والعمل لحل عادل لفلسطين المعذبة، ومن خلال هذا الحل وضع الاسس لنهضة عربية لا تزال ضمن الممكن. هذا ما ينطوي عليه اعترافنا بمركزية فلسطين في الهم العربي والوجدان القومي. وكما بدت في غزة المعذبة ملامح الوعي الانساني النامي لضرورة تحرير فلسطين وحاجة العالم الى استعادة العرب وحدتهم ليساهموا في اثراء الثقافة العالمية، فان فلسطين هي المدخل وهي القياس.


 

New Perspectives on Shared Security: NATO’s Next 70 Years

 الجمعة 6 كانون الأول 2019 - 7:13 ص

New Perspectives on Shared Security: NATO’s Next 70 Years https://carnegieeurope.eu/2019/11/28/ne… تتمة »

عدد الزيارات: 31,752,379

عدد الزوار: 778,152

المتواجدون الآن: 0