عادت فلسطين قضية عربية ... وحـربـاً أهـلـيـة

تاريخ الإضافة السبت 20 كانون الأول 2008 - 2:12 م    التعليقات 0

        

الفضل شلق

قبل خمسة عشر عاماً وقّع الفلسطينيون اتفاق أوسلو بهدف إقامة شبه دولة. وقعوا في البيت الأبيض بينما الأنظمة العربية تراقب عن بعد، هذا إذا راقبت.
قبل ذلك بعقود من السنين أُعلنت فلسطين جوهر القضية العربية. مع قيام منظمة التحرير الفلسطينية، بقيادة ياسر عرفات، أعلنت قضية فلسطين فلسطينية عن طريق القرار الوطني الفلسطيني المستقل. فرحت الأنظمة العربية بذلك إذ ما عاد يتوجب عليها سوى الدعم عن بعد.
عندما جُرِّدت الأنظمة العربية من قضية فلسطين، لم يبق لديها قضية. القضية الوحيدة التي تعترف بها الأنظمة العربية هي قمع شعوبها في سبيل الحفاظ على السلطة. أما قضية العرب الكبرى في التوحد والتنمية وبناء الدولة، فهذه أمور تمتنع عليها أو تُمنع منها، والأمران وجهان لعملة واحدة. رفضت الأنظمة العربية الاعتراف بمشاعر جمهورها، أكدت على نفسها بمواجهة شعوبها وبالتحالف مع دول وهيئات خارجية. ترسخت التجزئة العربية، وفقدت الأنظمة شرعيتها وأصيبت بالعجز.
لكن هناك مبادرة عربية أطلقتها المملكة العربية السعودية وتبنّتها قمة بيروت في العام .٢٠٠٢ تلاها في اليوم التالي لاختتام القمة غزو إسرائيلي دموي في فلسطين. ثم تتالت الأحداث في المنطقة العربية، من غزو العراق وتفكيكه في العام ،٢٠٠٣ إلى تهيئة دول عربية أخرى للتفكيك (ومنها السودان، وغيرها) إلى القرار ١٥٥٩ المتعلق بسوريا في العام ،٢٠٠٤ إلى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام ،٢٠٠٥ إلى الانسحاب السوري من لبنان في ذلك العام، إلى حرب تموز في العام ،٢٠٠٦ إلى الحرب الأهلية بين فتح وحماس في فلسطين في العام ،٢٠٠٧ الخ...
وهناك مفاوضات سورية إسرائيلية عبر الوسيط التركي، بمباركة أوروبية، ومراقبة أميركية عن بعد. لا ننسى عقد مؤتمر أنابوليس، واللجنة الرباعية، وخارطة الطريق، بما في ذلك الزيارات المتتالية للمسؤولين الأميركيين، وغير الأميركيين؛ ولا تكاد تغيب عن البال صورة وزيرة الخارجية الأميركية حتى تعود بزيارة أخرى إلى المنطقة بأناقتها المعهودة.
بالأمس تحديداً أوردت الصحف نبأً من مجلس الأمن مفاده »أخذ العلم بأهمية المبادرة العربية للسلام« وذلك بناء على اقتراح أميركي. الأحداث المفردة، دون سياق، تبدو بريئة؛ لكن سياق الأحداث يدفع إلى الشك في براءة الحدث.
لا يمكننا الاقتناع، بعد مرور ٦ سنوات على المبادرة، من دون الاعتراف بها من قبل المجموعة الدولية، إلا بأن هذا الاعتراف جاء بناء على ما تبع المبادرة من أحداث لا على ما جاء في المبادرة ذاتها. لا يمكننا الاقتناع ببراءة المجموعة الدولية من الاتهام بأنها لم توافق على المبادرة العربية إلا بعد التأكد من حصول الحرب الأهلية العربية العربية؛ على الأقل مواجهة عربية بين الأنظمة حتى الموت. نرى المواجهة العربية على أرض لبنان؛ لكن لبنان خلق وأوجد لمن يرى، ولما يمكن رؤيته؛ أما الحقيقي الواقعي الذي لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، وبالحس المباشر، فهو يحدث خارج لبنان. دور لبنان محدد ومحدود بالمرئي والمسموع.
نعرف أن مهمة الأنظمة العربية (الأنظمة السياسية عامة)، في غياب فكرة الدولة وفي غياب الاعتقاد بالتسوية واحترام الجمهور، ليست سوى الصراع على السلطة، أي الحرب الأهلية. ونعرف أيضاً أن مهمة الأنظمة العربية في عملية السلام، ليست المشاركة في قرارات السلام أو الحرب، بل هي أيضاً مهمة الحرب الأهلية. نفهم أن المقصود بعملية السلام (عملية السلام شيء، والسلام شيء آخر) ليس إلا الحرب الأهلية العربية ـ العربية، الحرب الأهلية بين العرب، في حين أن إسرائيل الأميركية أو أميركا الإسرائيلية تتخذ القرارات. جعلوا من عملية السلام حرباً أهلية عربية وتسلطاً إسرائيليا.
هل هي صدفة أن المجموعة الدولية (International Community) لا تعترف بالمبادرة العربية إلا بعد ٦ سنوات وبعد التأكد من حصول الحرب الأهلية العربية، وقبل التأكد من المواجهة النهائية بين نظامي الممانعة؛ بين نظام أسس ممانعته على أساس إيديولوجي إسلامي ونظام آخر أسس ممانعته على أساس قومي عربي. تتواجه العروبة والإسلام، ويحطم أحدهما الآخر، وتبقى إسرائيل هي التي تقرر مصير المنطقة. منطقة ممزقة مركزها إسرائيل؛ حروب أهلية محلية وعربية، واحتلالات وقواعد أميركية، ووعي مشتت مهزوم.
يعيش الآن بين البحر والنهر في فلسطين عشرة ملايين إنسان، مناصفة بين اليهود والعرب؛ يزيد اليهود على العرب قليلاً، لكن اتجاهات تزايد السكان تشير إلى أن هذه الغلبة العددية لن تستمر طويلاً. وقد صرّح أولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي، وهو في طريقه إلى الخروج، أن على إسرائيل أن تعترف بالوقائع وترسم حدودها. يعرف هؤلاء في إسرائيل، انطلاقاً من موقف صهيوني متشدّد، كما يعرف كارتر انطلاقاً من موقف رافض للتمييز، الذي أدرك بعد ثلاثين عاماً على كامب دايفيد، أن استمرار نظام التمييز العنصري، الابارتايد، صار شبه مستحيل. فهل يأتي اعتراف المجموعة الدولية بالمبادرة العربية حلاً لمشكلة إسرائيل، أو اعترافاً بالحقوق العربية؟ نعرف أن الحقوق العربية ليست القصد والهدف، لسبب بسيط جداً هو أن العرب أنفسهم غير معترف بهم. لا تعترف الشرعية الدولية وإسرائيل بالعرب كجماعة وأمة، لذلك تصر على المفاوضات الثنائية. بالمقابل، يقبل العرب أن لا يُعترف بهم كجماعة ويذهبون إلى المفاوضات فرادى.
وقد أشارت تسيبي ليفني، وزيرة خارجية إسرائيل، ورئيسة الوزراء المكلفة دون أن تتمكن من تأليف الحكومة، قبل أيام، إلى ضرورة الترانسفير، فيما يتعلق بفلسطينيي ،٤٨ إلى مناطق فلسطين الأخرى. يعلن قادة إسرائيل منذ أيام مخططاتهم بالعناوين العريضة. تبدو تصريحاتهم أحياناً وكأنها شيفرة تفصح عن المضمر. فضح هذا المضمر، في بداية العام المؤرخ الإسرائيلي، ايلان بابي، قبل أن يهاجر من إسرائيل، قائلاً إن برنامج إسرائيل الحقيقي لهذا العام هو الترانسفير فيما يتعلق بفلسطينيي الضفة الغربية، والمذبحة الجماعية في غزة.
هناك سعي وراء »حلّ« لقضية فلسطين. يبدو أن الرئيس الأميركي الجديد، أوباما، مهتم بذلك، إذ جمع حوله فريقاً عارفاً بأمور المنطقة ومسارات التفاوض منذ أيام كلينتون وما قبل ذلك. لم يتوقف هذا السعي منذ أن صارت فلسطين قضية، ومنذ أن أجبرت على أن لا تكون وطناً لشعبها.
ربما تتابعت المفاوضات، وربما أسفرت عن نتيجة. ما يقرر نتيجة كل تفاوض هو ميزان القوى بين الأطراف المتفاوضة. وربما فشلت المفاوضات، وهذا الاحتمال ليس ضئيلاً. المتطرفون الإسرائيليون والأميركيون لا يقبلون من العرب والفلسطينيين أي اعتراف، حتى ولو كان أشبه بالاستسلام. يريدونهم خارج أرض فلسطين وحسب.
ما نعرفه بالتأكيد الآن هو أن قضية فلسطين عادت إلى التعريب عن طريق حرب أهلية تشكل آلية تنفيذ لبرنامج إسرائيلي مدعوم أميركياً. وما نعرفه بالتأكيد أيضاً أن على العرب إعادة التفكير بأنفسهم، بوضعهم وبالمواجهة.

Breaking A Renewed Conflict Cycle in Yemen

 الإثنين 27 كانون الثاني 2020 - 7:30 ص

Breaking A Renewed Conflict Cycle in Yemen https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/g… تتمة »

عدد الزيارات: 33,877,186

عدد الزوار: 844,344

المتواجدون الآن: 0