إيران وعون والنموذج اليوناني

تاريخ الإضافة الخميس 18 كانون الأول 2008 - 9:22 ص    التعليقات 0

        

حسان حيدر
مقتل الفتى ذي الخمسة عشر عاما برصاص الشرطة كان بالتأكيد أمراً مثيراً للغضب والاحتجاج، لكن ما شهدته المدن اليونانية، وخصوصا العاصمة أثينا، من أعمال شغب وتحطيم وإحراق، تجاوز بكثير مجرد رد الفعل على الحادث، وتحول الى ما يشبه «انتفاضة» مدنية ضد النظام، ورسالة تفيد بأن انعكاسات الأزمة المالية العالمية التي زادت معاناة اليونانيين ورفعت معدلات فقرهم وبطالتهم، قد تؤدي الى انفلات الاوضاع في اكثر من دولة وأكثر من منطقة، وان ما يحصل في اليونان الاوروبية ليس سوى عينة بسيطة عما قد يحصل في دول العالم النامي، حيث الفقر والقمع، كلاهما، أشد وطأة.
ويعكس وصف الشبان المتشحين بالسواد والمشتبكين مع الشرطة في شوارع اثينا بتعبير «الفوضويين» إما عجز المسؤولين اليونانيين عن فهم الظاهرة، وإما رغبتهم السياسية في عزلها عن اسبابها الفعلية الاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً أن الطبقة الحاكمة نفسها التي جاءت قبل اربع سنوات باسم محاربة الفساد وزيادة رعاية الدولة للأكثر فقراً، متهمة بالفساد والفشل، وغارقة في سلسلة من الفضائح المالية.
وما شاهده العالم على الشاشات يشبه الى حد كبير ما حصل في فرنسا قبل سنتين، عندما ثار شبان الضواحي الباريسية احتجاجاً على عنف الشرطة، لكن انتفاضتهم كانت تعكس رفضاً لحال التهميش التي يعيشون فيها، ومعظمهم من أصول مهاجرة، والتي تجعل منهم عمليا مواطنين من الدرجة الثانية.
ويستحضر ما يجري في اليونان بقوة حالات مشابهة في منطقتنا الشرق أوسطية، ولا سيما ايران، حيث الفارق الحاد بين مداخيل البلاد من ثرواتها الطبيعية (نفط وغاز وسواها) وبين مستوى المعيشة المتدني نتيجة فشل السياسات الاقتصادية للنظام وعجزه عن الوفاء بوعوده بعد ثلاثة عقود من الثورة، بحيث وصل معدل التضخم الى 25 في المئة، وبلغ المعدل الرسمي للبطالة 11 في المئة.
ففي فارس التي يزيد عدد سكانها عن سبعين مليونا، ثلثاهم من الشبان الذين تقل اعمارهم عن ثلاثين عاما، ثمة من يطرح اسئلة من نوع: لماذا هذا الانفاق الكبير في غير محله على المشروع النووي ومشاريع التسلح، وهذا السخاء الزائد على الحلفاء هنا وهناك؟ ولماذا تضع الدولة مشروع ميزانيتها على اساس سعر مرتفع للنفط لتفاجئنا لاحقاً بأنها مضطرة الى التخلي عن الكثير من المشاريع التنموية الضرورية بسبب انخفاض الاسعار في السوق الدولية؟ وإلى متى يستمر الهروب من مواجهة الاستحقاقات الداخلية عبر تصعيد اللهجة ضد «الاعداء الخارجيين» وافتعال المواجهات الكلامية؟ ولماذا رفض كل المبادرات الاوروبية لتخفيف العقوبات الدولية والحملة على الرئيس الاميركي المنتخب اوباما التي بدأت تتبلور في طهران؟
لكن نظام احمدي نجاد لا يجد أجوبة سوى في ما يسميه الرئيس الإيراني «ثقافة الشهادة»، وهو خاطب مواطنيه قبل اشهر بالقول «اذا اردنا بناء بلادنا وصون عظمتها وتسوية مشكلاتها الاقتصادية، فنحن بحاجة لثقافة الشهادة. ان الشعوب الحرة في العالم اليوم، اختارت طريق شهدائنا، وهي طريق العظمة والعزة».
ولعل النائب ميشال عون استفاد من خبرة نجاد الاقتصادية بعدما التقاه في طهران، ذلك انه حاول اقناع الشبان الذين جُمعوا او تجمعوا للاستماع اليه في جامعة دمشق التي زارها قبل ايام عندما سألوه عن الازمة المالية بأن الفقر والضائقة أمران إيجابيان، وقال لهم حرفياً: «المصائب الكبرى تصيب الكبار. طبعاً ستزيد الضائقة عندنا ولكن نقدر ان نتحملها على رغم كل شيء. مداخيلنا قد تنزل الى النصف ولكن من هنا وعينا وتحملنا وقدرتنا على التحمل أكبر. من كان يمشي على رجليه ليذهب الى عمله لن يتغير عليه الوضع كثيراً، اما من يملك ثلاث او اربع سيارات كاديلاك ومرسيدس، فسيصعب عليه تعبئتها بالمحروقات وسيجبر على العمل أكثر»،  فهل يخيّب الشبان أمله؟

New Perspectives on Shared Security: NATO’s Next 70 Years

 الجمعة 6 كانون الأول 2019 - 7:13 ص

New Perspectives on Shared Security: NATO’s Next 70 Years https://carnegieeurope.eu/2019/11/28/ne… تتمة »

عدد الزيارات: 31,616,730

عدد الزوار: 774,346

المتواجدون الآن: 0