خائفة من الطائفة وعليها

تاريخ الإضافة الأربعاء 29 أيلول 2010 - 6:53 ص    التعليقات 0

        

خائفة من الطائفة وعليها
بقلم داليا عبيد

إن أي موضوع متعلق بالطائفة الشيعية التي قدمتُ من بيئتها وانطلقت منها الى علمانية افتخر بها، لا يستطيع إلا أن يدغدغ قلمي لينثر حبره على مساحات الحرية البيضاء المتسعة أمامي. خاصة إذا تعلق الموضوع بماهية دور الشيعة وعلاقتهم بالكيان اللبناني رجوعاً إلى الماضي وتأملاً في الحاضر. حيث أنني الناشئة وسط مثلث يرسم مسار التحول الشيعي، وهو يتمثل في ارتباط عائلتي لأمي بالولاء الأسعدي مع خصوصية علاقة جدي العميقة بكامل الأسعد، بالإضافة إلى نشأتي في أجواء جبهة المقاومة الوطنية التي ميزت أبي وبعض من عائلته وكل أصدقائه الأحياء والشهداء الذين قتلهم العدو الإسرائيلي والميليشيات المهيمنة على الجنوب آنذاك.
أما الحلقة الاخيرة من المثلث، فتتشكل من علاقة جدي (والد أبي) المولود عام 1905 وفق جواز السفر الصادر عن المفوض السامي للجمهورية الفرنسية في بيروت عام 1936، بالثوار العامليين الذي رفضوا الانفصال عن سوريا عام 1920 عندما قررت سلطة الاستعمار الفرنسي استيلاد الكيان اللبناني. جدي مثله مثل رفاقه العامليين كان في بداية الأمر فيصلي الهوى، يعيش على هامش ولادة الدولة اللبنانية ذات الهيمنة المارونية، ناقماً على المماليك الذين طردوا آباء أجداده من منطقة كسروان في جبل لبنان حيث مركز الثقل السياسي والثقافي والاقتصادي. في البداية قاوم جدي تأسيس هذا الكيان ومن ثم رمى أسلحته مع ثوار الوحدة السورية وقرر الانخراط فيه خاصة مع تلاشي حلم الوحدة العربية منذ العام 1936.
هذا الكيان الهجين تحول بالنسبة له صمام أمان يحميه من المد السني الذي يلف المنطقة العربية. فهو الممثل لمجتمع المزارعين المهمٌش والمحروم لم يجد إلا الارتماء في حضن رموز الإقطاعيين الذين انخرطوا في نسج علاقة للشيعة مع الطوائف المجتمعة معهم في هذا الكيان الجديد وفي رسم رؤية للأخير، تبلورت في الميثاق الوطني وفي معركة الاستقلال مما أدى إلى تصالح الشيعة مع مفهوم الدولة الجديدة.
لم يعطِ هذا الحضن المحتكر للتمثيل النيابي الدفء لمجتمع المزارعين ولم يمنع من التصاق صفة التهميش بهم بعد ان مورست عليهم سلطة القوة من قبل تلك العائلات الارستقراطية وعلى رأسها عائلات الزين وعسيران والأسعد. وهذه التي طبعت الحياة السياسية والاجتماعية في الجنوب اللبناني، لم تعمل على تطوير الواقع العلمي المتخلف للطائفة الشيعية. فعملت على حصر الطموح بالرقي العلمي للطائفة بشخص كامل الحفيد الذي أريد له أن يتعلم فقط من اجل خدمة الشعب! وقد تكرس ذلك في مقولة احمد الأسعد الوالد في معرض رده على مطلب إنشاء مدرسة من قبل وفد جنوبي: لماذا المدرسة، أنا اعلم كامل.
هذه العبارة لم تردع جدي عن تعليم أبي وعمي حيث حملا اجازات عدة مثلهما مثل العديد من أبناء جيلهما الذين بهروا بصورة عبد الناصر وحملوا لواء القضية الفلسطينية ضد المشاريع الصهيونية ووقفوا وراء قوى يسارية أعلنت مركزية هذه القضية وساهمت في رسم مسار الحرب الأهلية. فازدادت علاقتها التباساً بالكيان اللبناني الممزق الذي دخلته عواصف المنطقة العربية. بعكس كثيرين كان والدي كيانياً يريد لأولاده الذي ولد أكبرهم (أنا) في العام 1981 وطناً آمناً مستقراً محرراً من العدو الإسرائيلي وخالياً من الميليشيات. هذا الأمل باستقرار لبنان جعلنا ندفع الثمن كأطفال أتيحت لهم الفرصة للهجرة الى كندا، فرصة وأدها أبي لسعيه وراء تحرير الأرض وتضحيته من اجل إعادة الاعتبار للحدود اللبنانية التي أعلنها الجنرال غورو. هذه الكيانية لم تدفع أبي المعتز بالحضور الشيعي المتنوع داخل الأحزاب القومية واليسارية للانضمام إلى مشروع موسى الصدر الإصلاحي الذي كان له الفضل في تنظيم الوجود السياسي والاجتماعي للطائفة الشيعية المشرذمة وتحويله مؤسسة عبر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وتأسيسه حركة المحرومين. إلا أن أبي المعارض لمنطق مقولة السلاح زينة الرجال، آمن بالتعاليم التي تركها السيد موسى الصدر قبل اختفائه المشبوه سنة 1978 والسيد محمد مهدي شمس الدين (لاحقاً) قبيل وفاته حول اندماج الشيعة اللبنانيين في وطنهم ونهائية الكيان اللبناني وحول دور الشيعة في بناء الدولة اللبنانية.
ولكنه لم يؤمن بشكل الدولة اللبنانية التي تبلورت عبر إنهاء الحرب الأهلية المشتعلة منذ العام 1975 بتكريس المحاصصة بين الطوائف الكبرى في لبنان وبتلزيم البلد للنظام السوري. لتُعَنون مرحلة ما بعد الطائف، هذا الاتفاق الذي لم يوقع عليه "حزب الله" الثوري، بمرحلة الترويكا حيث سطع نجم رئيس مجلس النواب نبيه بري المتربع على عرش المجلس حتى يومنا هذا. وقد سنحت الفرصة في هذه المرحلة، للشيعة بالدخول القوي إلى هذا الكيان عبر مؤسسات الدولة، دخولاً اتسم بالفساد والزبائنية، وأدى إلى فرز مؤسسات كاملة باسم "حركة أمل" مثل مجلس الجنوب والذي لقبه بعض الجنوبيين المتضررين من قصف الاحتلال الإسرائيلي المتمركز على خطوط التماس في الجنوب بمجلس "الجيوب" بسبب بقائه فوق كل محاسبة ومساءلة.
لم تستفد عائلتي إلا قليلاً من خدمات هذا المجلس حيث أن دوره ارتكز بشكل رئيسي على تعويض المتضررين من القصف الإسرائيلي المستمر على بلدات التماس مثل بلدتي، بالرغم من أن منزلنا تعرض للقصف 7 مرات بين عام 1985 وعام 2000 موعد انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب اللبناني المضرج بدماء طائفة لم تُستَشَر لتأسيس الكيان اللبناني عام 1920.
في العام 2000، أعادت هذه الطائفة ضم الأرض المحتلة إلى جغرافية الوطن على أيدي مقاومي "حزب الله" الذي لم يحصل، بعد الطائف، على امتيازات رئيس البرلمان وحركته. فاحتكر المقاومة بعد أن فقد الجنوب اللبناني الحضور السياسي لمن حرر الجزء الأكبر من سائر الوطن، حضور اليسار اللبناني الذي تعرض مثقفوه وأعضاؤه للتهديد والقتل.
انطلاقا من بوابة الجنوب، عمل "حزب الله" بجد في تنمية وتحديد معالم دولته وإضعاف مواقع مناصري حركة أمل الغارقة في الفساد ورسم مسار تدريجي جديد للشيعة في لبنان، جعل أمثالي يغرقون في غربة داخل "الكانتون" الشيعي ويتنفسون الصعداء خارج هذه الحدود بعد تغير جذري في السوسيولوجيا الشيعية. اشتدت غربتي مع الوقت بعد أن بدأت أقارن نظام الدويلة بنظام الحزب الواحد حيث تمارس سياسة الاستفراد والقمع والإرهاب الفكري والسياسي.
بعد اندحار الاحتلال الإسرائيلي، لم يثمّر "حزب الله" انجازاته في مشروع الدولة وتحول المقاوم للعدو الإسرائيلي مقاوماً لقيامة الدولة اللبنانية. وقد أخذ هذا المنحى أشكالا خطيرة غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتحقيق الاستقلال الثاني وبالأحرى الثالث باعتبار انه يأتي بعد حدث تحرير الجنوب.
لم يدخل الشيعة ربيع بيروت من أبوابه المختلفة بل أراد "حزب الله" للشيعة، طائفة الاكتفاء الذاتي، أن يرسموا خريف الدولة اللبنانية ويبتروا الاستقلال اللبناني الناقص بغياب إحدى اكبر الطوائف اللبنانية. وقد أراد "حزب الله" ان يزيد اليباس يباساً عبر حشد الجمهور الشيعي ومن ضمنه حركة أمل في تظاهرة 8 آذار 2005، تظاهرة تأكيد الولاء وتقديم الطاعة للنظام السوري. فوضع الطائفة الشيعية، طائفة "اشرف الناس واطهرهم" في موقع سياسي يواجهون من خلاله الطوائف المستنفرة في حشد يضم أكثر من نصف اللبنانيين.
منذ عام 2005، وبعد انكفاء الحامي السوري يحاول "حزب الله" إحكام قبضته على ما تبقى من مؤسسات الدولة وتقويض كل احتمالات قيامتها.
فهو ويا للأسف لم يتوانَ عن مصادرة قرار الحرب والسلم وعن تنفيذ المشاريع الاعمارية التي تلي حروبه مع العدو الصهيوني، وعن صنع الانتصارات على الحدود مع إسرائيل عام 2006 وصنع الانتصارات على الدولة اللبنانية عبر استخدام سلطته من داخل هذه الشرعية، سلطة وزرائه والتابعين له المعتكفين في وجه مشروع المحكمة الدولية المختلطة وسلطة تشريعية عبر رئاسة تمادت بإقفال مجلس النواب وتعطيل المؤسسات وخرق الدستور بشكل فاضح خاصة في ما يتعلق بانتخابات رئاسة الجمهورية اللبنانية (وللتاريخ فقط شتان ما بين هذه الموقف وموقف رئيس مجلس النواب عادل عسيران خلال أحداث عام 1958 حيث احترم الدستور اللبناني ورفض خرقه والعمل ضد ثوابت الكيان اللبناني).
منذ عام 2005، لم يتوانَ "حزب الله" المعلن بجرأة بأنه حزب ولاية الفقيه في لبنان، عن محاصرة القوى الأمنية والجيش اللبناني في معارك الشوارع المتخفية تحت عباءة مطلبية سوداء. وذهب بعيداً ليوجه بندقيته ضد المختلفين عنه في مناطق تسلطه وهيمنته، ويهدد بقطع اليد التي سوف تمتد إلى ترسانته العسكرية الإقليمية، ويهول بالتفوق العددي للطائفة الشيعية ويتوعد بالقضاء عل الصيغة اللبنانية الحالية، ويعمد الى نسف محاولات الحوار حول سلاحه الذي انتصر به على مقررات الحكومة اللبنانية في 7 ايار 2008، ويتهجم على المحكمة الدولية، ويطمح للعب دور المحقق والقاضي وساعي البريد في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري وكل الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن استقلال لبنان.
أمام كل هذه المعطيات، أقف مستنفرة، حائرة وخائفة من الطائفة الشيعية وعليها، أنظر بخوف الى مبالغة "حزب الله" في انفعالاته وتصاعد هذه المشاعر عمودياً في ما يتعلق بقضية المحكمة الدولية المتفاعلة مؤخراً، اتأمل في اسئلة اطرحها على نفسي منذ البداية: في مصير غالبية الشيعة الموالين لـ"حزب الله" واقلية الشيعة المعارضين له؟ في المسار الذي يقود به "حزب الله" الطائفة الشيعية؟
فهل يا ترى نعود الى مسارات دامية في مواجهة طائفة كبرى مجروحة تسعى لمعرفة الحقيقة وللوصول إلى العدالة؟ مسارات قد تؤدي إلى تفتيت الكيان اللبناني عوض بنائه عبر إرساء قواعد ديمقراطية وسلمية تضمن حل الخلافات بين اللبنانيين؟


 


( باحثة مقيمة في فرنسا)   

The Beirut Blast: An Accident in Name Only

 الثلاثاء 11 آب 2020 - 10:29 ص

The Beirut Blast: An Accident in Name Only https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/e… تتمة »

عدد الزيارات: 43,469,665

عدد الزوار: 1,252,985

المتواجدون الآن: 34