الحكومة لن تنزع الشرعية عن المحكمة

تاريخ الإضافة الجمعة 24 أيلول 2010 - 6:04 ص    التعليقات 0

        

من حقيبة النهار الديبلوماسية
  الحكومة لن تنزع الشرعية عن المحكمة
تفجير الأوضاع يضرب التفاهم السعودي - السوري

"خطورة المعركة البالغة القسوة والحدة التي يشهدها لبنان وتشكل تهديداً للسلم الأهلي للدولة ومؤسساتها وأركانها قد تصل الى حد إسقاط الحكومة ونشر الفوضى، ناتجة من ثلاثة عوامل أساسية هي: أولا انها معركة أكبر من لبنان ولن تتوقف بقرار لبناني وهدفها الأساسي، وهو إلغاء المحكمة الخاصة بلبنان المكلفة النظر في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية أخرى ومنع صدور القرار الظني، غير قابل للتحقيق، إذ أن المجتمع الدولي ممثلاً بمجلس الأمن والدول البارزة والمؤثرة يرفض أخذ هذا البلد وأبنائه رهائن لمنع تحقيق العدالة ويرفض كذلك الإستسلام لخصوم المحكمة. ولذلك ستواصل المحكمة في رعاية مجلس الأمن والدول الكبرى مهمتها من أجل كشف حقائق جريمة إغتيال الحريري ورفاقه وجرائم أخرى وهو هدف كبير في حد ذاته ستكون له إنعكاساته المحلية والإقليمية والدولية، ثم من أجل تحديد الفريق المتورط في هذه الجرائم وتوجيه الإتهام الى أشخاص معينين إستناداً الى أدلة وقرائن ومعلومات صلبة وقاطعة تمهيداً لمحاكمتهم في حضورهم أو غيابياً. ثانياً - إن رئيس الحكومة سعد الحريري بذل أقصى الجهود من أجل تأمين العدالة والإستقرار معاً من منطلق أن التضحية بالعدالة تهدد الإستقرار، لكن خصوم المحكمة يريدون إنتزاع تنازلات أكبر منه، ليس قادراً على تقديمها وتتناقض والمصالح  الحيوية للبنانيين وتطلعاتهم وأمانيهم المشروعة. ثالثاً- إن هذه المعركة تشكل أول إختبار جدي وحقيقي لمدى صلابة التفاهم السعودي – السوري وقدرته على تأمين الحماية للبنان وأمنه وإستقراره وسلمه الأهلي، وتفجير الأوضاع بسبب المحكمة سيعرض هذا التفاهم لهزة قوية وسيعني فشل تجربة المشاركة في الحكم بين الغالبية والأقلية وانهيار المصالحة الوطنية وسيشكل تهديداً للدولة ومؤسساتها وخرقاً لاتفاق الدوحة الذي يحظر إستخدام السلاح والعنف في الصراع السياسي الداخلي".
هذا هو تقويم مصادر ديبلوماسية أوروبية في باريس معنية مباشرة بهذه القضية. وأوضحت المصادر أن التفاهم السعودي - السوري حول لبنان شهد ثلاث محطات رئيسية بعد التأزم الشديد بين البلدين إثر إغتيال الحريري. وهذه المحطات هي الآتية:
أولاً- الملف اللبناني كان عنصراً أساسياً في المصالحة بين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد مطلع 2009 بعد حرب غزة، وقد حصلت السعودية آنذاك، بعدما طلبته، على تعهد من النظام السوري للإمتناع عن القيام بأي عمل يؤدي الى عرقلة أجراء الإنتخابات النيابية في حزيران 2009، بتركها تتم في أجواء طبيعية وهادئة ومن دون تدخلات بحيث يختار اللبنانيون بحرية ممثليهم الشرعيين. وأجريت الإنتخابات في ظل هذا التفاهم وفاز فيها فريق 14 آذار وحلفاؤه من الإستقلاليين بالغالبية النيابية والشعبية خلافاً لتوقعات دمشق وحسابات حلفائها.
ثانياً - بعد إعلان نتائج هذه الإنتخابات تم الإتفاق بين القيادتين السعودية والسورية على ضرورة تعزيز التفاهم اللبناني الداخلي من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة سعد الحريري تحديداً تضم ممثلين للغالبية والأقلية من أجل دعم الإستقرار السياسي والأمني وتعزيز مسيرة البناء الداخلي. وتشكلت حكومة الحريري في تشرين الثاني 2009 بعد استشارات صعبة ومعقدة وجاء بيانها الوزاري بمثابة تعاقد سياسي بين الأفرقاء اللبنانيين لإدارة شؤون البلد في أجواء من التوافق الوطني. وشمل هذا التعاقد التمسك بالمحكمة وتقديم الدعم لها.
ثالثا- إنطلقت بعد تشكيل الحكومة، وفي رعاية السعودية، عملية "تطبيع" العلاقات وتطويرها بين الدولتين اللبنانية والسورية على أساس الإحترام المتبادل لإستقلال كل من البلدين وسيادته ومن أجل تأمين المصالح الحيوية المشروعة للبلدين والشعبين وليس لبلد واحد على حساب الاخر، وبحيث تتم معالجة المشاكل والقضايا العالقة من طريق الحوار والتفاهم بعيداً من منطق الهيمنة والتبعية. وكل ما قام به سعد الحريري مذذاك، بما فيه زياراته لدمشق ومحادثاته الطويلة مع الرئيس الأسد، يدخل في إطار تنفيذ عملية "تطبيع" العلاقات بين الدولتين المستقلتين وتسوية المشاكل العالقة تدريجاً وعلى مراحل بما يضمن مصالح اللبنانيين.

 

حقائق التفاهم السعودي – السوري

وأفادت المصادر الديبلوماسية الأوروبية المطلعة، إستناداً الى المعلومات التي حصلت عليها من بيروت ودمشق والرياض وعواصم أخرى، أن التفاهم السعودي – السوري حول لبنان لن يستمر كما هو بل إنه سيتعرض لإنتكاسة جدية إذا ما أدت المعركة على المحكمة والقرار الظني الى إدخال البلد في دوامة الإقتتال الداخلي الواسع، وذلك للأسباب الآتية:
أولاً- إن التفاهم السعودي - السوري حول لبنان لم يتحقق على أساس معادلة تقضي بوقف عمل المحكمة وبإقناع القاضي بلمار بالتخلي عن إصدار قراره الظني في مقابل الحفاظ على التهدئة الأمنية والسياسية والسلام في لبنان وعلى حكومة وحدة وطنية برئاسة الحريري. إذ ليس ممكناً، أساساً، التفاهم على معادلة كهذه، وفقاً لما يروجه البعض، لأن مصير المحكمة لن تحدده دولة أو مجموعة دول إذ أن المحكمة مؤسسة قضائية دولية أنشأها مجلس الأمن ويحرص على رعاية مهمتها وهي تعمل بشكل مستقل عن المصالح والحسابات السياسية لأي جهة أو فريق. بل إن التفاهم السعودي - السوري نشأ على أساس معادلة أخرى تقضي بتحسين العلاقات بين الرياض ودمشق والعمل من أجل تحقيق المصالحة العربية الواسعة وإقدام القيادة السعودية على تشجيع "تطبيع" وتطوير العلاقات بين لبنان وسوريا، في مقابل إحترام نظام الأسد الواقع اللبناني وإستقلال هذا البلد والمساعدة في تدعيم الأمن والإستقرار فيه ومنع حلفائه من إستخدام السلاح والعنف لمحاولة فرض مطالبهم بالقوة على الأفرقاء الآخرين.
ثانياً - تلقت باريس وواشنطن معلومات من شخصيات لبنانية وعربية بارزة مفادها أن خصوم المحكمة والمنزعجين منها يريدون أن تتخذ حكومة الحريري رسمياً وبمبادرة من رئيسها قراراً تعلن فيه نزع الشرعية عن عمل المحكمة وتؤكد رفضها من الآن فصاعداً التعاون معها ومع أي قرار ظني يصدره القاضي بلمار، وتطلب فيه من الأمين العام للأمم المتحدة ومن مجلس الأمن إتخاذ الإجراءات والخطوات اللازمة لوقف عمل هذه المحكمة ولاقفال ملف جريمة إغتيال الحريري ونقل القضية الى القضاء اللبناني. وترى المصادر الأوروبية المطلعة أنه يستحيل تنفيذ هذا المطلب، أيا يكن مسار الأوضاع في لبنان، لأن المحكمة تتمتع بشرعية لبنانية وعربية ودولية حقيقية ولأن مجلس الأمن سيرفض الإستجابة لأي طلب كهذا في حال تقديمه، ولأن الحريري وحلفاءه وكذلك الرئيس ميشال سليمان ورئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط نفسه سيرفضون هذا الطلب، كما إن القيادة السعودية ترفض دعم طلب كهذا لأنها متمسكة بالمحكمة وبضرورة كشف الحقيقة وتحقيق العدالة ومحاسبة المتورطين في جريمة إغتيال الحريري وفي جرائم أخرى مرتبطة بها إستناداً الى أدلة ومعلومات وقرائن صلبة وقاطعة ووفقاً لأعلى المعايير القانونية وليس إستناداً الى إتهامات سياسية. كما إن السعودية تفصل، مع مجموعة كبيرة من الدول، بين عمل المحكمة ومسار الأوضاع في لبنان. ولذلك لم يكن هذا الطلب جزءاً من التفاهم بين الرياض ودمشق حول لبنان.
ثالثاً- أرادت السعودية من خلال تفاهمها مع سوريا إنهاء المواجهة بين نظام الأسد والقوى الإستقلالية وتحقيق المصالحة بين لبنان وسوريا في إطار تأمين مصالح اللبنانيين المشروعة وتدعيم مقومات الإستقرار والسلم الأهلي. ولم تقصد السعودية إرضاء سوريا على حساب لبنان أو إضعاف الإنجازات والمكاسب التي حققها اللبنانيون، ولذلك فهي ترفض إستغلال تقاربها مع سوريا من أجل تفجير الأوضاع في لبنان، كما ترفض أن يدفع هذا التقارب فريقاً من اللبنانيين الى الإستقواء على الآخرين وإستخدام السلاح والعنف من أجل فرض مطالبه على الأفرقاء الآخرين لأي سبب من الأسباب. وحصول ذلك يشكل إنتهاكاً للتفاهم السعودي – السوري لان دمشق مسؤولة عن تصرفات حلفائها وأعمالهم.

 

خسائر تفجير الأوضاع

رابعاً- رفض السعودية وجهة النظر القائلة أن تحقيق العدالة يهدد الأمن والإستقرار والسلم الأهلي ويؤدي الى تفجير حرب أهلية في لبنان وأن التهدئة الأمنية والسياسية تستمر شرط التخلي عن العدالة ووقف عمل المحكمة. ذلك أن تبني وجهة النظر هذه يعني الإستسلام للعنف والسلاح مما يشكل تهديداً لمصير لبنان وهو ما ترفضه السعودية. كما أن السعودية ترفض أن تتحرك وتعمل خارج إطار الشرعية الدولية وأن تكون في حال مواجهة مع مجلس الأمن والمجتمع الدولي من أجل إرضاء طرف إقليمي أو فريق لبناني، وهي تدرك تماماً أن مجلس الأمن لن يرضخ لمطالب المنزعجين من عمل المحكمة كما أن دولاً كبرى ترفض هذا الخيار، لأن حصول ذلك لن يهدد الأمن والإستقرار في لبنان فحسب، بل يشكل سابقة ذات إنعكاسات سلبية خطرة على الساحتين الإقليمية والدولية. ويدرك المسؤولون السعوديون من خلال إتصالاتهم أن وقف عمل المحكمة أمر مستحيل.
خامساً - السعودية تدرك تماماً، مع دول أخرى معنية بمصير لبنان، أن هذا البلد يقع في دائرة الخطر الشديد وأنه يتحمل مسؤوليات وأعباء أكبر من طاقاته وإمكاناته، سواء نتيجة حسابات جهات إقليمية أو نتيجة الصراع الإيراني – الدولي وإنعكاساته على الأوضاع الداخلية اللبنانية أو نتيجة التهديدات الإسرائيلية المتواصلة بشن حرب عليه بسبب إمتلاك "حزب الله" أسلحة وصواريخ متطورة تشكل تهديداً إستراتيجياً للدولة العبرية وفقاً لما يقوله المسؤولون الإسرائيليون، أو نتيجة تصميم دول بارزة على تفكيك التحالف السوري – الإيراني سواء بالوسائل الديبلوماسية السلمية أو بالضغوط المكثفة وإستخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر. ولذلك فإن إستخدام ملف المحكمة لتفجير صراعات داخلية حادة ولضرب صيغة التوافق الوطني على إدارة شؤون البلد، قد يشجع جهات خارجية على إستغلال الوضع الداخلي المتفجر والمتفكك لضرب لبنان وإلحاق الدمار والخراب فيه من غير أن يؤدي ذلك الى وقف عمل المحكمة أو الى التوقف عن ملاحقة المتورطين في جريمة إغتيال الحريري وفي جرائم أخرى مرتبطة بها، بشكل أو بآخر.
وقال لنا ديبلوماسي أوروبي بارز مطلع على هذا الملف: "يخطىء الذين قد يفكرون في إستخدام العنف والسلاح لمنع تحقيق العدالة ومحاسبة المتورطين في جريمة إغتيال الحريري وفي جرائم أخرى، لأن إقدامهم على هذه المجازفة الكبرى يجعلهم يدخلون في عملية خاسرة وبالغة الخطورة بالنسبة اليهم. وأي تفجير للأوضاع في لبنان بسبب المحكمة والقرار الظني سيجعل المسؤولين عنه في حال صدام مع المجتمع الدولي ومع دول بارزة وسينعكس سلباً على التقارب السعودي – السوري وسيؤدي الى تأزم العلاقات بين نظام الأسد ودول غربية بارزة وسيهدد عملية "تطبيع" العلاقات اللبنانية – السورية، إذ انه ليس ممكناً مواصلة هذه العملية في غياب حكومة وحدة وطنية وفي ظل مواجهة حادة بين حلفاء دمشق الرافضين المحكمة والإستقلاليين وحلفائهم المتمسكين بها. وهذا يعني أن إستخدام القوة والعنف لمواجهة المحكمة وقراراتها سيقضي على المكاسب التي تحققت في الأشهر الاخيرة بين لبنان وسوريا، ولو لم تكن هذه المكاسب في حجم توقعات الغالبية الكبرى من اللبنانيين وآمالها، كما انه يضعف مقومات التقارب السعودي – السوري ويزيد الشكوك الغربية حيال سوريا وسياساتها، ومن غير أن يؤدي ذلك كله الى وقف عمل المحكمة أو الى تغيير الأوضاع في لبنان سياسياً وشعبياً لمصلحة مستخدمي العنف والسلاح". وأضاف: "إن اللهجة القوية والعالية النبرة التي يستخدمها معارضو المحكمة وخصومها ليس معناها أن أصحابها أقوياء فعلاً وقادرون على تأمين مطالبهم وفرض شروطهم على الآخرين. بل أن خصوم المحكمة يلجأون الى التصعيد الكلامي والى الحملات السياسية والإعلامية البالغة الحدة والمرفقة بالتهديدات، لأنهم خائفون من المحكمة وقراراتها وخائفون من مخاطر اللجوء الى الخيار المسلح وخصوصاً حين يفشل هذا الخيار في تحقيق أهدافهم".
 

بقلم عبد الكريم أبو النصر      

لبنان: تقصير في التحقيق المحلّي في انفجار المرفأ

 الخميس 22 تشرين الأول 2020 - 8:07 م

لبنان: تقصير في التحقيق المحلّي في انفجار المرفأ https://www.hrw.org/ar/news/2020/10/22/376795 تتمة »

عدد الزيارات: 47,893,643

عدد الزوار: 1,426,726

المتواجدون الآن: 47