ما بعد التصدي اللبناني المفاجئ لإسرائيل

تاريخ الإضافة الأحد 8 آب 2010 - 6:37 ص    التعليقات 0

        

ما بعد التصدي اللبناني المفاجئ لإسرائيل

شكلت المواجهة التي حصلت الاسبوع الماضي بين الجيش اللبناني والجيش الاسرائيلي مفاجأة مريرة لإسرائيل في نظرتها الى حقيقة الواقع اللبناني، وهي التي كانت ترفض الاقتناع بحقيقة الثقافة الوطنية للجيش اللبناني، واصطدم تقييمها للاوضاع اللبنانية بحقائق راسخة في الوجدان العام مختصرها ان اسرائيل كيان عدائي، وهذا أمر مبتوت على رغم بعض الاختراقات التي تمكنت الأجهزة الأمنية من كشفها.
وكشف تعامل اسرائيل السياسي والاعلامي مع هذا الحدث ان غرور عنصريتها لا يزال طاغياً، وكذلك العنجهية التي استولدتها عدواناتها الماضية التي كانت ترتكبها من دون كلفة، بخاصة ان الولايات المتحدة ضامنة لتفوقها الاستراتيجي على الكل العربي. هذه الخلفية جعلت اسرائيل تتعامل مع الرد الحاسم على عدوانها الاخير في العديسة وجوارها كأنها في حالة انكار تكاد لا تصدق ما حدث. وهذا الانكار يفسر اطلاقها حملة عشوائية تتهم مثلاً "حزب الله" بأنه كان يعرف ان الحادث سيحصل، فارسل مراسلاً لتلفزيون "المنار" الى العديسة حيث استهدف، متجاهلة ان مراسلي "الجزيرة" مثلاً كانوا هناك مع غيرهم، لكن الحقائق على الارض من شأنها تقطيع استمرار تجاهلها الحقائق نتيجة رسوخ شعورها بالاستكبار، واكتشاف اسرائيل لحقائق تعمدت تغييبها يؤول الى هذيان ردود فعلها.
هذا ما يفسر انها فوجئت برد الجيش اللبناني على عدوانها بعدما انذر أفراد جيشها، واصفة قائد الموقع بأنه من "حزب الله" وسألت كيف يجوز للولايات المتحدة المساهمة في تسليح الجيش اللبناني، في حين ان مهماته في نظر اسرائيل لا علاقة لها بحالة العداء مع اسرائيل. وبادرت في تعبئة انصارها الكثر في الكونغرس للتحقيق في موضوع المساعدات الاميركية للجيش اللبناني. ثم عززت صفاقتها بالسؤال عن تحول أجهزة رصد متطورة للأجهزة الامنية الى أجهزة ساهمت في كشف شبكات جواسيس لمصلحتها. أجل ان مجرد استغراب قيام الجيش اللبناني وأجهزة الأمن بمهمات موكولة اليها، وهي مهمات لسلطات تأخذ مسؤولياتها السيادية على محمل الجد، وكرامتها الوطنية بما تنطوي عليه من حماية أمن حدودها يدل اما على جهل مطلق لحقيقة لبنان أو تعميم على تجاهل الحقيقة اللبنانية كإحدى ظواهر الانكار التي ترافق أنظمة قائمة على التمييز العنصري - الأبرتايد - وهي المدمنة ربطها بالاستكبار والتقوقع معاً. وبما ان اسرائيل ترى في لبنان تجربة نقيضة كما هي عليه فهذا يدفعها الى التربص للبنان وخصوصاً لوحدته وعروبته ولانفتاحه ودوره التنويري القائم والمحتمل.
* * *
ان القلق الذي ساد ولا يزال يشكل حالة توتر ومخاوف، خصوصاً ان اسرائيل تتحايل على حقوق الشعب الفلسطيني وتمعن في تمددها الاستيطاني بما يشمل تهويد القدس وتعمل على تعميم سياسات التفكيك والتفتيت حتى تحول دون مناعة المجتمعات العربية مما ادى مع حلفائها المحافظين الجدد الى تخطيطهم لغزو العراق وما يسعون اليه في لبنان. ولكن هذه المخططات اصطدمت بمناعة وطنية في لبنان، فلجأت الى التحريض على المقاومة اللبنانية التي انجزت في انتصار تحرير الجزء الاكبر من جنوب لبنان، ثم استعملت ما تتمتع به من نفوذ ونسب متفاوتة في عدد من الدول الاميركية وبخاصة في الكونغرس الاميركي وتمكنت من خلال انتصارها من ادراج كل مقاومة لبنانية او فلسطينية في خانة "الارهاب". وفي الحُقبة الزمنية الاخيرة وظفت ذلك لتصوير انها الخط الامامي في التصدي لايران "النووية" مما يساهم في تعزيز موقعها في صوغ الاستراتيجية الاميركية في المنطقة لكونها المؤهلة لتقوم بدور اداة التنفيذ، او الحليف في تنفيذ أولويات اميركية مثل الدور الذي ادته مع ادارة بوش في غزو العراق وطرحها نفسها "الحليف الطبيعي" لمحاربة الاسلامويين" مما يجعلها الآن المرشحة لتكون احدى آليات التنفيذ في حال لجأت الولايات المتحدة الى شن عدوان على ايران. ولكن يبدو ان حديث الرئيس اوباما الاربعاء الماضي عن "العقوبات الاقسى" التي اجازها مجلس الامن بدأ يدفع الحكم في ايران الى مراجعة سياسته خصوصاً كما تقول اجهزة المخابرات الاميركية انه حتى لو ارادت ايران انتاج قنبلة ذرية فلن يكون لها ذلك قبل اكثر من عام، وهذا ما دفع الرئيس اوباما الى ان يستعيد رؤياه بترجيح الخيارات الديبلوماسية والانفتاح نحو دور لتركيا والبرازيل وتسهيل سعيهم الى دفع النظام الايراني نحو المفاوضات.
هذا التطور الايجابي نسبياً من شأنه اخراج المنطقة من احتمالات النزاعات والميل نحو مزيد من التهدئة. وهذا هو التوجه الممكن في رأيي لكنه يبقى مرهوناً بالتجاوب الايراني الى حد كبير وبتأثير الاتفاق التركي – البرازيلي (بخاصة التركي) وبالتالي اخراج خيار الحرب من الاحتمالات الواردة على رغم ادمان اسرائيل التحريض وافتعال الازمات ودفع المنطقة الى حافة النزاعات والفتن.
من هذا المنظور يصبح لبنان في منأى الى حد كبير عن نزاع كاد ان يكون وارداً، لكنه يجب ان يدفعنا الى مزيد من التزام جدي للوحدة الوطنية، والحكومة التي تمثلها. وان الخطاب السياسي العام بين كل الاطراف مسؤول عن ابقاء اللبنانيين في حال هدوء وليس على اعصابهم. وهذه مسؤوليات جديدة يجب ان يتحملها النظام القائم، فينشأ كما اشرنا قبلا، مجلس للأمن الوطني من مختلف القطاعات المدنية والعسكرية. والخبراء ليمد السلطة الاجرائية بمعلومات وتحليلات ودراسات للمسؤولين الموكول اليهم صوغ استراتيجيات قابلة للتكيف مع التطورات من جهة وتوفر للحكم كما للشعب خلية انذار مبكر فلا تدهم التطورات صانعي القرار. والى حد ما كان هذا تصوراً لدور "هيئة الحوار"، ولكن اذا كان لا بد من هذه الهيئة فدورها هو رسم السياسات العامة على رغم ان ما قامت به الى اليوم كان تكريساً لحوار متقطع ومرآة لما هو حاصل.
الا ان الاحداث الاخيرة تجعل من الضروري جداً ان يكون التحرك الديبلوماسي عالمياً وخاصة نحو القوى الفاعلة بمعنى المساهمة الناشطة في حملات توضيحية ترد على الافتراءات الاسرائيلية الممهدة لعدوانات قادمة، وان يكون مثلا في عدد من عواصم العالم مستشارون اعلاميون في السفارات قادرون على التحرك ومواجهة الافتراءات التي انتشرت في الاسابيع الاخيرة ولم تلق ردوداً حاسمة، اضافة الى المساهمة بفاعلية في تمكين الاعلام العربي على المستوى الدولي في إبقاء الحقوق اللبنانية كما العربية واضحة، وبالتالي يكون الاعلام اللبناني، كما العربي، قادراً على التنوير والتنفيذ. لكن علينا ادراك ان لا اعلام فاعلا الا بارتباطه العضوي بسياسة واضحة ومتماسكة.
لبنان موكول اليه في هذه المرحلة ان يعزز مناعته، ان يوحد صفوفه ويؤكد ثقافة الانفتاح وان يكون كما هو مذهلا قيما  على ثقافة المواطنة، التي تلغي الطائفية بكل تجلياتها. هذا هو التحدي وهذا هو الدور الذي ينتظر لبنان العربي.
 

كلوفيس مقصود     

New Perspectives on Shared Security: NATO’s Next 70 Years

 الجمعة 6 كانون الأول 2019 - 7:13 ص

New Perspectives on Shared Security: NATO’s Next 70 Years https://carnegieeurope.eu/2019/11/28/ne… تتمة »

عدد الزيارات: 31,751,837

عدد الزوار: 778,136

المتواجدون الآن: 0