العلمانية الفرنسية الأصولية: من تشكيل الدولة إلى تشكيل المجتمع

تاريخ الإضافة الثلاثاء 30 حزيران 2009 - 8:13 ص    عدد الزيارات 5174    القسم دولية

        


في موجة التشدّد – بل الأصولية – العلمانية التي أطلقها الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي في خطابه أوائل الأسبوع المنصرم أمام المؤتمر المشترك لمجلس الشيوخ والنواب الفرنسيين في فرساي... نخسر مرتين:
الخسارة الاولى تقليدية! وهي تعبير رئيس فرنسا مرة اخرى عن موقف سلبي من احد اشكال الحريات الدينية الاسلامية وهي هنا تتعلق بما يسميه ساركوزي "الحجاب الكامل" اي العباءة التي تغطي كامل الجسد والوجه والرأس باستثناء العينين... فيعلن في الجزء المتصل بهذا الموضوع من الخطاب المتعدد الموضوعات ان هذا النوع من الحجاب غير مرحب به في فرنسا معتبرا اياه "مشكلة ضد حرية وكرامة المرأة".
اما الخسارة الثانية في هذا الموقف من "الحجاب الكامل" – وهي اكبر من الاولى – انه يمثل نكسة حقيقية لاتجاه شجاع سبق ان اظهره الرئيس الفرنسي – كرئيس – في خطابين شهيرين الاول في روما والثاني بمناسبة زيارة البابا الى فرنسا خلال النصف الاول من عهده عندما دعا الفرنسيين الى تبني "العلمانية الايجابية" التي لا تقيم علاقة سلبية مع المعتقدات الدينية.
لهذا، فان الانطباع الذي يمكن ان يولد لدى مراقب من خارج فرنسا بعد خطاب فرساي الاخير، هو ان الرئيس ساركوزي تراجع سريعا امام حملة بل حملات الضغط الفكرية والسياسية التي تعرض لها من جراء محاولته السابقة كسر المحرمات التي يعتنقها معظم النخب السياسية والثقافية الفرنسية في رؤيتها للتطبيق العلماني الكلاسيكي: فلقد بدا ساركوزي سابقا انه يحاول متأثرا بالعلمانية الانغلوساكسونية وخصوصا الاميركية ان يفتح "ثغرة" في الافكار الجامدة للمدرسة العلمانية الفرنسية محرضا اياها على الانتقال من مرحلتها السلبية الى "علمانية ايجابية" حيال الدين.
كل هذه الآمال انهارت بعد خطاب فرساي، اذ يبدو ان الرئيس لم يستطع ان يقاوم طويلا الهجوم الهائل الذي تعرض له سابقا فرضخ لهذه العقدة الثقافية في الثقافة السياسية الفرنسية حيال بعض مظاهر التطبيقات الدينية الاسلامية وانطوت مع هذا التراجع صفحة لم تعمر طويلا في محاولة انهاء ما اصبح الطابع الرجعي للعلمانية الفرنسية.
ما الذي دفع ساركوزي الى هذا الرضوخ الذي يأخذ شكلا تصعيديا ضد الحجاب الاسلامي في بلد لا ترتدي فيه سوى قلة محدودة من نسائه المسلمات هذا النوع من الحجاب، اي فرنسا ذات الخمسة ملايين مسلم ولربما اكثر؟ لاسيما في ظل مفارقة مهمة في الشكل وفي المضمون هي ان موقف ساركوزي يأتي بعد وقت قليل من خطاب الرئيس الاميركي باراك اوباما في جامعة القاهرة والذي – كسياسي ومثقف اميركي – تبنى فيه الموقف الطبيعي للعلمانية الاميركية التي تعتبر الحريات الدينية اساسا في تكوين الحريات المدنية والسياسية.
لن ندخل في هذه العجالة في سجال سبق ان استهلك على ضفتي المؤيدين والمعارضين عندما اقر البرلمان الفرنسي قانون منع المظاهر الدينية في المدارس الرسمية قبل سنوات قليلة (2004) وعنى ذلك يومها رغم طابعه الاوسع شكليا منع الحجاب على رؤوس الطالبات المسلمات، لكن لا شك ان ساركوزي يواجه ضغوطا شاملة وعميقة التأثير من "الاستابلشمنت" الفرنسي، ولربما بينها الحجة الامنية! لكي يكون قد اتخذ هذا الموقف. إنه الموقف الذي انهى عمليا اية امكانية مراجعة نقدية جوهرية للافكار الراسخة من العلمانية الفرنسية، العلمانية التي تحولت الى "دين" او على الاقل الى اصولية، حين يتعلق الامر، كما في خطاب ساركوزي الاخير، بالتدخل في شؤون المجتمع  واعادة هندسته، وليس في وضع الحدود بين "الدين والدولة"... كما يستطيع ان يدعي – على الاقل – مؤيدو قانون منع المظاهر الدينية في المدارس الرسمية. ومثلما كتب لويس اوريا في صحيفة "لافانغارديا" الاسبانية نستطيع ان نضم صوتنا اليه في وجه ساركوزي: "لماذ لم يشمل موقف ساركوزي "فولار" الرأس الذي ترتديه المتدينات الكاثوليكيات، او ماذا عن لباس اليهود الارثوذكس وهل سنمنع القبعات النسائية ذات الاطراف الواسعة او الثياب السوداء، او الكيبا اليهودية؟".
باختصار لقد انتقل الرئيس الفرنسي في "عدم ترحيبه" العنيف بـ"الحجاب الكامل" من علمانية تنظيم الدولة ومنع المؤسسات الدينية من التدخل فيها، تبعا لارث فصل الدولة عن الكنيسة، الى علمانية اصولية تتدخل في تشكيل صورة الشارع – المجتمع كما تفعل الاصوليات الاسلامية على انواعها: من التقليد السعودي، الى النظام الديني الايراني... الى المدرسة الاقصى (والاقسى) مع "طالبان"...
وهذه النقطة الاخيرة تنقلنا الى الضفة الاخرى التي لا يستقيم (واشدد على كلمة يستقيم) الحديث بدونها.
بعد خطاب ساركوزي، واكثر من اي وقت آخر يمكن اختصار السجال كونيا حول الحجاب الاسلامي، كاملا او غير كامل، اي حجاب الرأس او حجاب كل الجسد... على السواء، الى مستويين متلازمين غير منفصلين:
في العالم الغربي (وتركيا) يمكن تحديد القضية الاساسية على هذا الصعيد بانها: حق ارتداء الحجاب.
في العالم الاسلامي، وخصوصا في السعودية وايران يمكن تحديد القضية الاسلامية على هذا الصعيد بأنها: حق عدم ارتداء الحجاب...
لا نستطيع ان ننتقد موقف ساركوزي مدافعين عن حق ارتداء الحجاب في شوارع باريس بدون التوجه الى العالم المسلم دفاعا عن حق عدم ارتداء الحجاب في شوارع الرياض وطهران...
 


المصدر: جريدة النهار

آمال كبيرة: مستقبل الإنفراج الإيراني–السعودي...

 الثلاثاء 18 حزيران 2024 - 8:17 ص

آمال كبيرة: مستقبل الإنفراج الإيراني–السعودي... مجموعات الازمات الدولية..طهران/ الرياض/واشنطن/برو… تتمة »

عدد الزيارات: 161,721,739

عدد الزوار: 7,210,519

المتواجدون الآن: 85