للعام الثالث على التوالي تَسلَم حقول الحشيشة من التلف فتُغرق السوق ببضاعة رخيصة

تاريخ الإضافة الثلاثاء 26 آب 2008 - 8:42 ص    عدد الزيارات 1791    التعليقات 0

        

في بداية آب من كل عام، تبدأ الدولة اللبنانية بإتلاف حقول مزروعة بالقنب الهندي (حشيشة الكيف) في مناطق البقاع والشمال، فتتولى وحدات من الشرطة القضائية والدرك والقوى السيارة في قوى الأمن الداخلي، بمؤازرة الجيش اللبناني، العمل هذا. وتستبق "الدولة" هذا الإجراء عادة بدعوة المزارعين إلى إتلاف حقولهم بأنفسهم تفاديًا لإحالتهم على القضاء المختص، وإجراء التحقيقات معهم في حال وصول قواتها إلى حقولهم. فيما يستبق المزارعون هذا الإجراء، بتصريحات يدلون بها إلى وسائل الإعلام، ونداءات يوجهونها إلى المسؤولين، ودعوات لكلّ من يسمع، إلى تأمين زراعات بديلة عن حشيشة الكيف، قادرة على الإيفاء بحاجاتهم المعيشية، مطالبين برعاية الدولة لانتقالهم إلى هذه الزراعات.  
لكنّ المزارعين، استخدموا تكتيكاً جديداً، العام الماضي. فهددوا أصحاب الجرافات، التي تستأجرها القوى الأمنية لإتلاف الحقول بواسطتها، بالانتقام وبالقتل ربما إذا أجّروا معداتهم لـ"الدولة". وانشغلت بعدها الوسائل الإعلامية بهذه الأقاويل، غير المؤكدة، أياماً. ثم غرق الخبر في دوامة الأخبار الأمنية والسياسية المتلاحقة، واختفى في حين كانت القوى الأمنية والطبقة السياسية والماكينات الإعلامية منشغلة بملاحقة أخبار معركة نهر البارد التي خاضتها الدولة ضد "فتح الإسلام"، وبالحوادث الأمنية المتنقلة (الحروب الصغيرة بين الأحياء الشيعية وتلك السنية والدرزية في بيروت والشمال والجبل)... وهكذا مرّ موسم حصاد الحشيشة على خير. إذ لم تتلف الحقول في البقاع والشمال، بل نضجت النباتات، وحصدت، وصنّعت من دون إزعاج من أحد. فأغرقت السوق الداخلية بأطنان من الحشيشة، وانخفض ثمنها إلى مستويات غير مسبوقة حتى باتت في متناول كلّ من يريد من العاطلين من العمل والذين يحصّلون مصروفهم اليومي من أهاليهم.  
عام 2006 كذلك لم تتلف حقول الحشيشة. فقبل أسابيع من الحصاد، وهو يبدأ في بداية آب، اندلعت حرب تموز في 12 منه، وغرق لبنان فيها الى منتصف آب (انتهت الحرب في 14 منه). ولم تستفق أجهزة الدولة من الصدمة في الوقت المناسب لإتلاف الحقول التي نضجت على مهل في أثناء الحرب، وحصدت بعيد انتهائها. فوصل ثمن "النصّ ربع"، أي نصف ربع أوقية من الحشيشة (25 غراماً)، إلى أقلّ من خمسين ألف ليرة بالمفرّق. أي أنّ سعر الكيلو، بالمفرّق وليس بالجملة، لا يزيد عن مليوني ليرة، ما يكفي مدمن الحشيشة لمدة سنة على الأقلّ، فلا يزيد متوسط المصروف عن خمسة آلاف ليرة في اليوم الواحد، والكمية هذه لا يستخدمها متعاط واحد، بل مجموعة من المتعاطين بين اثنين وعشرة أحياناً. إنه ثمن يجعل الحشيشة في متناول صغار العمال والموظفين، وفي أحيان كثيرة في متناول العاطلين من العمل، وطلاب الجامعات الذين يعملون بدوامات جزئية.  أحد المروّجين يقول إن هذه الأسعار هي "لأبناء البلد فقط، فالأجانب وخصوصًا الخليجيون منهم نبيعهم النصّ ربع بـ100 دولار، وأحياناً أكثر". ويؤكد هذا المروّج أنّ زبائنه هم من طبقات اجتماعية مختلفة. "ففيهم طلاب الجامعات والعاطلون من العمل، وعمال وموظفون، وهناك تجار وأصحاب متاجر ومدراء بنوك، يطلبون الحشيشة، ولكنّ بعض الميسورين يطلب أحياناً غرامات من الكوكايين فنضيّفهم فوقها قليلاً من الحشيشة".... كان يفترض هذا العام إتلاف حقول الحشيشة في بداية آب، أو في الأسبوع الثاني منه على أبعد تقدير. و"لكن لم يتعرّض أحد للمزارعين على حدّ علمي، والمزارعون كلهم قطفوا، ولم يعد هناك شيء لإتلافه في الحقول، وبدأت مرحلة التصنيع الآن"، يقول أحد سكان البقاع. ويضيف: "ربما تريد الدولة أن يستفيد المزارعون قليلاً في الأزمة الاقتصادية، لتنفرج أحوال الناس". 
ويشيد هذا البقاعيّ بمحاسن زراعة الحشيشة: "الحشيشة لا تضرّ، ولا تسبب أذى لأحد، ولا تسبب إدمانًا لأحد أيضًا، والكلّ في البقاع يزرعها، البعض بكميات كبيرة والبعض الآخر بكميات قليلة، وأحيانًا للاستعمال الشخصي فقط". ويتابع: "لا تسبّب ضياعًا لمن يتعاطاها، ولا تجعله ينسى ما فعله أو يتوه عما يقوم به، فتهدّئ الأعصاب، كما أنّ بعض الذين يعانون مرض السكري يستعملها لتخفيض نسبة السكر في الدم".
وفي هذا السياق يؤكد مصدر أمني أنه "لم تصدر أوامر، هذا العام، بإزالة أو إتلاف حقول الحشيشة، ولا العام الماضي. أما العام الذي سبقه، فقد بدأت الحملة ولكنها توقفت بسبب حرب تموز"، لافتًا إلى أن "الحملة الجدية الأخيرة لإتلاف الحقول في البقاع والشمال كانت في العام 2005"، لتغرق بعدها البلاد في الحوادث الأمنية والاغتيالات والتظاهرات والتفجيرات التي جعلت مزارعي الحشيشة وتجارها بمنأى عن عيون القوى الأمنية وأيديها.... هذا ويلاحظ المروّج أن الأسعار تنخفض في أثناء الحوادث الأمنية حيث تكفّ القوى الأمنية عن نصب حواجز التفتيش، فيصبح ناقل البضائع أقلّ تعرّضاً للخطر، ويصبح بيعها بالمفرّق، أي الترويج، أقلّ خطرًا كذلك، فتزيد الكميات المباعة والموزّعة بما يتيح تخفيض الأسعار.
ولكن في أثناء حرب تموز، يقول المروّج، ارتفعت الأسعار "بشكل جنوني"، لأن الطرق كلّها تقطّعت ولم يعد هناك نقل وتوزيع، فبات كلّ مروّج يملك القليل فيبيعه مقابل الكثير. وظلّت الأسعار مرتفعة إلى أن حصد الموسم الجديد في منتصف آب. 
ولأنّ الأمن استتب نسبياً في بيروت في الأشهر الأخيرة، وغصت العاصمة بالسيّاح، جعل الازدهار السياحي، إلى حوادث أمنية بعيدة من العاصمة (طرابلس مثلاً) البقاع وبيروت جزيرتين "حشيشيتين" آمنتين، تنعمان بأسعار منخفضة وتتعرضان لأخطار أمنية (من قبل "مكافحة المخدرات") أقلّ.
أعداد المتعاطين الموقوفين في الأعوام الثلاثة الماضية، تشير الى انخفاض من 1369 في العام 2005 إلى 820 في العام 2006. ولم يزد عن أكثر من 873 في العام 2007، ليبلغ 479 حتى تموز من العام 2008 في الوقت الذي تشير فيه الأدلة كلها إلى أنّ أعداد المتعاطين إلى ارتفاع وليس إلى انخفاض. ولكنّ انشغال القوى الأمنية بالانفلات الأمني في الشمال والجنوب وبيروت والجبل والبقاع، خفف الثقل عن كاهل المتعاطين والتجار على حدّ سواء.... إلى ذلك انخفضت أعداد تجار المخدرات الموقوفين من 545، في العام 2005، إلى 437 في العام 2006، لترتفع إلى 611 في العام 2007، قبل أن تعود لتنخفض مرة جديدة إلى 304 حتى تموز من العام الجاري، فيما لم تقل المساحات المزروعة، وزاد عدد تجار المخدرات.
وتشير إحصاءات "أم النور" المختصة بهذا المجال إلى أنّ أكثر من 55 في المئة من الشباب الذين لم يتموا الرابعة والعشرين من أعمارهم، يتعاطون المخدرات، أو تعاطوها لمرة واحدة على الأقل، ونصفهم تقريبًا من الطلاب. ... وفق ذلك ومع الأخذ بالاعتبار ان نصف المجتمع اللبناني هو ممن دون الخامسة والعشرين من العمر، فإنّ ما لا يقل عن مليون لبناني يتعاطون المخدرات في حين يقبض فقط على أقل من ألف منهم، رقم مريب في زمن يتمتع فيه تجار المخدرات بشبكات حماية معقدة خاصة بهم وبتجارتهم.

«سودان بديل» في مصر يمنح أبناءه ملاذاً آمناً..ويثير حساسيات..

 الخميس 18 تموز 2024 - 3:38 م

«سودان بديل» في مصر يمنح أبناءه ملاذاً آمناً..ويثير حساسيات.. الجالية الكبرى بين الوافدين... والم… تتمة »

عدد الزيارات: 164,515,909

عدد الزوار: 7,386,798

المتواجدون الآن: 63