الكورونا بين القرآن والواقع والمستقبل....

تاريخ الإضافة الإثنين 30 آذار 2020 - 2:41 م    التعليقات 0

        

الكورونا بين القرآن والواقع والمستقبل....

كتبه أخوكم الشيخ علاء محمد صالح.... يوم الأحد ٢٩-٣-٢٠٢٠.....

بسم الله الرحمن الرحيم...

حالةٌ مرعبةٌ ومشهدٌ رهيبٌ خيّم على البشر في كثير من أنحاء العالم...

مدن وشوارع خاليات...حظر للتجول ومنع للتجمعات... حجر منزلي... لبس للكمامات والقفازات... مسافات بين البشر في الأماكن والمحلات.. استعمال مفرط للمعقمات.. استنفار بشري في المختبرات ومراكز الأبحاث والدراسات...إقبال كثيف على المستشفيات والصيدليات...إقفال للمطاعم والمقاهي والنوادي والمصانع والمطارات...توقف لكافة النشاطات والمسابقات... تأجيل للمباريات في كافة أنواع الرياضات...إلغاء لحجوزات الفنادق والشاليهات...

تعليق الدوام في المدارس والجامعات... توقيف الوسائل العامة للمواصلات...

إلغاء للنزهات والرحلات.. ارتفاع في الوفيات...

لا مصافحة... لا معانقة... لا تقبيل... لا زيارات منزلية... لا اجتماعات مباشرة، أعراس بلا حضور ولا ولائم ولا ضيافات...

حتى الموتى يُدفنون رميًا في الحفرات...

ولا حول ولا قوة إلا بالله رب الأرض والسماوات...

نعم، لم يترك فيروس كورونا جانبًا من جوانب الحياة اليومية للبشرية إلا وأثّر فيه بشكل أو بآخر، حيث امتدت تأثيراته إلى السياسة والاقتصاد والتجارة والسياحة والرياضة والحياة الاجتماعية والترفيه وحتى دور العبادة إلخ... تأثيرات ستتكشف حقيقتها وأبعادها وأعماقها في القريب العاجل... نسأل الله السلامة من كل سوء...باختصار هي بالفعل حياة مع وقف التنفيذ...

وهنا تتساءل الشعوب ما هذا الذي نعيشه؟

أهي بالفعل مؤامرة عالمية؟ أم تخطيط وتصفية حسابات دولية؟ أم أسلحة بيولوجية من صنع البشر؟

أم غضب إلهيّ بسبب الفعل البشري؟

تعجبت أشد العجب حينما كنت أقلب صفحات القرآن، فوجدت كلمة قرآنية يصح جعلها عنوانًا لما نعيشه اليوم، تجسد خوف الناس وحذرهم الشديد ونفور بعضهم من بعض... إنها كلمة لا مساس...

لا مساس عذاب قدّره الله تعالى على شخصية قرآنية محددة، ذات مواصفات محددة، ولأسباب محددة، عاشت مع شخصيات محددة، في زمن محدد، وفي ظل ظروف محددة...

من هي تلك الشخصية يا ترى؟ وفي أي زمن عاشت؟ ولماذا أصابها عذاب الله تعالى؟ وما هي ظروف ذاك الزمن؟ وهل تشبه ظروف زماننا؟ وهل نستطيع استشراف شيء من معالم مستقبلنا على ضوء تلك القصة القرآنية؟

بالله عليك، أكمل القراءة ولا تمل، فستجد العجب العجاب... فإن التاريخ - ورب الكعبة - يعيد نفسه، أحداث متشابهة، ومآلات متماثلة، مع شخصيات مختلفة، إنها سنن الله وقوانينه التي لا تتبدل ولا تتغير ولا تحابي أحدًا من الخلق، يسير عليها الكون والمجتمع البشري بلا استثناءات.

في البداية، وكما هو معلوم أن قصة موسى عليه السلام من أكثر القصص ذكرًا في القرآن، وثراءً من حيث طبيعة الشخصيات والأحداث، والمواقف والعلاقات الإنسانية المتشابكة، وبما فيها من معجزات وكرامات، ونجاة وإهلاك، وسنن وقوانين، وعاقبة وابتلاءات ومآلات، وأسباب ومسببات، ونتائج ومقدمات... قصة تجسد بأحداثها تلك المشاهد التي تتكرر في كل الأزمنة والعصور من حاكم جبار ظالم، مع ملأ متكبر، وسلطة نافذة متسلّطة، وشعب مظلوم مستعبد وأغلبية صامتة، ودعاة مصلحين مهتدين، ومنافقين ضالين مضلين... شخصيات متعددة وأبطال متنوعة، تلخِّص مشهد كل عصر من العصور كقوانين محكّمة في المجتمع البشري على امتداد تاريخه.

إنها حقاً قصة ذات أبعاد، تحتاج إلى التدبر العميق والتأمل الطويل بأحداثها للوصول إلى إجابات مقنعة لأسئلة مُلحّة ومحيٍرة، ولاستكشاف قوانين مشروع الحضارة، وموازِين النُّهوض والسُّقوطِ، وأسباب النصر والهزيمة، وأسباب نشوء المجتمعات والحضارات، ونهوضها وتطورها، بحيث نفهم بها واقعنا، ونحسن التدبير فيه، ونستشرف بها معالم مستقبلنا.

تبدأ القصة من مواعدة الله سبحانه موسى عليه السلام لميقاته ومناجاته، ولتلقي الكتاب السماوي الجديد بما فيه من هدًى وتعاليم، وذلك بعد غرق الطاغية فرعون، وعبور موسى عليه السلام البحر مع قومه - الذين ذاقوا أشد ألوان العذاب وأقساها على يد الظالم فرعون وملئه - حاملين معهم - عند خروجهم من مصر - الذهب والحليّ الذي استعاروه من المصريين أنفسهم...

وهنا ظهرت شخصية عجيبة ومحيّرة، شخصية رجل من بني إسرائيل يُدعى السامري... رجلٌ أُغمِس بنعم الله عز وجل - كما هو حال كافة البشر - ورأى الآيات والمعجزات، وشهد مصرع الطغاة، وعاين غرق العدو الأكبر، وزوال إمكانياته وفناء جنوده، وسقوط قوته وأفول دولته وسلطانه. ومع ذلك كله، ما اعتبر السامري مما حصل، فسعى لتكرار نموذج الضلال والطغيان، والغيّ والفساد والإفساد، المحكوم عليه - قدرًا - بالفناء والهلاك.

جمع السامري حليّ بني إسرائيل وذهبهم، بحجة التخلص منه، فأذابه بعد إيقاد النار عليه، حتى أصبح سهل التشكيل والتصنيع، فجعله على هيئة العجل بطريقة هندسية متقنة، ثم ألقى عليه حفنة التراب التي أخذها من أثر فرس جبريل - عليه السلام - عند إغراق فرعون وجنوده، فصار العجل له صوت خوار -صوت العجل، وبذلك استحوذ السامري على عقول الجزء الأكبر من بني إسرائيل بإمكانياته وقدراته الهائلة، وأقنعهم عبر حجج واهية وأدلة ساقطة، بضرورة عبادة ذاك العجل...

هنا ظهرت علامات الفطر المنتكسة الآلفة للمعصية، والقلوب الميتة، والنفوس المهترئة الجاحدة للنعم الإلهية، والعقول الصدئة الجاهلة المظلمة التي تقدس الأوهام والخرافات، وتنبهر بالتوافه، وتُسارِع للاستجابة للأساطير والأباطيل... كما بانت آثار التعرض الطويل للظلم والاستبداد ،والذل والاستعباد المشوِّه للنفوس، المعطِّل للعقول، المفسِد للأفهام، المكبِّل للطاقات والهمم والعطاءات... فما استطاعت نفوس المحرَّرين الجدد - بعدالة قوانين الله تعالى -، حمل نقاء العدل، ونسائم التحرُّر من رِبْقَة الاستعباد والذل، فافتتنوا بصنيعه، وانصاعوا لاتباع وعبادة فرعون جديد في ثوب جديد... فيا حسرة على العباد...

حاول صوت الحق - وزير سيدنا موسى المستخلَف على قومه في غيبته، سيدنا هارون عليه السلام - التدخل بحكمة ورحمة، ولين وصدقِ نصيحةٍ لإيقاظ العقول، وتقويم السلوك والأخلاق والأفهام، وتحريك الضمائر، وتبيان الحقائق، وإبراز الحجج والبينات، وتمكين الإيمان، وتصحيح اليقين... ولكنَّ القوم عطلوا عقولهم، وأسكتوا ضمائرهم، وأُشرِبت حبَّ العجل قلوبهم، وأعرضوا عن دعوة نبيهم، فأبَوْا واستكبروا وأصروا على الجهل والكفر.

هنا رجع موسى إلى قومه على وجهة السرعة ممتلئًا قلبه غضبًا لله، متأسِّفًا على حالة قومه بعد سنوات من الجهد والنَّصَب ومكابدة المشاقّ والمتاعب في سبيل تربيتهم وحملهم على الإيمان الحقيقي وعبادة الواحد الأحد، وكأنّ جهوده المباركة - عند ربه سبحانه -، ذهبت أدراج الرياح عند قومه السخفاء. رجع مواجهًا الأطراف الثلاثة، قومه، وأخاه، السامري، متوجِّهًا لهم بالسؤال الشديد والاستفهام المستعجِل عما جرى.

بدأ مقرِّعًا قومه موبِّخًا إياهم على ما اقترفوه من جريمة الشرك الشنيعة، ناسين فضل ربهم عليهم ونعمه، فحاولوا تقديم أعذار سخيفة سمجة على أفعالهم القبيحة، محاولين التنصُّل من كل مسؤولية، مبرّرين موقفهم، معلّقين فعلتهم على شمّاعة التورّع عن حيازة ملك الغير، ومِشجب إغواء السامري (قال يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي)[سورة طه: ٨٦]، فكانت الإجابة (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ)[سورة طه: ٨٧] جواب سخيف وكلام سمج غير مقنع للصبيان الصغار، فضلًا عن العقلاء الكبار.

عندها وجه سيدنا موسى سهام أسئلته لخليفته أخيه هارون عليه السلام، مستفهمًا منه بلغة اللوم والعتاب مع شيء من الغضب والشدة، خوفًا من أن يكون قد قصّر في أمرهم ونهيهم، وإرشادهم ونصحهم، أو قصّر في تبليغ موسى عما حصل، فاستعذر هارون عليه السلام حينها ببذل الوسع والجهد لإعادتهم إلى رشدهم، ولخوفه من تفرّقهم، حفاظًا منه على وحدتهم، شاكيًا استضعافهم له واستقواءهم عليه ومحاولتهم قتله. (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (سورة الأعراف: ١٥٠)

ثم ختامًا توجّه موسى للجاني والمجرم الأكبر، سائلًا إياه - بأسلوبٍ نبويٍّ راقٍ مبنيٍّ على العزم والحزم -، عن سبب ما فعل، فأتت الإجابة عجيبة وقحة من رجل مستكبر معترف بجرمه وذنبه، متبعٍ للهوى (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)[سورة طه: ٩٦]...

ومن هنا تبدأ حكايتنا، فتأمل معي...

القصة إذًا، حوت ثلاث شخصيات أساسية، هي في الحقيقة تجسد أهم شخصيات الواقع الذي نعيشه...

أولًا، شخصية السامري عبارة عن منظومة الفساد والظلم والإضلال العالمية في هذا الزمن، المتمثلة بقوى الشر العظمى من بعض الدول والحكومات والمؤسسات والأفراد الذين يحملون فكر الشرك والضلال، والإلحاد والانحلال في كل المجالات وعلى كل المستويات، تلك المنظومة التي تدَّعي دعم الظلومين، والمناداة بالحريات وحقوق الأقليات، وحماية حقوق الإنسان والرفق بالجماد والحيوان، ولكنها في الحقيقة منظومة مستبدة جائرة، تتحكم برقاب العباد ومصائرهم، وتستولي على أرزاقهم وخيراتهم، وتشكِّل عقولهم وشخصياتهم، وتنظِّم لهم حياتهم وأوقاتهم وأعمارهم، وتُرتِّب أولوياتهم واهتماماتهم. هي منظومة فاسدة ذات عقلية غريبة، مخالفة للفطرة، تعبد العقل والمادة، وتُسَخِّر كل إمكانياتها، وتوظّف كل إنجازاتها، بهدف إقناع الناس بعجل التطور والعولمة والحداثة المزيّف، في محاولة لمواجهة الحق وإسكات صوته، وصَدِّ دعوته عن بلوغ الناس على حقيقتها... وللأسف، استطاعت تلك المنظومة تحقيق ما صبت إليه على مستوى العالم على مدار سنوات طويلة، ومن ذلك لُهاثُ كثير من بني جلدتنا وراءها، مقتنعين بأفكارها، مردِّدين شعاراتها، مدافعين عن أحقيّتها في قيادة الدّفٍة العالمية.

ثانيًا، شخصية موسى وهارون ومن آمن معهم، عبارة عن صوت الحق متعدد الوجود - كجماعات وأفراد - على ظهر المعمورة، الساعي لتغيير الأحوال وإصلاح الخراب، والمواجه لمنظومة الفساد بالمستطاع، المعرَّض في كثير من الأحيان للتهديد والوعيد، والاستضعاف والقتل، والنفي والسجن والتشريد، وغير ذلك من ألوان الظلم المختلفة، ذاك الصوت غير القادر على إحداث التغيير الشامل والتأثير الكامل في مثل هكذا ظروف وواقع...

ثالثًا، شخصية عبيد العجل من بني إسرائيل، تمثل فئة المنبطحين والمتبعين لأوامر الكبراء والأسياد، المنبهرين بأفكار وعقائد وحضارة الأوغاد، المجيدين للغة التبعية للظلمة والانقياد، المتعوّدين على الخوف والارتعاد، من سياسات الاستبداد والاضطهاد، المتأثرين من قوة الظلمة والأعداد، المملوءة قلوبهم بالكره والحسد والأحقاد، الجاحدين لنعم الله رب الخلق والعباد، الناسين لقدرة الله سبحانه، والمعرضين عن سننه الكونية المتصفة بالثبات والاطراد.

وسنّة الله سبحانه - التي لا تتبدل ولا تتغير - في ذلك، أنْ جعل مصائر هذه الشخصيات الثلاث - في كل زمان ومكان - متباينة، وعواقبهم كذلك مختلفة، فأحوالهم ومآلاتهم تناسب أقوالهم وأفعالهم، على قاعدة أن الجزاء من جنس العمل، فتأمل...

أما صوت الحق المحارَب والمستضعَف - في كل زمان ومكان - الباذل للجهد والساعي للتغيير بالمستطاع وفق الإمكانيات، فلا مانع من أن يُستفهَم منه عن جهوده وأفعاله، ومشروعه الحضاري ومقوماته، ويُساءَل، وقد يُعاتب أحيانًا ويوجّه إليه اللوم والعتاب في حال التراخي والتقصير في الإعداد، لأنه لا عصمة لجهود أيّ أحدٍ منا... ولكنه في كثيرٍ من الأحيان معذور، وسعيه وجهده - خاصة في ظروف الاستبداد والظلم - مشكور، وذنبه عند ربه - بإذنه سبحانه - مغفور، وفعله وقوله مسدَّد مبارك مبرور... كما قال الله سبحانه حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (سورة الأعراف: ١٥١).

أما منظومة قوى الشر - السامريّة العالمية -، الجامعة بحداثتها المزعومة لكل خصال الشر المتفرقة في التاريخ والمذكورة في القرآن، تلك المنظومة الساعية لتدمير كل شيء من حولها، من أجل تحقيق مصالحها والمحافظة عليها، ولاستبقاء هيمنتها وسيطرتها على عقول البشر وأفكارهم وأفهامهم، وسلب مقدراتهم وخيراتهم، عبر عذوبة المنطق، وحلاوة الألسنة، وزخرفة الأقوال، مع دقَّةٍ في الصّنعة والتخطيط... هذه المنظومة تعيش اليوم - بشكل أساسي - حالة الهلع والخوف، حالة اللامساس العالمية... إنه فيروس الكورونا (كوفيد - ١٩).

الكورونا تعتبر لحظة تاريخية، ومنحة إلهية ينبغي الوقوف عندها والاستفادة منها، فهي كفيلة - إن وقف العقلاء عندها وأحسنوا فهمها واستثمارها - أن تشكّل عقولًا وكوادر مؤمنة حيويّة ويقظة تجاه القوانين الإلهية في حركة التاريخ البشري، تأخذ بأسبابها وتتفاعل معها، متحلّية بالمجاهدة والصبر، لأن التغيير والتمكين لا يمكن أن يتحقَّق في طرفة عين، ولا بين عشيّةٍ وضحاها، بل الأمر يحتاج إلى مزيد تدبر وتأمل، والنَّظر في العواقب والمآلات، وفهمٍ دقيق للظُّروف والملابسات المحيطة بهذا الواقع، وإعدادٍ جيِّدٍ للمقدِّمات، وتحديد للأهداف والغايات، وتطوير الوسائل والإمكانيات، مع تأنٍّ وتؤدة واستمرارٍ في المحاولات.

إنها لحظة تاريخية، ينبغي أن تستغلها أمة الإسلام لاستثارة همم أبنائها، كي يكثِّفوا جهودهم، ويبدؤوا تأسيس مبدأ العودة لحمل الأمانة والقيام على دورهم الحضاري، الذي أتقنه أجدادهم على مدار التاريخ، منعتقين من الذهنية المادية المعلّبة المستورَدة.

إنها بالفعل، لحظة تاريخية تفتح صفحة جديدة أمام التاريخ البشري، يستعيد فيها الإنسان كرامته وإنسانيته، وحريته وقِيَمه، ويضمن فيها جمالية مستقبله... فرصة حقيقية ينبغي استغلالها، خاصة في ظل جزْمِ كثيرٍ من المحلّلين والمفكرين بالتغيّر المرتقب الطارئ على النظام العالمي الجديد، والمتوقع ما بعد أزمة الكورونا...

بالتأكيد، لن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، فالكورونا شأنها شأن أحداث مفصلية في التاريخ، ساهمت بتغيير موازين قوى عالمية، وليس هذا بمستغرب أو بعيد عن الكورونا، كما تتنبأ كثير من الدراسات والأبحاث الطارحة لسيناريوهات متعددة، بغض النظر عن الجزم بالتوقيت...

ولكننا نؤمن يقينًا، بأن قوى الشر مهما طال أمد هيمنتها، فستعود إلى الوراء حتمًا وستدفع ضريبة باهظة، وستحل بها سنة الاستبدال والمداولة والإهلاك والأخذ الإلهية، بعد أن حلت بها سنة الإمهال والإملاء والاستدراج بسبب إصرارهم على البغي والظلم والبعد عن شرع الله سبحانه (وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا) (سورة الكهف: ٥٩)...

لا تقرأْ بعين المتعجِّب والمُستبعِد لهذا الكلام...

فالتاريخُ حافلٌ بتساقطِ الظَّالمين وفناء قوتهم وانهيار دولهم وحضاراتهم، بعدَ أن بلغوا غايةَ القوةِ والتسلُّط، (حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (سورة يونس: ٢٥)، فالجزاء من جنس العمل، فكما أحرقت غيرها ستُحرق، وكما نسفت غيرها فستُنسَف في الوقت الذي يقدّره الله بعلمه وحكمته، انطلاقًا من قوله سبحانه (وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) (سورة طه: ٩٧)

أما فئة المنبطحين والمنبهرين بحضارة الغرب الزائلة، والمعجبين بإنجازاتها، والمستسلمين لقوتها، والمؤيدين لرؤيتها، والمنقادين لسلطانها وقوتها، وهي الفئة الأعظم من هذه الأمة وللأسف، فسيظل جزء منه على عَمَاهُ وضلاله وانبهاره حتى عند سقوط أسيادهم وقاداتهم... وجزء آخر، سيستفيق من غفلته - ولله الحمد -، وسينقشع الغبار عن عينيه، طالبين التوبة والرحمة والمغفرة، مراجعين للحسابات، سائلين عن البدائل والحلول للخروج من الأزمات، متلمسين ذلك بالرجوع إلى الدين قلبًا وقالبًا، شكلًا ومضمونًا، متأثرين من مشهد سقوط تلك المنظومة الفاسدة ، وانهيار تلك الدول والحكومات والحضارات وأفولها، كما قال سبحانه حكاية عن بني إسرائيل (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[ الأعراف: 149]...

ولكن بالرغم من هذا الاعتراف بالذنب والتقصير حينها، فالطريق طويلة، والعقبات كثيرة، وكلفة الرجوع إلى الحق والعودة للريادة ستكون باهظة ثقيلة، ربّما كثقل كلفة توبة الله تعالى على بني إسرائيل يومئذ، كما قال سبحانه (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (سورة البقرة: ٥٤)...

نعم فاقتلوا أنفسكم، تلك العقوبة القاسية قد وجبت بحق هؤلاء لعظم جنايتهم، وسرعة نسيانهم للنعم ونقضهم للعهود والمواثيق... فلما فعلوا ذلك تاب الله عليهم، بعد أن قتل منهم الكثير الكثير...

وهكذا نحن - كمسلمين -، لا بد أن نعلم أن الجُرم الذي ارتكبناه - على مدار سنوات طويلة- ، بالتخلي عن مكانتنا ومسؤوليتنا هو جرم عظيم، فلا أمجاد مجانية، ولا ريادة وقيادة للحياة البشرية بالفوضى والاعتباطية.. إنما بالهمة والعزم، والعودة إلى وحي الله سبحانه الكفيل ببناء الإنسان والحضارة، عبر إنشاء أمة راشدة، تتسلم قيادة البشرية، لتنأى بنفسها وبالأمم عن التيه والضياع، وتأخذ بيدها إلى القمة والأمجاد، بعد الكشف عن سنن الله وقوانينه في وحيه، وبدء العمل بمقتضاها، مثبتين بذلك صدق توبتنا، وقوة إرادتنا، وثبات عزيمتنا.. وحينها سيبدل الله تعالى خوف الأمة أمنًا، وذلها عزًّا ، وضعفها قوة ، وتسوّلها على موائد الأمم عطاءً، ويأسها تفاؤلًا، وانتكاساتها نصرًا، وتخلّفها تطوّرًا وتقدّمًا، وتبعيّتها قيادةً وريادةً، وما ذلك على الله بعزيز...

إذًا، لن تكون الأمة - في يوم من الأيام - أحد البدائل المطروحة لأنظمة الظلم والفساد والاستبداد، ولا خليفةً لتلك الدول الساقطة والحضارة الزائفة، إلا بتقديم الجهود والتضحيات الجسيمة، في سبيل عودتها لدورها الريادي المتمثل بإدراكها لمرتبة الشهود الحضاري الضامنة للبشرية الحياة العادلة التي لا مثيل لها ولا نظير...

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وعلى حمل الأمانة كما تحب أنت وترضى...

ملاحظات حول المقالة:

تشبيه بعض أبناء أمة الإسلام بعبيد العجل من بني إسرائيل، ليس المقصود منه تكفيرهم وإخراجهم من الملة، إنما هو تركيز وإضاءة على بعض الصفات المشتركة الجامعة بينهما.

الكوارث على مدار التاريخ تعد بداية لتغيرات عالمية كبيرة، وتساهم في تسريع تغيير موازين القوة الدولية عادة.

الكورونا حدث عالمي مدمر يصعب تخيل عواقبه على المدى القريب، إلا أنه من المتفق عليه أنه شكّل ضربة قوية للعولمة، فكثير من الأنظمة والمجتمعات والأفكار والمعتقدات ستتفكك حتمًا في خضم المواجهة الشرسة مع الكورونا القاتل، وإن كان لها في العمر بقيّة.

النقد للحداثة والعقل ليس نسفًا لبعض إيجابياتها الملموسة، ولا المقصود منه نقد العلم وتعطيل العقل، إنما هو نقدٌ لكافة أنواع الظلم والفساد الذي تسبّبت به للبشرية.

ليس المقصود من المقالة الجزم في هذه المرحلة على وجه اليقين بمآلات النظام الدولي وموازين قوته تفصيليا، فهذا علم لا بد فيه من العودة لأهله المتخصصين، ولكني موقن بزوال قوى الشر بوعد الله تعالى لقوى الخير، فالتاريخ خير شاهد...

 

 

Interpreting Haftar’s Gambit in Libya

 الثلاثاء 12 أيار 2020 - 11:16 ص

Interpreting Haftar’s Gambit in Libya https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/north-… تتمة »

عدد الزيارات: 39,936,467

عدد الزوار: 1,101,301

المتواجدون الآن: 35