البحث عن الذات النهضوية...

تاريخ الإضافة السبت 2 حزيران 2018 - 6:46 ص    التعليقات 0

        

البحث عن الذات النهضوية...

الحياة....أحمد جابر ... يكثر الحديث عن مشروع النهضة العربية كلما تزايد انحدار الواقع العربي، ويسارع كثيرون إلى التذكير بأهم بنود وملامح هذا المشروع السالف، كلما لجأ كتاب «السياسة المقارنة» إلى حضن ذلك الحلم الآفل، وكلما تبيّن الكتاب إياهم، صعوبة إعادة بناء حلم نهضوي مستقبلي آتٍ.

تجرّ الصعوبة الفكرية صعوبات إضافية، وعلى المعضلة الأولى ترتفع عمارة معضلات لاحقة، هذا القول يستدعي ذكر خلاصة وردت لدى من تناول المشروع العربي النهضوي بالنقد، فوضعه ضمن ظروفه، ونظر إليه ضمن ممكناته، وفنَّد الكثير من وعوده. باختصار أعاد بعض «العقل النقدي» العربي حديث النهضة المتعثرة إلى إطاره الواقعي، وخلَّصه من شوائب الشطحات النظرية والعملية التي ذهبت إلى حد تعليق فشل المستقبل القومي العربي، على سارية ذلك الإضعاف النهضوي البعيد. مناسبة الحديث النهضوي اليوم، تستدعيها حالة الدمار التي عمَّت البلاد العربية، فما تشهده الأوضاع الوطنية في كل بلد بمفرده، وما يسود على أجواء الوضع القومي العربي العام، ليس أقل من صنوف دمار متعددة، تتراوح بين شدّة القتل، وزلزال العمران، وعواصف الاقتلاع السكانية، وتناثر وتذرر الحالات الثقافية، بكلمة أعمّ، بات كل ما ينطق بالضاد، فصيحة كانت أو ذات لحن، في مهب «ريح صرصر عاتية» أصابت المجموع العربي، بحيث لا يستطيع أي بلد أو أي تشكيل اجتماعي أو أي نسق سياسي وثقافي واقتصادي، الادعاء أنه ما زال خارج عصف هذه الريح، أو أنه لم يصب بأضرار اجتياحها العاتي. يحيل الكلام السابق إلى اقتراح زمن بدايات بديلة لا ينطلق من صفر التراكم الثقافي والسياسي، لكنه يتأسس بالتأكيد على خلاصة فشل الأرقام التراكمية التي ظنها أصحابها مخزوناً كمياً يمكن الاستناد إليه، ويمكن الغرف من نبع ثروته لدى مباشرة سقياً الزرع النهضوي الجديد. أقامت المحاولات السابقة بين جدران التوليف بين التراث والتجديد، هذا كان دأب بعض الإصلاحيين الذين جعلوا لمحاولاتهم الإصلاحية سقوفاً انجلت عن قيود فكرية وعن أغلال عملية. بعض المحاولات الأخرى قفزت في الهواء في محاولة لإزالة كل سقوف الموروث ومعوقاته، وهذه قتلها سيف الانقطاع عن تراكم ثقافي متين، عندما لم تحسن القطع معه بالتجاوز تقدمياً وتطويرياً عليه، فسقطت وغرقت في لجّ البحر التقليدي الذي أرادت منه نجاة. يكاد التاريخ العربي الثقافي يكرر ذاته الآن، لكن في صور أكثر هلهلة، ومن ضمن تشكيلات اجتماعية أكثر تفككاً، وفي سياق انبعاث للموروث أكثر عسفاً وتسلطاً. في مواجهة الصعوبة الموضوعية الوضعية هذه، تسود نزعتان بارزتان، إحداهما تشد الماضي الثقافي السائد راهناً، نحو هوّة أكثر ماضوية، وهذه النزعة إذ تفعل ذلك، فإنها توظف كل ما لديها من خطب سياسية ومن ممارسات عملية، لترسيخ سيطرة الماضي كماضٍ، ولجعله يترسخ في الأذهان في صورة خلاصية، بحيث يكون الخروج من المستقبل إلى ما قبل المعيش الراهن، بوابة «الأمل» الوحيدة. النزعة الثانية تمارس فعل القفز من فوق حاجات الراهن ومعطياته، وفق وتيرة ارتفاع تشبه ما سبقها من نزعات. صيغة القفز تتخذ شكل الحدّ من الكلام على «الحداثة» وتجلياتها، هذه التي انطوت على مقولات الدولة والرعاية والحرية...، وتكتفي، أي النزعة، بشعارية التصدي لليبرالية وللتنوير على الطريقة «الغربية»، وللهيمنة الإمبريالية الزاحفة...، وذلك في استعادة بائسة لنظريات اشتراكية سقطت أنظمتها، ولم يتداعَ جمود أفكار مريديها. ترتدي النزعتان الآنف ذكرهما ثوب الشمولية الواحد، شمولية تتعاكس في الاتجاه وتعود لتلتقي عند خلاصة عدمية واحدة: نفي الواقع والتحليق فوق أموره المادية التي تراها العين وتشعر بها كل الحواس. وللشموليتين اسمان واضحان اليوم: الشمولية الأصولية التي ترى في شعاراتها حلاً شاملاً، والشمولية الأصولية العلمانية التي تتعدد مسميات أهلها، أما الغائب لدى الشموليتين فهو نفي التحقق التاريخي لمقولات وبرامج الفكرتين، ونفي تجسدهما الواقعي في كينونة تنتسب حقاً إلى الجوهري من مقاصدهما الفكرية والإنسانية. الخلاصة، جهد آخر وسط كل هذا الدمار، فالتاريخ لا تسدل ستارته على الماضويات، مهما اشتد بريق ادعاءاتها... الخاوية.

* كاتب لبناني

Rightsizing the Transnational Jihadist Threat

 الجمعة 14 كانون الأول 2018 - 6:57 ص

Rightsizing the Transnational Jihadist Threat https://www.crisisgroup.org/global/rightsizing-tran… تتمة »

عدد الزيارات: 15,965,849

عدد الزوار: 430,834

المتواجدون الآن: 0