حوار حول التعددية مآسي التعددية الثقافية

تاريخ الإضافة الجمعة 5 كانون الأول 2008 - 2:51 م    عدد الزيارات 527    التعليقات 0

        

فضل شلق

تساءل الرئيس السابق أمين الجميل في خطابه الأخير: »مَن ينكر أننا شعب متعدد الخصائص والثقافات والأديان والطوائف والمذاهب وأنماط الحياة؟«.
تتشكّل الكرة الأرضية من ١٩٢ دولة وأكثر من ٦٠٠٠ ثقافة موزعة على هذه الدول. لا توجد دولة الا وهي متعددة الخصائص والثقافات والأديان والطوائف والمذاهب وأنماط العيش. الدول التي كانت تسير في اتجاه التوحد والاندماج ينعكس فيها الأمر الآن، وتظهر فيها تعدديات جديدة.
لا يقول جديداً من يقرّ بالتعددية في لبنان، او في المنطقة العربية. ميزة هذه المنطقة ليست التعددية وحسب، بل هي في أنها لم تشهد محاولة للدمج القسري وإلغاء التعددية. يؤخذ ذلك على الامبراطورية العثمانية، لدى دعاة الدولة القومية.
القول الجديد لدى البعض في بعض البلدان العربية، هو محاولة دمج الاكثرية في الأقليات. الاكثرية التي نتحدث عنها لا تقتصر على قطر بل هي الاكثرية على المدى العربي. الاكثرية هي بالدرجة الأولى موقف. وموقف الأكثرية المذكورة هو ان لا تشكل طائفة ما دام وعيها مرتبطاً بالأمة ووجودها ومصيرها. فهي غير معنيّة بأن تصبح طائفة، وغير معنية حتى بالنظريات القومية لإثبات وجهات نظرها حيال الأمّة. هي أمة وحسب؛ وهي تدرك في وعيها ضرورة وجود الاقليات؛ لولا هذا الوعي، والبعض يقول العجز الموروث، لما استطاعت الاقليات البقاء ولتعرضت لمحاولات دمج. ان مأزق الاكثرية والاقليات، على السواء، هو انها جميعاً لا تدرك انها في مأزقها. مأزقها هو مأزق الأمة في آنٍ معاً، وخروجها من المأزق مرتبط بمصير الأمة لا بشيء آخر، في الداخل او بتدخل من الخارج.
ان مأزق الأقليات هو في توحدها او مطالبتها بالتوحيد على حساب محيطها؛ ومأزق الاكثرية هو انها لا تستطيع توحيد الامة وتتحول الى أقليات بفعل انتشار الاصولية والفرق التكفيرية.
تشكل الأقليات خطراً على نفسها وعلى الوطن (الدول القطرية هي الأوطان التي يتوجب على الجميع حمايتها وتطويرها وتنميتها ودفعها نحو التوحد الاقتصادي والسياسي) عندما تطلب الوحدة لنفسها بغض النظر عن المصائب النازلة بالأمة والمحيقة بها راهناً والتي تهددها مستقبلاً. لاسباب عملية وعقيدية كانت وحدة الطائفة، الأقلية، مستحيلة في الماضي. لم تتحقق وحدتها على مدى التاريخ. وهي لا تستطيع تحقيقها الآن، ولا تملك الوسائل لذلك. من الطبيعي أن تحنق الأقلية على التاريخ الذي جعل منها أقلية، لذلك فهي تتمسك بالعقيدة ووهم ثبات الخصائص التاريخية وقيام مؤسسات لإدارة شؤونها. العقيدة لم توحدها في الماضي بل كانت سبباً لنزاعات داخلية دموية. والخصائص الثقافية أوهام غير مقنعة الا عندما تملك الأقليات سلطة سياسية تجعلها قادرة على سحب الحاضر على الماضي. أما المؤسسات المرتكزة على العقيدة فهي في أنجح أحوالها مؤسسات خيرية لا يراد لها التدخل في غير ذلك الا عندما يتعلق الأمر بالنزاع على السلطة.
ان مأزق الاقليات هو مأزق الاكثرية، لا أكثر او اقل؛ هو مأزق الاكثرية الفاقدة للقدرة السياسية على القبض على المصير، والعاجزة عن بناء الدولة، والتي تلجأ الى الموروث من الرموز والنصوص والأمجاد كي تعوض عن الحاضر المنهار والمستقبل المظلم. ان المبررات بل الأسباب التاريخية التي ادّت الى وجود اقليّة هي نفسها الأسباب التي تجعل منها وجوداً سياسياً لا عقيدياً ولا ثقافياً معتمداً على خصيصات محددة. عندما تصاب الامة بالعجز، وعندما تلغى السياسة لدى الاكثرية، وعندما تحاول أصولياتها ان تحولها الى مجرد وجود عقيدي، فإن مصير الاكثرية مهدد بالخطر والخطر سيل جارف لا يبقي على احد في طريقه.
يعلّمنا التاريخ انه لا مزية لعقيدة على اخرى، الا لدى أصحابها، وأنه لم تتوسع عقيدة على حساب اخرى في منطقة من المناطق في العالم الا بسبب ظروف تاريخية ولأسباب قررتها السياسة. يعلمنا التاريخ ايضاً ان العقائد صنعت في ظروف تاريخية محددة، وغالباً ما قررتها السلطات السياسية. السلطات الدينية نفسها تصير سلطات سياسية عندما تتدخل في غير شؤون العقيدة.
لا لزوم للحنق على التاريخ، ولا للاعتذار منه. نعيش في منطقة حضاراتها قديمة قدم التاريخ نفسه. نشأت حضارات مغايرة في مناطق اخرى من العالم. ما من حضارة الا وكان لها دين، او نشأت فيها أديان. لا ينتشر دين ما الا عندما يكون تعبيراً عن حاجات روحية للمجتمع. ربما تنشأ أديان لها صفة الاعتراض والاحتجاج على سيطرة سياسية وحضارية تفرضها عليها شعوب اخرى. ربما تصادر امبراطوريات أجنبية الأديان التي تنشأ محلياً، فتتحول هذه من الاحتجاج والاعتراض الى ان تصبح دين سلطات الاحتلال. تحتاج المنطقة الى التعبير عن نفسها مرة اخرى بدين جديد. عندما يصادر هذا الدين من السلطة السياسية الوافدة، ربما تنشأ أديان اخرى؛ ولا يبقى الا الدين الذي يعتبر ذا علاقة حميمة مع الناس. يستطيع الدين المقيم احياناً، ان يقاوم الاحتلالات وأن يستوعبها، فيبقى هو الشائع بين السكان الأصليين والوافدين. ويحدث ايضاً ان تهاجر أديان من مناطق تأسست فيها، ولا يبقى منها في بلدان التأسيس سوى اقليات. ويحدث ايضاً ان لا يتوسع دين ما في مناطق اخرى الا بأعداد قليلة.
لسنا مضطرين الا الى العيش سويا في مجتمع سياسي بغض النظر عن العقائد والرؤى التاريخية وبقية الأوهام او الوقائع. لسنا مضطرين الى تحويل الوقائع لأوهام. نحن مضطرون الى حقيقة واحدة نصنعها نحن بإرادتنا السياسية. لا تتحقق الإرادة السياسية الا في إطار الدولة وعن طريقها. الدولة هي الإطار الوحيد للمجتمع السياسي. تنشأ الدول ايضاً بقرارات سياسية في منعطفات تاريخية معينة. تنشأ الدولة أحياناً بقرار من غير سكانها؛ كذلك تشكلت الدولة اللبنانية. نصير مجتمعاً سياسياً عندما ندرك جميعاً انه لا بدّ من هذه الدولة، وعندما تصبح الدولة لا حكم ضرورة خارجية بل خياراً داخلياً لأبنائها. بالسياسة تصير الدولة كذلك لا بأوهام الخصائص الثقافية والطائفية والإثنية.
ليس للثقافات خصائص جواهرية، ليس لها جواهر ثابتة على مدى التاريخ. كل ثقافة وطائفة تتغير اجتماعياً مع اختلاف الظروف وتتغير عقائدها مع مرور الأيام فتستجيب للمتغيرات. للثقافات ملامح نتبينها على المدى الطويل وحسب. وهذه الملامح تتحول. التحول فيها هو الدائم. والثابت هو ما نتوهمه. والصراعات داخل الثقافات كانت على مدى التاريخ أكثر شراسة ودموية مما عبر حدودها، هذا اذا كانت لها حدود.
تتوالى على الأقطار العربية في الزمن الراهن محاولات تشكيل، وإعادة تشكيل كل منها يتألف من مكونات إثنية وطائفية. بعض هذه المكونات لها أسس موروثة، وبعضها يخترع حديثاً. في مقابل ذلك هناك سعي الجمهور لان يشكل دوله، أقطاره، من مواطنين أفراد ذوي حاجات بشرية تتجاوز العقائد والموروثات. هو صراع بين الشرذمة والتوحد. الشرذمة هي ما يراد لنا. التوحد هو الطريق الوحيد لتحقيق ارادتنا. نتوحد لا من خلال صيرورتنا الثقافية الى طوائف بل من خلال صيرورتنا الى أفراد في اطار الدولة.

  اذ اعتبرنا ان التعددية الثقافية هي كل ما يرتكز على الدين والثقافة والإثنية وغير ذلك من التشكيلات البدائية، فإن هذا الارتكاز نفسه مع الديموقراطية، أي ممارسة الجماعات الثقافية لحقّ تقرير المصير، يؤديان، ربما الى الانفصال مع الحروب الأهلية؛ يؤديان الى إلغاء السياسة. وعندما تلغى السياسة، أي ارادة العيش سويا واجتراح التسويات من اجل ذالك، ومراكمة التسويات يصعب الحفاظ على ديمومة الكيان السياسي.
ما حدث في مومباي بدأ في العام ١٩٤٧ مع الاستقلال والرغبة العفوية او المفتعلة بإنشاء كيان سياسي مرتكز على الدين. أسست الدولة الباكستانية على الدين وأوهام الثقافة. وهي حتى الآن لم تستطع ان تنتج دستوراً للبلد. في الوقت نفسه تأسست دولة إسرائيل على أساس الدين، وأوهام الثقافة أيضاً؛ وهي حتى الآن لم تنتج دستوراً. الأكثر من ذلك، لم تستطع إسرائيل، ان تعترف بحدودٍ واضحة لها رغم انتصاراتها العسكرية. وإذا أخذنا بالاعتبار مشكلة كشمير المتنازع عليها بين الهند وباكستان فإن الحدود تبقى غير واضحة بين البلدين.
كان إنشاء الدولتين مثاراً لحروب كبرى وتأسيساً لحالة صدام دائمة. رفضت الإمبراطورية البريطانية العظمى الا ان تؤسس لهذه الحالة قبل أفولها. ولم تكن الإمبراطورية الأميركية العظمى ذات نوايا أكثر براءة عندما احتلت العراق لتفككه وتزعم اعادة تركيبه من »مكونات« دينية طائفية وإثنيه، وكل ما يدخل في هذا الباب من أنواع العنصرية والاستبعاد والفصل وقطع روابط التواصل. ولا يقصِّر الغرب عموماً في السودان الذي يسير، او يدفع إلى السير، في طريق اعادة التشكيل من »مكونات« ثقافية موهومة، تؤدي إلى تفكيكه وإنهاء كيانه السياسي.
ليس العيب في الثقافة او الدين او الاثنية او الطائفية، بل العيب هو في تأسيس السياسة على أية واحدة منها، وفي تشكيل الكيان السياسي من »مكونات« إثنية وطائفية وثقافية.
لا يخلو كل كيان سياسي من جماعات إثنية او طائفية او ثقافية. كل جماعة تفترض لنفسها اصلاً تأسيسياً. يمكن ان يستند الأصل، في الوعي، الى وقائع تاريخية، ويمكن ان يكون وهمياً، ويمكن ان يكون خليطاً منهما. تستند كل من هذه التشكيلات الى شيء مضى في حين ان السياسة تستند الى شيء لم يحدث بعد، تستند الى هدف او ارادة حول المستقبل. السياسة معنية بالمستقبل. إن أحد جوانب المستقبل هو ارادة العيش سويا، بينما الثقافة او الاثنية او الطائفة معنية بالماضي، بالأصل والتأسيس. الماضي مقرر سلفاً؛ به تنعدم الخيارات، وما السياسة الا فن الخيارات. في السياسة تجاوز للماضي، أي تجاوز لمعطيات الماضي الثقافية والطائفية والإثنية. وليس صدفة ان الدولتين، الإسرائيلية والباكستانية، ليس فيهما دستور؛ هما دولتان غير دستوريتين. تحدد كل منهما نفسها »بالآخر« لا بكيانها الذاتي؛ ولذلك فإن كلا منهما مشكلة لمن حولها.
تضع الطوائف من جميع الأنواع، الإثنية والثقافية شرطاً على وجود الدولة ولا تجعل الدولة شرطاً لما عداها. لا ترضى بالدولة اذا لم تحقق مطالبها. تقبل التعددية الثقافية وترفض التعددية السياسية. تعتبر نفسها سبب وجود الدولة، وتعتبر أنه لا ينبغي للدولة ان توجد وإن تستمر دون الخضوع لمطالبها او شروطها. في لبنان، مثلاً، تهدد بعض الطوائف، او زعماؤها على الأقل برفض الدولة وتحاول الانتقال الى الفدرالية، وحتى التقسيم، اذا لم تحقق الدولة مطالبها. تؤكد هذه الطوائف على نفسها، ولا يهمها تهميش الآخرين. تصرّ في سبيل ذلك على حشد الأتباع، بالخوف والتخويف، في سبيل تحقيق أهدافها المعلنة وغير المعلنة. في ذلك إضعاف للدولة. الدولة المشروطة بما عداها هي دائماً ضعيفة ومشلولة. تحول الشروط على الدولة الى منع نشوء فكرة للدولة، وإلى منع نشوء اجماع حول هذه الفكرة. الدولة هي قبل كل شيء وفوق كل شيء، حدود جغرافية وفكرة. وكل ما تحويه من مؤسسات وقوانين هو في عداد النظام، نظام الدولة، لا الدولة ذاتها.
مرة أخرى، يمكن القول ان العيب ليس في التعددية في حدّ ذاتها. العيب هو التعددية الثقافية بما فيها الطائفية والإثنية خارج إطار الدولة. عندما تضع الطوائف شرطاً على الدولة فإنها تضع نفسها خارجها، تنفرد بنفسها وتعلن تساميها على الدولة. تتسامى على الدولة عندما تعتبر نفسها شرطاً لها، شرطاً لبقاء الدولة واستمراريتها. يقال عن الولايات المتحدة، إن فيها إذابة ثقافية؛ تعددية ثقافية مسموح بها. تسمح الدولة هناك بالتعددية الثقافية لان هذه تخضع للدولة وتعمل حسب شروطها. أما في الأماكن الأخرى، حيث تعتبر طائفة ما نفسها شرطاً للدولة، فإن التعددية الثقافية تصير خطراً على الدولة وعلى الانتظام العام. التعددية الثقافية شيء في إطار الدولة، وهي شيء آخر خارج اطارها. هي في الحالة الثانية مصدر خطر على الدولة وسبب لحروب أهلية متقطعة. أما في الحالة الأولى فهي مضطرة للانتظام العام لأنها تستمد شروط عملها من وجود الدولة وآليات عملها. الفرق بين الحالتين هو الفرق بين وجود دولة متماسكة او عدم وجودها. وعندما تكون الدولة متماسكة يستحيل على الطوائف ان تصنع من أنفسها »مكونات« للدولة او المجتمع.
بوجود دولة تعلو على الطوائف، تزدهر التعددية السياسية؛ يتاح لكل فرد ان يكون متعدد الهويات، متعدد الانتماءات، حرّ الاختيار في ما بينها. اما عندما تطغى التعددية الثقافية على الدولة، وتصير الطوائف مكونات للدولة والمجتمع، فإنها تلغي كل الانتماءات الأخرى سوى الانتماء للطائفة، تلغي كل الهويات الأخرى سوى هوية الطائفة، تصادر حرية الأفراد أمام تعدد الاختيارات، تصادر وعي الأفراد، تغلق العقل، وتضع الدولة أمام الأمر الواقع، تخضع الدولة وتهينها وتحط من قدرها، مع تقديم جائزة ترضية بألقاب »الرسالة« و»الفرادة« والصيغة الفذة. لا يتورع أرباب الطوائف من مؤسسي الأحزاب الطائفية عن طرح السؤال »أي لبنان نريد؟« قبل اعلان الخضوع للدولة وجعلها شرطاً لما عداها والمساهمة في الإجماع حولها.
عندما تتأسس الدولة على الدين او الثقافة او الطائفة والإثنية، وعندما تتشكل من مكونات هي جماعات طائفية وإثنية وثقافية، وعندما تتشكل لا من أفراد متعددي الخيارات، وعندما تصير التعددية الثقافية اساساً للدولة وشرطاً لها، وعندما تستولي الطوائف وأخواتها على الأفراد وتخضعهم لها، فإن الدولة ذاتها تخضع للطوائف وأخواتها؛ لا تفقد تساميها وحسب، بل تصير واحدة من منظمات المجتمع المدني، حتى ولو امتلكت جيوشاً وأسلحة نووية.
في الهند دولة أخضعت الطوائف وجعلت منها مجتمعاً سياسياً. في باكستان دولة تخضع لما عداها وتتحول بالتالي الى منظمة في عداد منظمات أخرى ويتحول في اطارها المجتمع من مجتمع مدني الى مجتمع وحشي. حادثة مومباي واحدة من الحوادث الوحشية لمجتمع فقد حالته المدنية. لا يصير المجتمع مدنياً الا بالدولة. لم نتعلم هذا الدرس في لبنان.
(كان يفترض ان يكون هذا هو الجزء الثاني من سلسلة مقالات حول التعددية الثقافية والسياسية. لكن ما حدث في مومباي يفرض نفسه اذ يرينا المآل الذي تؤدي اليه التعددية الثقافية دون إطار سياسي، أي دون التعددية السياسية). 

Defusing Ethiopia’s Latest Perilous Crisis

 الإثنين 6 تموز 2020 - 3:25 م

Defusing Ethiopia’s Latest Perilous Crisis https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/ethiopi… تتمة »

عدد الزيارات: 41,892,840

عدد الزوار: 1,185,696

المتواجدون الآن: 39