أين سيتوقّف العدوان الإسرائيلي؟

تاريخ الإضافة الإثنين 12 كانون الثاني 2009 - 5:35 م    عدد الزيارات 624    التعليقات 0

        

روبير ماللي، Le Monde

    تحوّلت الحرب في غزّة من حرب لم تكن ترغب إسرائيل ولا حماس بخوضها الى حرب يصمّم الجانبان على المضي بها. لم يكن وقف إطلاق النار الذي كان سائداً مثالياً على الإطلاق؛ فقد عانت إسرائيل خلاله من الصواريخ التي كانت تُطلق عليها بشكلٍ متقطّع، في حين كان عدّوها اللدود يستفيد من الهدنة لتقوية ترسانته.

أما حماس فكانت تعاني من حصارٍ اقتصادي قاسٍ أحبط آمالها في حكم غزة. وكان في الإمكان الوصول الى تسوية معقولة تتمثّل بوقف الإعتداءات الصاروخية من غزة مقابل فتح المعابر بين كل من غزة وإسرائيل ومصر. ولكن بسبب العلاقات غير الجيّدة بين الطرفين، وغياب الثقة المتبادلة بينهما، بالإضافة الى غياب وسيط فعّال، كانت النتيجة التي بتنا نعرفها ألا وهي حصول صراع واسع النطاق يأمل الطرفان في الإستفادة منه وتبدو لهما فوائده أكثر من الأثمان التي يتكبّدانها.

من وجهة نظر حماس، كان تمديد فترة الهدنة مفيداً ولكن فقط طالما أنها تحسن استغلاله؛ فقد سمح لها الهدوء النسبي بالسيطرة على غزة بشكلٍ أفضل، ولكن الحصار لم يُرفع أبداً، وقد وجد قادة حماس أنفسهم في وضع حرج يبرّرون فيه هدنةً لا تنفع شعب غزة في شيء. ومع اقتراب موعد انتهاء الهدنة، ارتفع عدد الصواريخ التي تُطلق، في رسالة غير ذكيّة من حماس مفادها أنّها كانت تستخدم العنف لإجبار إسرائيل على فتح المعابر. وقد صدم الردّ الإسرائيلي مقاتلي حماس لناحية توقيته وشدّته، ولكنّه لم يكن مباغتاً بالنسبة لهم، فقد كان متوقعاً.

تأمل حماس في جني المكاسب السياسيّة من هذه الخسائر الماديّة الكبيرة، فهي تعتبر أنّ النصر يعني الصمود في وجه عدوّها. وبإمكانها أصلاً أن تفتخر بنفسها كونها القوّة الفلسطينية النظامية الأولى التي تقاوم  العدوان الإسرائيلي على أرض وطنها. فبالنسبة لحركة تتغذّى بصورة الشهادة والشجاعة، فهذه فرصة يجب الإستفادة منها. أما مكانتها في الداخل وفي العالم العربي- الإسلامي، التي هزّتها أساليبها القاسية في الإستيلاء على السلطة في غزة، فستكبر بعد هذه الحرب. في حين ستتأذى صور أخصامها الفلسطينيين، أي الرئيس محمود عباس، والسلطة الفلسطينية التي تتخّذ من رام الله مقراً لها وحركة فتح. فالإجتياح البري كان متوقعاً، حتى أنّ بعض مقاتلي حماس كانوا يرجون حصوله لاعتقادهم، الخاطىء أو الصحيح، بأنّ المعارك داخل الأحياء المدنية قد تكون لصالحهم.

أما بالنسبة لإسرائيل، فكانت فترة الهدنة محط ترحيب نسبي، حتى ولو كانت مشوبة بمخاوف متعدّدة ومبرّرة؛ إذ كانت حماس خلال هذه الفترة تكدّس صواريخ طويلة الأمد، في حين بقي العريف الإسرائيلي شاليط أسيراً منذ العام 2006، واستمر إطلاق الصواريخ من غزة بشكلٍ متقطّع. كان باستطاعة إسرائيل احتمال كافة هذه الأمور، ما عدا مسألة تكثيف الإعتداءات مباشرةً قبل إنتهاء الهدنة وبعدها، فحينها، حتى أشد المعارضين لفكرة القيام بعملية واسعة النطاق أصبحوا من مؤيديها.

إذا كان من الممكن تفادي هذا الإجتياح، فإنّه ما أن بدأ حتى أصبح تقريباً قدراً محتوماً؛ فمن جهة لا يمكن تحقيق نصر عسكري بالاعتماد على الغارات الجويّة فحسب، ومن جهة أخرى، وخلافاً لما كانت عليه الحال في لبنان، يبدو النصر لإسرائيل ممكن التحقيق من خلال الحملة البرية، ذلك أنّ حركة حماس التي تفتقر للعمق الاستراتيجي ولإمكانية إعادة التسلّح أضعف من نظيرها اللبناني الذي كانت تتوفّر له كل هذه الإمكانات.

ولكن ماذا بعد؟ أين ستتوقّف إسرائيل؟ إذا كان هدفها هو القضاء على القدرة العسكرية لحماس، وتركيعها، ومنعها من إعلان إنتصارها، و إنكار تمتّعها بأي شرعيّة، فقد يكون على القوات الإسرائيلية أن تتوغّل داخل المناطق المدنية. ويبقى السؤال: من سيحكم غزة بعدها؟ وأي قوة غير الإسلاميين ستتمتّع بأدنى مستوى من المصداقية في غزة؟ بالطبع ليست السلطة الفلسطينية، التي تتراجع صورتها يوماً تلو الآخر. قد يكون من الممكن القضاء على القوة العسكرية لحماس، ولكن القضاء على حضورها الإجتماعي والسياسي القوي يعتبر ضرباً من الوهم.

إذا كان يجب إنهاء هذه الحرب قبل أن تتحوّل العملية الإسرائيلية الى مغامرة غير واضحة الأفق، أو محدّدة النتائج، وقبل أن تؤدي الى المزيد من الخسائر البشرية الواضحة للأسف فلا مناص من حصول تدخّل دولي قوي وعاجل. للأسف لا يمكننا توقّع الكثير من الولايات المتحدة، على الأقل قبل أن يتولّى باراك أوباما رسميّاً الحكم، وتبقى أوروبا، وعلى وجه الخصوص فرنسا التي تُبدي، في عهد الرئيس ساركوزي حيوية جديدة ومرحّب بها. فبنود القرار الدولي الموثوق معروفة؛ وهي الوقف الفوري للإعتداءات، يتبعه وقف نهائي لإطلاق النار، وإرسال قوة متعدّدة الجنسيات مهمّتها التحقق من الإلتزام بالقرار، واتخاذ إجراءات على الحدود المصريّة لمنع التهريب، وتأمين انفتاح غزة على كل من إسرائيل ومصر عبر آلية تشترك فيها الدول ذات الحدود المشتركة، والإتحاد الأوروبي، والسلطة الفلسطينية وحركة حماس.


قد لا يتوانى البعض عن توجيه انتقادات لهذا الحل، معتبرين أنّ فرض هدنة مباشرة وسريعة قد يخلّف العناصر التي سبق أن أشعلت الأزمة. فلنفترض أنّ ذلك صحيح وبأنّه يجب أن تلبي الهدنة النهائيّة حاجات الإسرائيليين في الموضوع الأمني، وحاجات الفلسطينيين في موضوع رفع الحصار، ولكن انتظار اتفاق الطرفين على ذلك قد ينطوي على مخاطر كبيرة، متمثّلة بالخسائر البشريّة، والأضرار السياسيّة (المتمثّلة بالنزعة للتطرّف في المنطقة، وانخفاض أسهم القوى المسماة بـ "المعتدلة" مثل محمود عباس، أو عملية السلام المزعومة.

وسينفي البعض الآخر الإعتراف بدور تلعبه حماس في غزة، ولكن ذلك متعلّق بالوقائع السياسيّة بكل بساطة. ذلك أنّ مواطني غزّة وجنوب إسرائيل لن ينعموا بالهدوء الحقيقي طالما أنّ العالم سيرفض التعامل مع الحركة الإسلاميّة، وطالما أنّ الحركة الإسلامية ترفض الإلتزام بالموجبات الدولية. وهكذا سيكون على المجتمع الدولي الإعتراف بحق حماس بممارسة سلطتها على قطاع غزة كما على أطرافه، مقابل وقف حماس لإطلاق الصواريخ وتقوية نظامها الأمني.

إنّ قصّة الأحداث في غزة على مدى السنتين الماضيتين هي قصّة فشل جماعي واضح؛ هو فشل لحماس التي فوّتت فرصة التصرّف كلاعب سياسي مسؤول، وفشل لإسرائيل التي التزمت سياسة غير واقعيّة بهدف عزل الحركة الإسلامية وإضعافها، والتي أدّت الى نتائج معاكسة تماماً، وفشل للسلطة الفلسطينيّة التي رفضت الاعتراف بالفوز الإنتخابي لخصمها وسعت الى إلغائه فانتهت بالظهور كممثلة لجزء معيّن من الشعب الفلسطيني ضد الجزء الآخر، وأخيراً فشل للمجتمع الدولي الذي فرض على حماس التحوّل الى حزب سياسي دون أن يعطيها الحوافز للقيام بهذا التحوّل، والذي لم يكتشف فوائد الوحدة الفلسطينية إلا بعد أن أمضى سنواتٍ في إعاقتها.

قد يشكّل الحوار المتعقّل مع حركة حماس والإعتراف بدورٍ لها في غزة وعند المعابر "انتصاراً" للحركة الإسلامية، بغض النظر عن حجم الدمار والخسائر التي تكبّدتها، ولكن تلك هي نتيجة الحصار غير المتعقّل الذي كان يجب ألا يكون. ومن ثمّ، إذا ساهم ذلك في وقف الهجمات الصاروخية وعودة الحياة الى طبيعتها في الجانب الإسرائيلي، قد يعتبر ذلك انتصاراً مهماً بالنسبة لإسرائيل أيضاً، وللشعبين الإسرائيلي والفلسطيني اللذين دفعا وحدهما فاتورة القتال. 
           
روبرت ماللي هو مدير برنامج الشرق الأوسط في مجموعة الأزمة الدولية International Crisis Group، والمستشار السابق للرئيس كلينتون للشؤون الإسرائيلية- العربية.

Behind the Snapback Debate at the UN

 السبت 19 أيلول 2020 - 7:32 م

Behind the Snapback Debate at the UN In mid-August, Washington notified the UN Security Council t… تتمة »

عدد الزيارات: 45,543,365

عدد الزوار: 1,334,735

المتواجدون الآن: 43