الآباء والبنون.. (الحريري)...

تاريخ الإضافة الثلاثاء 5 كانون الأول 2017 - 7:55 ص    التعليقات 0

        

الآباء والبنون.. (الحريري)...

مركز كارنيغي...مايكل يونغ

فيما يدرس سعد الحريري خياراته، ما الدروس التي يمكن أن يستخلصها من مسيرة رفيق الحريري السياسي؟

لاتزال تداعيات استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري مؤخراً، ثم تجميد قرار استقالته فور عودته إلى لبنان، مدار أخذ وردّ. لكن فهم رئيس الحكومة لمسيرة والده السياسية قد يساعدنا على توقّع خطواته المقبلة على نحو أفضل. قيل الكثير عن أن احتجاز الحريري المفترَض في الرياض قبل أسابيع قد عزّز شعبيته. بالطبع، لاشك أن الطريقة التي عومِل بها الحريري، والأسلوب المُهين للاستقالة، دفعا اللبنانيين إلى التضامن معه، لكن من غير المرجّح أن تذهب الأمور أبعد من ذلك بكثير. فالحكم على الحريري سيبقى رهناً بإنجازاته؛ ومع أن طريقة التعامل معه قد أزعجت الكثير من مناصريه، إلا أنهم لازالوا غير مرتاحين من قراره حول تطبيع العلاقات مع حزب الله. ثم، ثمة سؤال جوهري أكثر سيطارد رئيس الحكومة، وهو: ما طبيعة علاقته بالسعودية؟ مفهومٌ أن يحمل مناصروه اللبنانيون على السعودية تعسّفها وغطرستها، بيد أن هذا شيء، والقبول بأن تكون علاقة الممثّل الأبرز للطائفة السنيّة في لبنان سيّئة مع الدولة العربية السنيّة المهيمنة، شيء آخر مختلف تماماً. لذا، لاتُعدّ التوترات السعودية-اللبنانية مُطمئِنة للحريري. فهو بحاجة إلى راعٍ إقليمي، وإلا ستكون حظوظه ضئيلة في مواجهة حزب الله المدعوم من إيران وسورية. وستزداد شكوك اللبنانيين، المتمرّسين دوماً في شؤون الحكم وشجونه، باطّراد حيال الحريري الذي يقف وحيداً في مهبّ الرياح الإقليمية. لاشك أن الحريري يعي هذا الأمر، باعتبار أن والده رفيق الحريري جسّد معنى أن يحظى زعيم لبناني بدعم دولة عربية كبرى، والأهم بإجماع إقليمي. فقد كان وصول رئيس الحكومة الراحل إلى سدة الحكم ثمرة اتفاق سعودي-سوري حول لبنان العام 1990 في أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية، ما منحه هامشاً للمناورة على الصعيد الاقتصادي، في بلد كان خاضعاً آنذاك إلى الهيمنة السورية. لكن هذه التسوية قُوِّضت لسببين اثنين. الأول هو الجهود التي بذلتها سورية لتهميش الحريري بعد العام 1998 ، حين ضمنت انتخاب قائد الجيش إميل لحود رئيساً للجمهورية، ما أحدث تغييراً في الطريقة التي اتّبعتها دمشق لإدارة لبنان. فقد أنزل السوريون فعلياً قدر الحريري واستخفّوا بورقة التفاهم السعودي-السوري حول لبنان عبر محاولتهم جعل لحود قناة الاتصال الرئيسة بين سورية ولبنان، معوّلين على خلفيته العسكرية التي تخوّله أن يكون قوة موازنة للطبقة السياسية. ومن غير المستغرب أن المسؤول عن هذا التبدّل الكبير في منظومة الإدارة السورية كان المتهوّر بشار الأسد، الذي كان آنذاك في طور تسلّم زمام القيادة من والده المحتضر، ولم تربطه أي علاقة فعلية لا بالحريري ولا بالسعوديين. أما العامل الثاني الذي قوّض التسوية السعودية-السورية، فتمثّل في طريقة ردّ الحريري على الإجراءات السورية ضده، من خلال الانتخابات البرلمانية للعام 2000 ، حين حقق الحريري وحلفاؤه فوزاً كبيراً في عدد من الدوائر الأساسية، ولاسيما بيروت. وعلى حد تعبير الصحافي الراحل جوزيف سماحة بُعيد الانتخابات، "كان فوزاً كبيراً جدّاً". وقد شعر السوريون بالتهديد من جرّاء المكاسب التي حقّقها الحريري، ما أسهم إسهاماً كبيراً في جهودهم المتواصلة لترهيبه، وانتهى الأمر باغتياله في العام 2005. في خضم السياق السياسي السائد في ذلك الوقت، كان رفيق الحريري يشعر بصورة متزايدة بالوهن، وذلك وسط تمزُّق غطاء أمنه الإقليمي. كان الحريري قوياً نسبياً داخل لبنان، لكن لم يكن لذلك من أهمية، مالم تكن سلطته مستندة إلى ترتيب إقليمي. كان سبيله للتعويض عن ذلك تعزيز علاقاته الدولية، ولاسيما مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، ومحاولة إرخاء قبضة سورية على لبنان، مثلاً من خلال التأييد الهادئ لتمرير قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الرقم 1559 في العام 2004. ونصّ هذا القرار، كما هو معروف، على انسحاب القوات الأجنبية كافة المتبقية في لبنان، ولاسيما القوات السورية، ونزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية، الأمر الذي كان موجّهاً أساساً ضد حزب الله. بمجرد قيام الحريري بذلك، بدأت أركان مسيرته السياسية بالانهيار. فقد رأت إيران وسورية فيه خطراً مميتاً على النظام الذي أسستاه، واعتبرتا أن ذلك يحل محل أي اتفاق مستمر مع الرياض. وعندما بدا الحريري مستعداً لتحدّي السوريين وإلحاق الهزيمة بهم وبحلفائهم في الانتخابات البرلمانية للعام 2005، سقطت كلّ الرهانات، وكانت العواقب قاتلة بالنسبة إلى رئيس الوزراء الأسبق. لايمكن لكل ما سبق إلا أن يلقي بكلكله على كاهل سعد الحريري. فاتفاقه الضمني مع حزب الله، الذي أيّد بموجبه انتخاب مرشح الحزب ميشال عون رئيساً للجمهورية في العام الماضي مقابل تعيينه هو رئيساً للوزراء، يُعتبر مثالاً على ذلك. ومن الممكن أن يكون الحريري افترض لبرهة إمكانية تمكّنه من فرض هذا على السعوديين، لكن استقالته في 9 تشرين الثاني/نوفمبر أظهرت عكس ذلك. لقد اعتبر رئيس الوزراء أن استعداده للتوصل إلى اتفاق مع حزب الله قد يُسفر عن تفاهم سعودي-إيراني بحكم الأمر الواقع حول لبنان. لكن اليوم، مثل هذا الطموح بات أشلاءً. كل هذا يجعل الحريري حائراً حيال خياراته. إذ أن معارضته حزب الله علناً ستؤدي إلى إبطال فعالية حكومته، وتقويض قدراته على جذب المناصرين، وزيادة المخاطر الأمنية المحيطة به. أما الامتناع عن القيام بأي شيء، فسيزيد من نفور السعوديين، ويشجّعهم على قطع العلاقات معه تماماً. ومن شأن ذلك أن يجعله عاجزاً، بغض النظر عما إذا كان يكسبه مقبولية في بلده الأم. فالمقبولية من دون نفوذ سياسي لا فائدة منها. إذن، انطلق السباق لإيجاد صيغة تقنع السعوديين بوقف جهودهم الرامية إلى زجّ لبنان في حملتهم المناهضة لإيران. قد لايكون للبنانيين اعتبار كبير لدى السعودية، لكن هذه الأخيرة حساسة إزاء الرفض الدولي لرؤية لبنان ينجرّ إلى صراع السعوديين مع طهران. مع ذلك، فالأخبار بالنسبة إلى سعد الحريري غير مطمئنة، وتتصدّر قائمة أولوياته إعادة بناء علاقته مع الرياض وكسب بعض النفوذ محلياً. كما لابدّ من أن الحريري، في لحظاته الأكثر هدوءاً، يحلم بمصالحة إيرانية-سعودية. لكن المستقبل بات في الوقت الراهن غير واضح. وبالطبع لابدّ من أن والده واجه لحظات صعبة مماثلة.

 

Resuming Civic Activism in Turkey

 السبت 16 كانون الأول 2017 - 6:59 ص

  Resuming Civic Activism in Turkey   http://carnegieendowment.org/2017/12/13/resuming-civi… تتمة »

عدد الزيارات: 5,884,919

عدد الزوار: 188,574

المتواجدون الآن: 16