سيـاســة خارجيـة إستبـاقيـة للبنـان: قـواعـد حيـاد إيجـابـي

تاريخ الإضافة الثلاثاء 2 كانون الأول 2008 - 6:58 ص    عدد الزيارات 528    التعليقات 0

        

أ - حول السياسة الخارجية
 

1- غالباً ما كانت مسائل السياسة الخارجية أو مسائل علاقات لبنان بمحيطه الخارجي لناحية تحديد الأولويات وتخصيص الموارد، بمثابة الشرارة التي تطلق أزمات خطيرة في البلاد.
2- يُعرَّف عادةً عن خيارات السياسة الخارجية بأنها مسائل مرتبطة بالهوية وتحدّدها الهيكلية المذهبية ومنطق الطائفية السياسية في لبنان.
3- في المناخ السياسي الطائفي جداً في البلاد، لم يتطوّر ما يمكن تسميته بمنطق الدولة من أجل وضع السياسة الخارجية وتحديد أولويات التحرك، أي لناحية ربط الأهداف بالإمكانات.
4- الديموقراطيات التوافقية أو الديموقراطيات المنظّمة حول الخطوط المذهبية مثل لبنان وكما يجري تنظيم العراق حالياً، تولّد تشنّجات وشللاً عندما تواجه البلاد تحديات. تنتج الدول الضعيفة ذات المجتمعات المنقسمة إنما الحيوية سياسات خارجية تتنافس في معظم الأحيان مع السياسات الخارجية التي تطبّقها أحزاب أو مجموعات سياسية مذهبية تملك قدرة كبيرة على إحباط السياسة الخارجية الرسمية أو تحويلها ممارسة ديبلوماسية شكليّة وعقيمة. وتجد الدولة أحياناً نفسها في وضع غير مريح يفرض عليها إدارة السياسات الخارجية المختلفة للفاعلين المحليين أو محاولة التنسيق بينها. وكان أحد التحديات الأساسية المطروحة على السياسة الخارجية اللبنانية كي لا تفقد صدقيتها في مراحل الأزمات، محاولة إيجاد أرضية مشتركة بين سياسات الفاعلين المحليين المتنافسين، بين من أرادوا أن يكون لبنان مثل هانوي ومن أرادوا أن يكون مثل هونولولو أو بحسب العبارة المألوفة في المصطلحات اللبنانية، مثل سويسرا، لناحية الحياد في السياسات. غير أن لبنان تحوّل ملعباً وصندوق بريد وحلبة صراع للفاعلين الإقليميين والدوليين في مواجهاتهم بمختلف أشكالها.

 

ب - حول المحيط الخارجي
 

نعيش حالياً في نظام إقليمي معتلّ. أصبح الشرق الأوسط محط تركيز السياسات العالمية بعد 11 أيلول إنما في شكل خاص بعد اجتياح العراق. ويتحوّل منطقة ذات مستوى عالٍ من التشنّجات، منطقة عرضة للنزاعات. والسمات الأساسية لهذا الاعتلال الإقليمي الناشئ هي على الشكل الآتي:
1- هناك تروما ما بعد العراق التي ترسل موجاتها الارتدادية عبر الشرق الأوسط بأكمله وتولّد نوعاً من عدم الاستقرار واللاتوازن المزمنَين في المنطقة. من الصعب جداً لا بل من التبسيطي أن نتخيّل بروز أي نظام شرق أوسطي وكذلك نظام إقليمي فرعي خليجي من دون الإجابة مسبقاً عن السؤال الآتي: أي عراق سيرى النور في هذا النظام وما هو الشكل الذي سيكون عليه؟ يبدو الآن أننا ما زلنا بعيدين عن معرفة ما سينقشع عنه الغبار في العراق وكيف ستعود الأمور إلى طبيعتها من جديد. غير أن إعادة تنظيم العراق انطلاقاً من النموذج الطائفي اللبناني سوف تولّد حكماً تشنّجاً وعدم استقرار طويلَي الأمد ومتكرّرَين نظراً إلى الدرجة العالية من الهشاشة التي هي جزء لا يتجزأ من هذه المنظومات السياسية.
2- أدّى اجتياح العراق وتطورات الوضع السياسي بعد الحرب، حيث جرى تنظيم السياسة حول خطوط مذهبية وإتنية مما ولّد درجة عالية من العنف، دوراً كبيراً في إضفاء الطابع المذهبي القوي على سياسة الشرق الأوسط، مما خلق جروحاً مذهبية جديدة وأيقظ جروحاً أخرى قديمة عبر استحضار بعض الأمثلة التاريخية إلى الجسم السياسي الحالي في الشرق الأوسط. ظهرت خطوط جديدة من التصدّعات وأشكال جديدة من التحالفات والتضامنات المستندة إلى الهوية وترسّخت داخل الدول وبينها. كما أن الفشل في بناء الدولة القومية ما بعد الكولونيالية في العديد من المجتمعات المتعددة المذهب و/أو الإتنية، بعبارة أخرى الفشل في بناء هوية وطنية ليس فقط على مستوى الخطاب الإيديولوجي إنما أيضاً على مستوى عمل المجتمع في ذاته، هوية تسمو فوق الروابط البدائية - هذا الفشل إلى جانب التأثيرات والتدخلات من القوى الإقليمية الخارجية وبعض السياسات الإقليمية شجّع بصورة مباشرة أو غير مباشرة التفكك في مجتمعات هشة ومنقسمة أصلاً. والعراق خير مثال في هذا السياق.
3- يمارس فاعلون غير دولتيين مثل "حماس" و"حزب الله" والفصائل العراقية والفلسطينية المختلفة، دوراً وتأثيراً متزايدَين في تحديد أجندة السياسة الإقليمية أو التأثير فيها. ويعود هذا في شكل أساسي إلى ضعف دور الدولة ونفوذها إذ تشلّها مشكلات المشروعيات السياسية في الداخل والضغائن السياسية في المنطقة والقتال الذي يعطّل قدرة الدولة على تقديم أداء ناجح وتأدية دور أساسي في تسوية النزاعات أو حل المشكلات في مرحلة تتفشى فيها الأزمات والتشنجات والنزاعات.
4- لقد نُزِع الطابع العربي عن النظام الإقليمي؛ اي إنه لم يعد هناك قدرة تحرك عربية شاملة تكون وليدة جهود مشتركة ومتبادلة وقوية بما يكفي للتأثير في وضع الأجندة الإقليمية وصوغها وكذلك في تطبيقها الناجح، وذلك منذ انهيار الترويكا الشهيرة أي علاقة التفاهم والتعاون بين سوريا ومصر والسعودية التي كانت تؤدّي دوراً كبيراً جداً في صوغ السياسات الإقليمية وإدارة الأزمات.
لقد حلّت مكان التفاهم العربي حرب باردة عربية تذكّر بالستينات من دون الحماوة الإيديولوجية التي طبعت ذلك العقد. أصبح للفاعلين غير العرب رأي أكبر في المسائل الإقليمية.
5- الطبيعة تكره الفراغ، والطبيعة السياسية تكره الفراغ السياسي كثيراً. يفسّر هذا إلى حد كبير الدور المتعاظم للفاعلين الإقليميين غير العرب مثل إيران وتركيا، الأمبراطوريتَين الإقليميتين السابقتين اللتين تبحثان عن دور ينسجم مع إمكاناتهما ومصالحهما ويطلبه فاعلون عرب مختلفون بصورة مباشرة أو مبطّنة في لعبة توازن القوى الإقليمي.
6- محور المواجهة الاستراتيجي الأساسي في المنطقة هو المحور الأميركي-الإيراني. فهو يصوغ الأجندة الإقليمية ويؤثّر في الأزمات عبر تعقيد التسوية في بعض منها أو زيادة تعقيداتها، أو التسبّب بتفاقم التشنّجات في البعض الآخر على الرغم من وجود حالات من التعاون الكامن والجزئي أو التفاهم حول سير بعض الأزمات أو تطورها في مرحلة معينة. ومجدداً العراق هو خير دليل على هذا النموذج، وكذلك أفغانستان.
7- لقد هُمِّشت الديبلوماسية في الصراع العربي - الإسرائيلي بسبب الاهتمام بمسائل أكثر إلحاحاً أو بالأزمات المشتعلة، إنما وفي شكل خاص بسبب إرادة سياسية أميركية بوضع المسألة على الرف والتعاطي معها إذا لزم الأمر وعند الضرورة، على أنها مشكلة تتعلّق بغياب الديموقراطية أو غياب الإصلاحات داخل الجسم السياسي والوطني الفلسطيني، وفي ذلك تشويه لجوهر المشكلة برمته.
8- قد تكون لنزاعات الشرق الأوسط أسباب مستقلة في ذاتها إلا أنها رهينة بعضها البعض وأسيرة حالة من التكافل والتداخل الشديدين في تطورها الديناميكي.

 

حول لبنان
 

لطالما كانت الطائفية تفرض شروط اللعبة في لبنان وتشكل الأداة المنظِّمة للسياسة الوطنية. وإدخالها العنيف أو إحياؤها في سياسة الشرق الأوسط، (بحسب نظرة الشخص إلى المسألة وهناك حقيقة في وجهتَي النظر على السواء) من خلال العراق والدور المتعاظم لإيران ونظرة العديد من الفاعلين العرب إليه وكذلك التأثير والانتشار المتزايدَين للآراء الدينية المتطرّفة في العالم الإسلامي، كلها عناصر زادت من حدة الطائفية في المجتمع اللبناني، وحفّزت تالياً مزيداً من التعصب وإعادة الهيكلة السياسيَّين في هذا المجتمع انطلاقاً من الاصطفافات المذهبية مع تعميق خطوط التصدّع على أساس الولاءات المذهبية. وفي حين تعاظمت الطائفية في لبنان، من الدراماتيكي أن الفاعلين السياسيين والاجتماعيين غير الطائفيين الذين كانوا ناشطين في البلاد، أصبحوا أضعف بكثير مما كانوا عليه قبل الحرب، مما أخلى الساحة عملياً وفي شكل كامل أمام السياسات الطائفية وتالياً أمام أشكال جديدة من الاستقطاب تؤدّي في معظم الأحيان إلى شلل الدولة واختلال وظيفتها. تتحوّل الدولة أكثر فأكثر فيديرالية أمر واقع مؤلّفة من قوى طائفية تتمتّع بسلطة فيتو قوية. وإزاء هذا الوضع، بات لبنان أشدّ استقطاباً للتدخلات والتأثيرات الخارجية إلى درجة أن السياسة المحلية تتحوّل بصورة متزايدة مرآة للسياسات، في المحيط الخارجي للبنان سواء كانت خلافية أو تعاونية. وهكذا بات لبنان يؤدّي أكثر فأكثر وظائف المرآة والملعب وصندوق البريد. ومن المفيد أن نتذكّر في هذا الإطار الوصف الصائب جداً الذي أعطاه أمين عام الجامعة العربية، عمرو موسى، لهندسة الصراع اللبناني. فقد قال إن الصراع أشبه بمبنى من اربع طبقات، الطبقة الأولى هي الصراع اللبناني، والثانية هي الصراع العربي، والثالثة هي الصراع الإقليمي، والرابعة هي الصراع الدولي. وأضيفُ إلى هذا الوصف المصعد الذي يجب التنقّل فيه باستمرار بين طبقات المبنى الأربع لمحاولة تسوية هذا الصراع الرباعي البعد.
ما هي السيناريوات الإقليمية المحتملة الثلاثة التي من شأن كل واحد منها أن يمارس تأثيراً مختلفاً على لبنان؟
1- سياسة التزام مزدوج من جانب الإدارة الأميركية الجديدة حيال سوريا وإيران. وهي سياسة قد تُطبَّق في زمنَين مختلفين، بعبارة أخرى بسرعة أكبر على المسار السوري منها على المسار الإيراني. من شأن سياسة الالتزام المزدوج أن تقود إلى مقاربة شاملة لتسوية الأزمات في المنطقة. ومجدداً قد يقود ذلك إلى احتمالَين؛ الأول هو مصدر قلق دائم لعدد كبير من اللبنانيين بسبب السوابق الكثيرة. إنه نوع من "الصفقة الكبرى" حيث يكون لبنان جزءاً من الأطايب التي يجري تبادلها. أما الاحتمال الثاني فهو اتفاق شامل لتسوية النزاعات يأخذ في الاعتبار المخاطر الملازِمة للدروس السابقة التي أسفرت عن خلق ضحايا جدد أو وضع غير مستقر، ويحاول من هذا المنطلق تسوية كل أزمة ونزاع على حدة وبحسب معطياته الخاصة فيولّد ظروفاً تتيح إرساء الاستقرار المشروع وتالياً الدائم. سوف تجعل التغييرات في لبنان والمنطقة، الصفقة الكبرى أقل قابلية للتطبيق. وهكذا إذا كان لبنان قد دفع في السابق ثمن حروب الآخرين من دون أن يتملّص من تحمّل جزء كبير من المسؤولية في تلك الحروب التي دارت على أراضيه وخاضها أبناؤه، فمن شأنه إذاً أن يفيد من سلام الآخرين.
2- استمرار سياسة الاحتواء الأميركي، إنما على الأرجح على مستوى أدنى من التوتّر أو في إطار من التوتر الديناميكي. من شأن ذلك أن يُبقي لبنان في حال من التوتر والترقّب المستمرَّين. بعبارة أخرى، قد تبقى الدولة معلَّقة أي إنها قد تُضطر إلى الاستمرار في انتظار أزمنة أفضل كي تستعيد في شكل كامل وظائفها ودورها كدولة طبيعية.
3- سياسة مواجهة تقود إلى وضع إقليمي فوضوي، ومن شأنها أن تكون خطرة للغاية بالنسبة إلى لبنان بصفته ملعباً هشاً ومحتملاً للمواجهة أو للتداعيات الناجمة عنها.
إذا فاز أوباما في الانتخابات الأميركية كما هو متوقّع، فعلى الأرجح أن الشرق الأوسط سيتّجه نحو الاحتمال الأول. وسوف تكون السنة الأولى بعد بوش أساسية في هذا الإطار. [ألقيت المحاضرة قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية].

 

أي سياسة خارجية؟
 

يحتاج لبنان إلى سياسة خارجية استباقية بدلاً من سياسة خجولة قائمة على رد الفعل. ويكمن التحدي عند مستوى وضع رؤية لهذه السياسة وليس عند مستوى تطبيقها. في الواقع، السياسة الخارجية هي بالنسبة إلى البلدان الصغيرة، ولا سيما تلك التي يجعلها وضعها الجيوستراتيجي هشة إلى أقصى الحدود أمام التطورات الخارجية، مسألة صمود وحفاظ على الذات. كلما كان البلد أصغر، أصبح تركيزه على السياسة الخارجية أكثر أهمية.
يجب أن تشكّل خمس مسائل مجالات الأولوية في السياسة الخارجية اللبنانية.
1- تحديد قواعد الاشتباك في سياق الصراع اللبناني - الإسرائيلي. حالياً ثمة حاجة إلى التوفيق بين منطق الدولة الذي يجب أن يسود من منطلق مبدئي، ومنطق المقاومة. يجب أن يُدمَج المنطق الثاني في الأول على المستوى الاستراتيجي وكجزء من تعزيز قدرة الدولة الدفاعية/الرادعة. وفي هذا السياق، إحدى المسائل المهمة التي تجب معالجتها هي تحديد الخط الفاصل بين ضبط النفس أمام الاستفزاز عند وقوعه من جهة وطبيعة الرد وتوقيته من جهة أخرى. يجب أن تبقى حرية التحرك التكتيكية للمقاومة جزءاً من الاعتبارات الاستراتيجية للدولة. ويجب أن نتذكّر أيضاً أن السياسة الخارجية الاستباقية هي جزء أساسي من تعزيز القدرة الرادعة الإجمالية للبلد، مما يجعل أي اعتداء مكلفاً لإسرائيل من الناحية الديبلوماسية. يجب أن تبقى نقطة التركيز في سياستنا الخارجية ما هو السبيل للسير على طريق تطبيق قرار مجلس الأمن 1701، مما يرسّخ ظروف وقف الأعمال الحربية من أجل الانتقال لاحقاً إلى وقف النار، وهي مهمة غير سهلة بالتأكيد في السياق الإقليمي الحالي، إذ إن الجنوب هو جزء من محور المواجهة المختلف في المنطقة. ويجب أن يكون التركيز الأقصى لسياستنا العمل من أجل فرض الاحترام الكامل لاتفاق الهدنة لعام 1949، وتالياً إعادة الأمور إلى طبيعتها وإرساء الاستقرار في الجزء المحرّر من جنوب البلاد بموجب القرار 1701. بعبارة أخرى، من المهم أن يصبح إغلاق هذا الممر المسبِّب للنزاعات والتوترات، أمراً ضرورياً بالنسبة إلى كل الأفرقاء، ولا سيما الفاعلين النافذين، المهتمين بالتوصل إلى تسوية شاملة وعادلة للصراع العربي - الإسرائيلي. حالياً هناك أربعة سيناريوات محتملة قد تهدّد تطبيق القرار 1701 ومعه الاستقرار الإقليمي على الأرجح. وهي:) تصعيد غير متعمّد وغير مضبوط يؤدّي إلى الحرب، و2) قرار إسرائيلي بشن حرب وقائية و/أو بديلة من حرب ضد إيران، و3) من شأن قرار يتّخذه "حزب الله" في مخاطرة مدروسة بدقة في طبيعتها، لتنفيذ عملية محدودة كجزء من استراتيجيا للتذكير المتعمّد بالاستاتيكو غير المقبول، أو رد فعل على استفزاز إسرائيلي أو انتقام لاغتيال عماد مغنية، أن يتحوّل تصعيداً أو انتقاماً إسرائيلياً واسع النطاق يقود إلى الحرب، و4) انتشار النيران الإقليمية إذا اندلعت حرب أو نزاع في مكان آخر في المنطقة، أو اشتداد الحماوة في أزمة إقليمية، وفي الحالتين يمكن أن تصل التداعيات إلى الجنوب. لهذه الأسباب، من المهم للغاية إغلاق هذا الممر.
2- في ضوء القرار السوري المنتظر لإقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان، الأمر الذي يشكّل بادرة نفسية ورمزية مهمة بالنسبة إلى عدد كبير من اللبنانيين، ويزيل تالياً عائقاً يقف في طريق تطبيع العلاقات بين البلدين اللذين يفرض عليهما التاريخ والجغرافيا إنما في شكل خاص السوسيولوجيا، أن يكونا على علاقة مميّزة، من المهم للغاية إعادة النظر في السبيل إلى إعادة بناء العلاقات بين البلدين. التحدي أو المهمة الأولى الملقاة على عاتق البلدين هي التحلي بالشجاعة لتقويم العلاقات الماضية أو الأداء في العلاقات في مقاربة نقدية لأخذ العبَر بشأن المسار الذي يجب تفاديه في المستقبل، حتى ولو بدا هذا المسار أحياناً جذاباً ومغرياً، والتحدي الثاني هو إنشاء مجموعة غير رسمية للتفكير الاستراتيجي من أجل التفكير في المستقبل ووضع اقتراحات حول العلاقات من دولة إلى أخرى على الرغم من الاختلافات في الوضع بين البلدَين على مستوى الدولة والتي قد تشجّع البعض على البحث عن وسائل أخرى لإقامة العلاقات.
 غير أن التجربة السابقة، وعند التمعّن جيداً فيها، يجب أن تثني المعنيين عن مثل هذه المحاولات التي تتّخذ شكل الدعوة من فاعلين في المجتمع السياسي اللبناني إلى الدولة السورية لتطوير علاقات بديلة من العلاقات من دولة إلى أخرى. وإحدى المهمات الأساسية في السياسة الخارجية اللبنانية هي التمييز بين المصالح الحيوية المتعلقة بالمسائل الأمنية والانخراط المباشر في ديبلوماسية الصراع العربي - الإسرائيلي من جهة، والمصالح الثانوية من جهة أخرى، والعمل مع سوريا من أجل التعاون والتنسيق عن كثب في المجموعة الأولى من المصالح، والقبول، وهذا مطلوب من سوريا في شكل أساسي، بأنه عند حصول اختلاف في وجهات النظر بين البلدين حول المجموعة الثانية من المصالح، هناك سبل لإدارة هذا الاختلاف والتعايش معه من دون تهديد المصالح الأمنية الحيوية للبلدين. والمسألة المهمة الأخرى هي وجوب تحرير هذه العلاقات من الشعارات الكثيرة التي تلقي بثقلها عليها وتشلّها والتي هي في معظم الأحيان عبارات فارغة من أي مضمون ملموس أو أي توجّه جدي لتطوير العلاقات.
العلاقات المميّزة تُبنى دائماً بصورة تدريجية من الأسفل ولا تُفرَض دفعة واحدة من الأعلى، مع أنها تحتاج إلى زخم من الأعلى.
 تكمن المفارقة في العلاقات اللبنانية السورية في امتلاكها قدرة كبيرة جداً على التطور بصورة هائلة في العديد من الميادين، الأمر الذي من شأنه أن يولّد بنى تحتية بشرية ومادّية شاملة لبناء علاقات مميزّة وراسخة بالاستناد إلى المصالح المتوازنة والمشتركة على أن تكون مصالح واضحة وملموسة يشعر بها الجمهور الواسع في البلدين. لكننا لا نزال بعيدين جداً عن سلوك هذا المسار. فقد اقتصرت العلاقات في الماضي على تحقيق مصالح حزبية ضيّقة بالاستناد إلى المحسوبيات السياسية في لبنان، وامتدّ الهوس الأمني إلى ميادين لا علاقة لها بالمصالح الأمنية الحيوية للدولة. إذا كانت سوريا قد استعملت مقاربة وضع اليد على لبنان، فلا بد للبنانيين من أن يقرّوا بأنهم تنافسوا على جرها إلى هذه اللعبة أو بالأحرى الفخ. يكمن التحدي الكبير اليوم في إعادة إرساء علاقات طبيعية بين البلدين وتحويلها تدريجاً علاقات مميّزة عبر بناء مصالح مشتركة ومتبادلة في العديد من المجالات، الأمر الذي من شأنه أن يمنح مشروعية لطبيعة العلاقات المميّزة في عيون الرأي العام مع تفادي كل من البلدَين إغراء السعي إلى الإفادة من تغيير محتمل في البيئة الخارجية في مرحلة معيّنة من الوقت، والذي قد يستعمله أي منهما لتسجيل نقاط ضد الآخر. يجب أن نتفادى النموذجَين المعروفَين، أي تسليم لبنان إلى سوريا أو تأليبه عليها. هذا هو التحدّي الأساسي المطروح على لبنان وسوريا معاً.
-3 يجب أن توضَع العلاقات المميّزة التي سيجري بناؤها مع سوريا في إطار سياسة خارجية قائمة على العلاقات المتوازنة في العالم العربي. ويجب أن تكون إحدى الركائز الرئيسة في السياسة اللبنانية بناء علاقات قوية مع فاعلين عرب أساسيين يُعتبَر دعمهم جوهرياً من نواحٍ عدة، وهكذا يجب ألا يضع لبنان نفسه في موقع يهدّد هذه العلاقات. في هذا السياق، يتعيّن على لبنان أن ينشط دائماً في تشجيع الإجماع العربي والعمل على بنائه وترسيخه، وأن يظل منسجماً مع هذا الإجماع ويحميه ويدافع عنه جهاراً. ويجب ألا يكون لبنان على الإطلاق منصة تُستعمَل ضد سوريا في أي استراتيجيا تهدف إلى احتوائها، كما يجب ألا يقبل بأن يكون مجرد ورقة في سياسة مواجهة إقليمية مع بلدان عربية أخرى. يجب أن يكون هذا جوهر سياسته السورية والعربية. فضلاً عن ذلك وبغض النظر عن الخيارات الإيديولوجية أو السياسية، من مصلحة لبنان أن يبني علاقات ناشطة ومتوازنة مع القوتين الإقليميتين غير العربيتين، تركيا وإيران، اللتين تؤدّيان دوراً يزداد أهمية في السياسة الدولية للمنطقة.
-4 لطالما كان لبنان الفاعل الأكثر تأثّراً والأقل تأثيراً في منظومة الصراع العربي الإسرائيلي في أزمنة الحرب والأزمات والديبلوماسية المتعثّرة. إذا كانت إحدى الركائز الأساسية في ديبلوماسيتنا هي، ويجب أن تبقى، أن لبنان هو آخر دولة عربية توقّع معاهدة سلام مع إسرائيل، من حق لبنان ومصلحته أيضاً ألا يكون الطرف الأخير الذي لا يزال عالقاً في اشتباك عسكري مفتوح ومستمر مع إسرائيل يستنزف مقدّرات البلاد. بالتأكيد، ليس البديل من هذا السيناريو إبرام اتفاق أو سلام منفصل مع إسرائيل، بل هو تطبيق سياسة تهدف إلى فرض شروط الهدنة وترسيخها في انتظار أن يجري التفاوض على السلام بحسب الشروط المقبولة من العرب وكما هو منصوص عليه في مبادرة السلام العربية. يجب أن تنشط الديبلوماسية اللبنانية في السعي إلى الحصول على دعم حقيقي من الأفرقاء النافذين على الساحة العربية والإقليمية والدولية من أجل تحقيق هذا الهدف. وبناءً عليه يجب أن يكون أحد المكوّنات الأساسية في سياسة لبنانية استباقية في هذا السياق استخدام الديبلوماسية اللبنانية عنصراً فعّالاً لترويج مبادرة السلام العربية والسلام الشامل الذي يعود بالفائدة الأكبر على لبنان، في مسعى دؤوب يستعين بالديبلوماسية العامة ويستهدف الفاعلين الرسميين وغير الرسميين على الساحة الدولية، وفي شكل أساسي صنّاع الرأي والمؤثّرين في السياسات.
-5 ينبغي على لبنان أن يضع ديبلوماسية متعدّدة البعد، أي ديبلوماسية تسعى، إلى جانب كونها موجّهة إلى القوى والدول الأساسية، إلى أن يكون لها حضور فاعل في المحافل والمؤتمرات المتعددة الطرف التي تعمل على وضع قواعد سلوك جديدة للنظام العالمي الناشئ في بعض المجالات، كما تعمل على رفع التحديات العالمية المشتركة ومحاولة وضع سياسات مشتركة حول ما يُعرَف بمسائل المنافع الجماعية. إن ثلاثية الحضور والنشاط والتوافر، إلى جانب الانخراط الفعّال في الشؤون العالمية ولا سيما في المسائل التي تحظى بدعم دولي واسع النطاق، هي شروط ضرورية للحصول على سياسة خارجية ناجحة ومفيدة وطنياً. كما أنها توفّر القوة الناعمة لديبلوماسية دولة صغيرة مما يجعل دور تلك الدولة وتالياً أمنها ورفاهها مصلحة أساسية بالنسبة إلى المجتمع الدولي. والسعي إلى تحقيق الحد الأقصى من الأمن والرفاه هو أيضاً تحدٍّ أساسي بالنسبة إلى بلد صغير ذي وسائل محدودة جداً وموجود في بيئة خطرة.
في الختام، قد يقول البعض إنه مجرد تفكير بالتمني. أدرك أنها مهمة شاقة وتحدٍّ أساسي لكن يمكننا أن ننجح في رفعه لأننا نملك المحفزات اللازمة للقيام بذلك بعد كل ما عانيناه طوال سنوات من الحروب والنزاعات، ولأننا نحتاج إلى طي الصفحة على تاريخ من الصراعات الدولية واستقطاب النزاعات إنما أيضاً لأننا نملك الوسيلة المطلوبة كي ننجح، أي القوة الناعمة، شرط أن نستخدمها بحكمة.

 

ترجمة نسرين ناضر


نص قُدّم في مؤتمر عُقِد بدعوة من مركز الدراسات اللبنانية في اوكسفورد.

ناصيف حتي     
(مدير مكتب جامعة الدول العربية في باريس)   

The Arab Spring a decade on

 السبت 16 كانون الثاني 2021 - 7:47 م

The Arab Spring a decade on Ten years ago, in mid-January 2011, Tunisians pushed President Zine e… تتمة »

عدد الزيارات: 54,046,631

عدد الزوار: 1,647,008

المتواجدون الآن: 51